قبل الدخول في الرد المفصل على المسائل التي ذكرها المؤلف في كتابه الأول (ثم اهتديت) لابد لي من وقفة معه لبيان حاله، ومنهجه الذي سار عليه في تأليف كتبه، ومدى صدقه، وأمانته، ومبلغه من العلم، ليقف القارئ على ذلك بنفسه قبل الشروع في قراءة الرد عليه.
وذلك ببيان جهل المؤلف، وغروره، وكذبه، وتدليسه، وتناقضه في كلامه، واتباعه الظن في أحكامه، وعدم توثيقه للنقول، ومخالفته في كتبه لأصول التأليف التي درج عليها أهله، وكذلك للمنهج الذي ألزم به نفسه في التأليف، ومخالفته أيضًا لعقيدة الرافضة المعروفة عندهم.
وسيكون تقرير هذا كله بالاستدلال على كل جزئية من كلامه والمقارنة بين أقواله والمناظرة بين مسائلة التي يقررها من خلال كتبه الأربعة السالفة الذكر.
وها هو ذا تفصيل ذلك:
أولًا: جهله.
ويدل على ذلك ما ذكره المؤلف عن نفسه واعترافه بأنه
ليست عنده مكتبة خاصة إلا بعد أن أهدى له الرافضة في العراق مجموعة من كتبهم،
[ ١١١ ]
يقول: «وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي وعرفت مصدرها فرحت كثيرًا، ونظمت الكتب في بيت خاص سميته المكتبة». (^١)
ثم يقول بعد ذلك: «سافرت إلى العاصمة، ومنها اشتريت صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وصحيح الترمذي، وموطأ مالك، وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة، ولم أنتظر الرجوع إلى البيت فكنت طوال الطريق بين تونس وقفصة وأنا راكب في حافلة النقل العمومية أتصفح كتاب البخاري، وأبحث عن رزية الخميس متمنيًا أن لا أعثر عليها، ورغم أنفي وجدتها». (^٢)
فليتأمل القارئ قوله: (ثم وضعت الكتب في مكان سميته المكتبة) وكأنه أول من ابتكر المكتبات في البيوت ثم وضع لها هذا الاسم الذي ظن أنه لم يسبق إليه، ثم شرائه من بعد ذلك الصحيحين، والكتب المشهورة في الحديث بعد أن لم تكن عنده ولا يعرفها.
في حين أن هذه الكتب لاتكاد تخلو منها مكتبة طالب علم
صغير، فضلًا عمن يعد نفسه من العلماء، ويتصدى للبحث والتأليف في أخطر المسائل وأدقها في باب الاعتقاد.
هذا وقد اعترف المؤلف في موطن آخر من كتابه (ثم اهتديت) بأنه ليست عنده معرفة بعلوم الشريعة، زاعمًا -لفرط جهله- أنه لا يحتاج إليها في بحثه عن أحوال الصحابة.
يقول ضمن نقله لحوار دار بينه وبين عالم سني: «فقال: لايمكنك الاجتهاد إلا إذا عرفت سبعة عشر علمًا، منها علم التفسير واللغة، والنحو، والصرف، والبلاغة، والأحاديث، والتاريخ، وغير ذلك.
_________________
(١) ثم اهتديت ص ٨٦ - ٨٧.
(٢) المرجع نفسه ص ٨٨.
[ ١١٢ ]
وقاطعته قائلًا: أنا لن أجتهد لأبين للناس أحكام القرآن والسنة، أو لأكون صاحب مذهب في الإسلام كلا، ولكن لأعرف من على الحق، ومن على الباطل، ولمعرفة أن الإمام علي على الحق أو معاوية مثلًا، ولا يتطلب ذلك الإحاطة بسبعة عشر علمًا، ويكفي أن أدرس حياة كل منهما، وما فعلاه حتى أتبين الحقيقة» . (^١)
قلت: ولهذا وقع المؤلف في أخطاء وجهالات لا تخفى على طالب في المراحل الدنيا من التعليم.
كقوله في كتابه فاسألوا أهل الذكر: «وإذا ما سألتهم -أي أهل السنة- من هؤلاء المنافقون الذين نزلت فيهم أكثر من مائة وخمسين آية
في سورتي التوبة والمنافقون فسيجيبون هو عبد الله بن أبيّ،
وعبد الله بن أبي سلول، وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسمًا
آخر» . (^٢)
وقوله أيضًا: «فكيف يحصر النفاق بابن أبيّ، وابن أبي سلول المعلومين لدى عامة المسلمين» . (^٣)
فقد وقع في أخطاء شنيعة:
الأول: قوله: إنه نزلت في المنافقين أكثر من مائة وخمسين آية في سورتي (التوبة) (والمنافقون)، فسورتا (التوبة) و(المنافقون) لم تبلغا مائة وخمسين آيه في مجموعها، فالتوبة (١٢٩) آيه، والمنافقون (١١) آية، هذا مع أنه ليس كل آيات السورتين في المنافقين، فالثلاث الآيات الأخيرة من سورة (المنافقون) ليست في المنافقين، وكذلك التوبة فيها آيات كثيرة ليست في المنافقين.
ومفهوم كلامه هنا أن الآيات التي نزلت في المنافقين محصورة في السورتين، وهذا خطأ آخر، فقد نزلت آيات كثيرة في المنافقين ليست في
_________________
(١) ثم اهتديت ص١٥٠.
(٢) فسألوا أهل الذكر ص١١٩.
(٣) المرجع نفسه ص١١٩.
[ ١١٣ ]
السورتين المذكورتين، كما وردت بذلك آيات في البقرة
وآل عمران والنساء والمائدة (^١) وغيرها من سور القرآن.
الثاني: ظنه أن ابن أبيّ غير ابن سلول وأنهما رجلان، وإنما هو رجل واحد فهو عبد الله بن أبيّ بن سلول، زعيم المنافقين ورأسهم في المدينة. (^٢)
الثالث: قوله: «وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسمًا آخر»، فهذا من جهله المركب، وعظيم جرأته على الكلام بدون علم، ولا تثبت، فلو رجع هذا المجازف في الكلام إلى أشهر كتاب متداول في السيرة، وهو سيرة ابن هشام، لوجد أن المؤلف سرد في الجزء الثاني من هذا الكتاب أسماء طائفة كبيرة من المنافقين في أكثر من عشر صفحات يذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، مبينًا بعض ما نزل في كل واحد منهم من القرآن (^٣)، هذا غير ما ذكره المؤرخون الآخرون، والمفسرون في كتب التفسير.
ومن جهالات المؤلف الكبيرة قوله: «وأبدلت الصحابة المنقلبين على أعقابهم أمثال معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة
وعكرمة، وكعب الأحبار وغيرهم بالصحابة الشاكرين» (^٤) وهذا الكلام مع ما فيه من زيغ وضلال بعيد، سيأتي الرد عليه في موضعه، فإنه متضمن لخطأ شنيع حيث عدّ كعب الأحبار من الصحابة وإنما هو من التابعين، فقد أسلم بعد موت النبي ﷺ، وقدم المدينة في عهد عمر ﵁ (^٥)، وهذا مشهور عند أهل العلم، لكن المؤلف بجهله وقع في مثل هذا الخطأ الفادح الفاضح.
_________________
(١) من هذه الآيات على سبيل المثال: في البقرة ٨ - ٢٠، ٢٠٤ - ٢٠٦، وفي آل عمران ١٢٠، ١٥٤، وفي النساء ٦٠ - ٦٦، ٧٢ - ٧٣، ١٣٨ - ١٤٦، وفي المائدة ٤١، ٥٢، ٥٣.
(٢) انظر ترجمته وطرفًا من أخباره في سيرة ابن هشام ٢/ ٦٢٠، ٤٦٩، ٥٥٥.
(٣) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٨ - ٥٥٧.
(٤) ثم اهتديت ١٥٨.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩.
[ ١١٤ ]
وعمومًا فأخطاء المؤلف الدالة على جهله، وقلة بضاعته في العلم كثيرة، وإنما سقت هنا أمثلة يستدل بها، قبل تفصيل الرد عليه، وسيأتي في أثناء الرد المزيد من ذلك إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: غروره وإعجابه بنفسه.
