قال الرافضي ص ١٧٢ ضمن ذكره لأسباب استبصاره المزعومة:
«٤ - الأحاديث الواردة التي توجب اتباعه [أي علي]:
من الأحاديث التي أخذت بها فدفعتني للاقتداء بالإمام علي تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنة والجماعة، وأكدت صحتها، والشيعة عندهم أضعافها ولكن -وكالعادة- سوف لا أستدل ولا أعتمد إلا الأحاديث المتفق عليها من الفريقين، ومن هذه الأحاديث:
أ- حديث (أنا مدينة العلم وعلى بابها):
وهذا الحديث وحده كاف لتشخيص القدوة التي ينبغي اتباعه بعد الرسول ﷺ، لأن العالم أولى بالاتباع، أي أولى أن يقتدى به من الجاهل
إلى أن قال: وفي هذا الصدد سجل لنا التاريخ أن الإمام عليًا هو أعلم الصحابة على الإطلاق، وكانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل ولم نعلم أنه رجع إلى واحد منهم قط.
فهذا أبو بكر يقول: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.
وهذا عمر يقول: لولا علي لهلك عمر.
[ ٣٦٢ ]
وهذا ابن عباس يقول: ما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر.
وهذا الإمام علي نفسه يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، والله لا تسألونني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل.
بينما يقول أبو بكر عندما سئل عن معنى (الأبّ) في قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبّا﴾ (^١) قال أبو بكر: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن أقول في كتاب الله بما لا أعلم» .
والجواب عن هذا: أن كلامه هذا قد اشتمل من الكذب، والظلم، والبغي، وقلب الحقائق، ولبس الحق بالباطل، ما يعلمه من له أدنى اطلاع على كتب أهل السنة، وكان من أهل العدل والإنصاف، وبيان ذلك على وجه الاختصار:
أن هذا الحديث الذي ذكره وزعم أنه أخرجته صححاح أهل السنة وأكدت صحته: كذب موضوع، كما حكم بذلك أهل العلم من أهل السنة. وإليك أيها القارئ أقوالهم في الحديث وحكمهم عليه لتعلم مدى كذب هذا الرجل.
قال يحي بن معين: هذا الحديث كذب ليس له أصل.
وقال ابن عدى: هذا الحديث موضوع يعرف بأبي الصلت.
وقال أبو حاتم بن حبان: هذا خبر لا أصل له عن رسول الله ﷺ.
وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: قبح الله
أبا الصلت.
وقال البخاري: ليس له وجه صحيح.
_________________
(١) سورة عبس آيه ٣١.
[ ٣٦٣ ]
وقال الدارقطني: مضطرب غير ثابت.
وقال الترمذي: إنه منكر. (^١)
وقال ابن الجوزي: لا أصل له وعده في الموضوعات. (^٢)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها أضعف وأوهى (^٣)، ولهذا إنما يعد في الموضوعات، وإن رواه الترمذي. وذكره ابن الجوزي، وبين أن سائر طرقه موضوعة، والكذب يعرف من نفس متنه، فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم، ولم يكن لها باب إلا باب واحد، ولم يبلغ عنه العلم إلا واحدٌ فَسَدَ أمر الإسلام
[إلى أن قال]: وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل ظنه مدحًا، وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام، إذا لم يبلغه إلا واحد من الصحابة». (^٤)
وقال الذهبي في التلخيص معلقًا على الحديث: «موضوع قال الحاكم: وأبو الصلت: ثقة مأمون، قال الذهبي: لا والله لاثقة ولا مأمون». (^٥)
وقال العجلوني: «وهذا حديث مضطرب غير ثابت، كما قاله الدارقطني في العلل». (^٦)
وقال الألباني: إنه موضوع. (^٧)
_________________
(١) انظر أقوالهم في كتاب الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٢٦٥، والمقاصد الحسنة … للسخاوي ص ١٧٠، وكشف الخفاء للعجلوني ١/ ٢٠٥.
(٢) الموضوعات ١/ ٢٦٥.
