قال الرافضي ص١٩١ «٣- حديث من سره أن يحيا حياتي.
قال رسول الله ﷺ: (من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليًا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي) .
وهذا الحديث هو كما نرى من الأحاديث الصحيحة، التي لا تقبل التأويل، ولا تترك للمسلم أي اختيار، بل تقطع عليه كل حجة، وإذا لم يوال عليًا، ويقتد بأهل البيت عترة رسول الله ﷺ، فهو محروم من شفاعة جدهم رسول الله، وتجدر الإشارة هنا: بأنه خلال البحث الذي قمت به شككت في البدء في صحة هذا الحديث، واستعظمته لما فيه من تهديد ووعيد لمن كان على خلاف مع علي وأهل البيت، وخصوصًا أن هذا الحديث لا يقبل التأويل، وخفت الوطأة عندما قرأت في كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني بعدما أخرج الحديث قوله: «قلت في إسناده يحيى بن يعلي المحاربي وهوواه» وأزال
ابن حجر بهذا القول بعض الإشكال الذي علق بذهني إذ تصورت أن
يحيى بن يعلي المحاربي هو واضع الحديث، وهو ليس بثقة، ولكن الله ﷾ أراد أن يوقفني على الحقيقة بكاملها، وقرأت يومًا كتاب: (مناقشات عقائدية في مقالات إبراهيم الجبهان) .
[ ٤١٨ ]
وأوقفني هذا الكتاب على جلية الحال إذ تبين أن يحيى بن يعلي المحاربي هو من الثقات الذين اعتمدهم الشيخان مسلم والبخاري، وتتبعت بنفسي فوجدت البخاري يخرج له أحاديث في باب غزوة الحديبية من جزئه الثالث في صفحة عدد ٣١، كما أخرج له مسلم في صحيحه في باب الحدود من جزئه الخامس في صفحة عدد ١١٩
وعرفت بعد ذلك أن بعض علمائنا يحاولون جهدهم تغطية الحقيقة، لئلا ينكشف أمر الصحابة والخلفاء الذين كانوا أمراءهم وقدوتهم».
وجوابه: أن ما ادعاه من صحة الحديث فكذب، والمرجع في الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف هم جهابذة هذا العلم من أهل السنة والجماعة، أهل الصدق والورع، لا هذا الرافضي الجاهل الأفاك وهذا الحديث قد حكم العلماء بضعفه بل بوضعه.
قال ابن منده: «لا يصح». (^١)
وقال الذهبي في التلخيص معلقًا على كلام الحاكم في حكمه
بصحة الحديث: «أنى له الصحة، والقاسم بن أبي شيبة متروك وشيخه ضعيف، واللفظ ركيك، فهو إلى الوضع أقرب». (^٢)
كما حكم العلامة محمد ناصر الدين الألباني على الحديث بالوضع في سلسلة الأحاديث الضعيفة (^٣)، وبهذا يظهر كذب المؤلف في ادعائه صحة الحديث عند أهل السنة.
وأما ادعاء الرافضي بأن يحيى بن يعلي المحاربي قد روى هذا الحديث، وأن ابن حجر ضعفه ليرد الحديث، ويخفي الحقيقة، مع أن يحيى بن يعلي المحاربي هو من رجال الشيخين، وأخرجا له عدة أحاديث في الصحيحين.
_________________
(١) نقله عن ابن منده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/ ٣٥.
(٢) التلخيص مع المستدرك ٣/ ١٣٩.
(٣) ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٩.
[ ٤١٩ ]
فهذا من أعظم الكذب والتلبيس، فإن هذا الحديث لم يرد في سنده: يحيى بن يعلي المحاربي، وإنما روي من طريق: يحيى بن يعلي الأسلمي كما أخرجه الحاكم، وكذا رواه أبو نعيم في الحلية، والهيثمي في مجمع الزوائد من طريقه (^١)، ويحيى الأسلمي: ضعيف كما صرح بذلك النقاد.
