[ ١٤٥ ]
الرد على المؤلف في
مسمى الكتاب وبيان مخالفته للحق والصواب
سمى المؤلف كتابه: (ثم اهتديت)، ويعني بذلك: انتقاله من عقيدته السابقة، وهي الطريقة التيجانية، التي صرح باعتناقه إياها هو وسائر أسرته (^١) في صدر الكتاب، ثم انتقاله إلى عقيدة الرافضة، التي زعم أنه اهتدى إليها. حيث يقول: (وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم». (^٢)
قلت: ما زعمه من الهداية دعوى تحتاج إلى بينة وبرهان: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (^٣)، وإلا فكم من كافر عتيد، جبار عنيد، يدّعي الإيمان والهداية، وهو رأس في الكفر والضلالة، كما أخبر الله عن اليهود والنصارى في قوله: ﴿وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ (^٤)، وعن
فرعون في قوله: ﴿قال فرعون ما أُريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ (^٥)، وقوله في
_________________
(١) انظر: ثم اهتديت ص ١٠ - ١١.
(٢) ثم اهتديت ص ١٥٦.
(٣) البقرة ١١١
(٤) البقرة ١٣٥.
(٥) غافر ٢٩.
[ ١٤٧ ]
وصف أهل الضلال: ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾ (^١)، وقوله: ﴿فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ . (^٢)
وإذا ثبت هذا فليعلم، أن عقيدة الرافضة التي يزعم أنه اهتدى باعتناقها، هي أفسد عقيدة، والرافضة هم أضل فرقة انتسبت إلى الإسلام، وأبعد طائفة عن الحق، وأجهلها به، وأقرب طائفة إلى الكفر واعرقها فيه، وهذا باتفاق أئمة الإسلام -على ما تقدم نقل كلامهم مفصلًا في ذم الرافضة- (^٣)، وباتفاق المحققين في الفرق، الذين هم أعرف الناس بمذاهب الناس، ومقالاتهم، حيث صرحوا بأن الرافضة أبعد الفرق عن الدين، واعرقها في الضلالة.
قال ابن حزم: «وما نعلم أهل فرية أشد سعيًا في إفساد الإسلام وكيده من الرافضة» . (^٤)
وقال البغدادي: «وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء
كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده، لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى ﵇، فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الاهواء في الكفر» . (^٥)
ويقول الاسفرايني بعد أن ذكر الرافضة وبعض معتقداتهم: «وليسوا في الحال على شيء من الدين، وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام في الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلفة تكليف الشريعة عن أنفسهم» . (^٦)
_________________
(١) الزخرف ٣٧.
(٢) الأعراف ٣٠.
(٣) انظر: ص ١١٢-١١٩.
(٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤/٥٧.
(٥) الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٣٥.
(٦) التبصير في الدين للاسفرايني ص٤١.
[ ١٤٨ ]
فأي هدى في الانتساب إلى هؤلاء الرافضة!! وإنما هو الكفر، والزندقة والإلحاد، الذي تشربته قلوبهم، وعقولهم.
وأما هذا الأفاك: فزيادة على انتسابه للرافضة، وإعلانه اعتناق عقيدتهم الفاسدة، -وحسبه ذمًا، أن يكون رافضيًا- فإني أورد هنا من كلامه على وجه الخصوص، ما يدل على زيف ما ادعاه من الهداية، وانغماسه في الكفر والغواية، فإني أخشى أن يظن ظان أن الرجل قد لُبِّسَ عليه، وما عرف حقيقة ما عليه القوم، وإلا ما انتسب
إليهم، فإليك أيها القارئ أمثلة من كلامه تنبئك عن حقيقة حاله.
يقول عن القرآن الكريم: «لأن كتاب الله وحده لا يكفي للهداية، فكم من فرقة تحتج بكتاب الله وهي في الضلالة كما ورد ذلك عن رسول الله ﷺ عندما قال: (كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه)، فكتاب الله صامت، وحمال أوجه، وفيه المحكم والمتشابه، ولابد لفهمه من الرجوع إلى الراسخين في العلم، حسب التعبير القرآني، وإلى أهل البيت حسب التفسير النبوي». (^١)
فهل من يعتقد هذا الاعتقاد في كتاب الله من المهتدين!! أم من الضالين المكذبين، الذين يكذبون بما أخبر الله عنه في صريح كلامه وصفًا لكتابه، من أنه جعله هدى يهدي للتي هي أقوم كما في قوله: ﴿ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين﴾ (^٢)، وقوله: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شئ
وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ (^٥) إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
_________________
(١) ثم اهتديت ص ١٨٠.
(٢) البقرة ٢.
(٣) الإسراء ٩.
(٤) النحل ٦٤.
(٥) النحل ٨٩.
[ ١٤٩ ]
وإذا كان هذا الرجل يصرح بأن القرآن لا يكفي لهداية الخلق، فهذا أكبر دليل على ضلاله، بل كفره وإلحاده، لتكذيبه لصريح القرآن، مما لا يسع جهله العوام، فكيف بمن يدعى العلم
والتحقيق.
ووجه آخر يدل على ضلاله: وهو أن الله أخبر في هذه الآيات: أن هذا القرآن هدى للمتقين والمؤمنين، فإذا كان المؤلف يرى أن هذا الكتاب لا يكفي في الهداية-وهو بطبيعة الحال إنما يعبر عن حاله وما يجد من نفسه- فليُعلم أن: الله قال في وصف كتابه: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ . (^١)
وقال ﷿: ﴿وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ . (^٢)
ويقول تعالى في وصف المنافقين: ﴿وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم
من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون - وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ . (^٣)
ومن خلال هذه الآيات، مع دعوى المؤلف أن القرآن لا يكفي في هداية الخلق، يتبين لك أيها القارىء حال الرجل، ومن أي الفريقين هو، أهو من أهل الإيمان الذين زادهم القرآن إيمانًا وهدى؟ أم من المنافقين الذين زادهم رجسًا إلى رجسهم وهو عليهم عمى؟
وإذا كان هذا هو موقفه من القرآن، فإن موقفه من السنة لا يختلف عن ذلك بل أشد، يقول: «فإذا كان القرآن وهو كتاب الله العزيز يتطلب من
_________________
(١) فصلت ٤٤.
