قال المؤلف ص ٩٣ تحت عنوان: (الصحابة في صلح الحديبية)، بعد أن ذكر على وجه الإجمال خبر صلح النبي ﷺ مع قريش على الشروط المعروفة: «لكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبي ﷺ وعارضوه في ذلك معارضة شديدة، وجاءه عمر بن الخطاب فقال: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال رسول الله ﷺ: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف؟ قال: بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال عمر: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به
إلى أن قال: ولما فرغ رسول الله ﷺ من كتاب الصلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فو الله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يمتثل لأمره منهم أحد، دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحدًا منهم بشيء حتى نحر بدنة بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا».
ثم يقول بعد ذلك معلقًا: «هل يقبل عاقل قول القائلين بأن
[ ١٨٧ ]
الصحابة ﵃ كانوا يمتثلون أوامر رسول الله ﷺ وينفذونها، فهذه الحادثة تقطع عليهم ما يرومون فهل سلم عمر بن الخطاب هنا ولم يجد في نفسه حرجًا بما قضى الرسول ﷺ؟! أم كان في موقفه تردد في ما أمر به النبي ﷺ، وخصوصًا في قوله: أولست نبي الله حقًا، أولست كنت تحدثنا إلى آخره، وهل سلم بعدما أجابه رسول الله ﷺ بتلك الأجوبة المقنعة؟ كلا لم يقتنع بجوابه وذهب يسأل أبا بكر الأسئلة نفسها».
والجواب عن هذا: أن ما ذكره من مراجعة عمر للنبي ﷺ في أمر الصلح، وكذلك تأخر الصحابة في بداية الأمر عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله ﷺ وحلق، كل هذا صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث التي نقلت أخبار صلح الحديبية. (^١)
وعلى هذين الأمرين مدار طعنه وسلفه من الرافضة على أصحاب رسول الله ﷺ ولا مطعن في شيء من هذا على أصحاب
رسول الله ﷺ لا عمر ولا غيره من الصحابة الذين شهدوا الحديبية.
وبيان ذلك: أن الرسول ﷺ كان قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع أمر الصلح وفيه أن يرجعوا عامهم هذا، ثم يعودوا العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ (^٢) فجعل عمر ﵁ على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه يسأل رسول الله ﷺ ويراجعه في الأمر، ولم تكن أسئلته التي سألها رسول الله ﷺ لشك في صدق الرسول ﷺ، أو اعتراض عليه، لكن كان مستفصلًا عما كان متقررًا لديه، من أنهم سيدخلون مكة
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري: (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد) ٥/ ٣٢٩، ح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، و(كتاب الجزية) ٦/ ٢٨١، ح ٣١٨٢، وصحيح مسلم: (كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية) ٣/ ١٤١١، ح ١٧٨٥، ومسند أحمد ٣/ ٤٨٦.
(٢) انظر: تاريخ الطبري ٢/ ٦٣٥، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ١٧٠.
[ ١٨٨ ]
ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله ﷺ على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين.
قال النووي: «قال العلماء لم يكن سؤال عمر ﵁ وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه ﵁ وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين». (^١)
ونقل هذا أيضًا ابن حجر ﵀ عن بعض شراح الحديث. (^٢)
فعمر ﵁ كان في هذا مجتهدًا حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله ﷺ من المشورة وإبداء الرأى، امتثالًا لأمر الله تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ (^٣) وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج للعدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجيء لقتال، وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قال (^٤)، في حوادث كثيرة يطول ذكرها.
فقد كان عمر ﵁ يطمع أن يأخذ رسول الله ﷺ برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله ﷺ لما يعلم من حسن نيته وصدقه.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم ١٢/ ١٤١.
(٢) انظر: فتح البارى ٥/ ٣٤٦.
(٣) سورة آل عمران من الآية ١٥٩.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٠ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾.
[ ١٨٩ ]
أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله ﷺ وحلق، فليس معصية لأمر رسول الله ﷺ، وقد ذكر العلماء له عدة توجيهات.
قال ابن حجر: «قيل كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوّغ لهم ذلك لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم». (^١)
وجاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ لما رأى عدم امتثالهم، دخل على أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: (يا رسول الله لاتكلمهم
فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح). (^٢)
فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري: (أن اخرج ثم لاتكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا). (^٣)
قال ابن حجر: «ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي ﷺ صواب ما أشارت به ففعله
_________________
(١) فتح الباري ٥/ ٣٤٧.
