قال المؤلف ص ١٧٤ في معرض ذكره الأحاديث التي ذكر أنها توجب اتباع علي:
«ب-حديث: (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
وهذا الحديث كما لا يخفى على أهل العقول فيه ما فيه من اختصاص أمير المؤمنين علي بالوزارة، والوصاية، والخلافة وفيه أيضًا أن الإمام عليًا هو أفضل الصحابة، والحديث كما هو معلوم مجمع عليه بين المسلمين».
قلت: أما الحديث فصحيح، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما (^١) وهو من فضائل علي ﵁ ولهذا ذكره العلماء في مناقبه.
وأما ما ادعاه الرافضي من الدلالة على اختصاص علي بالوزارة
_________________
(١) صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب)، فتح الباري ٧/ ٧١، ح ٣٧٠٦، وصحيح مسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب) ٤/ ١٨٧٠، ح ٢٤٠٤، والمسند للإمام أحمد ٦/ ٤٣٨، ٦/ ٣٦٩.
[ ٣٧٨ ]
والوصاية والخلافة فغير صحيح، فليس في الحديث أي دلالة على ما ذكر، وذلك أن هذا الحديث قاله النبي ﷺ لعلي عندما أراد الخروج إلى غزوة تبوك، وكان قد استخلفه على المدينة بعد أن استنفر الناس للخروج معه، فلم يبق بالمدينة إلا النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، فشق ذلك على علي، فجاء للنبي وقال له: أتخلفني في النساء والصبيان. فقال له النبي ﷺ: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. (^١)
وقيل: إن بعض المنافقين قال: إنما خلفه لأنه يبغضه فقال له النبي ﷺ ذلك (^٢)، ومعلوم من السيرة أن هذا الاستخلاف لم يكن خاصًا بعلي، فقد استخلف النبي ﷺ على المدينة غيره عندما كان يخرج غازيًا أو حاجًا أو معتمرًا، فقد استخلف في غزوة بدر: عبد الله ابن
أم مكتوم، واستخلف في غزوة بني سليم: سباع بن عُرفطة الغفاري، أو ابن أم مكتوم على اختلاف في ذلك، واستخلف في غزوة السويق: بشير بن عبد المنذر، واستعمل على المدينة في غزوة بني المصطلق:
أبا ذر الغفاري، وفي غزوة الحديبية: نُمَيْلَةَ بن عبد الله الليثي كما
استعمله أيضًا في غزوة خيبر، وفي عمرة القضاء استعمل: عويف بن الأضبط الديلي، وفي فتح مكة: كلثوم بن حصين بن عتبة الغفاري، وفي حجة الوداع: أبا دجانة الساعدي ذكر هذا ابن هشام في مواطن متفرقه من السيرة (^٣) وهذا مما يدل على عدم اختصاص علي بالاستخلاف، وأنه قد شاركه في ذلك جمع من الصحابة، وبالتالي تبطل مزاعم الرافضة التي يعلقونها على هذا الحديث، كدعوى الوصية لعلي وأنه أفضل الصحابة.
وقد نبه العلماء قديمًا على هذا، وردوا على الرافضة في احتجاجهم
_________________
(١) جاء توضيح ذلك في بعض روايات الحديث، انظر: صحيح البخاري: (كتاب المغازي، باب غزوة تبوك)، فتح الباري ٨/ ١٢٢، ح ٤٤١٦، وصحيح مسلم بحسب ما جاء في الإحالة السابقة.
(٢) انظر: تاريخ الطبري ٣/ ١٠٣ - ١٠٤، والبداية والنهاية لابن كثير ٥/ ٧.
(٣) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٦٥٠، ٨٠٤، ٨٠٦، ٣/ ١١١٣، ١١٣٣، ١١٥٤، ١١٩٧، ٤/ ١٢٤١، ١٤٥٧.
[ ٣٧٩ ]
بهذا الحديث، وأن غاية ماتضمنه هو تشبيه النبي ﷺ استخلافه لعلي، باستخلاف موسى لهارون في حال غيبته، تطييبًا لنفس علي، وإظهارًا لكرامته عنده، دون ما بنته الرافضة على الحديث من أوهام باطلة، لا يحتملها لفظ الحديث ولا مناسبته.