(٣) من حديث تكلم عليه قبله وهو (أقضاكم علي). انظر: منهاج السنة … ٧/ ٥١٢.
(٤) منهاج السنة ٧/ ٥١٥ - ٥١٦، ومجموع الفتاوى ٤/ ٤١٠.
(٥) التخليص مع المستدرك ٣/ ١٣٧.
(٦) كشف الخفاء ١/ ٢٠٣.
(٧) ضعيف الجامع الصغير ٢/ ١٣.
[ ٣٦٤ ]
فظهر بهذا بطلان الحديث وسقوط احتجاج الرافضي به.
وأما قول الرافضي وقد سجل لنا التاريخ أن الإمام عليًا هو أعلم الصحابة على الإطلاق، وأنهم كانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل، ولم نعلم أنه رجع إلى واحد منهم:
فهذا كذب صريح وفرية قديمة يرددها الرافضة في كتبهم، وليس عليها دليل صحيح، وإنما هي مجرد دعوى باطلة لا أساس لها من الصحة، ولا ثبات لها أمام النقد والتحقيق، بل الأدلة وأقوال علماء الأمة تدل على خلاف ذلك، وأن أعلم الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، وقد تقدم نقل بعض النصوص في ذلك.
كقول أبي سعيد الخدري في حديث تخيير النبي ﷺ: (وكان أبوبكر أعلمنا). (^١)
وكذلك قول عمر يوم السقيفة لأبي بكر: (أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ) (^٢)، وهذا يتضمن تقدمه عليهم في العلم، كما لايخفى، وقد كان بحضور كبار الصحابه وأهل الرأي فيهم، فلم ينكر ذلك على عمر أحد، فكان إجماعًا منهم على قوله.
ولذا رد العلماء المحققون قول الرافضة في دعواهم أن عليًا كان أعلم الصحابة، وعدوه من الكذب الصريح.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الرافضي في قوله إن عليًا كان أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ: «والجواب أن أهل السنة يمنعون ذلك، ويقولون ما اتفق عليه علماؤهم، إن أعلم الناس بعد
رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، وقد ذكر غير واحد الإجماع على
أن أبا بكر أعلم الصحابة كلهم، ودلائل ذلك مبسوطة في موضعها، فإنه لم يكن أحد يقضي ويخطب ويفتي بحضرة النبي ﷺ إلا أبو بكر ﵁، ولم يشتبه على الناس
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٤٨٥.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٨٨.
[ ٣٦٥ ]
شيء من أمر دينهم إلا فصّله أبو بكر، فإنهم شكوا في موت النبي ﷺ فبينه أبو بكر، ثم شكوا في مدفنه فبينه، ثم شكوا في قتال مانعى الزكاة فبينه أبو بكر، وبين لهم النص في قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ (^١)، وبين لهم أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة، ونحو ذلك، وفسر الكلالة فلم يختلفوا عليه.
ولم يحفظ لأبي بكر فتيا تخالف نصًا، وقد وجد لعمر وعلي وغيرهما فتاوى كثيره تخالف النصوص، حتى جمع الشافعي مجلدًا في خلاف علي وابن مسعود، وجمع محمد بن نصر المروزي كتابًاكبيرًا في ذلك
وقد نقل غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم من علي منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي، أحد أئمة الشافعية، وذكر في كتابه تقويم الأدلة: الإجماع من علماء السنة أن أبا بكر أعلم
من علي، كيف وأبو بكر كان بحضرة النبي ﷺ يفتي ويأمر وينهي
ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج النبي ﷺ هو وإياه يدعو الناس إلى الإسلام، ولما هاجرا، ويوم حنين، وغير ذلك من المشاهد وهو ساكت يقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره.