(٢) ذكره ابن حجر في فتح الباري ٥/ ٣٤٧.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد) ٥/ ٣٣٢
[ ١٩٠ ]
ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فلما استمروا على الامتناع، تناول القدح فشرب، فلما رأوه شرب شربوا». (^١)
وهذا الوجه حسن، وهو اللائق بمقام أصحاب النبي ﷺ، فإنهم
كانوا على قدر كبير من تعظيم الإحرام والحرص على إكمال النسك، فلما أمرهم النبي ﷺ بالتحلل ولم يفعل، ظنوا أن الذي حمله على هذا هو الشفقة عليهم، كما كانت سيرته معهم، فكأنهم ﵃ آثروا التأسي به على ما رخص لهم فيه من التحلل، ثم لما رأوه قد تحلل أيقنوا أن هذا هو الأفضل في حقهم، فبادروا إليه، وهذا مثل ما حصل منهم في الحج مع النبي ﷺ لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا أمرهم أن يحلوا، وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة، فكبر ذلك عليهم لتعظيمهم لنسكهم، وقالوا: نذهب إلى عرفة ومذاكيرنا تقطر من المني، فلما علم بذلك الرسول ﷺ وكان لم يتحلل، قال لهم: (أيها الناس أحلوا فلولا الهدى الذي معى فعلت كما فعلتم) قال جابر ﵁ راوي الحديث: فحللنا وسمعنا وأطعنا. (^٢)
وهذا كله من حرص أصحاب رسول الله ﷺ على الخير والرغبة في التأسي برسول الله ﷺ التأسي الكامل. فرضي الله عنهم أجمعين.
وبهذا تظهر الوجهة الصحيحة لمواقف الصحابة الجليلة في هذه الغزوة المباركة، التي ازدادوا بها رفعة عند الله، وسبقًا في دينه، ومحبة في قلوب المؤمنين.
فإن أبى الرافضي قبول ذلك استكبارًا وعنادًا، وظلمًا وطغيانًا وأصر على ما هو عليه من الكذب والتدليس، فإني أورد هنا عدة أوجه فيها إلزامه وفضيحته، ودحض شبهته بحول الله وقوته وهي:
_________________
(١) فتح الباري ٥/ ٣٤٧.
(٢) ملخصًا من حديث جابر بن عبد الله الذي رواه البخاري في (كتاب الاعتصام، باب نهي النبي ﷺ على التحريم إلا ما تعرف إباحته) فتح الباري ١٣/ ٣٣٧، ح ٧٣٦٧، ومسلم (كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام ..) ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤، ح ١٢١٦.
[ ١٩١ ]
الوجه الأول: ما بدر من الصحابة ﵃ يوم الحديبية كان بحضور رسول الله ﷺ، وقد كان الوحي ينزل عليه، فهل ذمهم الله بذلك؟ فإن الله لا يقر على باطل. أو أنكر عليهم رسوله ﷺ؟ فإنه لا تأخذه في الله لومة لائم. فإذا لم يحصل شيء من ذلك ولم ينقل عن أحد من الصحابة الذين شهدوا الواقعة أنهم سعوا في الإنكار على من يدعي هذا الرافضي أنه مخالف ومنازع، ثم تتابعت الأمة بعد ذلك جيلًا بعد جيل على عدم الإنكار بل الترضي على أولئك الأخيار، أفاد كل ذلك حقيقة حتمية، وضرورة شرعية عند كل متدين بهذا الدين داخل في عقد المسلمين ألا وهي: براءة الصحابة وطهارتهم من كل ما يرميهم به الرافضة والزنادقة من العظائم وأن الطعن فيهم بعد هذا رد على رب العالمين، ومشاقة لرسوله الكريم، واتباع لغير سبيل المؤمنين.
الوجه الثاني: أن الله ﷿ قال في سورة الفتح التي أنزلها على
رسوله ﷺ بعد رجوعه من الحديبية في طريقه إلى المدينة (^١): ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾. (^٢)
وكان عدد أهل الحديبية الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة رجلٍ، كما ذكر جابر ﵁ قال: (كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة). (^٣)
وفي صحيح مسلم أن أم بشر سمعت النبي ﷺ يقول: (لايدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها). (^٤)
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٢.
(٢) سورة الفتح آيتا ١٨، ١٩.
(٣) رواه مسلم (كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش ..) ٣/ ١٤٨٣، ح ١٨٥٦.
(٤) رواه مسلم (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة ..) ٤/ ١٩٤٢، ح ٢٤٩٦.