اتسمت شخصية المؤلف بالغرور المفرط، والإعجاب بالنفس، يظهر ذلك من خلال حديثه عن نفسه، وتزكيته لنفسه في مواطن كثيرة من كتبه ومن أمثله ذلك:
قوله متحدثًا عن رحلته للحج: «لذلك ظننت أن الله هو الذي ناداني، وأحاطني بعنايته، وأوصلني إلى ذلك المقام الذي تموت
الأنفس دون الوصول إليه حسرة ورجاء». (^١)
ويقول أيضًا: «عناية ربانية أخرى، جعلت كل من يراني من الوفود يحبني، ويطلب عنواني للمراسلة». (^٢)
ويقول متحدثًا عن وضعه في بلده: «وتعدت شهرتي حدود مدينتي إلى مدن أخرى مجاورة، فقد يمر المسافر فيصلي الجمعة، ويحضر تلك الدروس، ويتحدث بها في مجتمعه». (^٣)
ويقول: «وبشّروني بأن صاحب الزمان -ويقصدون به الشيخ إسماعيل- قد اصطفاني من بين الناس لأكون من خاصة الخاصة، وطار قلبي فرحًا بهذا الخبر، وبكيت تأثرًا بهذه العناية الربانية التي ما زالت ترفعني من مقام سام، إلى ما هو أسمى، ومن حسن إلى ما هو أحسن». (^٤)
فهذه بعض أقوال المؤلف في حديثه عن نفسه، وتزكيته لها، وكفى بذلك قدحًا في الرجل، ونقصًا في دينه وعلمه وعقله، يقول الله ﷿: ﴿فلا
_________________
(١) ثم اهتديت ص ١٤.
(٢) ثم اهتديت ص ١٤.
(٣) المرجع نفسه ص ١٦.
(٤) المرجع نفسه ص ١٧.
[ ١١٥ ]
تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ (^١)، ويقول: ﴿ألم تر إلى الذين
يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلًا - انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثمًا مبينًا﴾. (^٢)
ومع وقوع هذا المسكين في هذا المحذور العظيم، فإنه قد جمع إليه جرمًا آخر، وهو افتخاره بالمعاصي كالغناء وكثرة السفر إلى بلاد الكفر، ومعرفته بتلك البلاد، حيث يقول ضمن حديثه عن زيارته لمصر: «وكانوا يعجبون لحماسي وصراحتى وكثرة اطلاعي، فإذا تحدثوا عن الفن غنيت، وإذا تحدثوا عن الزهد والتصوف ذكرت لهم أني من الطريقة التيجانية والمدنية أيضًا، وإذا تحدثوا عن الغرب حكيت لهم عن باريس، ولندن، وبلجيكا، وهولندا، وإيطاليا، وأسبانيا التي زرتهاخلال العطل الصيفية، وإذا تحدثوا عن الحج فاجأتهم بأني حججت وأني ذاهب إلى العمرة، وحكيت لهم عن أماكن لايعرفها حتىالذي حج سبع مرات: كغارحراء، وغارثور، ومذبح إسماعيل، وإذا تحدثوا عن العلوم والاختراعات شفيت غليلهم بالأرقام والمصطلحات، وإذا تحدثوا عن السياسة أفحمتهم بما عندي من آراء». (^٣)
إلى أن يقول: «والمهم من كل ما حكيته في هذا الفصل هو أن شعوري بدأ يكبر، وركبني بعض الغرور، وظننت فعلًا بأني أصبحت
عالمًا، كيف لا وقد شهد لي بذلك علماء الأزهر الشريف، ومنهم من قال لي: يجب أن يكون مكانك هنا في الأزهر، ومما زادني فخرًا واعتزازًا بالنفس أن رسول الله ﷺ أذن لي في الدخول لرؤية مخلّفاته حسب ما ادعاه المسؤول عن مسجد سيدنا الحسين بالقاهرة». (^٤)
فهنيئًا للمؤلف بهذا الشرف، وهذه الكرامات التي أهلته بكل جدارة
_________________
(١) سورة النجم ٣٢.
(٢) سورة النساء ٤٩ - ٥٠.
(٣) ثم اهتديث ص ٢٣ - ٢٤.
(٤) ثم اهتديث ص ٢٤.
[ ١١٦ ]
لاعتناق عقيدة الرافضة، والدخول مع زمرة ابن سبأ، وابن العلقمي، ونصير (الشرك) الطوسي، وابن مطهر والخميني وغيرهم. فنسأل الله بكرمه وجوده السلامة والعافية وحسن العاقبة، وأن يجنبنا والمسلمين طريق الضلال والغواية.
ثالثًا: كذبه وتدليسه.
هناك أمثلة كثيرة تدل على كذب المؤلف، وتدليسه، وتزويره في كتبه ومن ذلك:
قوله في كتابه: (الشيعة هم أهل السنة): «وكما قدمنا فيما سبق بأن المتسمين بأهل السنة والجماعة هم القائلون بخلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، هذا ما يعرفة الناس اليوم، ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن علي بن أبي طالب لم يكن معدودًا
عند أهل السنة من الخلفاء الراشدين، لا ولم يعترفوا حتى بشرعية خلافته، وإنما أُلحق علي بالخلفاء الثلاثة في زمن متأخر جدًا، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين للهجرة، في زمن أحمد بن حنبل. أما الصحابة من غير الشيعة، والخلفاء والملوك والأمراء الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم، لم يكونوا يعترفون بخلافة علي بن أبي طالب أبدًا، بل منهم من كان يلعنه، ولا يعتبره حتى من المسلمين، وإلا كيف يجوز لهم سبه ولعنه على المنابر» . (^١)
ويقول أيضًا: «ولكل ذلك قلنا بأن أهل السنة والجماعة، لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير، صحيح أن أحمد بن حنبل هو أول من قال بها، ولكنه لم يقنع بها أهل الحديث، كما قدمنا، لاقتدائهم بعبد الله بن عمر» . (^٢)
فزعمه أن أهل السنة لم يعترفوا بخلافة علي ولا يرون شرعيتها إلا
_________________
(١) الشيعة هم أهل السنة ص٤٥.
(٢) المرجع نفسه ٤٨-٤٩.
[ ١١٧ ]
بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير، وأن الصحابة على ذلك بل منهم من يكفر عليًا، افتراء عظيم وكذب مشين على أهل السنة والجماعة، إذ أن محبة علي ﵁ وموالاته، واعتقاد صحة خلافته بعد الخلفاء
الراشدين الثلاثة، الذين هو رابعهم، محل اتفاق بين أهل السنة على مختلف العصور والأمصار، من عصر الصحابة إلى اليوم، وقد بلغ من شهرة هذه المسألة وتواترها بين الخاصة والعامة من أهل السنة ما أصبحت به من الضروريات المسلمات عندهم، التي لا ينازع في تقريرهم لها إلاّ مفرط في الجهل أو مغرق في الإفك والكذب.
ولذا فإن دعوى الرافضي فيها من أظهر الأدلة وأقوى الشواهد على شدة كذبه، وعظيم افترائه وإفكه.
ومن أمثلة كذبه وتدليسه أيضًا قوله في كتابه (ثم اهتديت): «من الأحاديث التي أخذت بها فدفعتني للاقتداء بالإمام علي: تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنة والجماعة، وأكدت صحتها، والشيعة عندهم أضعافها ولكن -وكالعادة- سوف لا أستدل ولا أعتمد إلا الأحاديث المتفق عليها من الفريقين». (^١)
ثم ذكر عدة أحاديث منها:
- حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
- حديث: (إن هذا أخى ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له
وأطيعوا.
- حديث: (من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن
جنة عدن غرسها ربي فليوال عليًا من بعدي، وليوال وليه». (^٢)
وهذا كذب وتدليس، فإن هذه الأحاديث المذكورة لم ترد في صحاح
_________________
(١) ثم اهتديت ص ١٧٢.
(٢) ثم اهتديت ص ١٧٢ - ١٧٦ - ١٩١.