يقول الإمام أبو نعيم: «فإن قال: [أي: الرافضي] قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) قيل له: كذلك نقول في استخلافه على المدينة في حياته بمنزلة هارون من موسى، وإنما خرج هذا القول له من النبي ﷺ عام تبوك إذ خلفه
بالمدينة، فذكر المنافقون أنه ملّه وكره صحبته، فلحق بالرسول ﷺ
فذكر له قولهم فقال: (بل خلفتك كما خلف موسى هارون)، فإن قال الطاعن: لم يرد استخلافه على المدينة قيل له: هل شاركه في النبوة كما شارك هارون موسى، فإن قال: نعم كفر، وإن قال: لا، قيل له فهل كان أخاه في النسب فإن قال: نعم كذب، فإذا بطلت أخوة النسب ومشاركة النبوة فقد صح وجه الاستخلاف، وإن جعل استخلافه في حياته على المدينة أصلًا، فقد كان ﷺ يستخلف في كل غزاة غزاها غيره من أصحابه، كابن أم مكتوم، وخفاف بن إيماء بن رخصة وغيرهما من خلفائه» . (^١)
وقال النووي: «وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده، لأن النبي ﷺ إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، بل توفي في حياة موسى، وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة» . (^٢)
وقال ابن حزم بعد أن ذكر احتجاج الرافضة بالحديث: «وهذا
_________________
(١) الإمامة والرد على الرافضة ص٢٢١-٢٢٢.
(٢) شرح صحيح مسلم ١٣/١٧٤.
[ ٣٨٠ ]
لا يوجب له فضلًا على من سواه، ولا استحقاق الإمامة بعده
﵇ لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى ﵉، وإنما ولي الأمر بعد موسى ﵇ يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر ﵉، كما ولي الأمر بعد رسول الله ﷺ صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة، وإذا لم يكن على نبيًا كما كان هارون نبيًا، ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل فصح أن كونه ﵁ من رسول الله ﷺ بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط، وأيضا فإنما قال له رسول الله ﷺ هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك ثم قد استخلف ﵇ قبل تبوك، وبعد تبوك في أسفاره رجالًا سوى علي ﵁، فصح أن هذا الاستخلاف لايوجب لعلي فضلًا على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين». (^١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق رده على الرافضة في استدلالهم بهذا الحديث: «وقول القائل هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه
السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء وكذلك هنا هو بمنزلة هارون، فيما دل عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف
موسى هارون، وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي، بل ولا هو مثل استخلافاته، فضلًا أن يكون أفضل منها، وقد استخلف مَنْ علي أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المُسْتخلَف على عليّ إذا قعد معه، فكيف يكون موجبًا لتفضيله على عليّ؟
بل قد استخلف على المدينة غير واحد، وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف عليّ، بل كان ذلك الاستخلاف يكون على أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك وكانت الحاجة إلى الاستخلاف أكثر، فإنه كان يخاف من الأعداء على المدينة، فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز، وفتحت مكة
_________________
(١) الفصل ٤/ ١٥٩ - ١٦٠.
[ ٣٨١ ]
وظهر الإسلام وعزّ، ولهذا أمر الله نبيه أن يغزو أهل الكتاب بالشام، ولم تكن المدينة تحتاج إلى من يقاتل بها العدو، ولهذا لم يدع النبي ﷺ عند عليّ أحدًا من المقاتلة، كما كان يدع بها في سائر الغزوات بل أخذ المقاتلة كلهم معه». (^١)
وقال ابن حجر في شرح الحديث: «واستدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة، فإن هارون
كان خليفة موسى وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه مات قبل موسى باتفاق أشار إلى ذلك الخطابي.
وقال الطيبي: معنى الحديث أنه متصل بي نازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: (إلا أنه لا نبي بعدي) فعرف أن الاتصال المذكور بينهما، ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها، وهو الخلافة، لما كان هارون المشبه به، إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافة علي للنبي ﷺ بحياته والله أعلم». (^٢)
فهذه أقوال العلماء المحققين كلها دائرة على معنى واحد
وهو عدم اختصاص علي ﵁ بهذا الاستخلاف ولا بشيء مما تدعيه الرافضة فيه من الوصية أو الأفضلية على غيره، وأن تشبيه
النبي ﷺ له بهارون ليس من كل وجه، فقد دل النص على نفي
النبوة، ودل الواقع على نفي الاستخلاف بعد الممات؛ كما هو معلوم من حال المشبه به وهو هارون لموته في حياة موسى، فلم يبق
إلا الاستخلاف في الحياة في حال الغيبة، وهذا أمر لانزاع فيه لكنه ليس من خصائص علي، فالرافضة لا تنتفع منه بشيء في تقرير عقيدتها إلا وهو ثابت في حق غير علي من المستخلفين الذين تقدم ذكرهم.
_________________
(١) منهاج السنة ٧/ ٣٣٠ - ٣٣٢، وانظر: أيضًا ٥/ ٣٤ من الكتاب نفسه، ومجموع الفتاوى ٤/ ٤١٦.
(٢) فتح الباري ٧/ ٧٤.
[ ٣٨٢ ]