وكان النبي ﷺ في مشاورته لأهل الفقه والرأي يقدم في الشورى أبابكر وعمر، فهما اللذان يتكلمان في العلم، ويتقدمان بحضرته على سائر الصحابة». (^٢) ثم ساق الروايات في ذلك
يقول الفيروزآبادي في صدد الرد على الرافضة في هذه المسألة: «هذه الدعوى كذب صراح وافتراء، لأن علم الصحابي ﵁ إنما يعرف بأحد وجهين: أحدهما: كثرة روايته وفتواه، والثاني: كثرة استعمال النبي ﷺ إياه، فمن المحال أن يستعمل النبي ﷺ من لا علم له، وهذا من أكبر الشهادات وأبينها على العلم وسعته، فوجدنا النبي ﷺ قد ولي أبا بكر للصلاة بحضرته طول علته، وجميع أكابر الصحابة حضور كعلي، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبيّ وغيرهم، فآثره
_________________
(١) سورة الفتح آية ٢٧
(٢) منهاج السنة ٧/ ٥٠٠ - ٥٠٣.
[ ٣٦٦ ]
عليهم جميعًا، وهذا بخلاف استخلافه ﷺ عليًا في الغزو، لأنه ما استخلفه إلا على النساء والصبيان وذوي الأعذار، فوجب ضرورة أن يعلم أن أبا بكر أعلم الناس بالصلاة وشرائعها، وأعلم من المذكورين بها، وهي عمود الدين» . (^١)
ثم ذكر أمثلة أخرى تدل على فضل أبي بكر في العلم على غيره من الصحابة بما فيهم علي ﵃ جميعًا.
وبهذا يظهر كذب دعوى الرافضي في أن عليًا كان أعلم الصحابة، وبطلان قوله وفساده.
وأما قول الرافضي: إن الصحابة كانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل ولا يرجع إلى واحد منهم، فقد رد شيخ الإسلام ﵀ على هذه الدعوى حيث قال: «ما كان الصحابة يرجعون إليه، ولا إلى غيره وحده في شيء من دينه، لا واضحة ولا مشكله، بل كان إذا نزلت النازلة يشاورهم عمر ﵁، فيشاور عثمان، وعليًا، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري، حتى يشاور ابن عباس، وكان أصغرهم سنًا، وكان السائل يسأل عليًا تارة، وأبي ابن كعب تارة، وعمر تارة، وقد سئل ابن عباس أكثر مما سئل علي، وأجاب عن المشكلات أكثر من علي، وما ذاك لأنه أعلم منه، بل علي أعلم منه لكن احتاج إليه من لم يدرك عليًا.
فأما أبو بكر ﵁ فما ينقل عنه أحد أنه استفاد من علي شيئًا من العلم، والمنقول أن عليًا هو الذي استفاد منه كحديث صلاة التوبة وغيره» . (^٢)
قلت: ولو ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يشاورن عليًا،
فهذا ليس دليلًا على أنه أفضل منهم أو أعلم منهم، وهذا ظاهر فإن
_________________
(١) الرد على الرافضة لأبي حامد المقدسي ص٢٥١-٢٥٢.
(٢) منهاج السنة ٨/٦٠-٦١.
[ ٣٦٧ ]
رسول الله ﷺ كان يستشير أصحابه: كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وأهل الرأي منهم، استجابة لأمر ربه ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (^١) ومعلوم أن هؤلاء الصحابة لا يقاسون قطعًا برسول الله ﷺ في الفضل والعلم، وكذلك كان أبو بكر يشاور عمر وبعض الصحابة، وهو أفضل منهم وأعلم، بل كان علي يشاور من هو دونه في الفضل كابنه الحسن، وابن عباس وغيرهم، وهو أفضل وأعلم بالدين منهم.
وقول الرافضي إن عليًا ما كان يرجع إلى أحد منهم فإن كان يقصد أبا بكر وعمر وعثمان، فما كان علي مدة حياتهم من أهل الولاية حتى يحتاج إلى مشورتهم، بل كانوا هم الخلفاء الذين ينظرون في أمر الأمة، فهم الذين يستشيرون الناس ولا يستشارون.
