انفرد الرافضة من بين طوائف الأمة بحقدهم العظيم، وطعنهم الشديد، على سائر سلف الأمة وعلمائها ابتداء من الصحابة إلى علماء السنة المعاصرين، على ما هو معلوم لدى المطلع على كتبهم.
وفي الحقيقة إن المتأمل لعداوة الرافضة لسلف الأمة وعلمائها يدرك أن هذه العداوة نابعة من بغض مؤسسي هذا المذهب الخبيث لهذا الدين وأهله، حيث وضعوا لأتباعهم الطعن في نقلة هذا الدين وعلمائه بقصد هدمه من أساسه.
وإن من الأدلة الظاهرة، والبراهين الساطعة، على صحة هذا أن عداوة الرافضة تزداد بحسب مكانة الرجل في الإسلام، وسبقه إليه، وبلائه فيه. ولهذا يجد المطلع على أقوالهم وكتبهم، أنه قد ورد فيها من المطاعن في حق أبي بكر وعمر ﵄ ما لم يرد في حق غيرهما من الصحابة حتى من الذين اختلفوا مع علي ﵁ وذلك لمكانتهما العالية في الدين وحسن بلائهما فيه، كما أن لهم من المطاعن في الصحابة عمومًا ما ليس في من بعدهم من السلف، وكذلك لهم من المطاعن في أئمة الإسلام وعلمائه ما ليس في من هم دونهم في الفضل.
[ ٧٣ ]
وأغرب من هذا كله: أن هؤلاء الرافضة في الوقت الذي يطعنون فيه في خيار أئمة أهل السنة -الذين هم أعظم الناس تحقيقًا لموالاة علي ﵁ ومحبته المحبة الشرعية الصحيحة- ويرمونهم بما يرمونهم به من الكفر، والنفاق، يغضون الطرف عن الخوارج الذين يكفرونه، والنواصب الذين يفسقونه، وإذا ما ذكروهم، فإنهم لا يذكرونهم بما يذكرون به أئمة أهل السنة من الذم والقدح.
وإن كان الحديث قد سبق بذكر بعض مطاعنهم على الصحابة، فإني أذكر هنا بعض مطاعنهم على أئمة أهل السنة وعلمائهم، الذين هم خيار الأمة بعد الصحابة:
فمن ذلك ما أورده النباطي (^١) في كتابه الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم حيث أورد في المجلد الثالث من هذا الكتاب فصلًا خاصًا بالطعن على رواة أهل السنة وعلمائهم عنون له بقوله:
قال عنه الحر العاملي: «كان عالمًا، فاضلًا، محققًا، مدققًا، ثقة، متكلمًا، شاعرًا، أديبًا، متبحرًا، له كتب منها: كتاب الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم». أمل الآمل ١/ ١٣٥.
(في ذكر رواتهم والطعن فيهم).
قال بعد الطعن في طائفة كبيرة من فقهاء الصحابة وفي سياق طعنه في أئمة أهل السنة من بعد الصحابة: «ومنهم: مقاتل، قال الجزري: كان كذابًا بإجماع المحدثين، وقال وكيع: كذاب، وقال السعدي: كان حسودًا
ومنهم: محمد بن سيرين كان مؤدِّبًا للحجاج على ولده، وكان يسمعه يلعن عليًا فلا ينكر عليه، فلما لعن الناس الحجاج خرج من المسجد وقال: لا أطيق أسمع شتمه.
ومنهم: سفيان الثوري كان في شرطة هشام بن عبد الملك.
ومنهم: الزهري، قال سفيان بن وكيع: إنه كان يضع الأحاديث لبني
_________________
(١) هو: زين الدين علي بن يونس العاملي النباطي، متوفى عام ٨٧٧ هـ.
[ ٧٤ ]
مروان وكان مع عبد الملك يلعن عليًا. وروى الشاذكوني (^١) بطريقين أنه قتل غلامًا له.
قال السمعاني: يتهم بشرب النبيذ، وغير ذلك، وكان يتهم بوضع الحديث. وذكره البخاري فقال: هو أضعف عندي من كل ضعيف. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: هو ليس بثقة، مات سنة ٢٣٤ هـ.
انظر الأنساب ٣/ ٣٧١.
