قال الرافضي ص١١٩ تحت عنوان: (رأي الرسول ﷺ في الصحابة) .
«قال رسول الله ﷺ: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم) .
وقال ﷺ: (إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي) .
فالمتمعن في هذه الآحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده ﷺ، إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال حمل هذه الآحاديث على القسم الثالث: وهم المنافقون لأن النص يقول: فأقول أصحابي، ولأن المنافقين لم يبدلوا بعد النبي ﷺ، وإلا
فأصبح المنافق بعد وفاة النبي ﷺ مؤمنًا» .
والجواب: (أن هذين الحديثين اللذين ذكرهما صحيحان أخرجهما
[ ٢٥٠ ]
البخاري في صحيحه (^١)، وأخرج مسلم الثاني منهما (^٢)، وللحديثين روايات أخرى أخرجهما الشيخان وغيرهما من الأئمة في كتب السنة، ولا حجة في هذه الأحاديث -بحمد الله- على مازعم هذا الرافضي من القول بردة الصحابة إلا القليل منهم، كما هو معتقد سلفه من الرافضة أخزاهم الله. وذلك أن أصحاب النبي ﷺ مما لا يقبل النزاع في عدالتهم أو التشكيك في إيمانهم بعد تعديل العليم الخبير لهم في كتابه، وتزكية رسوله ﷺ لهم في سنته، وثناء الله ورسوله عليهم أجمل الثناء، ووصفهم بأحسن الصفات، مما هو معلوم ومتواتر من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على ما تقدم نقل بعض النصوص في ذلك. (^٣)
ولهذا اتفق شراح الحديث من أهل السنة، على أن الصحابة غير معنيين بهذه الأحاديث وأنها لا توجب قدحًا فيهم.
قال ابن قتيبة في معرض رده على الرافضة في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة: «فكيف يجوز أن يرضى الله ﷿ عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلًا في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله ﷺ إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين». (^٤)
وقال الخطابي: «لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لانصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) على قلة عددهم». (^٥)
وقال الدهلوي: «إنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ماهو المعلوم في
_________________
(١) صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب في الحوض) فتح الباري ١١/ ٤٦٤ - ٤٦٥، ح ٦٥٨٤ - ٦٥٨٧.
(٢) صحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب إثبات الحوض) ٤/ ١٧٩٣، ح ٢٢٩.
(٣) انظر ص ٢١٥ - ٢١٧، ٣٤٥ - ٣٤٨.
(٤) تأويل مختلف الحديث ص ٢٧٩.
(٥) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري ١١/ ٣٨٥.
[ ٢٥١ ]
عرفنا، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به ﷺ المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي، وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب أصحابنا، مع أنه بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفتة ﷺ لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم
إلى أن قال: ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو المعلوم في العرف، فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق، وقوله: أصحابي أصحابي، لظن أنهم لم يرتدوا كما يُؤْذِن به ما قيل في جوابه: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
فإن قلت: إن (رجالًا) في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب، يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة أجيب: إن ما ورد في حقهم من الآيات والآحاديث وأقوال الأئمة مانع من إرادة ما زعمته الشيعة». (^١)
ثم ساق الآيات والأحاديث في فضل الصحابة.
وإذا ثبت هذا فاعلم أيها القارئ: أن العلماء قد اختلفوا في أولئك المذادين عن حوض النبي ﷺ كما في الأحاديث- بعد اتفاقهم أن الصحابة ﵃ غير مرادين بذلك.
قال النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله ﷺ: (هل تدري ما أحدثوا بعدك): «هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي ﷺ للسيما التي عليهم، فيقال: ليس
هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك: أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
_________________
(١) مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٧٢ - ٢٧٣.
[ ٢٥٢ ]
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ثم ارتد بعده فيناديهم النبي ﷺ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ﷾ فيدخلهم الجنة بغير عذاب». (^١)
ونقل هذه الأقوال، أو قريبًا منها، القرطبي، وابن حجر
-رحمهما الله تعالى-. (^٢)
قلت: ولا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي ﷺ فأقول: (أصحابي) أو (أصيحابي -بالتصغير-)، وفي بعضها يقول: (سيؤخذ أناس من دوني فأقول ياربي مني ومن أمتي) وفي بعضها يقول: (ليردن عليّ أقوام أعرفهم
ويعرفوني) (^٣)، وظاهر ذلك أن المذادين ليسوا طائفة واحدة.
وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشرع تكون بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب.
كما روى عن طائفة من الصحابة منهم عمر وابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ (^٤): قالوا: (أشباههم يجئ
_________________
(١) شرح صحيح مسلم ٣/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) انظر: المفهم للقرطبي ١/ ٥٠٤، وفتح الباري لابن حجر ١١/ ٣٨٥.