وأما إن كان يقصد: أن عليًا ما كان يستشير أحدًا من الصحابة مطلقًا، ولا يرجع إليهم، فهذا من أكبر الكذب عليه، فمشاورته بعض الصحابة في فترة خلافته مشهورة معروفة في كتب التأريخ، لا يمكن أن تنكر كمشاورته ابن عباس ﵄ في إقرار عمال الأمصار الذين كانوا قبله أو عزلهم، فأشار عليه ابن عباس أن يقرهم، وأشار عليه أبو بكرة أن يولي ابن عباس البصرة ففعل، واستشار الناس
بعد موقعة الجمل هل يدخل الشام بمن معه من الجند؟ أم يبعث جندًا ولا يخرج بنفسه؟ فأشار عليه قوم بهذا، وآخرون بهذا، فخرج بنفسه في الجند (^٢)، وأمثله ذلك من سيرته كثيرة يصعب حصرها، وهي تدل على رجوع علي إلى من كان معه من الصحابة وغيرهم من أهل الرأي في المشورة.
مما يدل على كذب الرافضي فيما ادعاه. على أنه لو ثبت عدم مشاورته لأصحابه لماكان ذلك مدحًا في حقه، بل يعد عيبًا ونقصًا، وذلك أن الرجوع لأهل الرأي ومشورتهم من الخصال الفاضلة الممدوح بها في الدين والعقل، وقد امتدح الله تعالى المؤمنين في قوله: ﴿وأمرهم شورى
_________________
(١) سورة آل عمران من الآية ١٥٩.
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٧/٢٣٩-٢٥٦-٢٦٥.
[ ٣٦٨ ]
بينهم﴾ (^١) واستشار النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر وعثمان، وهم أفضل من علي، فتبين أن هذا الرافضي يصف عليًا ﵁ بما يعيبه ويشينه ويقدح فيه من حيث يظن أنه يمدحه، وهذا من أكبر الأدلة على سخف عقول هؤلاء الرافضة وبلادة أفهامهم.
أما ما نسبه الرافضي لأبي بكر من أنه قال: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن) فلا يعرف في شئ من كتب الحديث وإنما أحاله على الاستيعاب والرياض النضرة ومناقب الخوارزمي ولم أجده
في المصدرين الأولين مع أن وجوده في هذه الكتب لايدل على ثبوته لكون أصحابها لم يلتزموا الصحة في كل ما يوردون فيها، بل قد يأتي في هذه الكتب كثير من الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة الشاذة على ما هو معلوم عند كل مطلع عليها من أهل العلم مما يقطع بعدم صحة كل ما فيها من أخبار، لكن هذا الكلام جاء في الاستيعاب وفي الرياض النضرة منسوبًا لعمر ﵁ من طريق سعيد بن المسيب أنه قال: (كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن) (^٢) ولم يذكر المصدران لهذا الأثر سندًا يعرف به مدى صحة نسبته لعمر.
ومن تأمل سيرة الشيخين عرف مخالفة هذا الكلام للواقع وبعده عن الحقيقة، وذلك أنه ثبت للأمة بالنصوص الصحيحة والأخبار
المتواترة فضل الشيخين على علي وغيره من الصحابة، وقيامهما بأمر الأمة بعد النبي ﷺ، وقدرتهما على حل المعضلات سواء ما يتعلق منها بالعلم أو بما تعرضت له الأمة من الأحوال العصيبة بعد موت النبي ﷺ من غير أن يحتاجا لعلي ﵁ في ذلك، أكثر من احتياجهما لأقرانه من كبار الصحابة، ولهذا اجتمعت عليهما الأمة ما لم تجتمع على عليّ ﵁ وحصل في عهدهما من نشر العلم، وعز الإسلام، وجهاد
الكفار،
_________________
(١) سورة الشورى آيه ٣٨.
(٢) الاستيعاب لابن عبد البر المطبوع مع الإصابة ٨/ ١٥٧، والرياض النضرة للمحب الطبري ٢/ ١٦١.