ومنهم: سعيد بن المسيب، فقيه الحجاز، روى أبو معشر أنه تأبىّ من حضور جنازة علي بن الحسين، وهو ابن ناقل هذا الدين، ومحمود عند سائر المسلمين، وقال: ركعتين أحب إليَّ من حضور علي بن الحسين.
ومنهم: خالد الواسطي، روى: الجنة والنار يخربان.
ومنهم: منصور بن المعتمر كان شرطيًا لهشام بن عبد الملك.
ومنهم: سعيد بن جبير، كان على عطاء الخيل في زمرة الحجاج وتخلف عن الحسين.
ومنهم: الحسن البصري، خرج مع ابن الأشعث، وتخلف عن الحسين، وخرج في جند الحجاج إلى خراسان، وقال في عثمان: قتله الكفار، وخذله المنافقون، فنسب جمع المهاجرين والأنصار إلى النفاق.
ومنهم: مسروق بن الأجدع، ومرّة الهمدانيان: لم يخرجا مع علي إلى صفين، بل أخذا عطاءهما منه وهربا إلى قزوين، وكان مسروق يلي الجسر بالبصرة لعبيد الله بن زياد يأخذ له المكس
ومنهم: كعب الأحبار، ضربه أبو ذر بمحجنه فشجه، فقال له: ما خرجت اليهودية من قلبك.
_________________
(١) هو: أبو أيوب سليمان بن داود بن بشر بن زياد المِنْقَري البصري، المعروف بالشاذكوني، من أهل البصرة.
[ ٧٥ ]
ومنهم: إبراهيم النخعي، تخلف عن الحسين، وخرج مع ابن الأشعث، وفي جيش عبيد الله بن زياد إلى خراسان.
ومنهم: أبو إسحاق السبيعي، خرج إلى قتال الحسين ﵇.
ومنهم: الشعبي، خرج مع ابن الأشعث، وتخلف عن الحسين، وأسند الشاذكوني: أنه سرق من بيت المال مائة درهم في خفية، وأن شريحًا، ومسروقًا، ومرّة، كانوا لايؤمّنون على دعائه.
وأسند العطار إلى بهلول إلى أبي حنيفة قال: دخلت على الشعبي وبين يديه شطرنج، وروى أبو بكر الكوفي عن المغيرة: أن الشعبي كان لايهون عليه أن تقوم الصلاة وهو يلعب بالشطرنج والنرد، وروى الفضل بن سليمان عن النضر بن محارب أنه رأى: الشعبي يلعب بالشطرنج، فإذا مر عليه من يعرفه أدخل رأسه في قطيفته.
ومنهم: خالد الحذّاء، روى عنه أبو عاصم النيلي أنه أول من وضع العشور، وروى فقهاؤهم مثل: حماد بن زيد، وغيره: إنا لنرى عليًا بمنزلة العجل الذي اتخذه بنوا إسرائيل.
فهذا اختلاف من أخذوا عنهم أمر دينهم واعتمدوا في الاحتجاج على قولهم. وقد ذكر علماؤهم أن عامة من تعلق بهم علم الحديث مبتدعة» . (^١)
هذا ما ذكره النباطي في الطعن على أئمة أهل السنة والنيل منهم
وبعض ما ذكره منقول بنصه من كتاب الإيضاح
لابن شاذان. (^٢)
ويقول نعمة الله الجزائري في كتابه: (الأنوار النعمانية) تحت عنوان: (ظلمة حالكة في بيان أحوال الصوفية والنواصب): «اعلم أن هذا الاسم وهو: التصوف كان مستعملًا في فرقة من الحكماء الزائغين
_________________
(١) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ٣/٢٤٤-٢٥٤.
(٢) انظر: الإيضاح ص٤٥-٤٧.
[ ٧٦ ]
عن طريق الحق، ثم قد استعمل بعده في جماعة من الزنادقة، وبعد مجئ الإسلام استعمل في جماعة من أهل الخلاف كالحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبي هشام الكوفي، ونحوهم، وقد كانوا في طرق من الخلاف مع الأئمة ﵈، فإن هؤلاء المذكورين قد عارضوا الأئمة ﵈ في أعصارهم، وباحثوهم وأرادوا إطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون، والذي وجد منهم في أعصار علمائنا رضوان الله عليهم، قد عارضهم ورد عليهم، وصنف علماؤنا كتبًا في ذمهم والرد عليهم». (^١)
فهذا هو موقف الرافضة من خيار الأمة بعد الصحابة وهم التابعون وأتباعهم، الذين هم حملة العلم، وقدوة الناس في الخير والفضل. وإنما ذكرت هنا نماذج من طعنهم فيهم، بغية الاختصار،
وإلا فكتبهم تزخر بالكثير من المطاعن والشتائم على أولئك الأخيار.