[ ١٩٢ ]
فثبت بصريح الكتاب والسنة أن الله رضي عنهم، وأنزل السكينة في قلوبهم، وشهد لهم الرسول ﷺ بالجنة، والنجاة من النار، فالطعن فيهم بعد هذا تكذيب صريح لما دلت عليه النصوص، ورد على الله ورسوله، ولهذا لم يتوقف العلماء في تكفير من كفّر، أو فسق
عامة الصحابة لمناقضته لصريح الكتاب والسنة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفصيل حكم سب الصحابة: «وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين». (^١)
الوجه الثالث: يتعلق بما جاء في سياق بعض الروايات الصحيحة وفيها فقال الرسول ﷺ لأصحابه: (قوموا انحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات). (^٢)
أورده المؤلف ثم قال معلقًا: «هل يقبل عاقل قول القائلين بأن الصحابة ﵃ كانوا يمتثلون أوامر الرسول ﷺ وينفذونها، فهذه الحادثة تقطع عليهم ما يرومون». (^٣)
قلت: تقدمت الإجابة عليه، وأنه لا مطعن على أصحاب
رسول الله ﷺ فيه. (^٤)
لكن أقول للمؤلف هنا: ألم يكن علي ﵁ ومن تعتقدون عدالته من الصحابة في هؤلاء، ويرد عليه ما قلتم فما هو جوابكم؟.
_________________
(١) الصارم المسلوك على شاتم الرسول ﷺ ص ٥٨٦.
(٢) وردت هذه العبارة ضمن الحديث الطويل الذي رواه البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد ..) فتح الباري ٥/ ٣٢٩، ح ٢٧٣١، ٢٧٣٢.
(٣) تقدم نقل نصه كاملًا ص ٢٦٣.
(٤) انظر ص ٢٦٦ من هذا الكتاب.
[ ١٩٣ ]
الوجه الرابع: ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (كتب علي أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله، فقالوا: لاتكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي ﷺ: امحه، فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي ﷺ بيده). (^١) وفي بعض الرويات أن عليًا ﵁ قال: (والله لا أمحاه أبدًا ..). (^٢)
فما ثبت عن علي ﵁ هنا نظير ما ثبت عن عمر ﵁ في مراجعته رسول الله ﷺ في أمر الصلح فإذا لم يكن في هذا مطعن على
علي ﵁ وهو الحق، لم يكن فيما ثبت عن عمر ﵁ مطعن عليه، فإن قال الرافضي إنما منعه من محو كلمة (رسول الله) محبته لرسول الله ﷺ وتعظيمه، قلنا: وإنما حمل عمر على ما فعل نصرته لرسول الله ﷺ وإعزاز دينه.
الوجه الخامس: أن الباعث لما صدر من الصحابة ﵃ يوم الحديبية هو شدة حرصهم على الخير ورغبتهم في الأجر، يشهد لهذا أن الذي أرادوا كان أشد عليهم في الدنيا مما أريد منهم، فعمر ﵁ كان يريد القتال ومناجزة الكفار، وما أراده الرسول ﷺ من أمر الصلح كان أهون عليه وأسلم، وكذلك الصحابة لما تأخروا في بداية الأمر عن النحر والحلق إنما أرادوا إكمال النسك، وما أمرهم به الرسول ﷺ من التحلل في مكانهم كان أيسر عليهم وأسهل، وإن كنا لا نشك أن ما أراده الرسول ﷺ وأمرهم به هو أكمل لهم وأفضل في الدنيا والآخرة، لكن المقصود هنا هو حسن نياتهم، وصدق رغباتهم فيما عند الله والدار الآخرة، وهذا بخلاف من أراد الدنيا، كمثل حال المنافقين الذين يتثاقلون عن الجهاد، وأعمال البر
_________________
(١) رواه البخاري في (كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان ابن فلان ..) فتح الباري ٥/ ٣٠٣، ح ٢٦٩٨، ومسلم (كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية) ٣/ ١٤٠٩، ح ١٧٨٣.
(٢) أوردها البخاري في كتاب (الجزية، باب المصالحة على ثلاثة أيام) فتح الباري ٦/ ٢٨٢، ح ٣١٨٤، ومسلم في الكتاب والباب السابقين ٣/ ١٤١٠.
[ ١٩٤ ]
ويتلمسون الاعذار في التأخر عنها، كما هو معلوم من قصصهم في القرآن، ولذا أثنى الله على أهل الحديبية وأعطاهم من الخير والفضل بما علمه عنهم من صدق الرغبة فيما عنده وطلب رضوانه فقال: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة
فعلم ما في قلوبهم﴾ . (^١)
قال ابن كثير: «أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة» . (^٢)
_________________
(١) سورة الفتح آية ١٨.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/١٩١.
[ ١٩٥ ]