[ ٣٦٩ ]
والأخذ على أيدي المبتدعة والفسقة، مالم يحصل مثله لعلي، وواجه أبو بكر من المعضلات العظيمة كالفتنة بموت النبي ﷺ وارتداد كثير من قبائل العرب، والاختلاف في أمر الخلافة، وغيرها من المعضلات التي كان حلها على يد أبي بكر بالعلم والقوة في الحق، مالم يواجه عليا ﵁ مثلها، فكيف يتصور بعد هذا أن يدعو أبو بكر أوعمر بهذا الدعاء والحال من أمرهما وأمره ما ذكر.
وأما قول الرافضي: إن عمر قال: (لولا علي لهلك عمر).
فهذا القول: إنما نقله عن عمر ﵁ بعض المؤرخين في قصة المرأة المجنونة التي زنت فأراد عمر رجمها فقال له علي: أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل. فترك عمر رجمها. وجاء في بعض كتب التأريخ: فكان عمر يقول: (لولا عليّ لهلك عمر). (^١)
وهذه الزيادة وهي قوله: (لولا علي لهلك عمر) ليست معروفة في الحديث، ولم يذكرها المحدثون الذي رووا هذا الحديث، فإن هذا الحديث أخرجه جمع من المحدثين من عدة طرق
عن علي ﵁ كأبي داود، والترمذي، وابن ماجه،
والإمام أحمد (^٢) ولم ترد هذه الزيادة في شيء من طرق الحديث، هذا وقد جمع ابن حجر طرق الحديث (^٣)، وكذا الشيخ الألباني (^٤) فذكرا طرقًا أخرى منقولة عن بعض كتب السنة الأخرى، فلم أعثر فيها لهذه الزيادة على ذكر.
_________________
(١) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر المطبوع مع الإصابة ٨/ ١٥٧.
(٢) انظر: سنن أبي داود: (كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق) ٤/ ٥٥٨ - ٥٦٠، وسنن الترمذي، (كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد) ٤/ ٣٢، وسنن ابن ماجه: (كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم) ١/ ٦٥٨ - ٦٥٩، والمسند للإمام أحمد ١/ ١١٦، ١١٨، ١٤٠، ١٥٥، ١٥٨.
(٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٢١.
(٤) انظر: إرواء الغليل ٢/ ٤ - ٧، ح ٢٩٧.
[ ٣٧٠ ]
وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رده على ابن المطهر الرافضي عند ذكره لهذا الأثر المنسوب لعمر فقال: «إن هذه الزيادة ليست معروفة في هذا الحديث». (^١)
ومما يشهد لضعف هذه الزيادة أن عمر ﵁ عندما أراد رجم تلك المرأة كان مجتهدًا، فلو أخطأ لم يكن آثامًا فكيف يكون هالكًا.
بل قد نبه شيخ الإسلام ﵀ أن الخطأ في مثل هذه المسألة لا يقدح في علم عمر، ولا دينه، قال بعد كلامه السابق:
«ورجم المجنونة لا يخلو إما أن يكون لم يعلم بجنونها فلا يقدح ذلك في علمه بالأحكام، أو كان ذاهلًا عن ذلك فذُكّر، أو يظن الظان أن العقوبات لدفع الضرر في الدنيا، والمجنون قد يعاقب لدفع عدوانه على غيره من العقلاء والمجانين، والزنا هو من العدوان فيعاقب على ذلك حتى يتبين له أن هذا من باب حدود الله تعالى، التي لا تقام إلا على المكلف
ففي الجملة قتل غير المكلف: كالصبي، والمجنون، والبهيمة، لدفع عدوانهم جائز بالنص، والإتفاق، إلا في بعض المواضع كقتلهم في الإغارة، والبيات، وبالمنجنيق، وقتلهم لدفع صيالهم، وحديث (رفع القلم عن ثلاثة) إنما يدل على رفع الإثم، لايدل على منع الحد إلا بمقدمة أخرى، وهو أن يقال: من لا قلم عليه لا حد عليه، وهذه المقدمة فيها خفاء، فإن من لا قلم عليه قد يعاقب أحيانًا، ولا يعاقب أحيانًا والفصل بينهما يحتاج إلى علم خفي». (^٢)
وأما نسبة المؤلف لابن عباس أنه قال: (ما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر: فلم يعزه لمصدر وإنما قال في الحاشية: «لقد أجمعت صحاح أهل السنة وكتبهم عل أفضلية علي
_________________
(١) منهاج السنة ٦/ ٤٥، وانظر الكتاب نفسه: ٨/ ٦٢.