وأما أئمة المذاهب الفقهية الأربعة عند أهل السنة فقد بالغوا في الطعن عليهم بحسب مقامهم في الأمة وانتفاع الناس بعلومهم.
وها هي ذي نماذج من مطاعنهم عليهم:
طعنهم في الإمام أبي حنيفة ﵀:
يقول النباطي ضمن فصل خاص عقده للطعن في الأئمة الأربعة بعنوان: (في تخطئة كل واحد من الأئمة الأربعة): «الأول أبو حنيفة، وفيه أمور:
قال الغزالي: أجاز أبو حنيفة وضع الحديث على وفق مذهبه.
وعن يوسف بن أسباط، قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﷺ لأخذ بكثير من أقوالي
_________________
(١) الأنوار النعمانية ٢/ ٢٨١.
[ ٧٧ ]
وفي مجالس ابن مهدي: كان أبو حنيفة يشرب مع مساور فلما تنسك عاب مساورًا فكتب إليه شعرًا:
إن كان فقهك لا يتم … بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي حيث شئت … من الأداني والأقاصي
فلطال ما زكّيتني و… أنا مقيم على المعاصي
أيام تعطينى وتأخذ … في أباريق الرصاص
فأنفذ إليه أبو حنيفة بمال وكف عنه» (^١) الخ
ماذكره من مطاعن وأكاذيب على هذا الإمام الجليل. عليه من الله ما يستحق.
ويقول البحراني: «وأما أبو حنيفة فكان يقول قال علي ﵇ وأنا أقول خلافًا لقوله، وحُكي عنه أنه كان يقول خالفت جعفر بن محمد في جميع أقواله وفتاواه، ولم يبق إلا حالة السجود، فما أدري أنه يغمض عينيه أو يفتحها حتى أذهب إلى خلافه وأفتى الناس بنقيض فعله». (^٢)
طعنهم في الإمام مالك ﵀:
يقول النباطي ضمن طعنه عليه: «كان مالكًا يذكر عليًا وعثمان وطلحة والزبير، ويقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر.
ودخل محمد بن الحسن على مالك ليسمع منه الحديث فسمع في داره المزمار والأوتار فأنكر عليه فقال: إنا لا نرى به بأسًا.
وفي حلية الأولياء وغيرها عن ابن حنبل وأبي داود أن جعفر بن سليمان ضرب مالكًا وحلقه وحمله على بعير، وروي أنه كان
على رأي الخوارج فسئل عنهم فقال: ما أقول في قوم ولوّنا فعدلوا فينا». (^٣)
_________________
(١) الصراط المستقيم ٣/ ٢١٣.
(٢) الكشكول ليوسف البحراني ٣/ ٤٦.
(٣) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ٣/ ٢٢٠.
[ ٧٨ ]
طعنهم في الإمام الشافعي ﵀:
يقول النباطي في معرض طعنه عليه: «عن أبي بكر ابن عياش أنه قال: سوّد الله وجه ابن إدريس.
وقال عمار بن زريق: ذكر الشافعي عند الثوري فقال: غير فقيه ولا مأمون.
وقال القاضي بن شهري: كان الشافعي لا يحدث إلا ولجانبه غلام أمرد حسن الوجه
[وقال النباطي]: ونسب نبينا إلى الرغبة في الحرام حيث قال: إذا أبصر امرأة وأعجبته وجب على زوجها طلاقها». (^١)
طعنهم في الإمام أحمد ﵀:
يقول الكشي في ترجمته: «هو من أولاد ذي الثدية، جاهل، شديد النصب يستعمل الحياكة لايعد من الفقهاء». (^٢)
ويقول النباطي: «في مسند جعفر قال أحمد: لايكون الرجل سنيًا حتى يبغض عليًا ولو قليلًا». (^٣)
ويقول أيضًا: «ووقع الراضي بالله نسخة للحنابلة فيها: وقد تأمل أمير المؤمنين جماعتكم، وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم. فوجده كاللعين إبليس يزين لحزبه المحظور، ويركب بهم صعاب الأمور، ويدلي لهم حبل الغرور». (^٤)
وأما الإمامان المحدثان البخاري ومسلم:
فيقول النباطي في الطعن عليهما: «كتم البخاري ومسلم أخبارًا جمة
_________________
(١) الصراط المستقيم ٣/ ٢١٧ - ٢١٩.
