قال الرافضي ص ١٨١ «إن من سنة أبي بكر وعمر وعثمان ما يناقض سنة النبي ﷺ ويبطلها كما لا يخفى.
وإذا كانت أول حادثة وقعت بعد وفاة رسول الله ﷺ مباشرة وسجلها أهل السنة والجماعة والمؤرخون هي مخاصمة فاطمة الزهراء لأبي بكر الذي احتج بحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)، هذا الحديث الذي كذبته فاطمة وأبطلته بكتاب الله
والحادثة الثانية: التي وقعت لأبي بكر في أيام خلافته، وسجلها المؤرخون من أهل السنة والجماعة اختلف فيها مع أقرب الناس إليه وهو عمر بن الخطاب، تلك الحادثة التي تتلخص في قراره بمحاربة مانعي الزكاة على أن هؤلاء الذين منعوا إعطاء أبي بكر زكاتهم لم ينكروا وجوبها، ولكنهم تأخروا ليتبينوا الأمر، ويقول الشيعة: إن هؤلاء فوجئوا بخلافة أبي بكر، وفيهم من حضر مع رسول الله [ﷺ] حجة الوداع، وسمع منه النص على علي بن أبي طالب فتريثوا حتى يفهموا الحقيقة».
قلت: قوله: إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، خالفوا سنة
النبي ﷺ
[ ٤٠٢ ]
دعوى باطلة لايعبأبها، ولا وزن لها في ميزان الحق مالم يؤيدها بالحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ . (^١)
وقد علمت الأمة بالنقل المتواتر، الذي لا يمكن أن يندفع أو يتطرق إليه شك: أنه ليس أحد من الخلق أقرب لرسول الله ﷺ، وأقوم بدينه، وأعلم به وأكثر مناصرة له، وأعظم مجاهدة وبلاءً فيه، من أبي بكر، وعمر، ثم من بعدهما عثمان، وعلي ﵃، فإن هؤلاء هم خلفاء الرسول ﷺ وأصهاره الذين أخبر أنهم على الهدى، وأوصى بالتمسك بسنتهم، وخص أبابكر، وعمر منهم بالاقتداء بهما (^٢)، فلا يطعن فيهم بعد هذا إلا ناقص في العقل لا يدري ما يقول، أو ضال مضلّ حائد عن السبيل، ولهذا لا يعرف في الأمة أحد تنقص الشيخين، أو تعرض لهما بقدح لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة المنتسبين لهذه الملة، غير هؤلاء الرافضة المخذولين. وما طعن هذا الرافضي هنا في الخلفاء الثلاثة واتهامهم بمخالفة السنة إلا امتداد ًا لمطاعن سلفه من الرافضة الذين هم أسخف الناس عقولًا، وأضعفهم حجة ودليلًا. وطعنه هذا من حيث الجملة هو أضعف من أن يتكلف
في رده ونقضه لمخالفته لما هو معلوم للأمة بالضرورة من قيام هؤلاء الخلفاء بأمر الدين بعد رسول الله ﷺ وحسن بلائهم فيه، وانما أقتصر هنا على ما ذكره من أمثلة لما ادعاه من مخالفة هؤلاء الخلفاء للسنة، مع بيان بطلان ما ادعاه وكذبه في ذلك.
أما الحادثة الأولى: وهي قوله مخاصمة فاطمة لأبي بكر في الميراث فقد تقدم الرد عليه فيها، وبيان كذبه وتلبيسه بما لامزيد
عليه هنا. (^٣)
وأما ما ذكر في الحادثة الثانية: وهي طعنه في أبي بكر بقتال المرتدين، الذين منعوا الزكاة بعد موت النبي ﷺ وارتدوا عن الإسلام.
فهذا مما أظهر الله به أمره، وكشف ستره، وما هو عليه من زندقة
_________________
(١) سورة البقرة آية ١١١.
(٢) تقدم ذكر الحديث وتخريجه ص ٥٦٠.
(٣) انظر ص ٤٢٠-٤٣٦ من هذا الكتاب.
[ ٤٠٣ ]
وإلحاد. فتأمل أيها القارئ طعن هذا المنافق في أبي بكر وفي أصحاب رسول الله ﷺ، ودفاعه عن المرتدين الذين ارتدوا عن الدين بعد موت الرسول ﷺ، واعتذاره لهم وتخطئة الصحابة في قتالهم، لتعلم موقعه من الدين.