(٢) منهاج السنة ٦/ ٤٥ - ٤٦.
[ ٣٧١ ]
وتقدمه في العلم على كل الصحابة، راجع على سبيل
المثال ماجاء في الاستيعاب من أقول الصحابة أنفسهم فيه وتقديمهم له». (^١)
وهذا من أكبر التلبيس ليوهم القارئ أن هذا الأثر الذي نسبه لابن عباس في كتاب الاستيعاب، مع أنه لا يوجد فيه، ولعله أخذه من كتب الرافضة فأراد أن يدعمه بما ادعى من إجماع صحاح أهل السنة على أن عليًا كان أفضل الصحابة وأعلمهم، وهذا لوثبت لما كان فيه أي دلالة على صحة نسبة هذا الأثر لابن عباس، فنسبة الأثر
لابن عباس شيء، وما ادعى من أن عليًا كان أعلم الصحابة شيء آخر.
والناظر في معنى هذا الأثر يعلم فساده وبطلان نسبته لابن عباس دون النظر في سنده، فإن معناه باطل قطعًا، وفيه من الغلو ما يخرج عليًا ﵁ عن طبيعته البشرية إلى مضاهاة الخالق في علمه، بل لو قيل هذا الأثر في نبي من الأنبياء لكان هذا غلوًا ظاهرًا فكيف بعلي!! فإن هذا التفاوت العظيم في نسبة العلم لا يكون بين المخلوقين، وهذا شبيه جدًا بما ثبت في قصة الخضر مع موسى في الصحيحين وفيها: (فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال له الخضر: ياموسى ما نقص علمي وعلمك
من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) (^٢)، والرافضة كثيرًا ما يعمدون لصفات الله تعالى ويثبتونها لعلي، كما هو معلوم من كتبهم، وكما في هذا الأثر المنسوب لابن عباس ﵄ زورًا وبهتانًا والذي يأباه الدين والعقل، وتظهر عليه آثار الوضع، وأما ما ادعاه من إجماع صحاح أهل السنة على أن عليًا كان أفضل الصحابة وأعلمهم، فكذب صريح وافتراء عظيم على أهل السنة، فإن أهل السنة متفقون على أن أبا بكر الصديق كان أعلم الصحابة وأفضلهم، ثم من بعده
_________________
(١) ثم اهتديت ص ١٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في: (كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵇) فتح الباري ٦/ ٤٣١ - ٤٣٢، ح ٣٤٠١، ومسلم: (كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇) ٤/ ١٨٤٧، ح ٢٣٨٠.
[ ٣٧٢ ]
عمر وقد تقدم تقرير ذلك بنقل الآثار في ذلك عن الصحابة، وأقوال أهل العلم من بعدهم، مما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه. (^١)
وأما ماذكره الرافضي من قول علي: (سلوني قبل أن تفقدوني) فلم يقل ذلك للصحابة الذين هم أقرانه في العلم، وإنما قاله في آخر عهده، لما انتقل إلى العراق، فدخل في الدين من لم يتفقه فيه، فاحتاج الناس إلى علمه، فكان يحثهم على السؤال والتفقه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الرافضة في استدلالهم بهذا الأثر: «لا ريب أن عليًا لم يكن يقول هذا بالمدينة، بين المهاجرين والأنصار، الذين تعلموا كما تعلم، وعرفوا كما عرف، وإنما قال هذا لما صار إلى العراق، وقد دخل في دين الإسلام خلق كثير لا يعرفون كثيرًا من الدين، وهو الإمام الذي يجب عليه أن يفتيهم ويعلمهم فكان يقول لهم ذلك ليعلمهم ويفتيهم، كما أن الذين تأخرت حياتهم من الصحابة واحتاج الناس إلى علمهم نقلوا عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة لم ينقلها الخلفاء الأربعة، ولا أكابر الصحابة، لأن أولئك كانوا مستغنين عن نقلها، لأن الذين عندهم قد علموها كما علموها.