قال يحيى بن معين: «ابن يعلي الأسلمي ليس بشيء». (^٢)
قال البخاري: «مضطرب الحديث». (^٣)
وهذا بخلاف يحيى بن يعلي المحاربي فهو ثقة. (^٤)
فظهر بهذا ضعف الحديث، وافتراء المؤلف في رميه لابن حجر بالتزوير وقلب الحقائق، وهو بريء من كل ذلك ﵀ رحمة واسعة- ومثله منزه عن هذه التهم، وإنما الذي حصل أنه قال في كتاب الاصابة بعد أن ذكر الحديث بسنده: «قلت في اسناده يحيى بن يعلي المحاربي وهو واه» (^٥)، فلفظة: (المحاربي) وهم من ابن حجر، أوتصحيف من النساخ، والمقصود قطعًا هو (الأسلمي) وذلك
لعدة أمور:
الأول: أن المحاربي لم يرد أصلًا في سند الحديث.
الثاني: أن ابن حجر قال: قلت: في سنده فلان فتبين أنه أراد راوي الحديث وهو الأسلمي لا المحاربي.
الثالث: التشابه الكبير بين الرجلين في الإسم حيث إن كلًا
منهما: يحيى بن يعلي وهذا سبب قوي في حصول مثل هذا الخطأ.
_________________
(١) انظر: المستدرك للحاكم ٣/ ١٣٩، ح ٤٦٤٢، وحلية الأولياء لأبي نعيم ٤/ ٣٤٩، ومجمع الزوائد ٩/ ١٠٨.
(٢) الكامل في الضعفاء لابن عدي ٧/ ٢٦٨٨.
(٣) المصدر نفسه
(٤) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٤/ ٤١٥.
(٥) الإصابة ٤/ ٣٥.
[ ٤٢٠ ]
الرابع: أن الحكم الذي ذكره ابن حجر في نقد الراوي مناسب لما ذكره العلماء في يحيى الأسلمي على ما تقدم نقل كلامهم فيه، مما
يدل على أنه هو المراد في كلام ابن حجر.
الخامس: أن ابن حجر نفسه صرح بتوثيق المحاربي، وتضعيف الأسلمي في التقريب (^١) مما يقطع بأن ماوقع في الإصابة وهم أو خطأ من النساخ.
وهذا كله مما يدل على براءة ابن حجر ﵀ مما رماه به هذا الرافضي، ومثل هذا الخطأ يحصل كثيرًا في كلام أهل العلم، إما بسبب وهم للعالم، أو بسبب خطأ من النساخ، ولا يضر العالم في شيء. لكن هذا الرافضي يحمله الهوى والكذب، على اتهام هذا الإمام بما قال، وهذه طريقة الرافضة في الانتصار لمعتقدهم الفاسد، أنهم لا يتورعون عن الكذب والتزوير، ورمي الناس بالظلم في سبيل تقرير ما يريدون، وأشد من هذا تطاولهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بالتحريف والتغيير، والإنكار الصريح لمدلولات نصوصهما فأي خير يرجى منهم بعد هذا، وأي ثقة تبقى في نقلهم وأخبارهم.
_________________
(١) انظر: تقريب التهذيب ص٥٩٨.
[ ٤٢١ ]
دعوى الرافضي أن الصحابة كانوا يجتهدون
مقابل النصوص وأن أول من فتح هذا
الباب عمر والرد عليه في ذلك
قال الرافضي ص ١٩٧ تحت عنوان مصيبتنا في الاجتهاد مقابل النص: «استنتجت من خلال البحث، أن مصيبة الأمة الإسلامية انجرت عليها من الاجتهاد الذي دأب عليه الصحابة مقابل النصوص الصريحة، فاخترقت بذلك حدود الله، ومحقت السنة النبوية، وأصبح العلماء والأئمة بعد الصحابة يقيسون على اجتهادات الصحابة، ويرفضون بعض الأحيان النص النبوي، إذا تعارض مع ما فعله الصحابة
ومن أول الصحابة الذين فتحوا هذا الباب على مصراعيه هو: الخليفة الثاني، الذي استعمل رأيه مقابل النصوص القرآنية بعد وفاة الرسول ﷺ، فعطل سهم المؤلفة قلوبهم، الذين فرض الله لهم سهمًا من الزكاة، وقال: لا حاجة لنا فيكم».