(٢) إلى مستحقي التقديم نقله عن الكشي، النباطي: في الصراط المستقيم ٣/ ٢٢٣
(٣) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ٣/ ٢٢٤.
(٤) الصراط المستقم إلى مستحقي التقديم ٣/ ٢٢٥.
[ ٧٩ ]
في فضائل أهل البيت صحيحة على شرطهما». (^١)
ويقول: بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الموضوعة والضعيفة زعم أن الشيخين قد أسقطاها من كتابيهما-: «فهذه الأحاديث إن كانت لم تصل إلى الشيخين مع شهرتها، فهو دليل قصورهما فكيف يرجحون كتابيهما ويلهجون بذكرهما على غيرهما، وإن وصلت إليهما فتركا روايتها ونقلها كان ذلك من أكبر التهمة والانحراف والرجوع عن السبيل الواضح إلى الاعتساف». (^٢)
ويقول أيضًا في طعنه على الإمام البخاري: «ما رأينا عند العامة أكثر صيتًا منه ولا أكثر درجة منه فكأنه جيفة علت، أو كلفة (^٣)
غشت بدرًا، كتم الحق وأقصاه، وأظهر الباطل وأدناه». (^٤)
فهذه نماذج مما جاء في كتب الرافضة في حق أئمة أهل السنة وعلمائهم، توضح مدى حقدهم وبغضهم، وشدة عدائهم لهم.
وليعلم القارئ أني إنما سقت هنا أمثلة فقط وإلا فقد تركت نصوصًا أخرى لهم في الطعن في السلف فيها قدح شنيع ونيل عظيم من أعراضهم ودينهم تنزهًا عن نقلها وتأثمًا من نشرها بين الناس.
وأختم الحديث هنا بنقل مهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان موقف الرافضة من سلف الأمة وأئمتها تأكيدًا لما تقدم نقله من كتبهم.
يقول ﵀: «الرافضة كفّرت أبا بكر وعمر وعثمان، وعامة المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، الذين ﵃
_________________
(١) المصدر نفسه ٣/ ٢٣٢
(٢) المصدر نفسه ٣/ ٢٣٤.
(٣) الكلفة: حمرة كَدِرة تعلو الوجه، وقيل: لون بين السواد والحمرة، وقيل: هو سواد يكون في الوجه. لسان العرب ٩/ ٣٠٧.
(٤) الصراط المستقم إلى مستحقي التقديم ٣/ ٢٢٦.
[ ٨٠ ]
ورضوا عنه، وكفروا جماهيرأمة محمد ﷺ من المتقدمين والمتأخرين.
فيكفرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة، أو ترضى عنهم كما ﵃، أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم، ولهذا يكفرون أعلام الملة: مثل سعيد بن المسيب، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومثل: مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد،
وحماد بن سلمة، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري وغير هؤلاء.
ويرون أن كفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى، لأن أولئك عندهم كفار أصليون، وهؤلاء مرتدون، وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي.
إلى أن قال: وأكثر محققيهم -عندهم- يرون أبا بكر وعمر وأكثر المهاجرين والأنصار، وأزواج النبي ﷺ مثل: عائشة، وحفصة، وسائر أئمة المسلمين وعامتهم ما آمنوا بالله طرفة عين قط، لأن الإيمان الذي يتعقبه الكفر عندهم يكون باطلًا من أصله كما يقوله بعض علماء السنة، ومنهم من يرى أن فرج النبي ﷺ الذي جامع به عائشة وحفصة لابد أن تمسه النار ليطهر بذلك من وطء الكوافر على زعمهم لأن وطء الكوافر حرام عندهم» . (^١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/٤٧٧-٤٨١.
[ ٨١ ]