[ ١١٨ ]
أهل السنة المعتمدة عندهم، ولم يحكموا بصحتها، بل حكموا ببطلانها ووضعها (^١) وسيأتي الكلام في الرد على المؤلف في ذلك، وإنما أردت هنا بيان كذبه فيما ادعاه. (^٢)
ومن صور كذبه أيضًا ما زعمه من اعتداء الجنود في المدينة المنورة على الحجاج بالضرب يقول: «زرت البقيع وكنت واقفًا أترحم على أرواح أهل البيت، وكان بالقرب مني شيخ طاعن في السن يبكي، وعرفت من بكائه أنه شيعي، واستقبل القبلة وبدأ يصلي، وإذا بالجندي يأتي إليه بسرعة، وكأنه كان يراقب حركاته وركله
بحذائه ركلة وهو في حالة سجود، فقلبه على ظهره وبقي المسكين فاقدًا للوعي بضع دقائق، وانهال عليه الجندي ضربًا وسبًا وشتمًا، ورق قلبي لذلك الشيخ وظننت أنه مات، ودفعني فضولي، وأخذتني الحمية، وقلت للجندي: حرام عليك لماذا تضربه وهو يصلي؟ فانتهرني قائلًا: اسكت أنت ولاتتدخل حتى لا أصنع بك مثله». (^٣)
فلا يخفي ما في كلامه هذا من الكذب والافتراء، الذي يعلمه كل من زار هذه البلاد من المسلمين، حجاجًا، أو معتمرين، أو غيرهم من أصحاب الأعمال والحاجات، وما أكثرهم، حيث يُقدّرون في كل سنة بالملايين، وكلهم يشهد ويلمس ما يعيشه الحجاج والزائرون من أمن وأمان، وراحة بدنية ونفسية، عن طريق ما توفره الدولة السعودية السنية السلفية، من مرافق ومنشآت، ووسائل حديثة في مختلف المجالات، لخدمة الحجاج والزائرين، ثم تجنيد القوة البشرية في الدولة للسهر على تقديم كافة التسهيلات لهم، مع حسن المعاملة والرفق بهم، حتى أصبحت رحلة الحج والعمرة أشبه ما
_________________
(١) انظر: الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٣٥٧، والتذكرة في الأحاديث المشتهرة للزركشي ص ١٦٣، والمقاصد الحسنة للسخاوي ص ١٦٩، وكشف الخفاء للعجلوني ١/ ٢٠٣، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٤١٠، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ٧/ ٢٩٩ - ٣٥٤، والتلخيص للذهبي مع المستدرك للحاكم ٣/ ١٣٩.
(٢) انظر: ص ٥١٣، ٥٥١، ٥٨٩ من هذا الكتاب.
(٣) ثم اهتديت ص ٨٢ - ٨٣.
[ ١١٩ ]
تكون بنزه سياحية لما يلاقيه الحجاج والمعتمرون، من راحة وطمأنينة، بفضل الله ثم بما تقدمه الدولة من خدمات.
أما الرافضة فالكل يعلم أنهم أهل شغب وإثارة للفتن، خصوصًا
في مواسم الحج، ومع هذا فالدولة وفقها الله تدفع شرهم بأيسر السبل، وتقابل السيئة بالحسنة، مع حفظها ومحافظتها على أمن هذه البلاد الذي هو واجبها أمام الله ثم المسلمين.
وهذا أمر لايخفى بحمد الله على كل مطلع على الأحداث، ويعلمه على وجه الخصوص ملايين الحجاج والمعتمرين، الذين يقصدون هذه البلاد في كل سنة. فعلى من يلبس هذا الأفاك الأثيم، صنيعة الرافضة ودسيستهم على المسلمين؟؟!
رابعًا: تناقضه في كلامه.
المؤلف متناقض في كلامه وأحكامه التي يقررها، فما يكاد يذكر مسألة ويقررها إلا وينقضها في موطن آخر، حتى أصبح هذا الأمر سمة بارزة في كتبه، ولا عجب فهذه من أبرز سمات أهل الأهواء والبدع، لأن أقوالهم وأحكامهم إنما تبنى على آراء الرجال وأهوائهم، يقول الله تعالى: ﴿ولوكان من عندغير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. (^١)
ومن هذه التناقضات:
١ - قوله في كتابه الشيعة هم أهل السنة: «يكفينا على ذلك دليل واحد يعطينا الحجة البالغة، وكما قدمنا بأن أهل السنة والجماعة
لم يعرفوا إلا في القرن الثاني للهجرة كرد فعل على الشيعة الذين
والوا أهل البيت وانقطعوا إليهم، فإننا لا نجد شيئًا في فقههم وعباداتهم، وكل معتقداتهم يرجعون فيه إلى السنة النبوية المروية عن أهل البيت». (^٢)
_________________
(١) النساء ٨٢.
(٢) الشيعة هم أهل السنة ص ٣٠٠.
[ ١٢٠ ]
يعارض هذا قوله في الكتاب نفسه: «وإذا شئنا التوسع في البحث لقلنا: بأن أهل السنة والجماعة هم الذين حاربوا أهل البيت النبوي، بقيادة الحكام الأمويين والعباسيين، ولذلك لو فتشت في عقائدهم وكتب الحديث عندهم فسوف لا تجد لفقه أهل البيت شيئًا عندهم يذكر، وسوف تجد كل فقههم وأحاديثهم منسوبة لأعداء أهل البيت». (^١)
ففي النص الأول يدعى أن كل معتقدات أهل السنة وفقههم ترجع إلى أهل البيت، وفي النص الثاني يناقض ذلك تمامًا، ويزعم أن أهل السنة أخذوا كل معتقداتهم وفقههم من أعداء أهل البيت وليس لفقه أهل البيت عندهم أي ذكر.
٢ - قوله: «وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة تقيدوا بمصادر التشريع من الكتاب والسنة، ولم يزيدوا عليها شيئًا، وذلك لوجود النصوص
الكافية عند أئمتهم لكل مسألة من المسائل التي يحتاج الناس إليها». (^٢)
يعارضه قوله: «وبدأت سلسلة الفقهاء المجتهدين منذ ذلك العهد الى اليوم تتوالى بدون انقطاع، وفي كل عهد يبرز مرجع واحد أو عدة مراجع للشيعة، يقلدونهم في أعمالهم، حسب الرسائل العلمية التي يستنبطها كل مرجع من الكتاب والسنة، ولا يجتهد إلا في الأمور المستحدثة التي عرفها هذا القرن، بسبب التقدم العلمي والتكنولوجي». (^٣)
ففي النص الأول: يثبت أن الشيعةتقيدوابنصوص الكتاب والسنة، ولم يزيدوا عليها، لوجود النصوص الكافية عندهم لكل مسألة.
وفي النص الثاني: يقرر أن سلسلة الفقهاء المجتهدين من الشيعة تتوالى في كل عصر، وأنهم يستنبطون من النصوص ما يحتاجون إليه من الأحكام في المسائل المستحدثة.
_________________
(١) المرجع نفسه ص ٢٩٥.
(٢) الشيعة هم أهل السنة ص ١٣٨.
(٣) المرجع نفسه ص ١٤٤.
[ ١٢١ ]
٣ - قوله «أما الصحابة من غير الشيعة، والخلفاء، والملوك، والأمراء، الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر، وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم، لم يكونوا يعترفون بخلافة
علي بن أبي طالب أبدًا، بل منهم من كان يلعنه، ولا يعتبره حتى من المسلمين». (^١)
وقوله: «ولكل ذلك قلنا بأن أهل السنة والجماعة لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير». (^٢)
ونصوص أخرى كثيرة في هذا المعنى. (^٣)
ثم يعارض هذا كله بقوله: «أما خلافة علي فكانت ببيعة المهاجرين والأنصار له، بدون فرض ولا إكراه وكُتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية من الشام». (^٤)
وبقوله: «وهل من سائل يسأل ابن عمر ومن يقول بمقالته من أهل السنة والجماعة، متى حصل الإجماع على خليفة في التاريخ كالذي حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟». (^٥)
وكذلك قوله في حق ابن عمر ﵄: «نراه يمتنع عن بيعة علي التي أجمع عليها المسلمون». (^٦)
ونحن لا نعلم أي أقواله نصدق: دعواه بأن أهل السنة لم يعترفوا بخلافة علي حتى زمن أحمد بن حنبل؟! أم القول بأنهم أجمعوا على خلافته وأذعنوا لها من أول يوم بدون فرض ولا إكراه؟!
_________________
(١) الشيعة هم أهل السنة ص ٤٥.
(٢) المرجع نفسه ص ٤٨.
(٣) انظر الشيعة هم أهل السنة ص ٢٤ - ٤٩ - ١٥٢ - ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٤) الشيعة هم أهل السنة ص ٢٣٢.
(٥) المرجع نفسه ص ٢٣١.
(٦) المرجع نفسه ص ٢٣٢.