قلت: لا يخفى ما في كلام هذا الرجل من الكذب والتلبيس، وقلب الحقائق، وعظيم الجرأة على إنكار ما هو معلوم بالضرورة من الدين والتأريخ والواقع، وذلك في رميه للصحابة برفض النصوص، وترك السنة، ومعارضتها بأقوالهم وآرائهم. مع أن المعلوم من حال الصحابة المقطوع به في المسلمين، أنه ما عرفت الأمة مثلهم في شدة الحرص على النصوص،
[ ٤٢٢ ]
وحسن المتابعة لها، وقوة العزيمة في الأخذ بها، والقيام بها أيّما قيام، وتطبيقها في كافة الظروف والأحوال، حتى أصبحو بذلك مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال، على مر السنين والقرون، في القوامة بأمر الدين. حتى إن عوام المسلمين إذا ما رأوا من رجل صدق التدين، وحسن الاستقامة، قالوا في وصفه على سبيل التمدح: (كأنه تربّى على الصحابة، أو كأنه يعيش بين الصحابة) وما ذلك إلا لما اشتهر في الأمة واستفاض من عدالة هؤلاء الصحابة، ورسوخ قدمهم في الدين، وقوة تمسكهم به.
ومرجع هذا كله إلى ما تضافرت عليه نصوص الشرع، مما يطرق أسماع المسلمين في كل وقت وحين، من وصف الله ورسوله للصحابة بأحسن الصفات، والثناء عليهم بأجمل الثناء، والشهادة لهم بالإيمان والتقوى، وأن الله قد رضي عنهم ورضوا عنه، وأعدلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وأن رسوله قد مات وهو راض عنهم، مبشرهم بالخير من ربهم.
ولذا فإن طعن هذا الرافضي في الصحابة بما يقدح في دينهم، وعدم تمسكهم بالشرع، لا أرى أنه يحتاج إلى تكلف رد، لرسوخ الاعتقاد في الأمة بعدالتهم، واستفاضة النصوص بعلو شأنهم في الدين ومكانتهم.
وإنما أشير هنا على وجه الخصوص، إلى كذب ما ادعاه الرافضي من توسع عمر ﵁ في الاجتهاد والعمل برأيه مقابل النصوص، لخشية التلبيس في هذا الأمر على من لا علم عنده من العامة وأهل الجهل.
وبيان كذبه وفساد ما ادعاه في ذلك يكون من عدة وجوه.
الوجه الأول: أن هذه دعوى مجردة عن الحجة والدليل، لا قيمة لها عند أهل النظر والتحقيق، إذ المؤلف لم يقدم عليها دليلًا واحدًا، يدل على ثبوت ما ادعاه.
الوجه الثاني: أن الطعن في عمر بهذا قدح في النبي ﷺ الذي أوصى الأمة باتباع سنته، وسنة الخلفاء الراشدين، وقد كان عمر منهم، وذلك في
[ ٤٢٣ ]
قوله كما في حديث العرباض بن سارية (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ). (^١)
وكذلك أمره بالاقتداء بأبي بكر وعمر كما في حديث حذيفة
﵁ أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر). (^٢)
فاذا كان عمر على ما يدعي الرافضي من العمل بالرأي،
واطراح السنة، وأنه أول من غير وبدل، لزم من هذا أن يكون النبي ﷺ غاشًا لأمته غير ناصح لها بأمره باتباع سنة عمر والاقتداء به،
ولا يمكن للخصم أن يدعي أن ذلك التغيير من عمر حصل بعد وفاة النبي ﷺ فلم يكن معلومًا له عند النطق بتلك الأحاديث وذلك لسببين.
الأول: أن الرافضي ذكر في كلامه أن معارضة عمر للسنة كانت في حياة النبي ﷺ، وزعم أنه عارض النبي ﷺ في أكثر من مناسبة.
الثاني: أن الرسول ﷺ لا يشرع من عند نفسه، وإنما هو مبلغ عن ربه ﴿وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا وحي يوحى﴾ (^٣)، فلو كان حال عمر خفي على النبي ﷺ، أفكان يخفى على رب العالمين!! فلما جاء الأمر بالاقتداء بعمر ممن لا ينطق عن الهوى، علمنا أن عمر كان على الحق والهدى، على رغم أنف هذا الرافضي الحاقد.
الوجه الثالث: أن عمر ﵁ شهد له الصحابة الذين لا يخافون في الله لومة لائم، أنه كان يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما كان عليه أبو بكر في خلافته، فقد روى ابن أبي شيبة في خبر مقتل عمر وفيه أن الصحابة اجتمعوا إلى عمر بعد طعنه فقالوا له:
(جزاك الله خيرًا قد كنت تعمل فينا بكتاب الله، وتتبع سنة صاحبيك لا تعدل عنها إلى غيرها، جزاك الله أحسن الجزاء). (^٤)
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٥٦٠.