على أن المؤلف بطعنه هذا ما هو إلا مقلد لإخوانه من الرافضة الذين سبقوه لهذا فرد العلماء عليهم في ذلك، حتى ظهر للناس زيف دعواهم وشدة افترائهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رده على ابن المطهر بعد نقله كلامه في المسألة: «والجواب بعد أن يقال: الحمد لله الذي أظهر من أمر هؤلاء إخوان المرتدين، ما تحقق به عند الخاص والعام أنهم إخوان المرتدين حقًا، وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم بألسنتهم، فإن الله لا يزال يطلع على خائنة منهم تبين عدوانهم لله ورسوله، ولخيار عباد الله وأوليائه المتقين، ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا﴾ (^١)، فنقول من كان له علم بالسيرة، وسمع مثل هذا الكلام جزم بأحد أمرين:
إما بأن قائله من أجهل الناس بأخبار الصحابة، وإما أنه من أجرأ الناس على الكذب، فظني أن هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الرافضة ينقلون ما في كتب سلفهم، من غير اعتبار منهم لذلك، ولا نظر في أخبار الإسلام، وفي الكتب المصنفة في ذلك حتى يعرف أحوال الإسلام، فيبقى هذا وأمثاله في ظلمة الجهل بالمنقول والمعقول
إلى أن قال: ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة -أولهم وآخرهم- أنه قاتل المرتدين، وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة، بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، وكانوا فيما يقال نحو مائة ألف، والحنفية أم محمد بن الحنفية سَرّية علي كانت من بني حنيفة، وبهذا احتج من جوز سبي المرتدات
إذا كان المرتدون محاربين،
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٤١).
[ ٤٠٤ ]
فإذا كانوا مسلمين معصومين فكيف استجاز علي أن يسبي نساءهم ويطأمن ذلك السبي.
وأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فأولئك ناس آخرون، ولم
يكونوا يؤدونها، وقالوا: لا نؤديها إليك، بل امتنعوا من أدائها بالكلية، فقاتلهم على هذا، لم يقاتلهم ليؤدّوها إليه، وأتباع الصديق كأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، وغيرهما يقولون: إذا قالوا: نحن نؤديها ولا ندفعها إلى الإمام، لم يجز قتالهم لعلمهم بأن الصديق إنما قاتل من امتنع عن أدائها جملة، لامن قال: أنا أؤدّيها بنفسي. ولو عدّ هذا المفتري الرافضي من المتخلفين عن بيعة أبي بكر المجوس، واليهود، والنصارى، لكان ذلك من جنس عده لبني حنيفة، بل كفر بني حنيفة من بعض الوجوه كان أعظم من كفر اليهود، والنصارى، والمجوس، فإن أولئك كفار ملِّيُّون وهؤلاء مرتدون، وأولئك يقرون بالجزية، وهؤلاء لا يقرون بالجزية، وأولئك لهم كتاب أو شبه كتاب، وهؤلاء اتبعوا مفتريًا كذابًا، لكن كان مؤذنه يقول: أشهد أن محمدًا ومسيلمة رسولا الله، وكانوا يجعلون محمدًا ومسيلمة سواء» . (^١)
فتبين بهذا أن الذين قاتلهم أبو بكر كانوا قسمين:
قسم منهم: قد ارتدوا بالكلية واتبعوا مسيلمة الكذاب، وهم
بنو حنيفة، وهؤلاء لا يشك مسلم في كفرهم ووجوب قتالهم.
وقسم آخر: امتنعوا من تأدية الزكاة مطلقًا فلم يؤدوها بأنفسهم ولا دفعوها إلى الخليفة، فكان قتالهم واجبًا مأمورًا به من الله ورسوله
قال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (^٢) فعلق تخلية السبيل على الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله
_________________
(١) منهاج السنة ٨/٣١٨-٣١٩-٣٢٤.
(٢) سورة التوبة آية ٥.
[ ٤٠٥ ]
إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله). (^١)
فجعل شهادة ألاّ إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، شرطًا لعصمة الدماء والأموال. وأولئك الممتنعون عن تأدية الزكاة لم يتحقق فيهم الشرط، فقاتلهم أبو بكر ﵁ وكان معه وعلى رأيه سائر الصحابة الذين باشروا قتالهم بأنفسهم.