ولهذا يروى لابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأنس، وجابر، وأبي سعيد، ونحوهم من الصحابة من الحديث ما لايروى لعلي،
ولا لعمر. وعمر، وعلي، أعلم من هؤلاء كلهم، لكن هؤلاء احتاج الناس إليهم لكونهم تأخرت وفاتهم، وأدركهم من لم يدرك أولئك السابقين فاحتاجوا أن يسألوهم، واحتاج أولئك أن يعلموهم ويحدثوهم.
فقول علي لمن عنده بالكوفة (سلوني) هو من هذا الباب، لم يقل هذا لابن مسعود، ومعاذ، وأبيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وسلمان، وأمثالهم، فضلًا عن أن يقول ذلك لعمر، وعثمان، ولهذا لم يكن هؤلاء ممن يسأله، فلم يسأله قط لا معاذ ولا أبيّ،
ولا ابن مسعود، ولا من هو
_________________
(١) انظر ص ٥١٦-٥١٩ من هذا الكتاب.
[ ٣٧٣ ]
دونهم من الصحابة، وإنما كان يستفتيه المستفتي كما يستفتي أمثاله من الصحابة». (^١)
وأما قول أبي بكر: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله بما لا أعلم)، فتلك منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق
﵁ تدل على عظيم ورعه، وكمال احتياطه لدينه، ولهذا ذكر العلماء المحققون أنه لا يعرف لأبي بكر مسألة واحدة أخطأ فيها، بخلاف غيره من الصحابة فإنهم يجتهدون فيصيبون تارة ويخطئون تارة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة من الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائل كثيرة». (^٢)
ويستطرد مبينًا فضله في العلم على غيره من الصحابة، وما رفع الله على يديه من الاختلاف بين الصحابة: «وقد تنازعت الصحابة بعده في مسائل، مثل: الجد، والإخوة، ومثل العمرتين، ومثل العول، وغير ذلك من مسائل الفرائض، وتنازعوا في مسائل الحرام، والطلاق الثلاث،
بكلمة، والخليّة والبريّة (^٣) والبتّه (^٤) وغير ذلك من مسائل الطلاق.
وكذلك تنازعوا في مسائل صارت مسائل نزاع بين الأمة إلى اليوم، وكان تنازعهم في خلافة عمر، نزاع في اجتهاد محض كل منهم يقر صاحبه على اجتهاده، كتنازع الفقهاء أهل العلم والدين، وأما في خلافة عثمان فقوي النزاع في بعض الأمور، حتى صار يحصل كلام غليظ من بعضهم لبعض، ولكن لم يقاتل بعضهم بعضًا باليد ولابسيف ولا غيره.
وأما في خلافة علي فتغلظ النزاع، حتى تقاتلوا بالسيوف.
_________________
(١) منهاج السنة ٨/ ٥٧ - ٥٨.
(٢) منهاج السنة ٥/ ٤٩٧.
(٣) من كنايات الطلاق جاء في اللسان: «الخليّة: كلمة تطلَّق بها المرأة يقال لها: أنت بَريَّة، وخليّة. كناية عن الطلاق» لسان العرب لابن منظور ١٤/ ٢٤١.
(٤) هو طلاق المرأة ثلاثًا، انظر: مختار الصحاح للرازي ص ١٦.
[ ٣٧٤ ]
وأما في خلافة أبي بكر فلم يعلم أنه استقر بينهم نزاع في مسألة واحدة من مسائل الدين، وذلك لكمال علم الصديق وعدله، ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، فلم يكن يقع بينهم نزاع إلا أظهر الصديق من الحجة التي تفصل النزاع ما يزول معها النزاع، وكان عامة الحجج الفاصلة للنزاع يأتي بها الصديق ابتداء، وقليل من ذلك يقوله عمر أو غيره فيقره أبو بكر الصديق» . (^١)
فتبين من هذا أن توقف أبي بكر عند حد علمه من مناقبه العظيمة، فإن هذاطريق كل راسخ في العلم، ومنهج كل عالم كامل، فإن العالم إذا كمل فقهه وترسّخ علمه منعه من أن يقول على الله بلاعلم.