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٦٠.
(٣) سورة النجم ٣ - ٤.
(٤) المصنف لابن أبي شيبة ٧/ ٤٤٠.
[ ٤٢٤ ]
ولهذا كان علي بن أبي طالب يغبطه على ما كان عليه من الخير
وتمنى لو لقي الله بمثل عمله كما ثبت في الصحيحين من حديث
ابن عباس ﵄ أنه قال: (وضع عمر على سريره فتكنّفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إليّ أن ألقي الله بمثل عمله منك، وأيم الله إنْ كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر). (^١)
وقد كان ابن عباس ﵄ إن لم يجد للمسألة حكمًا في الكتاب أو السنة أفتى بقول أبي بكر وعمر، على ما روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن أبي زيد قال: (كان ابن عباس إذا
سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه). (^٢)
ففي هذه النقول عن الصحابة المتضمنة حسن الثناء على عمر، ورسوخ قدمه في الدين، وعظم شأنه في العلم والعمل بالسنة، أكبر دليل على دحض دعوى الرافضي الجائرة، كما أن في موقف علي من عمر على وجه الخصوص إلزامًا لهذا الرافضي بقول من يعتقد إمامته ويدعي عصمته. فإذا كان عمر على ما يعتقد فيه هذا الرافضي من القول بالرأي، وترك السنة، فلِمَ يتمنى علي ﵁ أن يلقى الله بمثل عمله ولِمَ يفتى ابن عباس وهو الإمام الجليل من أئمة أهل البيت بقوله أم أن عليًا وابن عباس كانا ضالين في هذا!!
الوجه الرابع: أن الثابت من سيرة عمر ﵁ وأقواله المأثورة عنه،
_________________
(١) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب)، فتح الباري ٧/ ٤١، ح ٣٦٨٥، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر) ٤/ ١٨٥٩، ح ٢٣٨٩.
(٢) سنن الدارمي ١/ ٧١.
[ ٤٢٥ ]
يدل على بطلان دعوى الرافضي، فقد كان ﵁ من أشد الناس تمسكًا بالنصوص، والوقوف عندها، وأقواله في ذلك مشهورة:
فمن ذلك ما أخرجه الدارمي والآجري وغيرهما بسند صحيح عنه أنه قال: (سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم
بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله). (^١)
وقد أورد الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين فصلًا خاصًا في المنقول عن عمر ﵁ في التحذير من الرأي.
ومما جاء فيه عن عمر أنه قال: (أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأي).
وعنه أنه قال: (اتقوا الرأي في دينكم).
وقال أيضًا: (السنة ما سنه الله ورسوله ﷺ، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة). (^٢)
قال ابن القيم: «وأسانيد هذه الآثار عن عمر، في غاية الصحة». (^٣)
فكيف يظن بمن هذا قوله، أن يعارض النصوص برأيه واجتهاده، فإن هذا من أبعد المحال عند التأمل والاعتبار.
الوجه الخامس: إن قول الرافضي: إن عمر عطل سهم المؤلفة قلوبهم جهل بالشرع ومقاصده، وتطاول على عمر ﵁ بما لا علم
لهذا الرافضي به، وذلك أن سهم المؤلفة قلوبهم فرض في الشرع تألفًا لبعض الناس من سادات الناس وكبرائهم على الإسلام وللحاجة إليهم، فلما قوي الإسلام
_________________
(١) أخرجه الدارمي ١/ ٦٢، والآجرى في الشريعة ص ٥٢، وابن بطة في الإبانة الكبرى ١/ ٢٥٠، وذكر المحقق أن إسناده صحيح، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٢٣.
(٢) أعلام الموقعين ١/ ٥٤ - ٥٥.
(٣) المصدر نفسه ١/ ٥٥.
[ ٤٢٦ ]
وكثر أتباعه اجتمع رأي الصحابة ﵃ على عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم شيئًا، لعدم الحاجة إليهم، ولزوال السبب الذي كانوا يعطون من أجله.
