قال الرافضي ص ١٨٩ ضمن ذكره الأحاديث التي زعم أنها توجب اتباع أهل البيت:
«٢ - حديث السفينة قال رسول الله ﷺ: (إنما مثل أهل بيتي فيكم، مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق).
(إنما مثل أهل بيتي فيكم، مثل باب حطّة في بني إسرائيل، من دخله غفر له).
وقد أورد ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة هذا الحديث ثم قال: ووجه تشبيههم بالسفينة: أن من أحبهم وعظمهم، شكرًا لنعمة مُشَرّفهم وأخذًا بهدي علمائهم، نجا من ظلمات المخالفات، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان».
قلت: هذان الحديثان لا يصحان، وادعاء المؤلف صحتهما عند أهل السنة كذب عليهم، كما هي طريقته، وطريقة سلفه من الرافضة، في إيرادهم المنكرات المتفق على وضعها أو ضعفها بين العلماء وادعاء صحتها، عند أهل السنة فلعنة الله على الظالمين الكاذبين.
قال شيخ الإسلام عن الحديث الأول، في رده على الرافضي في منهاج السنة: «وأما قوله: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح): فهذا لا يعرف
[ ٤١٥ ]
له إسناد صحيح، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها، فإن كان قد رواه مثل من يروي أمثاله من حطاب الليل، الذين يروون الموضوعات فهذا يزيده وهنًا». (^١)
قال الذهبي: في ترجمة مفضل بن صالح (رواي هذا الحديث): «قال ابن عدي: أنكر ما رأيت له حديث الحسن بن علي، وسائره أرجوأن يكون مستقيمًا. قلت: وحديث سفينة نوح أنكر وأنكر». (^٢)
وقال ابن كثير بعد إيراده للحديث: «هذا بهذا الإسناد ضعيف». (^٣)
كما حكم بضعفه العلامة محمد ناصر الدين الألباني في ضعيف الجامع. (^٤)
وكذا الشيخ مقبل الوادعي في رياض الجنة حيث قال: «فيه سويد بن سعيد، وهو ضعيف، وحنش وهو ابن المعتمر وهو أضعف منه، ومفضل بن صالح وهو منكر الحديث». (^٥)
وأما الحديث الثاني: فقد حكم العلماء بضعفه لجهالة رواته، قال عنه الهيثمي: «رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم». (^٦)
ومع هذا فلو ثبت الحديثان لما كان للرافضة حجة فيهما، فإن أهل بيت النبي ﷺ من أبعد الناس عن عقيدتهم. وأقوالهم في ذمهم والبراءة منهم ومن عقيدتهم مشهورة، وقد تقدم نقل طرف منها فيما مضى من البحث. (^٧)
_________________
(١) منهاج السنة /٣٩٥.
(٢) ميزان الاعتدال ٤/ ١٦٧، وانظر: تضعيف الذهبي له أيضًا في التلخيص مع المستدرك ٣/ ١٦٣.
(٣) تفسير ابن كثير ٤/ ١١٤.
(٤) انظر ضعيف الجامع الصغير رقم ١٩٧٤.
(٥) رياض الجنة في الرد على أعداء السنة ص ٢١٣.
(٦) مجمع الزوائد ٩/ ١٦٨.
(٧) انظر: ص ١١٢ - ١١٩.
[ ٤١٦ ]
وأما كلام ابن حجر الهيتمي فهو توجيه لمعنى الحديث لو ثبت، فإذا تقرر عدم ثبوت الحديث، فلا حجة فيه وحكمه حكم كلام غيره من العلماء معروض على النصوص، فما وافقها فهو حق مقبول، وما خالفهما فهو خطأ مردود. على أن ابن حجر من أشد الناس على الرافضة، وكتابه الصواعق المحرقة -الذي جاء هذا النص فيه- هو في الرد عليهم وعلى غيرهم من الزنادقة، وهذا يدل أنه مع تقريره وجوب المتابعة لأهل البيت، لم يقصد تصحيح معتقد الرافضة، بل كان يعلم براءة أهل البيت منه، وإنما هو في الحقيقة انتصار لعقيدة أهل السنة، الذين هم على عقيدتهم ولا يتميزون عنهم بشيء في دينهم.
[ ٤١٧ ]