(٣) انظر: الروايات في صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح الباري ١١/ ٤٦٣ - ٤٦٥، وصحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب اثبات الحوض) ٤/ ١٧٩٢ - ١٨٠٢.
(٤) سورة الصافات آية ٢٢.
[ ٢٥٣ ]
أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر) (^١)، وإذا كان النبي ﷺ قد بين أن سبب الذود عن الحوض هو الارتداد كما في قوله: (إنهم ارتدوا على أدبارهم)، أو الإحداث في الدين، كما في قوله: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (^٢)، فمقتضى ذلك هو أن يُذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد
بعد موت النبي ﷺ من الأعراب، أو من كان بعد ذلك، يشاركهم في هذا أهل الإحداث وهم المبتدعة.
وهذا هو ظاهر قول بعض أهل العلم.
قال ابن عبد البر: «كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم». (^٣)
وقال القرطبي في التذكرة: «قال علماؤنا -رحمة الله عليهم أجمعين- فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائهاء، فهؤلاء كلهم مبدلون). (^٤)
وإذا ما تقرر هذا ظهرت براءة الصحابة من كل ما يرميهم به الرافضة فالذود عن الحوض إنماهو بسبب الردة أو الإحداث في الدين،
والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٤/ ٤.
(٢) انظر: الروايات في الصحيحين بحسب ما جاء في الحاشية رقم (١) من هذه الصفحة.
(٣) نقلًا عن النووي في شرح صحيح مسلم ٣/ ١٣٧.
(٤) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/ ٣٤٨.
[ ٢٥٤ ]
في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي ﷺ على ماروى الطبري في تأريخه بسنده عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: (قد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم ﷺ وقلتهم وكثرة عدوهم). (^١)
ومع هذا تصدى أصحاب النبي ﷺ لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالًا عظيمًا وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة ﵃ وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
وكذلك أهل البدع كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس إنكارًا عليهم، ولهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرؤا منها ومن أهلها.
فعن ابن عمر ﵁ أنه قال لمن أخبره عن مقالة القدرية: (إذا لقيت هؤلاءفأخبرهم أن ابن عمرمنهم بريء، وهم منه برآء ثلاث مرات). (^٢)
وعن ابن عباس ﵄ قال: (ما في الأرض قوم أبغض إلىّ من أن يجيئوني فيخاصموني من القدرية في القدر). (^٣)
ويقول البغوي ناقلًا إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع: «وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنن على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم». (^٤)
وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أهل الردة وأهل البدع، من أكبر
_________________
(١) تاريخ الطبري ٣/ ٢٢٥.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة ٢/ ٤٢٠، والآجري في الشريعة ص ٢٠٥.
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة ص ٢١٣.
(٤) شرح السنة للبغوي ١/ ١٩٤.
[ ٢٥٥ ]
الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم، وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءه بعد موت رسول الله ﷺ، حتى أقام الله بهم السنة وقمع البدع، الأمر الذي يظهر به كذب الرافضة في رميهم لهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض
النبي ﷺ. بل هم أولى الناس بحوض نبيهم لحسن صحبتهم له في حياته، وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته.
ولا يشكل على هذا قول النبي ﷺ: (ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني) (^١) فهؤلاء هم من
مات النبي ﷺ وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد ذلك، كما ارتدت كثير من قبائل العرب بعد موت النبي ﷺ، فهؤلاء في علم النبي ﷺ من أصحابه، لأنه مات وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد وفاته ولذا يقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، وفي بعض الروايات: (إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري) (^٢) فظاهر أن هذا في حق المرتدين بعد موت النبي ﷺ. وأين أصحاب النبي ﷺ الذين قاموا بأمر الدين بعد نبيهم خير قيام، فقاتلوا المرتدين، وجاهدوا الكفار والمنافقين، وفتحوا بذلك الأمصار، حتى عم دين الله كثيرًا من الأمصار، من أولئك المنقلبين على أدبارهم.
وهؤلاء المرتدون لا يدخلون عند أهل السنة في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح (الصحبة) إذا ما أطلق. فالصحابي كما عرفه العلماء المحققون: «من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام». (^٣)
وأما قول النبي ﷺ: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (^٤)
_________________
(١) جزء من حديث سهل بن سعد أخرجه البخاري في صحيحه: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح الباري ١١/ ٤٦٤، ح ٦٥٨٢.
(٢) انظر: الروايات في صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح الباري ١١/ ٤٦٤ - ٤٦٥، وصحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب إثبان الحوض) ٤/ ١٧٩٦.
(٣) الاصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١/ ٧.
(٤) تقدم تخريج الحديث ص ٣٥٠، وهَمَل النعم: ضوال الإبل، واحدها: هامل، أي الناجي منهم قليل في قلة النَّعَم الضالة، النهاية لابن الاثير ٥/ ٢٧٤.