[ ١٢٢ ]
٤ - قوله: «وفي هذا الصدد سجل لنا التاريخ أن الإمام عليًا هو أعلم الصحابةعلى الإطلاق، وكانوايرجعون إليه في أمهات المسائل. ولم نعلم أنه رجع إلى واحد منهم قط. فهذا أبوبكر يقول: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، وهذا عمر يقول: (لولا علي لهلك عمر». (^١)
وهذا يتعارض تمامًا مع قوله: «إنهم أبعدوا علي بن أبي طالب فنبذوه وتركوه حبيس داره، ولم يشركوه في شئ من أمرهم طيلة ربع قرن، ليذلوه ويحقروه، ويبعدوا الناس عنه وفعلًا فقد بقى علي سلام الله عليه على تلك الحالة مدة خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان رهين البيت، يعمل الجميع على تحقيره، وإطفاء نوره، وإخفاء فضائله ومناقبه». (^٢)
٥ - قوله: «وهذا لم يعجب قريش فثارت ثائرتها بعد وفاة محمد ﷺ وحاولت القضاء على عترته كلها، فأحاطوا بيت فاطمة بالحطب ولولا استسلام علي وتضحيته بحقه في الخلافة، ومسالمته لهم، لقضى
عليهم، وانتهى أمر الإسلام من ذلك اليوم». (^٣)
وهذا الكلام يعارضه بالكلية وينقضه من أساسه في جواب سؤال زعم أنه ورد عليه وهو: هل رضي الإمام علي بالأمر الواقع، وبايع الجماعة؟ فيجيب قائلًا: «لا لم يرض الإمام علي بالأمر الواقع، ولم يسكت، بل احتج عليهم بكل شيء، ولم يقبل أن يبايعهم رغم التهديد والوعيد فعلي لم يسكت، وبقي طيلة حياته كلما وجد فرصة إلا وآثار مظلمته، واغتصاب حقه، ويكفي دليلًا على ذلك ما قاله في خطبته المعروفة بالشقشقية». (^٤)
_________________
(١) ثم اهتديت ص ١٧٣.
(٢) فسألوا أهل الذكر ص ٢٥٢.
(٣) الشيعة هم أهل السنة ص ١١٠ - ١١١.
(٤) فسألوا أهل الذكر ص ٢٥٠ - ٢٥١.
[ ١٢٣ ]
٦ - قوله: «وقد اتفق المسلمون بلا خلاف: على مودة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، واختلفوا في غيرهم». (^١)
يعارض هذا قوله ضمن حديثه عن أهل البيت: «ولذلك فإنك لاترى لهم وجودًا عند أهل السنة والجماعة، ولا يوجد في قائمة أئمتهم وخلفائهم الذين يقتدون بهم واحد من أئمة أهل البيت ﵈». (^٢)
٧ - قوله: «أضف إلى ذلك أن الإمام عليًا عندما تولى الخلافة بادر بإرجاع الناس إلى السنة النبوية. وأول شئ فعله هو توزيع
بيت المال». (^٣)
وقوله: «ويكفي علي بن أبي طالب أن يعود بالناس إلى السنة النبوية، حتى يثور عليه الصحابة، الذين أُعجبوا بما ابتدعه عمر». (^٤)
وقوله: «إن أمير المؤمنين عليًا لم يجبر الناس على البيعة بالقوة والإكراه، كما فعل الخلفاء من قبله، ولكنه تقيد -سلام الله عليه- بأحكام القرآن والسنة ولم يغير ولم يبدل». (^٥)
وهذا كله تعارضه أقوال له آخرى كقوله: «وإذا كان علي بن أبي طالب ﵇ هو المعارض الوحيد، الذي حاول كل جهوده في أيام خلافته، إرجاع الناس للسنة النبوية بأقواله وأفعاله وقضائه، ولكن بدون جدوى، لأنهم شغلوه بالحروب الطاحنة». (^٦)
وقوله: «وهذه كتبهم وصحاحهم تشهد على صدق ما ذهبنا إليه، من أنه -سلام الله عليه- قد حاول بكل جهوده إحياء السنة النبوية، وإرجاع
_________________
(١) فسألو أهل الذكر ص ١٦٤.
(٢) الشيعة هم أهل السنة ص ٢٣٨.
(٣) الشيعة هم أهل السنة ص ١٨٩.
(٤) المرجع نفسه ص ١٩٠.
(٥) المرجع نفسه ص ١٩٨.
(٦) المرجع نفسه ص ٢٦٠.
[ ١٢٤ ]
الناس إلى أحضانها، ولكن لا رأي لمن لا يطاع. كما قال
هو بنفسه». (^١)
وقوله أيضًا: «وقضى خلافته في حروب دامية، فرضت عليه فرضًا، من الناكثين، والقاسطين، والمارقين، ولم يخرج منها إلا باستشهاده سلام الله عليه وهو يتحسر على أمة محمد». (^٢)
فهذه أمثلة لما جاء في كتبه من تناقضات وتعارضات، ولو أردت الاسترسال في ذكر ما وقع فيه المؤلف من هذه التناقضات لذكرت الكثير منها، إذ أن كتبه مليئة بذلك، غير أني أكتفي بما تقدم، حرصًا على عدم الإطالة ولتحقق المقصود بما ذكر حيث تبين من خلال هذا العرض تناقض الرجل واضطرابه، وشكه وارتيابه، مما يسقط الثقة بنقله، أو الاعتداد بحكمه.
خامسًا: اتباعه الهوى والظن في أحكامه:
المؤلف لا يبني أحكامه وما يقرره من مسائل على منهج صحيح، كالاستدلال بالنصوص، والاستعانة بكلام أهل العلم في بحث المسائل وتحقيقها. وإنما له طريقة غريبة في ذلك، وهي تأصيل المسائل وتقريرها بمجرد الهوى والظن، بل امتدت طريقته هذه لتشمل الأحاديث النبوية
والروايات التاريخية التي ينفيها أو يقررها بغلبة الظن والهوى والرأي المجرد الذي لايستند لمبرر معقول، أو نقل مقبول، وهذه الطريقة سائدة في كتبه، وإنما أذكر لها أمثله. فمن ذلك:
قوله في كتابه فسألوا أهل الذكر: «إن أولئك الذين حكموا المسلمين في عهد الدولة الأموية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، لم يعتقدوا يومًا من الأيام بأن محمدًا بن عبد الله هو مبعوث برسالة من عند الله، وهو نبي الله حقًا، وأغلب الظن أنهم كانوا يعتقدون بأنه كان ساحرًا». (^٣)
_________________
(١) الشيعة هم أهل السنة ص ١٨٢.
(٢) لأكون مع الصادقين ص ٨١.
(٣) فسألوا أهل الذكر ص ٤١.
[ ١٢٥ ]
فهذا حكم خطير على حكام المسلمين الذين جاءوا بعد عهد الخلفاء الراشدين واستغرق حكمهم جل قرن النبي ﷺ الذي هو خير القرون والثلث الأول من القرن المفضل الثاني وحصل في عهدهم من الفتوح وعز الإسلام والمسلمين، والقيام بالسنة ونصرة أهلها ما دل على صدق إيمانهم وتدينهم، واشتهر من أخبارهم في العدل والتقوى والصلاح بين الأمة خاصها وعامها، على مر العصور، وكرّ الدهور ما بلغ حد التواتر، خصوصًا ما ثبت من ذلك في حق الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان والتابعي الكبير عمر بن عبد العزيز ﵄-حتى إذا ما جاء هذا الأفاك الأثيم في هذا العصر المتأخر،
أطلق هذا الحكم الجريء، بأن هؤلاء الحكام لم يصدقوا يومًا ببعثة النبي ﷺ ولم يعتقدوا صدق رسالته، حكمًا مجردًا من أي دليل ولا يعتضد لأي نقل وإن كان زورًا وبهتانًا. بل لم يكتف بهذا حتى أعقب هذا الحكم بحكم آخر مصرحًا أن مستنده فيه غلبه الظن حيث يقول: وأغلب الظن أنهم يعتقدون أن النبي ﷺ كان ساحرًا هكذا يصدر هذا المجرم الأحكام في حق خيار الأمة، ومستنده فيها غلبة الظن عنده فعليه من الله ما يستحق.
ونظير هذا قوله: «وأغلب الظن أن القائلين بمبدأ الشورى في الخلافة، ومؤسسي هذه النظرية، هم الذين صرفوا نزولها عن حقيقتها يوم غدير خم». (^١)
وقوله عن عبد الرحمن بن عوف: «وأغلب الظن أنه اشترط على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة الشيخين فرفض علي هذا العرض». (^٢)
وقوله أيضًا: «ولذلك أعتقد شخصيًا بأن بعض الصحابة نسب النهي عن المتعة وتحريمها إلى النبي ﷺ لتبرير موقف عمر بن الخطاب وتصويب رأيه». (^٣)
_________________
(١) لأكون مع الصادقين ص ٧١.
