أول من يعرف أنه دعا إلى أصول عقائد الرافضة التي انبنت عليها عقائدهم الأخرى: رجل يهودي اسمه (عبد الله بن سبأ) من يهود اليمن، أسلم في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- وأخذ يتنقل بين أمصار المسلمين للدعوة لهذا المعتقد الفاسد.
وهذا نص ما ذكره الإمام الطبري في تأريخه في شأن الرجل ضمن حوادث سنة خمس وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة.
قال: «كان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع وقد قال الله: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ (^١)، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف
نبي ولكل نبي وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمد؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء.
_________________
(١) سورة القصص ٨٥.
[ ٢٧ ]
ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة.
ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصيّ رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا الطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر، فبث دعاته وكاتب من كان استفسده في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم». (^١)
هكذا كانت بداية الرفض. ومازالت تلك العقائد التي دعا إليها ابن سبأ تسير في نفوس أناس من أهل الزيغ والضلال وتتشربها قلوبهم وعقولهم حتى كان من ثمارها مقتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان ابن عفان ﵁ على يد هذه الشرذمة الفاسدة.
حتى إذا ما جاء عهد علي بن أبي طالب ﵁ بدأت تلك العقائد تظهر إلى الوجود أكثر من ذي قبل إلى أن بلغت عليًا ﵁ فأنكرها أشد ما يكون الإنكار وتبرأ منها ومن أهلها.
ومما صح في ذلك عن علي ﵁ مارواه ابن عساكر عن
عمار الدهني قال: «سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت المسيب بن لجبة أتى به ملببه يعني -ابن السوداء- وعلي على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله». (^٢)
وعن يزيد بن وهب عن علي قال: «مالي ولهذا الحَمِيت (^٣) الأسود». (^٤)
_________________
(١) تأريخ الطبري ٤/ ٣٤٠.
(٢) تأريخ مدينة دمشق ٩/ق ٣٣١.
(٣) الحَمِيت: هو وعاء السمن الذي مُتِّن بالرُّبِّ، ويطلق على المتين من كل شئ وفي حديث وحشي: (كأنه حميت) قال ابن حجر: «أي زِّقُّ كبير وأكثر مايقال ذلك إذا كان مملوءًا». انظر: القاموس المحيط ١/ ١٤٦، وفتح الباري ٧/ ٣٦٨.
(٤) المصدر نفسه.
[ ٢٨ ]
ومن طريق يزيد بن وهب أيضًا عن سلمة عن شعبه قال علي بن أبي طالب: «مالي ولهذا الحَمِيت الاسود -يعني عبد الله بن سبأ- وكان يقع في أبي بكر وعمر». (^١)
وهذه الروايات ثابتة عن علي ﵁ بأسانيد صحيحة (^٢)
وحكى المؤرخون وأصحاب الفرق والمقالات: أن ابن سبأ ادّعى الربوبية في علي ﵁ فأحرقه علي ﵁ هو وأصحابه بالنار.
يقول الجرجاني: «السبئية من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ، وكان أول من كفر من الرافضة، وقال: عليّ رب العالمين فأحرقه علي وأصحابه بالنار». (^٣)
ويقول الملطي في معرض حديثه عن السبئية: «هم أصحاب عبد الله بن سبأ. قالوا لعلي ﵇: أنت أنت قال: ومن أنا؟ قالوا: الخالق البارئ فاستتابهم فلم يرجعوا، فأوقدلهم نارًا ضخمة وأحرقهم وقال مرتجزًا:
لما رأيتُ الأمرَ أمرًا منكرًا … أجَجْتُ ناري ودعوتُ قنبرا» (^٤)
وذهب بعض المؤرخين إلى أن عليًا ﵁ لم يحرق ابن سبأ وإنما نفاه إلى المدائن. ثم ادّعى بعد موت علي ﵁ أن عليًا لم يمت، وقال لمن نعاه: «لو جئتمونا بدماغه في سبعين صُرّة ما صدقنا موته». (^٥)
ولعل القول الأول هو الصحيح ويشهد له ما جاء في صحيح
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) قال الشيخ سليمان العودة: «وقد أرسلت للشيخ ناصر الدين الألباني (جزاه الله خيرًا» بأسانيد هذه الروايات لدراستها فضبطها بين صحيح، وحسن صحيح لغيره) عبد الله بن سبأ وأثره في احداث الفتنه في صدر الاسلام ص ٩٨ من الحاشية.
(٣) التعريفات ص ١٠٣.
(٤) التنبيه والرد على أهل الاهواء والبدع ص ١٨.
(٥) انظر: الفصل لابن حزم ٥/ ٣٦، والتبصير في الدين للإسفرايني ص ١٢٣، والملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٧٧، والأنساب للسمعاني ٧/ ٤٦.