ولذا كان الرسول ﷺ الذي هو أعلم الخلق بربه، يقف عند مالم ينزل عليه فيه وحي، حتى يأتيه الوحي من الله، وقد ترجم البخاري في كتاب الاعتصام (باب ما كان النبي ﷺ يُسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾، وقال ابن مسعود: سئل النبي ﷺ عن الروح فسكت حتى نزلت الآية) . (^٢)
وأورد تحته حديث جابر أنه قال للنبي ﷺ وقد عاده في مرضه كيف أصنع في مالي؟ قال: (فما أجابني بشيء حتى نزلت آية المواريث) . (^٣)
وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله من طريق ابن وهب قال حدثني مالك قال: (كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين يسئل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي» . (^٤)
_________________
(١) منهاج السنة ٥/٤٩٧-٤٩٩.
(٢) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٣/٢٩٠.
(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري ٣/٢٩٠.
(٤) جامع بيان العلم وفضله ص٣٥٦.
[ ٣٧٥ ]
وكذلك كبار الصحابة كانوا محققين لهذا الأمر متأسين فيه بنبيهم ﷺ موجهين الأمة إليه:
فعن علي ﵁ أنه قال: (إذا سئلتم عما لاتعلمون فاهربوا قالوا: وكيف الهرب يا أمير المؤمنين؟ قال: تقولون: الله أعلم) . (^١)
وعنه ﵁ أنه قال: (وأبردها على الكبد، إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: الله أعلم) . (^٢)
وعن ابن عمر أن رجلًا سأله عن مسألة فقال: (لا علم لي بها، فلما أدبر الرجل، قال ابن عمر: نِعْمَ ما قال ابن عمر، سئل عما لا يعلم فقال: لا علم لي به) . (^٣)
وقال أبو الدرداء: (قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم) . (^٤)
وقال ابن عباس: (إذا ترك العالم لا أعلم فقد أصيبت مقاتله) . (^٥)
فتبين بهذا أن التورع من القول على الله بلا علم، والتوقف عند ذلك دليل فضل وخير، ولا يطعن على العلماء بذلك إلا جاهل
متطاول، وكيف يطعن على أحد بهذا، ورسول الله ﷺ على هذا الأمر، ومن بعده خيار أصحابه وفقهاؤهم، بما فيهم علي ﵁ الذي تدعي فيه الرافضة ماتدعي من الغلو المفرط يقول: (وأبردها على الكبد أن أقول لما لا أعلم الله أعلم) بل ثبت عنه أنه قال مثل قول أبي بكر على ماروى ابن عبد البر بسنده من طريق أبي البختري عن علي ﵁ قال: (أي أرض تقلني أوسماء تظلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم) . (^٦)
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه ١/٧٤.
(٢) المصدر السابق ١/٧٤
(٣) المصدر السابق ١/٧٤، وأورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٣٥٤.
(٤) أورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٣٥٧.
(٥) المصدر السابق ص٣٥٦.
(٦) جامع بيان العلم ص٣٥٣.
[ ٣٧٦ ]
فإن لم يكن هذا موجبًا للطعن في علي، فكيف يطعن به على أبي بكر، فالقول واحد سواء بسواء، بل ثبت في هذا الباب من الآثار عن علي مالم يثبت عن أبي بكر كما تقدم نقل ذلك.
وبهذا يلزم الرافضي، ويظهر تناقضه وظلمه وبغيه، حيث يطعن في أبي بكر بما هو موجود في علي، مما يدل على اتباعه الهوى في أحكامه ومجانبته العدل في أقواله، مع ما يدعيه من التجرد والإنصاف في البحث، فلعنة الله على الكاذبين الظالمين!!
[ ٣٧٧ ]