قال الرافضي ص١٣٣ تحت عنوان: (شهادة الشيخين على نفسيهما) .
«خرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب قال: لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس وكأنه يُجَزِّعُهُ: يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحابتهم فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون.
قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك من منّ الله تعالى منّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من منّ الله جل ذكره منّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله ﷿ قبل أن أراه.
وقد سجل التاريخ له أيضًا قوله: ياليتني كنت كبش أهلي يسمنونني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء وقطعوني قديدًا، ثم أكلوني وأخرجوني عذرة ولم أكن بشرًا. كما سجل التاريخ لأبي بكر مثل هذا قال لما نظر أبو بكر إلى طائر على
[ ٢٩٤ ]
شجرة: طوبي لك ياطائر تأكل الثمر وتقع على الشجر، وما من حساب ولا عقاب عليك، لوددت أني شجرة على جانب الطريق مرّ على جمل فأكلني وأخرجني في بعره ولم أكن من البشر.
إلى أن قال: فكيف يتمنى الشيخان أبو بكر، وعمر، أن لا يكونامن البشرالذي كرمه الله علىسائرمخلوقاته، وإذاكان المؤمن العادي الذي يستقيم في حياته تتنزل عليه الملائكة وتبشره بمقامه في الجنة فلا يخاف من عذاب الله ولا يخرن فما بال عظماء الصحابة الذين هم خيرالخلق بعدرسول الله-كما تعلمنا ذلك-يتمنون أن يكونواعذرة».
والرد عليه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن هذه الآثار المذكورة تدل على شدة خوف الشيخين من الله تعالى وتعظيمهما لربهما، وهذا من كمال فضلهما وعلو شأنهما في الدين، ولذا أثني الله في كتابه على عباده الخائفين منه المشفقين من عذابه في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى﴾ (^١)،
وقال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون﴾ (^٣)، وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ (^٤)، وقال في وصفهم: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾ (^٥)، والآيات في هذا كثيرة، وهي تدل على أن الخوف من الله من صفات المؤمنين التي أثنى الله بها عليهم، وأحبها منهم، ورتب على ذلك سعادتهم ونجاتهم في الآخرة بخوفهم منه
_________________
(١) سورة النازعات آيتا ٤٠ - ٤١
(٢) سورة الرحمن آية ٤٦.
(٣) سورة الأنبياء آية ٤٩.
(٤) سورة النور آية ٣٧.
(٥) سورة الرعد آية ٢١.
[ ٢٩٥ ]
في الدنيا. والشيخان ﵄ ماقالا الذي قالا إلا لتحقيقهما أعلى مقامات الخوف من الله الذي استحقابه ذلك الفضل العظيم عند الله تعالى وسبقا به غيرهما من الأمة فكانا أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ.
الوجه الثاني: أن حمل الرافضي شدة خوف الشيخين على مخالفتهما ومعصيتهما، وأنهما لولا ذلك ما حصل لهما هذا، فهذا من جهله
العظيم بالشرع فإنه من المعلوم أن الخوف والخشية من لوازم العلم، كما قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماءُ﴾ (^١)، وكل ماقوي ذلك العلم قويت الخشية في نفس العبد، ولذا قال النبي ﷺ لأصحابه: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) (^٢)، وهذا كله يورث الإستقامة على الطاعة، وحسن العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ (^٣)، وقال ﷿: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون﴾ (^٤)، فَوَصْف الله عباده بالخوف والعبادة دليل تلازمهما واجتماعهما.
وبعكس هذا عدم الخوف فإنه مصاحب للتفريط وترك العمل، قال تعالى في وصف الكفار: ﴿ما سلككم في سقر - قالوا لم نك
من المصلين - ولم نك نطعم المسكين - وكنا نخوض مع الخائضين - وكنا نكذب بيوم الدين﴾ (^٥)، إلى أن قال: ﴿كل بل لا يخافون الآخرة﴾ (^٦)، فوصفهم بعدم العمل وعدم الخوف.
_________________
(١) سورة فاطر آية ٢٨.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٦٢٣، وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: التلخيص مع المستدرك.
(٣) سورة النور آية ٣٧.
(٤) السجدة آية ١٦.
(٥) سورة المدثر الآيات من ٤٢ - ٤٦.
(٦) سورة المدثر الآية ٥٣.
[ ٢٩٦ ]
وبهذا يتبين جهل الرافضي في ذمه الشيخين بالخوف، الذي هو من أخص صفات المؤمنين العاملين.
الوجه الثالث: أن الله تعالى أخبر عن مريم ﵍ بنظير ما ثبت عن أبي بكر، وعمر في قوله: ﴿قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا﴾ . (^١)
قال ابن عباس في معنى نسيًا منسيًا أي: (لم أُخلق ولم أك شيئًا) .