[ ٢٩ ]
البخاري: عن عكرمة ﵁ قال: أُتي عليّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: (لوكنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ: لا تعذبوا بعذاب الله. ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ: من بدل دينه فاقتلوه). (^١)
قال ابن حجر في شرح الحديث بعد أن ذكر بعض الروايات في هؤلاء المحَرَّقين وفيها: أنهم ناس كانوا يعبدون الأصنام، وفي بعضها أنهم قوم ارتدوا عن الإسلام، على اختلاف بين الروايات في تعيينهم قال بعد ذلك: «وزعم أبو المظفر الإسفرايني في (الملل والنحل) أن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الالهية وهم السبئية.
وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديًا أظهر الإسلام، وابتدع هذه المقالة. وهذا يمكن أن يكون أصله: ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري قال: قيل لعلي إن هنا قومًا على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال: ويلكم ماتقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا». (^٢)
ثم ساق بقية الرواية وفيها أن عليًا ﵁ استتابهم ثلاثًا فلم يرجعوا، فحرقهم بالنار في أخاديد قد حُفِرت لهم وقال:
إني إذا رأيت أمرًا منكرًا … أوقدت ناري ودعوت قنبرا
قال ابن حجر: «وهذا سند حسن». (^٣)
فعلى هذا يكون تحريق علي ﵁ للسبئية ثابتًا وسواء أكان ذلك بأثر عكرمة في البخاري أم بهذا الأثر على رأي ابن حجر
-رحمه الله تعالى-.
_________________
(١) صحيح البخاري (كتاب استتابة المرتدين باب المرتد والمرتدة) فتح البارى ١٢/ ٢٦٧ ح ٦٩٢٢.
(٢) فتح الباري ١٢/ ٢٧٠.
(٣) فتح الباري ١٢/ ٢٧٠.
[ ٣٠ ]
وسيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يشعر بميله للرأي الأول والله تعالى أعلم.
والمقصود هنا هو ظهور عقائد الرافضة المتمثلة في الغلو في علي ﵁ في تلك الفترة الزمنية المتقدمة، وإمعان علي ﵁ في عقوبتهم حتى قال ابن عباس في ذلك ما قال.
كما ثبت انكار علي ﵁ لكل العقائد الأخرى التي ظهرت في عهده وانتظمت في سلك التشيع له: كتفضيله على عامة الصحابة وتقديمه على الشيخين، وكانتشار سب الصحابة والازراء عليهم بين أولئك الضلاّل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «ولما أحدثت
البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ردها، وكانت (ثلاث طوائف) غالية، وسبابة ومفضِّلة. فأما الغالية فإنه حرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد له أقوام، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو الله فا ستتابهم ثلاثًا فلم يرجعوا فأمر في الثالث بأخاديد فخُدّت وأضرم فيها النار، ثم قذفهم فيها وقال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرا
وفي صحيح البخاري: (أن عليًا أتى بزنادقة فحرّقهم وبلغ ذلك ابن عباس فقال: أما أنا فلو كنت لم أحرقهم لنهي النبي ﷺ أن يُعَذّب بعذاب الله ولضربت أعناقهم لقول النبي ﷺ من بدل دينه فاقتلوه) . (^١)
وأما السبابة: فإنه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله، فهرب منه إلي قرقيسيا وكلمه فيه، وكان علي يداري أمراءه، لأنه لم يكن متمكنا ولم يكن يطيعونه في كل ما يأمرهم به.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٣٧
[ ٣١ ]
وأما المفضلة: فقال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترين. وروي عنه من أكثر من ثمانين وجهًا أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر». (^١)
وعلى كل حال فعقائد الرافضة مع ظهورها في عهد علي ﵁
إلا أنها بقيت محصورة في أفراد لا تمثلها طائفة أو فرقة، حتى انقضى عهد علي ﵁ وهي على تلك الحال.
يقول شيخ الإسلام واصفًا ذلك الواقع وما حصل بعد ذلك من تطور في نشأة الرافضة:
«ثم ظهر في زمن علي من تكلم بالرفض؛ لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين ﵁، بل لم يظهر اسم الرفض إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى، لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر ﵄ رفضته الرافضة، فسموا (الرافضة) واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم، واتبعه آخرون فسموا (زيدية) نسبة إليه». (^٢)
وخلاصة القول أن الرافضة مرت في نشأتها بعدة مراحل حتى أصبحت فرقة مستقلة متميزة بعقيدتها واسمها عن سائر فرق الأمة. ويمكن إبراز ذلك من خلال أربع مراحل رئيسة:
المرحلة الأولى: دعوة عبد الله بن سبأ إلى ما دعى إليه من الأصول التي انبنت عليها عقيدة الرافضة: كدعوته لعقيدة الرجعة وإحداثه القول بالوصية لعلي ﵁ والطعن في الخلفاء السابقين لعلي في الخلافة.