وأما دعوى الرافضي: أن عمر خالف في ذلك أبا بكر فكذب صريح على عمر ﵁ أما قوم مسيلمة فلم يخالف في قتالهم أحد من
الصحابة، لا عمر ولا غيره، ولم يشكوا في كفرهم وردتهم، وأما مانعوا الزكاة: فقد رأى عمر في بداية الأمر عدم قتالهم، لكنه ما لبث أن رجع عن رأيه إلى قول أبي بكر بعد أن تبين له الحق
في ذلك.
ورجوع عمر عن رأيه وموافقة أبي بكر، أمر مشهور في كتب
السنة والتاريخ لا يخفى على أحد من أهل العلم، ولم ينكره أحد منهم، وهو ثابت في الصحيحين:
فعن أبي هريرة ﵁: (أن عمر قال لأبي بكر ﵄ كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولون لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة، حق المال، والله لو منعوني عناقًا، كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق). (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في: (كتاب الإيمان، باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾، فتح الباري ١/ ٧٥، ح ٢٥، ومسلم: (كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله)، ١/ ٥٣، ح ٢٢.
(٢) أخرجه البخاري: (كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول الفرائض) فتح الباري ١٢/ ٢٧٥، ومسلم: (كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، ١/ ٥١، ح ٢٠.
[ ٤٠٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما قول الرافضي إن عمر أنكر قتال أهل الردة، فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر
بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه، ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر أولًا شبهة في قتالهم، حتى ناظره الصديق وبين له وجوب قتالهم فرجع إليه والقصة في ذلك مشهورة» . (^١)
وبهذا يظهر بطلان دعوى الرافضي، وشدة ضلاله في ذمه لأبي بكر على قتال المرتدين الذي يُعد من أعظم مناقبه، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا مما يؤكد فرط جهل المؤلف بالتاريخ وإغراقه في الزيغ والضلال.
فنسأل الله العافية والسلامة من حاله.
_________________
(١) منهاج السنة ٨/٣٢٧.
[ ٤٠٧ ]
طعن المؤلف في خالد بن الوليد بقتله مالك بن نويرة
وطعنه في أبي بكر لعدم الاقتصاص
من خالد والرد عليه في ذلك
قال المؤلف ص ١٨٣ «وأما الحالة الثالثة التي وقعت لأبي بكر في أول خلافته، وخالفه فيها عمر بن الخطاب، وقد تأول فيها النصوص القرآنية والنبوية، فهي قصة خالد بن الوليد، الذي قتل مالك ابن نويرة صبرًا، ونزا على زوجته فدخل بها في نفس الليلة.
وكان عمر يقول لخالد: يا عدو الله قتلت امرءًا مسلمًا ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بالحجار.
ولكن أبا بكر دافع عنه وقال: (هبه ياعمر، تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد) وهذا فضيحة أخرى سجلها التاريخ لصحابي من الأكابر!! إذا ذكرناه ذكرناه بكل احترام وقداسة، بل ولقبناه: (سيف الله المسلول).
وخالد بن الوليد له في حياة النبي ﷺ قصة مشهورة، إذ بعثه النبي ﷺ إلىبني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام، ولم يأمره بقتالهم، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل، ويأسربهم، ودفع الأسرى إلى أصحابه وأمرهم بقتلهم، وامتنع البعض من قتلهم، لما تبين لهم أنهم أسلموا، ولما رجعوا وذكروا ذلك للنبي ﷺ: قال:
اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد قالها مرتين
[ ٤٠٨ ]
إلى أن قال: فهل لنا أن نسأل أين هي عدالة الصحابة المزعومة التي يدعونها؟ وإذا كان خالد بن الوليد وهو من عظمائنا، حتى لقبناه (بسيف الله) أفكان ربنا يسل سيفه ويسلطه على المسلمين والأبرياء وعلى المحارم فيهتكها
فهذه من الأسباب القوية التي جعلتني أنفر من أمثال هؤلاء الصحابة، ومن تابعيهم الذين يتأولون النصوص، ويختلقون الروايات الخيالية، لتبرير أعمال أبي بكر وعمر وخالد بن الوليد، ومعاوية، وعمرو بن العاص وإخوانهم، اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أبرأ إليك من أفعال هؤلاء وأقوالهم التي خالفت أحكامك، واستباحت حرماتك، وتعدت حدودك، واغفر لي ما سبق من موالاتهم إذ كنت من الجاهلين».