وقال قتادة أي: (شيئًا لا يُعرف ولا يُذكر) .
وقال الربيع بن أنس هو: (السَّقْط) . (^٢)
وثبت عن علي ﵁ كما تقدم في النقل عنه أنه قال يوم الجمل لابنه الحسن: (ياحسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة) . (^٣)
كما ثبت عن أبي ذر قوله: (والله لوددت أني شجرة تعضد) (^٤)، فهل هؤلاء مذمومون بهذا؟ فإن لم يكونوا مذمومين فلم القدح في الشيخين بمثل ما ثبت عن هؤلاء؟
الوجه الرابع: أن قول الرافضي إن المؤمن العادي تتنزل عليه الملائكة وتبشره بمقامه في الجنة، وأنه لا يخاف ولا يحزن، وهو يشير بهذا لقوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا﴾ (^٥)، فهذا من جهله العظيم وفهمه السقيم لمعنى الآية فإن هذه البشارة الواردة في الآية إنما تكون عند الموت، كما ذكر ذلك المفسرون ونقلوه عن أئمة التفسير: كمجاهد والسدي وزيد بن أسلم، وابنه
_________________
(١) سورة مريم الآية ٢٣.
(٢) تفسير الطبري ٨/٣٢٥-٣٢٦.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٠٩.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٠٩.
(٥) سورة فصلت آية ٣٠.
[ ٢٩٧ ]
وغيرهم (^١)، والمسلم قبل ذلك لايدري هل يبشر بهذا أم لا، فهو دائمًا خائف وجل، لايعلم بم يختم له، وخوف الشيخين من ربهما أمر طبيعي، بل هو اللائق بهما لكمال علمهما بالله ومعرفتهما به، والله يقول: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (^٢) ولايشكل على هذا بشارة النبي ﷺ للشيخين بالجنة فإن
الخوف من الله من أخص صفات المؤمنين الراسخة في قلوبهم، التي لا ترتفع بشيء ولايستطيعون دفعها، بل كلما ازداد العبد إيمانًا وعلمًا وطاعة لله ازداد خوفًا، ولهذا كان النبي ﷺ أخشى الأمة لله كما أخبر بذلك عن نفسه وأقسم عليه في قوله: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) (^٣)، وهكذا حال أنبياء الله كما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا﴾ (^٤) فإذا كان النبي ﷺ أعظم خشية لله من الشيخين وسائر الأمة، وكذلك أنبياء الله هم أعظم خشية لله منهما بلاشك، فأي لوم عليهما في ذلك، وإذا كان المؤلف يرى بفهمه السقيم أن الواجب على المؤمن أن لا يخاف لأنه مبشر من الله بالجنة، ويقدح في الشيخين-﵄ بالخوف، فإن أولى الناس بعدم الخوف لو كان ما ادعاه صحيحًا هم رسل الله الذين اصطفاهم الله برسالته، ووعدهم بأعلى الدرجات في الجنة.
الوجه الخامس: أنه ظاهر أن الحامل للشيخين على ما قالا هو شدة خوفهما من الله، والخوف من الله من الصفات الفاضلة الممدوح بها باتفاق العقلاء، كما أن عدم الخوف من الله من الصفات الرذيلة المذموم بها عند العقلاء، ولهذا يصف الناس من أرادوا مدحه بقولهم: (فلان يخاف الله)
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ١١/ ١٠٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ٩٩.
(٢) سورة فاطر أية ٢٨.
(٣) أخرجه البخاري في: (كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح) فتح الباري ٩/ ١٠٤، ح ٥٠٦٣، ومسلم: (كتاب النكاح، باب استحباب النكاح) ٢/ ١٠٢٠، ح ١٤٠١.
(٤) سورة مريم آية ٥٨.
[ ٢٩٨ ]
ويصفون من أرادوا ذمه بعكس ذلك فيقولون: (فلان لا يخاف الله) فتبين أن ذم الرافضي للشيخين بخوف الله، معارض بالشرع والعقل، بل إنه غاية في العجب عند أهل العقول والنظر.
وبهذا يتبين لك أيها القارئ صدق كلام أهل العلم في
الرافضة.
كقول الشعبي ﵀: (نظرت في هذه الأهواء وكلمت أهلها فلم أر قومًا أقل عقولًا من الخشبية) (^١)، [يعني الرافضة] .
وقول الشافعي ﵀: (لم أر أحدًا من أصحاب الأهواء أكذب في الدعوى، ولا أشهد بالزور منهم) . (^٢)
وقول شيخ الإسلام ﵀ فيهم: «والقوم من أضل الناس على السواء، فإن الأدلة إما نقلية وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في
المنقول والمعقول، في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: ﴿وقالوا لوكنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ (^٣)» . (^٤)
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٢٥.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٣٠.
(٣) سورة الملك آية ١٠.
(٤) منهاج السنة ١/٨.
[ ٢٩٩ ]