(٢) الشيعة هم أهل السنة ١٧٩.
(٣) لأكون مع الصادقين ص ١٩٥.
[ ١٢٦ ]
وفي مقابل هذا الطعن والتهم الباطلة في حق أصحاب النبي ﷺ وخيار سلف الأمة من أئمة المسلمين وعلمائهم، القائمة على الهوى والظن، والمجردة من أي دليل، نجده في الوقت نفسه يمجد الرافضة، ويعظمهم ويثني على دينهم.
فيقول ضمن حديثه عن زيارته للعراق، ورؤيته للرافضة وهم يطوفون بالقبور ويتمسحون بها: «كنت أنظر إلى الشيوخ الطاعنين في السن، وعلى رؤوسهم عمائم بيض وسود، وفي جباههم آثار السجود، وزاد في هيبتهم تلك اللحى التي أعفوها، وتنطلق منها روائح طيبة، ولهم نظرات حادة مهيبة، وما أن يدخل الواحد منهم حتى يجهش بالبكاء، وتساءلت في داخلي أيمكن أن تكون هذه الدموع كاذبة؟؟ أيمكن أن يكون هؤلاء الطاعنون في السن مخطئين؟؟». (^١)
ويقول في موطن آخر: «بل قد استهوتني عباداتهم، وصلاتهم ودعاؤهم، وأخلاقهم، واحترامهم لعلمائهم، حتىتمنيت أن أكون مثلهم». (^٢)
أماطريقته في الحكم على الأحاديث من حيث الصحة والضعف، فله في ذلك طريقة غريبة لا أظن أن أحدًا سبقه إليها، حتى من أصحاب المنهج العقلي: الذين يخضعون الآحاديث لعقولهم فما وافقها أخذوا به، وما خالفها ضعفوه وتركوه، وأما هذا الرجل فإنه يخضع الآحاديث لهواه، فتراه يصحح ويضعّف ويحذف ويزيد في الآحاديث، بل قد يصحح جزءًا من الحديث، ويضعف الجزء الآخر، كل ذلك بمجرد الهوى والظن غير مستدل لكلامه ولا موثق لأحكامه، ومن ذلك:
إيراده الحديث الذي رواه مسلم من حديث ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة فقال: (رأس الكفر من هنا من حيث يطلع قرن الشيطان، يعني المشرق). (^٣)
_________________
(١) ثم اهتديت ص ٣٦ - ٣٧.
(٢) المرجع نفسه ص ٤٣.
(٣) رواه مسلم (كتاب الفتن باب الفتنة من المشرق) ٤/ ٢٢٢٨ ح ٢٩٠٥.
[ ١٢٧ ]
قال بعد إيراده هذا الحديث وقد حذف منه العبارة الأخيرة -يعني المشرق-: «ولاعبرة بالزيادة التي أضافوها بقولهم: يعني المشرق، فهي واضحة الوضع ليخففوا بها عن أم المؤمنين، ويبعدوا هذه التهمة عنها». (^١)
ومن الأحاديث التي طعن فيها، الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية فأراد النبي ﷺ منها مايريد الرجل من أهله فقلت يارسول الله إنها حائض). (^٢)
قال: حسبه الله: «عجبًا لهذا النبي الذي يحب مجامعة زوجه،
على مشهد وعلم من زوجته الآخرى، فتعلمه بأنها حائض، بينما لا
تعلم المعنية بالأمر من ذاك شيئًا». (^٣)
وبهذا الأسلوب نفسه يطعن في حديث عائشة وعثمان الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: لعائشة اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت) (^٤) الحديث.
قال بعد إيراده الحديث متهكما غامزًا الحديث بالوضع: «أي نبي هذا الذي يستقبل أصحابه وهو مضطجع في مرط زوجته على فراشه، وبجانبه زوجته في لباس مبتذل، حتى إذا جاء عثمان جلس، وأمر زوجته بأن تجمع عليها ثيابها» (^٥) - على هذا المفترى من الله مايستحق-.
_________________
(١) فسألوا أهل الذكر ص ١٠٥.
(٢) رواه البخاري في كتاب الحج (باب الزيادة يوم النحر) ٣/ ٥٦٧، ح ١٧٣٣.
(٣) فسألوا أهل الذكر ص ٢٦٦.
(٤) صحيح مسلم (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان بن عفان ﵁) ٤/ ١٨٦٦، ح ٢٤٠٢.
(٥) فسألوا أهل الذكر ص ٢٦٧.
[ ١٢٨ ]
وكلامه عن هذين الحديثين وعن أحاديث أخرى تتعلق
بشخصية النبي ﷺ اعرضت عن نقل كلامه فيها لبشاعته-مع مافيه من تكذيب بالأحاديث الصحيحة واتهام للصحابة بوضعها فإن فيه طعنًا في ذات النبي ﷺ ونيلًا من مقامه الشريف، وأخلاقة السامية الرفيعة، وتعريضًا بزوجاته الطاهرات العفيفات، وهذا كفر صريح بإجماع المسلمين. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اجماع العلماء على كفر من سب النبي ﷺ أو عابه، أو تنقّصه، ونقل عباراتهم في ذلك.
قال الإمام أحمد: (كل من شتم النبي ﵊، أو تنقّصه، مسلمًا كان أو كافرًا، فعليه القتل. وأرى أن يقتل ولا يستتاب).
وقال ابن القاسم عن مالك: (من سب النبي ﷺ قُتل ولم يستتب)، قال ابن القاسم: (أو شتمه، أو عابه، أو تنقّصه، فإنه يقتل كالزنديق. وقد فرض الله توقيره).
وروى ابن وهب عن مالك من (قال: إن رداء النبي ﷺ ورُوي بُرْده- وسخ وأراد به عيبه قتل).
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه أو برئ منه، أو كذبه: إنه مرتد.
وكذلك قال أصحاب الشافعي: كل من تعرض لرسول الله ﷺ بما فيه استهانة فهو كالسب الصريح فإن الاستهانة بالنبي كفر.
قال شيخ الإسلام بعد ذكره هذه النقول: «فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له كفر مبيح للدم وهم في استتابته على ما تقدم من الخلاف، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه، لكن المقصود شئ آخر حصل السبُّ تبعًا له، أو لا يقصد شيئًا من ذلك بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك». (^١)
_________________
(١) الصارم المسلول ص ٥٢٧، وانظر: في النقول قبله ص ٥٢٥ - ٥٢٧، من الكتاب نفسه.
[ ١٢٩ ]
كما نقل الاجماع على ذلك أيضًا القاضي عياض قال: «جميع من سب النبي ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصله من خصاله، أو عرّضَ به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، والإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أوالغضّ منه والعيب له فهو ساب له. والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا نستثنى فصلًا من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا نمتري فيه، تصريحًا كان أو تلويحًا. وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أونسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشئ مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابه رضوان الله عليهم إلى هلمّ جرا». (^١)
سادسًا: مخالفة المؤلف لأصول التأليف التي درج عليها أهله:
لم يلتزم المؤلف في كتبه بالمنهج العلمي المتعارف عليه بين الباحثين والمؤلفين، لا من حيث الطريقة في عرض المسائل وترتيبها، ولامن حيث توثيق المعلومات من مصادرها. كما أنه لم يلتزم التحقيق
العلمي الصحيح المبني على الاستدلال لما يعرضه من مسائل وموضوعات بل جاءت كتبه خالية من كل ذلك.
أما طريقته في عرض المسائل فإنه لم يلتزم منهجًا واضحًا في عرضها، كتقسيم مسائل البحث على مباحث تجمعها فصول أو أبواب متناسبة -كما هو معروف في مناهج البحث الحديثة- (^٢)
أو الأخذ بطريقة المتقدمين القائمة على عرض المسائل تحت فصول أو أبواب مستقلة مع الدقة في العرض والترتيب، بل كانت طريقته قائمة على وضعه عناوين
_________________
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ٢/ ٩٣٢.
(٢) يستثنى من هذا طريقته في كتابه فسألوا أهل الذكر، حيث قسمه إلى فصول وإن كان لم يلتزم منهجًا علميًا في عرض المسائل تحتها كعادته في سائر كتبه.
[ ١٣٠ ]
لا ارتباط لها بما قبلها أو بعدها من عناوين آخرى، هذا مع تكراره للعناوين في الموضوع الواحد في أكثر من موطن في كتاب واحد، مما جعل كتبه أشبه ما تكون بمقالات صُحُفِيه جمعت من غير تهذيب ولا ترتيب.