قال القرطبي: «قال بعض علماء الحنفية: لما أعز الله الإسلام وأهله، وقطع دابر الكافرين -لعنهم الله-، اجتمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في خلافة أبي بكر ﵃ على سقوط سهمهم» . (^١)
وقال ابن قدامة «لم ينقل عن عمر، ولا عثمان، ولا علي، أنهم أعطوهم شيئًا» . (^٢)
وهذا يدل على اتفاق الصحابة على عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم في ذلك العهد، وأن هذا هو الذي عليه الخلفاء الثلاثة عمر، وعثمان، وعلي ﵃ لكن القطع بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم ونسبته للصحابة -كما نص على ذلك بعض علماء الحنفية ونقلوا إجماعهم عليه- محل نظر. فالمشهور عن الصحابة هو عدم إعطاء أهل التأليف
شيئًا، كما نقل ذلك عنهم ابن قدامة، وهذا لا يلزم منه أنهم كانوا يرون سقوط سهم المؤلفة قلوبهم بالكلية، بل يحتمل أنهم رأوا منع أولئك المعاصرين لهم، لعز الإسلام، وعدم الحاجة إليهم من غير قطع بسقوط سهمهم في كل عصر عند الحاجة إليهم.
يشهد لهذا أن العلماء من بعد الصحابة اختلفوا في سقوط سهم المؤلفة قلوبهم على قولين: فمنهم من يرى سقوط سهمهم، ومنهم من يرى أن سهمهم باق، وأن عطاءهم بحسب الحاجة إليهم، فإن احتيج إليهم أُعطوا، وإلا لم يعطوا، وهذا بناءً على ما فهموه من فعل الصحابة، الذي كان محتملًا لكل واحد من هذين القولين.
يقول القرطبي ناقلًا الخلاف بين العلماء في المسألة: «واختلف العلماء في بقائهم (أي: المؤلفة قلوبهم) قال عمر، والحسن، والشعبي وغيرهم:
_________________
(١) تفسير القرطبي ٨/١٦٨.
(٢) المغني ٩/٣١٦.
[ ٤٢٧ ]
انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره، وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي
وقال جماعة من العلماء: هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستأنف على الإسلام، وإنما قطعهم عمر لما رأي من إعزاز الدين.
قال يونس: سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخًا في ذلك.
قال أبو جعفر النحاس: فعلى هذا الحكم فيهم ثابت، فإن كان أحد يحتاج إلى تألفه، ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة، أو يرجى أن يحسن إسلامه بعد، دُفِعَ إليه.
قال القاضي عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أُعطوا من الصدقة.
وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله ﷺ يعطيهم فإنّ في الصحيح (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ) (^١)». (^٢)
ومن خلال هذا العرض لأقوال الصحابة والعلماء في المسألة يتبين لنا أمران:
الأول: أن القول بمنع المؤلفة قلوبهم عطاياهم لما قوي الإسلام لم يكن قول عمر وحده، وإنما هو قول عامة الصحابة، وهو الذي درج عليه عمل الخليفتين الراشدين من بعد عمر: عثمان وعلي، كما نقل ذلك العلماء عنهم، فلِمَ التشنيع على عمر في قول شاركه فيه عامة الصحابة، وكان على العمل به الخليفتان الراشدان من بعده (عثمان وعلي) ﵄!! وإذا كانت الرافضة تعتقد في علي ﵁ أنه الإمام المعصوم من الخطأ، المنزه عن السهو، والغفلة، والزلل،
فما بال هذا الرافضي يطعن في عمر في أمر قد
_________________
(١) أخرجه مسلم: (كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا) ١/ ١٣٠، ح ١٤٥.
(٢) تفسير القرطبي ٨/ ١٦٨.
[ ٤٢٨ ]
حكم به الإمام المعصوم عنده، طيلة مدة خلافته، وسنه للأمة من بعده؟!
الثاني: أن منع المؤلفة قلوبهم من عطاياهم، في حال عز الإسلام وعدم الحاجة إليهم لا يقتضي سقوط سهمهم بالكلية عند المانع لهم في تلك الحال، وبالتالي فنسبة القول بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم بالكلية لعمر ولغيره من الصحابة بمنعهم أهل التأليف عطاياهم في ذلك العهد، تبقى محل نظر، حتى يرد النص الصحيح منهم بالتصريح بالحكم المذكور. وهذا مما تندفع به مطاعن الرافضي على عمر، في دعواه أنه عطل سهم المؤلفة قلوبهم، مع ثبوته في كتابه الله تعالى.
