يرى جمهور المحققين أن سبب اطلاق هذه التسمية على الرافضة: هو رفضهم زيد بن علي وتفرقهم عنه بعد أن كانوا في جيشه، حين خروجه على هشام بن عبد الملك، في سنة إحدى وعشرين ومائة وذلك بعد أن أظهروا البراءة من الشيخين فنهاهم عن ذلك.
يقول أبو الحسن الأشعرى: «وكان زيد بن علي يفضل علي بن
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٤٣٥.
(٢) هو: أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا، ويعرف بالعسكرى، وهو أحد الأئمة الاثنى عشر عند الإمامية، كانت ولادته سنة أربع عشرة، وقيل: ثلاث عشرة ومائتين، ووفاته سنة أربع وخمسين ومائتين. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٧٢.
(٣) يعنون بهما: أبا بكر وعمر ﵄ كما جاء ذلك في تفسير العياشى ١/ ٢٤٦ - وهو من أهم كتب التفسير عندهم- عند قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ (النساء: ٥١).
(٤) المحاسن النفسانية: لمحمد آل عصفور الدرازي ص ١٤٥.
[ ٢٢ ]
أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله ﷺ ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، فلما ظهر في الكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر فأنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني، فيقال إنهم سموا رافضة لقول زيد لهم رفضتموني». (^١)
وبهذا القول قال قوام السنة (^٢)، والرازي (^٣)، والشهرستاني (^٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٥) ﵏.
وذهب الأشعري في قول آخر: إلى أنهم سموا بالرافضة لرفضهم إمامة الشيخين، قال: «وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر». (^٦)
والرافضة اليوم يغضبون من هذه التسمية ولا يرضونها، ويرون أنها من الألقاب التي ألصقها بهم مخالفوهم، يقول محسن الأمين: «الرافضة لقب ينبز به من يقدم عليًا ﵁ في الخلافة وأكثر مايستعمل للتشفي والانتقام». (^٧)
ولهذا يتسمون اليوم بـ (الشيعة) وقد اشتهروا بهذه التسمية
عند العامة، وقد تأثر بذلك بعض الكتاب والمثقفين، فنجدهم
يطلقون عليهم هذه التسمية. وفي الحقيقة أن الشيعة
مصطلح عام يشمل كل من شايع
عليًا ﵁ (^٨).
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ١/ ١٣٧.
(٢) انظر: الحجة في بيان المحجة ٢/ ٤٧٨.
(٣) انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٥٢.
(٤) انظر: الملل والنحل ١/ ١٥٥.
(٥) انظر: منهاج السنة ١/ ٨، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦.
(٦) مقالات الإسلاميين ١/ ٨٩.
(٧) أعيان الشيعة ١/ ٢٠.
(٨) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١/ ٦٥، والملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٤٤.
[ ٢٣ ]
وقد ذكر أصحاب الفرق والمقالات أنهم ثلاثة أصناف:
غالية: وهم الذين غلوا في علي ﵁ ولربما ادعوا فيه الألوهية أو النبوة.
ورافضة: وهم الذين يدعون النص على استخلاف علي ويتبرءون من الخلفاء قبله وعامة الصحابة.
وزيدية: وهم أتباع زيد بن علي، الذين كانوا يفضلون عليًا على سائر الصحابة ويتولون أبا بكر وعمر. (^١)
فإطلاق «الشيعة» على الرافضة من غير تقييد لهذا المصطلح غير صحيح، لأن هذا المصطلح يدخل فيه الزيدية، وهم دونهم في المخالفة وأقرب إلى الحق منهم.
بل إن تسميتهم «بالشيعة» يوهم التباسهم بالشيعة القدماء الذين كانوا في عهد علي ﵁ ومن بعدهم؛ فإن هؤلاء مجمعون على تفضيل الشيخين على عليّ ﵁ وإنما كانوا يرون تفضيل علي على
عثمان وهؤلاء وإن كانوا مخطئين في ذلك إلا أن فيهم كثيرًا من أهل العلم ومن هو منسوب إلى الخير والفضل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «ولهذا كانت الشيعة المتقدمون، الذين صحبوا عليًا، أو كانوا في ذلك الزمان، لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان». (^٢)
لذا فإن تسمية «الرافضة» بالشيعة من الأخطاء البينة الواضحة التي وقع فيها بعض المعاصرين تقليدًا للرافضة في سعيهم للتخلص من هذا الاسم، لما رأوا من كثرة ذم السلف لهم، ومقتهم إياهم، فأرادوا التخلص من ذلك
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١/ ٦٦، ٨٨، ١٣٧، والملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٤٥.
(٢) منهاج السنة ١/ ١٣.
[ ٢٤ ]
الاسم تمويهًا وتدليسًا على من لا يعرفهم بالانتساب إلى الشيعة على وجه العموم. فكان من آثار ذلك ماوقع فيه بعض الطلبة المبتدئين ممن لم يعرفوا حقيقة هذه المصطلحات من الخلط الكبير بين أحكام الرافضة وأحكام الشيعة، لما تقرر عندهم إطلاق مصطلح التشيع على الرافضة، فظنوا أن ما ورد في كلام أهل العلم المتقدمين في حق (الشيعة) يتنزل على الرافضة، في حين أن أهل العلم يفرقون بينهما في كافة أحكامهم.
يقول الإمام الذهبي في ترجمة (أبان بن تغلب) بعد أن ذكر توثيق
الأئمة له مع أنه شيعي: «فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحدّ الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟.
وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄ والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لايحتج به ولا كرامة
إلى أن قال: فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان، والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب عليًا ﵁ وتعرض لسبهم.
والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال مفتر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًا أفضل منهما». (^١)
وعليه فإن من الواجب: أن يسمى هؤلاء الروافض بمسماهم الحقيقي الذي اصطلح عليه أهل العلم وعدم تسميتهم بالشيعة على
وجه الاطلاق، لما في ذلك من اللبس والإيهام، وإذا ما اطلق عليهم مصطلح (التشيع)
_________________
(١) ميزان الاعتدال ١/ ٥ - ٦.
[ ٢٥ ]
فينبغي أن يقيد بما يدل عليهم خاصة كأن يقال (الشيعة الإمامية) أو (الشيعة الاثني عشرية) على ما جرت به عادة العلماء عند ذكرهم والله تعالى أعلم.
[ ٢٦ ]