فمن الأمثلة لعدم ترابط الموضوعات وترتيبها ترتيبًا موضوعيًا حديثه في كتابه (لأكون مع الصادقين) عن مسألة الشورى تحت عنوان: (تعليق على الشورى) وهذا العنوان يشعر بأنه سبق أن بحث المسألة، وإنما جاء دور التعليق عليها، في حين أن هذا لم يحصل، وإنما جاء هذا العنوان بعد مبحث بعنوان: (شواهد آخرى على ولاية علي)
ثم ما يلبث أن يضع عنوانًا آخر بعد التعليق على الشورى فيقول: (الاختلاف في الثقلين) .
وبعد هذا بمبحث يعقد عنوانًا جديدًا بعنوان: (اختلاف المذاهب السنية في السنة النبوية) ثم ينتقل لموضوع جديد بعد هذا بمبحث فيقول: (القضاء والقدر عند أهل السنة) وبعده بمبحثين -يبحث مسألة الخمس ثم التقليد (^١)، وهكذا فالمؤلف لا يسير في بحثه على منهج علمي، وإنما يعقد عناوين مختلفة في موضوعاتها، ثم يتحدث تحتها بما لا يتجاوز ثلاث إلى أربع صفحات في الغالب كلامًا مجردًا من أي تحقيق علمي، ثم ما يلبث أن ينتقل إلى موضوع آخر بالطريقة نفسها.
وزيادة في التمثيل على ماتقدم، أنقل جملة من بعض عناوين كتابه: (الشيعة هم أهل السنة) التي جاءت متتابعة مع اختلاف موضوعاتها.
وهي بحسب ترتيبها: (التقليد والمرجعية عند أهل السنة)، (الخلفاء الراشدون عند الشيعة)، (الخلفاء الراشدون عند أهل السنة)، (النبي ﷺ لا يقبل تشريع أهل السنة والجماعة)، (تنبيه لابد منه)، (عداوة أهل السنة لأهل البيت تكشف عن هويتهم) .
_________________
(١) انظر: هذه المباحث من ص١١١ إلى ص١٥٤من كتابه لأكون مع الصادقين.
[ ١٣١ ]
وهذه العناوين تحدث عنها كلها في ثلاث عشرة صفحة فقط
دون ربط لموضوعاتها. (^١)
ومن الأمثلة أيضًا لذلك: عقده هذه العناوين بهذا الترتيب (فصل الخطاب في تقييم الأصحاب)، (مخالفة أهل السنة والجماعة للسنن النبوية)، (نظام الحكم في الإسلام)، (القول بعدالة الصحابة يخالف صريح السنة) . (^٢)
ومع هذا الاضطراب الكبير في عرض المسائل فليت أن المؤلف اقتصر في بحث كل مسألة على موطن واحد، بل نجد أنه يعرض المسألة في أكثر من موطن، من كل كتاب من كتبه في تكرار ممل للنفوس وحشو للكلام بما لا طائل تحته.
مثل بحثه لمسألة موقف أهل السنة من السنة النبوية ودعواه مخالفتهم لها بحثها في أكثر من موضع من كتابه: (الشيعة هم السنة) .
الأول: في ص٢٩ تحت عنوان: (في مخالفتهم للسنة) .
الثاني: في ص٤٥ تحت عنوان: (أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية) .
الثالث: في ص٥٢ تحت عنوان: (أهل السنة ومحق السنة) .
الرابع: في ص٢٨٧ تحت عنوان: (مخالفة أهل السنة والجماعة للسنن النبوية) .
الخامس: في ص ٢٩٥ تحت عنوان: (النبي ﷺ يأمر المسلمين بالاقتداء بعترته وأهل السنة يخالفونه) .
ومثل مسألة التعريف بأهل السنة، بحثها في موطنين من كتاب الشيعة هم أهل السنة:
_________________
(١) انظر: الشيعة هم أهل السنة ص١٤٦-١٥٩.
(٢) انظر: المرجع السابق ص٢٨٠-٢٩٢.
[ ١٣٢ ]
الأول: في ص٧٥ تحت عنوان: (التعريف بأئمة أهل السنة) .
الثاني: في ص١٧٠ تحت عنوان: (أئمة أهل السنة وأقطابهم) .
وكذلك مسألة موقف أهل السنة من الصلاة على النبي ﷺ بحثها في موطنين متباعدين من الكتاب نفسه:
الأول: ص١٦٤ تحت عنوان: (تحريف أهل السنة والجماعة كيفية الصلاة على محمد وآله) .
والثاني: ص٣٠٣ تحت عنوان: (أهل السنة والصلاة البتراء) .
وهذه أمثلة من كتاب واحد فقط، وأما بالنظر إلى مجموع كتبه فحدث ولا حرج.
وأما عدم توثيقه للمعلومات من مصادرها، فهذا ظاهر لكل من اطلع على كتبه، بل هو الغالب عليها وسأكتفي هنا بذكر أمثلة فقط.
فمن ذلك إيراده بعض الأحاديث المنكرة والموضوعة، وادعاؤه
صحتها مع عدم عزوه إلى مصادرها من كتب السنة مثل:
حديث: (كم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه) . (^١)
حديث: (اختلاف أمتي رحمة) . (^٢)
حديث: (علي قائد البررة وقاتل الكفرة) . (^٣)
حديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) . (^٤)
حديث: (علي مني بمنزلتي من ربي) . (^٥)
_________________
(١) ثم اهتديت ص١٨٠.
(٢) لأكون مع الصادقين ص٢٠-١٢٦.
(٣) المرجع نفسه ص٤٥.
(٤) المرجع نفسه ص١٦.
(٥) المرجع نفسه ص١٦٢.
[ ١٣٣ ]
حديث: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة) . (^١)
حديث: (الغيرة للرجل إيمان وللمرأة كفر) . (^٢)
وكذلك نسبته بعض الأقوال والأفعال للصحابة مما لا تليق بمكانتهم من غير الإحالة على مصدر كنسبته لعائشة-﵂ أنها منعت من دفن فاطمة ﵂ بجوار أبيها. ومنعت الحسين بعد ذلك من دفن الحسن بجوار جده ﷺ. وأنها ركبت بغلة وخرجت تنادي
وتقول: (لا تدفنوا في بيتي من لا أحب) . (^٣)
وزعمه أن الحسين ﵁ طاف بأخيه الحسن ﵁ بعد موته على قبر جده. (^٤) وكذلك رميه عموم الصحابة بالتهم العظيمة والجرائم الشنيعة حيث يقول: «ويذكر المؤرخون أشياء عجيبة وغريبة، وقعت في تلك الأيام، من أولئك الصحابة الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء الرسول ﷺ وأمراء المؤمنين.
كحملهم الناس على البيعة، بالضرب، والتهديد، بالقوة.
وكالهجوم على بيت فاطمة، وكشف وعصر بطنها بالباب الذي كانت وراءه، حتى أسقطت جنينها.
وإخراج علي مكتفًا، وتهديده بالقتل إن رفض البيعة.
وغصب الزهراء حقوقها، من النحلة، والإرث، وسهم ذوي القربى، حتى ماتت غاضبة عليهم، وهي تدعو عليهم في كل صلاة.
وكهتكهم للمحارم، وتعدي حدود الله في قتل الأبرياء من المسلمين، والدخول بنسائهم من غير احترام للعدة.
_________________
(١) المرجع نفسه ص١٩٣.
(٢) فسألوا أهل الذكر ص٨٠.
(٣) ثم اهتديت ص١٦٥.
(٤) المرجع نفسه ص١٦٦.
[ ١٣٤ ]
وكتغييرهم أحكام الله ورسوله المبينة في الكتاب والسنة، وإبدالها بأحكام اجتهادية تخدم مصالحهم الشخصية.
وكنفي أبي ذر وطرده من مدينة رسول الله ﷺ.
وكسب ولعن أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا». (^١)
إلى غير ذلك من التهم الملفقة، التي لم يقدم عليها دليلًا، أويسندها لمصدر موثوق.