(٢) الإسراء ٨٢.
(٣) التوبة ١٢٤-١٢٥.
[ ١٥٠ ]
يقاتل في سبيل تفسيره، وتوضيحه، لأنه كتاب صامت لا ينطق، وهو حمال أوجه متعددة، وفيه الظاهر والباطن، فكيف بالأحاديث النبوية» . (^١)
ويقول أيضًا زاعمًا أن السنة ليست الحل لقضايا المسلمين، وإنما تزيد الأمر تعقيدًا: «فقول الرسول ﵌ بأنه ترك كتاب الله وسنة نبيه، ليس هو الحل المعقول لقضيتنا بل يزيدنا تعقيدًا
وتأويلًا، ولايقطع دابر المشاغبين والمنحرفين» . (^٢)
وقوله هذا وموقفه من السنة غني عن كل توضيح في براءته من الدين ومروقه منه يقول تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (^٣)، ويقول: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ . (^٤)
وأما أصحاب النبي ﷺ فيقول في حقهم: «فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة، التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده ﷺ إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم» . (^٥)
ويقول: «وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة، الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم القهقري، ولم ينج منهم إلا القليل، وأبدلتهم بأئمة أهل البيت النبوي، الذين أذهب الله عنهم
الرجس وطهرهم تطهيرًا» . (^٦)
_________________
(١) لأكون مع الصادقين ص١٢٨.
(٢) لأكون مع الصادقين ص١٢٩.
(٣) الأحزاب ٣٦.
(٤) النساء ٦٥.
(٥) ثم اهتديت ص٦٥-٦٦.
(٦) ثم اهتديت ص١٥٦.
[ ١٥١ ]
ويقول أيضًا: «مرحى لهؤلاء الصحابة، الذين لا يتورعون عن تغيير سنة الرسول، وحتى أحكام الله، للوصول إلى أغراضهم الدنيئة، وأحقادهم الدفينة، ومطامعهم الخسيسة» . (^١)
ويقول أيضًا: «فهذه من الأسباب القوية التي جعلتني أنفر من أمثال هؤلاء الصحابة، ومن تابعيهم الذين يتأولون النصوص، ويختلقون الروايات الخيالية لتبرير أعمال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالد بن الوليد، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وإخوانهم، اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أبرأ إليك من أفعال هؤلاء وأقوالهم التي خالفت أحكامك، واستباحت حرماتك، وتعدت حدودك، واغفر لي ما سبق من موالاتهم، إذ كنت من الجاهلين» . (^٢)
إلى غير ذلك من مطاعنه على أصحاب النبي ﷺ، وتكفيره إياهم هم وسائر سلف الأمة، مما يدل على ما تنطوي عليه نفس الرجل من حقد وضغينة على الإسلام وأهله، ونفاق باطن يحمله على الوقيعة في خيار الأمة وأصفيائها من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.
بل إن قوله بردة الصحابة إلا القليل منهم كفر ظاهر وصريح، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حيث قال في تفصيل حكم من سب الصحابة: «وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من شك في كفر مثل هذا، فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فُسَّاق، وأن هذه الآية التي هي ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (^٣) وخيرها: هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا،
_________________
(١) المرجع نفسه ص١٢٨.
(٢) المرجع نفسه ص١٨٨.
(٣) آل عمران ١١٠.
[ ١٥٢ ]
ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام» . (^١)
وأخيرًا أختم النقل عن هذا الرجل، بنص مهم يتبرأ فيه من أهل السنة ويتمنى أن يموت على عقيدة الرفض حيث يقول: «وإذا كانت السنة والجماعة من ابتكار معاوية بن أبي سفيان فنسأله سبحانه أن يميتنا على بدعة الرفض، التي أسسها علي بن أبي طالب وأهل
البيت ﵈» . (^٢)
وبهذه النصوص الصريحة من كلامه يظهر للقارئ موضع هذا الرجل من الدين، ومدى صدق ما يدعيه من الهداية. على أني قبل أن أختم الحديث عن هذه الجزئية أشير الى نقطة مهمة وهي: أن هذا الرجل مع ما يدعيه من أنه لم يكن رافضيًا ثم اهتدى لعقيدة الرفض، إلا أنه صرح في بعض كلامه بانتمائه في الأصل لأسرة تنتسب الى السادة، قد فرت من العراق، وأنه بهذا يكون قد رجع الى أصله حيث يقول: «وبذلك أكون قد رجعت إلى أصلي، فقد كان أبي وأعمامي يحدثوننا حسب الشجرة التي يعرفونها أنهم من السادة الذين هربوا من العراق، تحت الضغط العباسي، ولجأوا إلى شمال أفريقيا حيث أقاموا في تونس وبقيت آثارهم حتى اليوم» . (^٣)
وهذا مما يشير الى أصله الرافضي وتلطخ أسرته بهذه العقيدة قديمًا، ثم إدراكه شؤمها بعد تلك السنين الطويلة مما فيه عبرة لكل معتبر فنسأل الله بمنه وكرمه العافية والسلامة.
_________________
(١) الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ص٥٨٦-٥٨٧.
(٢) الشيعة هم أهل السنة ص٨٧.
(٣) ثم اهتديت ص١٥٩.
[ ١٥٣ ]