قلت: ونحن نسأل الله أن يوليك ماتوليت، وأن يجزيك بما قلت، وأن ينتقم لأوليائه منك، وأن يري المسلمين فيك، وفي أمثالك آية تكون عبرة للمعتبرين، في الدنيا، وأن يلحقك يوم القيامة بإخوانك المنافقين الطاعنين في أولياء الله، المؤذين لهم بغير ما اكتسبوا إنه
سميع مجيب.
وأما طعنه في خالد بن الوليد، بقتله مالك بن نويرة ودخوله بزوجته مع أنه كان مسلمًا.
فجوابه: أن مالك بن نويرة قد اختلف في أمره فقيل: إنه كان ممن منع الزكاة، وقيل: إنه صانع سجاح حين قدمت أرض الجزيرة، وقيل: إنه لما أُسر وأُتي به لخالد ﵁ فأنبه على ماصدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر بضرب عنقه، فضربت عنقه، وإن ثبت عنه هذا فهذا يدل على ردته. وقيل: إن خالدًا لما أسره ومن كان معه -وكان ذلك في ليلة شديدة البرد- فنادى مناديه، أن ادفئوا أسراكم فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم، وقتل ضرار بن
[ ٤٠٩ ]
الأزور مالك بن نويرة، فلما سمع الداعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه. (^١)
وعلى كل حال فقتل خالد لمالك بن نويرة: إما أن يكون لواحد من هذه الأسباب المذكورة، وإما أن يكون لسبب آخر لم نعلمه، وإما أن خالدًا لم يرد قتله أصلًا، وإنما قتل خطأً، فإن كل ذلك محتمل. وحينئذ فخالد معذور على كل حال، سواء أكان قتله بحق لسبب يوجب قتله، أو بخطأ ناشئ عن تأويل يعذر به، أو بغير قصد لالوم عليه فيه.
وأما غضب عمر على خالد وقوله له ما قال، فهذا إن ثبت فلكونه يرى أن خالدًا كان مخطئًا في قتل مالك، ومع هذا فما كان يتهمه في دينه، بل كان يقول: إن في سيفه رهقًا.
وقد تقدم أن أمر مالك بن نويرة كان مشتبهًا، ولهذا اختلف الصحابة في قتلة، فمنهم من كان على رأي خالد، ومنهم من كان على رأي عمر في تخطئه خالد بقتله، وقد كان الصديق يرى أن خالدًا في ذلك كان مجتهدًا معذورًا ولذا قال لعمر: (هبه ياعمر تأول فأخطأ). (^٢)
والمقصود أن كل واحد من الصحابة كان مجتهدًا في إحقاق الحق، وأمرهم دائر بين الأجر والأجرين، فمجتهد مصيب له أجران، ومجتهد مخطئ له أجر واحد وخطؤه مغفور، ولا ينتقصهم في شيء من هذا إلا جاهل بأصول الشرع، أو زائغ عن الحق، كهذا الرافضي الذي امتلأ قلبه حقدًا وضغينة على أصحاب رسول الله ﷺ، فسخر نفسه للطعن فيهم، والنيل منهم، مع ماهم عليه من المقامات الشريفة العالية في الدين، والسبق إلى سائر خصال البر والتقوى، وتعديل الله لهم في كتابه والرسول ﷺ في سنته، وما جعل الله لهم في قلوب المؤمنين من الحب والولاء، وما نشر لهم بينهم من الذكر الحسن وجميل الثناء.
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري ٣/ ٢٧٨، وما بعدها. والبداية والنهاية لابن كثير ٦/ ٣٢٦.
(٢) أورده الطبري في تاريخه ٣/ ٣٧٨.
[ ٤١٠ ]
وأما طعنه في خالد بقتله بني جذيمة وبراءة الرسول ﷺ من فعله.
فجوابه: أن خالدًا قتلهم متأولًا وذلك أنه لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: صبأنا صبأنا، ومعنى: صبأنا: أي انتقلنا من دين إلى دين، وقد كانت قريش تطلق على من أسلم أنه صابئ على سبيل الذم (^١)، فلم يقبل خالد منهم ذلك حيث لم يصرحوا بالإسلام، في حين أن بعض من كان معه من الصحابة كابن عمر وغيره أنكروا عليه، لأنهم عرفوا أنهم أرادوا الإسلام، ولذا قال ابن عمر راوي الحديث (فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا) (^٢) وقد كان خالد متأولًا في قلتهم، غير مذموم بفعله، وإن كان مخطئًا فيه.