وأما عدم تحقيقه للمسائل تحقيقًا علميًا صحيحًا، وبناؤه الأحكام على آرائه الشخصية المجردة من كل دليل، فهذا كثير في كتبه ومن أمثلة ذلك:
قوله في كتاب ثم أهتديت: «ولما استشهد الإمام علي، واستولى معاوية على الحكم بعد الصلح الذي أبرمه مع الإمام الحسن، وأصبح معاوية هو أمير المؤمنين، سمي ذلك العام (عام الجماعة) إذًا فتسمية أهل السنة والجماعة، دالة على اتباع سنة معاوية والاجتماع عليه، وليست تعني اتباع سنة رسول الله ﷺ». (^٢)
وقوله: «وبمجرد اطلاعك على عقيدة الشيعة الإمامية في هذا الصدد يرتاح ضميرك، ويسلم عقلك بقبول تأويل الآيات القرآنية، التي فيها تجسيم أو تشبيه لله تعالى، وحملها على المجاز والاستعارة، لاعلى الحقيقة
ولاعلى ظواهر الألفاظ كما توهمه البعض». (^٣)
ويقول: «والمهم أن تعرف لماذا غير عمر رأيه في البيعة؟ أكاد اعتقد بأنه سمع بأن بعض الصحابة يريد بيعة علي بن أبي طالب بعد موت عمر، وهذا مالا يرضاه عمر أبدًا». (^٤)
_________________
(١) فسألوا أهل الذكر ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) ثم اهتديت ص ٢٠٣.
(٣) لأكون مع الصادقين ص ٢٧.
(٤) المرجع نفسه ص ٨٨.
[ ١٣٥ ]
ويقول منتقدًا مقدار ما يُخْرج من المال للزكاة في الشرع، وأخذ الجزية من الكفار رادًا بذلك على الله في حكمه وشرعه: «فلا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على ما يخرجه أهل السنة والجماعة من الزكاة، وهي تمثل في أحسن الأحوال اثنين ونصف بالمائة، وهي نسبة ضعيفة لا تقوم بحاجة الدولة من إعداد القوة، ومن بناء المدارس والمستشفيات، وتعبيد الطرقات، فضلًا عن أن تضمن لكل فرد دخلًا يكفي معاشه ويضمن حياته، كما لا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على الحروب الدامية، وقتال الناس لتضمن بقاءها، وتطوّر مؤسساتها على حساب المقتولين الذين لم يرغبوا في الإسلام». (^١)
فهذه نماذج لبعض المسائل والأحكام، التي يقررها المؤلف من غير تحقيق علمي يستند لدليل شرعي، أو لقول أحد من العلماء، وإنما يبني
تلك الأحكام على اعتقاداته الشخصية، وآرائه الضالة المنحرفة، فيكذب بالنصوص، ويرد أحكام الله، ويقرر أحداثًا تأريخية بظنون كاذبة، وهوى دفين في النفس، يحمله على كل ذلك حقده العظيم على سلف الأمة وخيارها وحبه وانتصاره للرافضة وعقيدتها، فعليه من الله ما يستحق.
سابعًا: مخالفة المؤلف للمنهج الذي ألزم به نفسه:
المؤلف لم يخالف أصول التأليف وقواعده المتعارف عليها عند أهل العلم فحسب، بل خالف حتى المنهج الذي ألزم به نفسه في كتبه. وسأبين فيما يلي بعض القواعد والأصول، التي وعد المؤلف أن يلتزمها في كتبه وبحثه للمسائل، ثم مخالفته لها بعد ذلك، مستدلًا على كل ذلك بنماذج من كلامه:
١ - وعده بتجرده من العاطفة، والهوى، والتعصب، والتزامه الإنصاف والتجرد والعدل.
يقول في كتابه ثم اهتديت: «وقد عاهدت ربي -إن هداني- أن
_________________
(١) المرجع نفسه ص ١٥٢.
[ ١٣٦ ]
أتجرد من العاطفة لأكون حياديًا موضوعيًا ولأسمع القول من الطرفين فأتبع أحسنه». (^١)
ويقول في الكتاب نفسه: «وقد عاهدت ربي أن أكون منصفًا
فلا أتعصب لمذهبي، ولا أقيم وزنًا لغير الحق». (^٢)
ويقول في كتابه فسألوا أهل الذكر: «فعلى الباحث هنا أن يتقي الله في بحثه، ولا تأخذه العاطفة فيميل عن الحق، ويتبع الهوى، فيضل عن سبيل الله، إنما واجبه أن يخضع للحق، ولو كان الحق مع غيره، ويحرر نفسه من الرواسب، والعواطف، والأنانية». (^٣)
هذا ما ذكره المؤلف عن منهجه في البحث، فهل التزم بهذا؟ إليك أيها القارئ الإجابة على هذا من كلامه:
يقول مثنيًا على الرافضة: «بل قد استهوتني عباداتهم، وصلاتهم ودعاؤهم، وأخلاقهم، واحترامهم لعلمائهم، حتىتمنيت أن أكون منهم». (^٤)
ويقول: «ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي، وما إن قرأت فيه بضع صفحات، حتى استهواني الكتاب، وشدنى إليه شدًا، فكنت لا أتركه إلا غصبًا وكنت أحمله في بعض الأحيان إلى المعهد». (^٥)
ويقول ولست أدري كيف أقنع نفسي، أو غيري، بآراء أهل السنة التي اعتمدت على ما أظن: أقوال الحكام من بني أمية». (^٦)
_________________
(١) ثم اهتديت ص ٩٢.
(٢) المرجع نفسه ص ١٠١.
(٣) فسألوا أهل الذكر ص ٣٦.
(٤) ثم اهتديت ص ٤٣.
(٥) المرجع نفسه ص ٨٧.
(٦) لأكون مع الصادقين ص ١٥٠.
[ ١٣٧ ]
ويقول: «ولذلك اعتقد شخصيًا: بأن بعض الصحابة نسب النهي عن المتعة وتحريمها إلى النبي ﷺ، لتبرير موقف عمر بن الخطاب وتصويب رأيه». (^١)
ويقول: «ويدفعني هذا الاحتمال: بأن عمر بن الخطاب هو الذي أثار بقية الحاضرين، ودفعهم إلى التردد والتخلف عن أمر الرسول ﷺ». (^٢)
فهذه أمثلة لما جاء في كلام المؤلف من اتباعه الهوى في أحكامه.
ولك أن تتأمل أيها القارئ عباراته المتقدمة التي صدّر بها أحكامه كقوله: (استهوتني) و(استهواني) (على ما أظن) (اعتقد شخصيًا) (دفعني الاحتمال). لتعلم مدى التزامه بما وعد به من التجرد من العاطفة والهوى.
وأما ماوعد به من نبذ التعصب والتزامه الإنصاف والحيادية، فيكذّب ذلك تعصبه الشديد للرافضة ولعقيدتهم الفاسدة، وثناؤه
عليهم، وعلى عقيدتهم، في مقابل طعنه في أهل السنة وعقيدتهم
وأئمتهم.
يقول معبرًا عن رأيه في الخلافة عند أهل السنة: «أما الخلافة عند أهل السنة والجماعة، فهي بالاختيار والشورى، وبذلك فتحوا الباب الذي لا يمكن غلقه على أي واحد من الأمة، وأطمعوا فيها كل قاص ودان، وكل غث وسمين، وحتى تحولت من قريش إلى الموالي والعبيد، وإلى الفرس والمماليك، وإلى الأتراك والمغول». (^٣)
ويقول عن عقيدة الشيعة في الخلافة: «فما أعظم عقيدة الشيعة في القول بأن الخلافة أصل من أصول الدين، وما أعظم قولهم بأن هذا منصب هو باختيار الله سبحانه، فهو قول سديد ورأي رشيد، يقبله العقل ويرتاح
_________________
(١) المرجع نفسه ص ١٩٥.
(٢) ثم اهتديت ص ٩٥.
(٣) لأكون مع الصادقين ص ١١٢.
[ ١٣٨ ]
إليه الضمير، وتؤيده النصوص من القرآن والسنة، ويرغم أنوف الجبابرة المتسلطين، والملوك والسلاطين، ويفيض على المجتمع السكينة والاستقرار». (^١)
ويقول ضمن حديثه عن عقيدة تحريف القرآن عند الرافضة: «وما ينسب إلى الشيعة من القول بالتحريف، هو مجرد تشنيع وتهويل، وليس له في معتقدات الشيعة وجود، وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في
القرآن الكريم، فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب الله من كل تحريف
[إلى أن قال]: إن هذه التهمة (نقص القرآن والزيادة فيه) هي أقرب لأهل السنة منها إلى الشيعة، وذلك من الدواعي التي دعتني إلى أن أراجع كل معتقداتي، لأني كلما حاولت انتقاد الشيعة في شئ، والاستنكارعليهم، إلا وأثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي، وعرفت أنهم يقولون صدقًا. وعلى مر الأيام، ومن خلال البحث اقتنعت
والحمد لله». (^٢)
ويقول مثنيًا على عقيدة الرافضة، ومصرحًا باعتناقه لها مع تبرئه من الصحابة وولايتهم واتهامه لهم بالردة: «وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم، لأني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة، الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم، ولم ينج منهم إلا القليل، وأبدلتهم بأئمة أهل البيت النبوي، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيرًا». (^٣)
فهذه نماذج من أقوال المؤلف، الدالة على بعده عن العدل
والإنصاف في أحكامه، بل ظلمه وكذبه في أقواله. وذلك بثنائه
على بعض عقائد الرافضة وتصحيحها، وتخطئة أهل السنة فيما عندهم من الحق، كحديثه عن
_________________
(١) المرجع نفسه ص ١١٤.