وقد ساعد ابن سبأ في ترويج فكره الضال البعيد عن روح الإسلام أمران:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٩٠.
[ ٣٢ ]
الأمر الأول: اختيار ابن سبأ البيئة المناسبة لدعوته، حيث
بث دعوته في بلدان: الشام، ومصر، والعراق، بعد أن أكثر التنقل بين هذه الأمصار كما مر في كلام الطبري. (^١)
فنشأت هذه الدعوة في مجتمعات لم تتمكن من فهم الإسلام الفهم الصحيح، وتترسخ أقدامها في العلم الشرعي والفقه بدين الله تعالى، وذلك لقرب عهدها بالإسلام فإن تلك الأمصار إنما فتحت في عهد عمر ﵁. هذا بالإضافة إلى بعدها عن مجتمع الصحابة في الحجاز وعدم التفقه عليهم.
الأمر الثاني: ان ابن سبأ مع اختياره لدعوته تلك المجتمعات فإنه زيادة في المكر والخديعة: أحاط دعوته بستار من التكتم والسرية، فلم تكن دعوته موجهة لكل أحد، وإنما لمن علم أنهم أهل لقبولها من جهلة الناس، وأصحاب الأغراض الخبيثة، ممن لم يدخلوا في الإسلام إلا كيدًا لأهله بعد أن قوضت جيوش الإسلام عروش ملوكهم ومزقت ممالكهم، وقد تقدم كلام الطبري السابق عن ابن سبأ: «فبث دعاته، وكاتب من كان استفسده في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى
ما عليه رأيهم» . (^٢)
ويقول في سياق وصفهم: «وأوسعوا الأرض إذاعة
وهم يريدون غير ما يظهرون» . (^٣)
المرحلة الثانية: إظهار هذا المعتقد، والتصريح به، وذلك بعد مقتل عثمان ﵁ وانشغال الصحابة رضوان الله عليهم بإخماد الفتنة التي حصلت بمقتله، فوجد هؤلاء الضلال متنفسًا في تلك الظروف، وقويت تلك العقائد الفاسدة في نفوسهم، إلا أنه مع كل ذلك بقيت هذه العقائد محصورة في طائفة مخصوصة ممن أضلهم
ابن سبأ، وليست لهم شوكة ولا كلمة
_________________
(١) انظر ص ٣٣ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ٣٤ من هذا الكتاب.
(٣) تاريخ الطبري ٤/٣٤١.
[ ٣٣ ]
مسموعة عند أحد سوى من ابتلي بمصيبتهم في مقتل عثمان ﵁، وشاركهم في دمه من الخوارج المارقين، ومما يدل على ذلك ما نقله المؤرخون في الحوار الدائر بين هؤلاء قُبيل موقعة الجمل، ومما جاء فيه كما ذكر الطبري: «قال ابن السوداء ودّ والله الناس أنكم على جديلة (^١) ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطفكم كل شئ». (^٢)
وفي موطن آخر: «وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم». (^٣)
وهذا القول لا يقوله صاحب شوكة ومنعة. ومع هذا فإنه لاينكر دور هؤلاء السبئية وقتلة عثمان في إشعال نار الحرب بين الصحابة، بل ذلك مقرر عند أهل التحقيق للفتنة وأحداثها.
يقول ابن حزم مقررًا ذلك: «وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراعة والتدبير عليهم، فبيتوا عسكر طلحة والزبير، وبذلوا السيوف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم». (^٤)
ويقول ابن كثير: «وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس». (^٥)
المرحلة الثالثة: اشتداد أمرهم وقوتهم، واجتماعهم تحت قيادة واحدة، وذلك بعد مقتل الحسين ﵁ للأخذ بثأر الحسين والانتقام له من أعدائه.
_________________
(١) الجديلة هي: القبيلة، والشاكلة والناصية، القاموس المحيط ٣/ ٣٤٧ والمعنى هنا أي: منعزلين في ناحية عن الناس.
(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٤٩٤.
(٣) تاريخ الطبري ٤/ ٤٩٤.
(٤) الفصل في الملل والاهواء والنحل ٤/ ٢٣٩.
(٥) البداية والنهاية ٧/ ٢٥١.