قال الخطابي: «يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع على سبيل الأنفة، ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولًا». (^٣)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن هذه الحادثة: «فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلم يقبل ذلك
منهم، وقال: إن هذا ليس بإسلام، فقتلهم، فأنكر ذلك عليه من معه من أعيان الصحابة: كسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولما بلغ ذلك النبي ﷺ رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) لأنه خاف أن يطالبه الله بما جرى عليهم من العدوان
ومع هذا فالنبي ﷺ لم يعزل خالدًا عن الإمارة، بل مازال يؤمرُه ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك، وأُقرّ على ولايته، ولم يكن خالد معاندًا للنبي ﷺ، بل كان مطيعًا له، ولكن لم
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٨/ ٥٧.
(٢) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى جذيمة)، فتح الباري ٨/ ٥٦ - ٥٧، ح ٤٣٣٩.
(٣) فتح الباري لابن حجر ٨/ ٥٧.
[ ٤١١ ]
يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية». (^١)
وقال ابن حجر في شرح الحديث: «وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم صبأنا أي: خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام». (^٢)
فهذه أقوال أهل العلم، تدل على أن خالدًا إنما قتل بني جذيمة لظنه أنهم ما أرادوا الإسلام بقولهم (صبأنا) ولم يكن بفعله هذا عاصيًا لرسول الله ﷺ، وإنما كان مجتهدًا متأولًا، لأن اللفظ مشتبه والاحتمال
الذي ذهب إليه وارد.
وأما براءة الرسول ﷺ من فعله فلخشية المؤاخذة به من الله، وهذا لا يوجب الطعن في خالد، فالبراءة من الفعل الخاطئ شيء، وتأثيم صاحبه وذمه شئ آخر، وذلك أن العبد لا يؤاخذ بشيء من الأخطاء سواء في باب الاعتقاد، أو في باب الفروع إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع التي يعذر بها عند الخطأ، على ماهو مقرر في أصول الاعتقاد عند أهل السنة.
أما قول الرافضي: فهل لنا أن نتساءل أين هي عدالة الصحابة المزعومة التي يدعونها الخ كلامه.
فيقال له: إن عدالة الصحابة ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، ولا يتَوَصل أحد إلى القدح فيها إلا بعد إنكار النصوص القاطعة بعدالتهم من الكتاب والسنة، المتضمنة أحسن الثناء عليهم وأبلغه من الله ورسوله، ولذا كان القدح في الصحابة علامة الزنادقة والملاحدة، وقد تقدم فيما مضى من البحث عرض النصوص وأقوال أهل العلم في القطع بعدالة الصحابة، مما يغني عن إعادتها، وإنما أكتفي هنا بما ذكره الإمامان الجليلان أبو زرعة وأحمد -رحمهما الله تعالى- في حكم من طعن في الصحابة وقدح فيهم.
_________________
(١) منهاج السنة ٤/ ٤٨٦.
(٢) فتح الباري ٨/ ٥٧.
[ ٤١٢ ]
قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل يتنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) . (^١)
وقال الإمام أحمد: (إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ بسوء، فاتهمه على الإسلام) . (^٢)
وهذا الرافضي لم يقتصر على الطعن فقط، بل تعدى إلى ماهو أعظم منه وذلك باتهامه الصحابة بالردة كلهم، إلا القليل منهم.
يقول: «فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا، وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده ﷺ إلا القليل، الذي عبر عنه بهَمَل النعم» . (^٣)
ويقول: «وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الإمامية على حق، فتشيعت وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم، لأني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة الذين
ثبت عندي، أنهم ارتدوا على أعقابهم، ولم ينج منهم إلا القليل» . (^٤)
فهل يبقى مجال للشك بعد هذا في كفر هذا الرجل وزندقته، وبراءته من الإسلام، وأنه ما أراد بكتبه هذه التي تقوم على الزندقة والإلحاد، إلا
_________________
(١) رواه الخطيب في الكفاية ص٤٩.
(٢) ذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص٢٠٩، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص٥٦٨.
(٣) ثم اهتديت ص١١٩-١٢٠.
(٤) ثم اهتديت ص١٥٦.
[ ٤١٣ ]
هدم أصول هذا الدين، وتقويض دعائمه بالطعن في رواته وحملته للأمة. مظهرًا الرفض ومبطنًا الكفر المحض، كما هو طريق كل زنديق وملحد في الكيد للإسلام وأهله.
[ ٤١٤ ]