(٢) المرجع نفسه ص ٢٠٠ - ٢٠٢.
(٣) ثم اهتديت ص ١٥٦.
[ ١٣٩ ]
الخلافة وموقف الفريقين منها. أو إنكاره أن تكون بعض عقائد الرافضة الشنيعة من عقائدهم، كزعمه براءتهم من عقيدة التحريف، المشتهرة في كتبهم القديمة والحديثة، والمجمع عليها بين علمائهم، ونسبة تلك العقيدة لأهل السنة، ظلمًا، وزورًا، وبهتانًا.
ثم تصريحه باعتناقه عقيدة الرافضة وبراءته من عقيدة أهل السنة، ومن الصحابة، ورميه لهم بالردة، مدعيًا أنه توصل لذلك، بعد بحث ودراسة، ليلبس بذلك على أهل الجهل والغفلة، ودعوتهم لعقيدة الرافضة المقيتة. ممايدل على عدم حياديته وإنصافه كمازعم. بل هو رافضي يدعو لما هو عليه من كفر وضلال، كغيره من زنادقة الرافضة.
٢ - زعمه أن ما في كتبه لا يخرج عن الحق، وأنه لا يذكر من المسائل إلا ما اتفق عليه السنة والشيعة.
يقول: «فكتابي الأول والثاني يحملان عناوين من القرآن الكريم، وهو أصدق الكلام وأحسنه، وكل ما جمعته في الكتابين إن لم يكن الحق، فهو أقرب ما يكون إليه، لأنه مما اتفق عليه المسلمون: سنة، وشيعة، وما ثبت عند الفريقين أنه صحيح». (^١)
ويقول: «ولكن ما اتفق عليه أهل السنة والشيعة فهو صحيح، لانه ثبتت صحته عند الطرفين، ونلزمهم به كما ألزموا أنفسهم، وما اختلفوا فيه حتى لو كان صحيحًا عند أحدهم فلا يلزم الطرف الثاني بقبوله، كما لا يلزم الباحث الحيادي قبوله والاحتجاج به». (^٢)
فدعواه أن ما في كتبه إن لم يكن الحق فهو أقرب ما يكون إليه، دعوى باطلة مجردة من أي دليل، وما من مبتدع إلا وهو يدعي هذا، والحق الذي لا مرية فيه، أن كتبه أبعد ما تكون عن الحق، ويكفي على ذلك دليلًا أنه إنما ألّفها للانتصار والدعوة لعقيدة الرافضة التي هي أغرق
_________________
(١) لأكون مع الصادقين ص ٧ - ٨.
(٢) فسألوا أهل الذكر ص ٣٥.
[ ١٤٠ ]
عقائد الفرق في الكفر والضلال، وأبعدها عن حقائق الإيمان .. هذا من حيث الإجمال وسيأتي بيان ذلك مفصلًا عند الرد عليه إن شاء الله تعالى.
وأما زعمه أنه لا يذكر من المسائل إلا مااتفق عليه السنة والشيعة ويلزمهم بذلك: فهذا كذب محض، وهاهي ذي أمثلة من أقواله تدل على نقيض ادعائه، يقول: «والمعروف عند العلماء قديمًا بأن عليًا
ابن أبي طالب، هو المرشح للخلافة من قبل الرسول ﷺ». (^١)
وضمن أجوبته عن بعض الأسئلة التي زعم أنها وجهت إليه:
يقول في جواب سؤال لماذا لم يعين الرسول ﷺ له خليفة؟ «لقد عين ﵌ خليفة له بعد حجة الوداع، وهو علي بن أبي طالب، وأشهد على ذلك صحابته الذين حجوا معه، وكان يعلم بأن الأمة ستغدر به وتنقلب على أعقابها». (^٢)
وإجابة عن سؤال: هل كان النبي ﷺ يعلم بموعد موته؟ قال: «لاشك بأنه كان يعلم مسبقًا بموعد وفاته، في الوقت المعلوم، وقد علم بذلك قبل خروجه لحجة الوداع، ومن أجل ذلك سماها حجة الوداع، وبذلك علم أكثر الصحابة دنو أجله». (^٣)
وجوابًا عن سؤال: هل عين الرسول ﷺ أبا بكر ليصلي بالناس؟ يقول: «من خلال الروايات المتناقضة نفهم أن رسول الله ﷺ لم يعين أبا بكر ليصلي بالناس، اللهم إلا إذا اعتقدنا ما قاله عمر بن الخطاب في هجرانه، ومن اعتقد بذلك فقد كفر». (^٤)
ويقول مجيبًا عن سؤال: لماذا حاربوا مانعي الزكاة، رغم تحريم النبي ﷺ ذلك؟ «لأن بعض الصحابة الذين حضروا بيعة الإمام علي في
_________________
(١) المرجع نفسه ص ٣١٨.
(٢) فسألوا أهل الذكر ص ٢٤٢.
(٣) المرجع نفسه ص ٢٤٣.
(٤) المرجع نفسه ص ٢٤٥.
[ ١٤١ ]
غدير خم وهم راجعون من حجة الوداع وصحبة النبي ﷺ امتنعوا
عن أداء الزكاة لأبي بكر ولا شك بأن بعض الأخبار وصلت إليهم بأن فاطمة تخاصمت معهم، وغضبت عليهم، وبأن عليًا امتنع عن بيعتهم، لكل ذلك رفضوا إعطاء الزكاة لأبي بكر حتى يتبينوا الأمر». (^١)
وأمثلة كثيرة من هذا الهراء في كتبه -اعرضت عنها اختصارًا- وفيما تقدم دليل على كذبه فيما ادعاه. وأن ما يقرره في كتبه لا يخرج في الحقيقة عن ما هو موجود عند الرافضة، ولا يعدو أن يكون تكرارًا لشبههم وأقوالهم. وإلا فأين ماذكره في أجوبته السابقه من عقيدة أهل السنة! بل من قال به من أهل السنة! فلعنة الله على الكاذبين.
٣ - زعمه أنه لا يستدل من الأحاديث إلا بما صح عند أهل السنة.
يقول: «ولمَّا آليت على نفسي، فإني لا أستدل إلا بما يحتج به الشيعة من صحاح أهل السنة والجماعة، فإني اقتصرت على ذلك». (^٢)
ويقول: «وأنا بدوري وكالعادة، حسبما تعهدت به في كل
أبحاث الكتاب لا أستدل إلا بما هو ثابت، وصحيح عند أهل السنة
والجماعة». (^٣)
ويقول أيضًا: «وأخذت على نفسي عهدًا وأنا أدخل هذا البحث الطويل العسير أن أعتمد الأحاديث الصحيحة، التي اتفق عليها أهل السنة والشيعة». (^٤)
وهذه أيضًا دعوى كاذبة يشهد لبطلانها ما امتلأت به كتبه من الأحاديث المنكرة والموضوعة كما سبق أن تقدم لها أمثلة فيما مضى مما يغني عن إعادتها هنا. (^٥)
_________________
(١) المرجع نفسه ص ٢٥٢.
(٢) لأكون مع الصادقين ص ١٧.
(٣) لأكون مع الصادقين ص ٢٣٢.
(٤) ثم اهتديت ص ٨٨.
(٥) انظر: ص ١٨٧ من هذا الكتاب.
[ ١٤٢ ]
وبعد هذا النقد العام للمؤلف ومنهجه في كتبه، الذي ظهر من خلاله: جهله، وقلة علمه، مع اتباعه للهوى والظنون، وبعده عن التحقيق العلمي، القائم على الصدق في النقل، والعدل في الحكم: انتقل من الإجمال إلى التفصيل وذلك بالرد عليه مفصلًا في كتابه الأول (ثم اهتديت) .
وهذا هو أوان الشروع في ذلك، سائلًا الله الكريم العون والتوفيق، والإصابة والتسديد.
[ ١٤٣ ]