[ ٣٤ ]
يقول الطبري ضمن حوادث سنة أربع وستين للهجرة: «وفي
هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة، واتّعدوا الاجتماع بالنخيلة سنة خمس وستين للمسير لأهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي، وتكاتبوا في ذلك» . (^١)
وكان مبدأ أمرهم ما ذكره الطبري أيضًا من رواية عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي أنه قال: «لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيرًا بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة: إلى سليمان بن صُرَد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي ﷺ، وإلى المُسَيّب بن نجَبَة الفزاري، وكان من أصحاب علي وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد ابن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التَّيمى، وإلى رفاعة بن شداد البَجَلي. ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صُرَد وكانوا من خيار أصحاب علي، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم» . (^٢)
وكان هذا الاجتماع عامًا يشمل كافة الشيعة، وقد اجتمع إلى سليمان بن صُرَد نحو من سبعة عشر ألفًا، ثم لم تعجب سليمان قلتهم فأرسل حكيم بن منقذ فنادى في الكوفة بأعلى صوته: (يا ثأرات الحسين) فلم يزل ينادي حتى خرج إلى النخلية أشراف أهل الكوفة وخرج الناس معهم فكانوا قريبًا من عشرين ألفًا. (^٣)
ثم إنه في هذه الأثناء قدم المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى الكوفة «فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد وعظموه تعظيمًا زائدًا، وهم معدون للحرب، فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا إلى إمامة المهدي
_________________
(١) تاريخ الطبري ٥/٥٥١.
(٢) المصدر نفسه ٥/٥٥٢.
(٣) انظر البداية والنهاية لابن كثير ٨/٢٥٤.
[ ٣٥ ]
محمد بن علي بن أبي طالب وهو محمد بن الحنفية، ولقبه بالمهدي فاتبعه على ذلك كثير من الشيعة، وفارقوا سليمان بن صرد، وصارت الشيعة فرقتين، الجمهور منهم مع سليمان، يريدون الخروج على الناس ليأخذوا بثأر الحسين، وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن الحنفية، وذلك عن غير أمر ابن الحنفية ورضاه، وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به، وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسده. (^١)
فكان هذا بداية اجتماع الشيعة. ثم يذكر المؤرخون خروج
سليمان بن صرد بمن كان معه من الشيعة إلى الشام، فالتقوا مع أهل الشام عند عين تسمى «عين الوردة» واقتتلوا اقتتالًا عظيمًا لمدة ثلاثة أيام، يقول ابن كثير في وصفه: «لم ير الشيب والمرد مثله لايحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل» (^٢)، ثم انتهى القتال بينهم بقتل سليمان بن صرد ﵀ وكثير من أصحابه، وهزيمتهم، وعودة من بقي من أصحابه إلى الكوفة. (^٣)
وأما المختار بن أبي عبيد: فلما رجع من بقي من جيش سليمان إلى الكوفة وأخبروه بما كان من أمرهم، وما حل بهم فترحم على سليمان ومن كان قتل معه، وقال: «وبعد فأنا الأمير المأمون قاتل الجبارين والمفسدين، إن شاء الله فأعدّوا واستعدوا وأبشروا». (^٤)
يقول ابن كثير: «وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن ربه (^٥)، الذي كان يأتي إليه من الشيطان، فإنه قد كان يأتي إليه شيطان فيوحي إليه قريبًا مما كان يوحي شيطان مسيلمة له». (^٦)
«ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي والبلدان والرساتيق،
من
_________________
(١) المصدر نفسه ٨/ ٢٥١.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ٢٥٧.
(٣) انظر تاريخ الطبري ٥/ ٥٩٨ - ٥٩٩، والبداية والنهاية ٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٤) البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ٢٥٨.
(٥) هكذا وردت في المصدر ولعلها: (رئِيه) والرئي: هو الجن يتعرض للإنسان يريه الكهانة. لسان العرب ١٤/ ٢٩٧.
(٦) المصدر نفسه ٨/ ٢٥٧.
[ ٣٦ ]
أرض العراق وخراسان، وعقد الألوية والرايات ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله». (^١)
المرحلة الرابعة: انشقاق الرافضة عن الزيدية، وباقي فرق الشيعة، وتميزها بمسماها وعقيدتها. وكان ذلك على وجه التحديد في سنة إحدى وعشرين ومائة عندما خرج زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك (^٢) فأظهر بعض من كان في جيشه من الشيعة الطعن على أبي بكر وعمر فمنعهم من ذلك، وأنكر عليهم فرفضوه، فسموا بالرافضة، وسميت الطائفة الباقية معه بالزيدية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن أول ما عرف لفظ الرافضة في الإسلام: عند خروج زيد بن علي في أوائل المائة الثانية، فسئل عن أبي بكر وعمر، فتولاهما فرفضه قوم فسموا رافضة». (^٣)
وقال: «ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمى من لم
يرفضه من الشيعة زيديًا لانتسابهم إليه». (^٤)
ومنذ ذلك التاريخ، تميزت الرافضة عن باقي فرق الشيعة، فأصبحت فرقه مستقلة باسمهما ومعتقدها والله تعالى أعلم.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ٢٧١.
(٢) انظر: تاريخ الطبري ٧/ ١٦٠.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦.
(٤) منهاج السنة ١/ ٣٥.
[ ٣٧ ]