الوجه السادس: أن ما يثبت عن عمر ﵁ من القول بالرأي، ثبت عن علي مثله، أو أكثر منه في مسائل هي أعظم من المسائل التي تكلم فيها عمر، فالقدح في عمر بهذا، قدح في علي من باب أولى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في رده على الرافضي في طعنه على عمر بالقول بالرأي: «والجواب أن القول بالرأي، لم يختص به عمر ﵁ بل علي كان من أقولهم بالرأي، وكذلك أبوبكر، وعثمان، وزيد، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة ﵃ كانوا يقولون بالرأي، وكان رأي علي في دماء أهل القبلة ونحوه من الأمور العظائم.
كما في سنن أبي داود وغيره عن الحسن عن قيس بن عباد قال:
قلت لعلي: (أخبرنا عن مسيرك هذا أعهد عهده إليك رسول الله ﷺ أم رأي رأيته؟ قال: ما عهد النبي ﷺ إليّ شيئًا ولكنه رأي رأيته) (^١)
وهذا أمر ثابت، ولهذا لم يرو علي ﵁ في قتال الجمل وصفين شيئًا، كما رواه في قتال الخوارج، بل روى الأحاديث الصحيحة هو وغيره من الصحابة في قتال الخوارج المارقين، وأما قتال الجمل وصفين فلم يرو أحد منهم فيه نصًا، إلا القاعدون فإنهم رووا الأحاديث في ترك القتال في الفتنة.
_________________
(١) أخرجه ابو داود في: (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة) ٥/ ٥٠.
[ ٤٢٩ ]
ومعلوم أن الرأي إن لم يكن مذمومًا، فلا لوم على من قال
به، وإن كان مذمومًا فلا رأي أعظم ذمًا من رأي أريق به دم
ألوف مؤلفة من المسلمين، ولم يحصل بقتلهم مصحلة للمسلمين، لا في دينهم، ولا في دنياهم، بل نقص الخير عما كان، وزاد الشر على ما كان.
فإذا كان مثل هذا الرأي لا يعاب به، فرأي عمر وغيره في مسائل الفرائض والطلاق أولى أن لا يعاب، مع أن عليًا شركهم في هذا الرأي وامتاز برأيه في الدماء
وقد جمع الشافعي ومحمد بن نصر المروزي المسائل التي تركت
من قول علي وابن مسعود فبلغت شيئًا كثيرًا، وكثير منها قد جاءت السنة بخلافه كالمتوفى عنها الحامل، فإن مذهب علي ﵁ أنها تعتد أبعد الأجلين، وبذلك أفتى أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي ﷺ فلما جاءته سبيعة الأسلمية وذكرت ذلك له قال: (كذب أبوالسنابل بل حللت فانكحي من شئت) (^١) وكا زوجها قد توفي عنها بمكة في حجة الوادع.
فإن كان القول بالرأي ذنبًا فذنب غير عمر -كعلي وغيره- أعظم، فإن ذنب من استحل دماء المسلمين برأي، هو ذنب أعظم من ذنب من حكم في قضية جزئية برأيه، وإن كان منه ما هو صواب، ومنه ما هو خطأ فعمر ﵁ أسعد بالصواب من غيره، فإن الصواب في رأيه أكثر منه في رأي غيره، والخطأ في رأي غيره أكثر منه في رأيه، وإن كان الرأي كله صوابًا فالصواب الذي مصلحته أعظم، هو خير وأفضل من الصواب الذي مصلحته دون ذلك، وآراء عمر ﵁ كانت مصالحها أعظم للمسلمين.
فعلى كل تقدير: عمر فوق القائلين بالرأي من الصحابة فيما يحمد، وهو أخف منهم فيما يذم، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن
_________________
(١) أخرجه البخاري بغير هذا اللفظ في: (كتاب المغازي، باب ١٠)، فتح الباري ٧/ ٣١٠، ح ٣٩٩١، ومسلم: (كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل) ٢/ ١١٢٢، ح ١٤٨٤.
[ ٤٣٠ ]
النبي ﷺ أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدَّثُون، فإن يكن في أمتي
أحد فعمر) (^١)» . (^٢)
فثبت بهذه الأوجه بطلان دعوى الرافضي، وبراءة الفاروق ﵁ مما رماه به.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٥٦٢.
(٢) منهاج السنة ٦/١١١-١١٤.
[ ٤٣١ ]