[ ٢٥٦ ]
واحتجاج الرافضي به على تكفير الصحابة إلا القليل منهم فلا حجة له فيه، لأن الضمير في قوله (منهم) إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إليه إلا القليل وهذا ظاهر من سياق الحديث فإن نصه: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلَمّ فقلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم). (^١)
فليس في الحديث للصحابة ذكر وإنما ذكر زمرًا من الرجال يذادون من دون الحوض ثم لا يصل إليه منهم إلا القليل.
قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم) «يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه والمعنى لا يرده منهم إلا القليل لأن الهَمَل في الإبل قليل بالنسبة لغيره». (^٢)
وبهذا يظهر كذب الرافضي وتلبيسه، وبراءة الصحابة من طعنه وتجريحه، على أن أحاديث الحوض في الجملة لو استقام للرافضي الاحتجاج بها على ردة بعض الصحابة -مع أن ذلك لا يستقيم بما تقدم ذكره -فأين الدليل على تعيين المرتدين المحدثين منهم الذين تعتقد الرافضة ردتهم من الصحابة، فإن هذا يحتاج إلى دليل، ولو احتج الخوارج الذين يكفرون عليًا ﵁ بهذه الآحاديث على ردة علي ﵁ حاشاه ذلك- ما استطاع الرافضة الذب عنه، بل لو قال الخارجي الواقع يشهد بصحة ما اعتقد فإن الحروب والفتن وتفرق المسلمين وسفك دمائهم إنما كان في عهده دون من سبقه من الخلفاء، لانقطع الرافضي في الخصومة، وهذا
_________________
(١) تقدم تخريج الحديث ص ٣٥٠.
(٢) فتح الباري ١١/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
[ ٢٥٧ ]
لايعني صحة قول الخارجي ولا قوة حجته بل قوله فاسد، معلوم فساده بالاضطرار من دين المسلمين بما تواتر من الأدلة القاطعة بعدالة الصحابة وتزكية الله ورسوله لهم، وبما اشتهر من الأدلة الخاصة في فضل علي ﵁، لكن الرافضة بفساد عقولهم وضعف أفهامهم لما قدحوا في كل الأصول الدالة على عدالة الصحابة جميعًا، لا يستطيعون بعدها أن يقيموا حجة واحدة على عدالة علي، إلا ألزمهم الخوارج بمثل قولهم في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهذا أصل عظيم في الرد على الرافضة ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: «وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر، وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي
وعدالته وأنه من أهل الجنة، فضلًا عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة. فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليًا أو النواصب الذين يفسقونه: إنه كان ظالمًا طالبًا للدنيا، وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف، وقتل على ذلك ألوفًا من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه، فهذا الكلام وإن كان فاسدًا ففساد كلام الرافضي في أبي بكر، وعمر، أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر، وعمر، متوجهًا مقبولًا فهذا أولى بالتوجه والقبول». (^١)
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وزيف ما ادعاه الرافضي.
فلله الحمد والمنة.
_________________
(١) منهاج السنة ٢/ ٥٨، وانظر: كلامًا لشيخ الإسلام قريبًا من هذا في مجموع الفتاوى ٤/ ٤٦٨.
[ ٢٥٨ ]
رمي الرافضي الصحابة بتغيير
سنة النبي ﷺ والرد عليه
قال الرافضي ص ١٢٧ تحت عنوان: (رأي الصحابة بعضهم في بعض، وشهادتهم على أنفسهم بتغيير سنة النبي ﷺ).
ثم أورد أثرًا عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بحثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل أن يصلي، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قدذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة). (^١)
قال بعده: «وقد بحثت كثيرًا عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيرون سنة رسول الله ﷺ، واكتشفت أن الأمويين وأغلبهم من صحابة النبي ﷺ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان (كاتب الوحي) كما يسمونه
_________________
(١) أخرجه البخاري: (كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر) فتح الباري ٢/ ٤٤٨، ح ٩٥٦.
[ ٢٥٩ ]
كان يحمل الناس ويجبرهم على سب علي بن أبي طالب ولعنه من فوق منابر المساجد، كما ذكر ذلك المؤرخون، وقد أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل علي بن أبي طالب مثل ذلك، وأمر معاوية عماله في كل الأمصار باتخاذ ذلك اللعن سنة يقولها الخطباء على المنابر».
قلت: استدلال المؤلف بأثر أبي سعيد الخدري ﵁ على ما زعمه من تغيير الصحابة للسنة من أعجب العجب، فليس فيه ما يدل على زعمه، بل فيه دلالة على قيام الصحابة بأمر السنة وإنكارهم على من خالفها، وهذا يتمثل في إنكار الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري ﵁ على مروان في تقديمه الخطبة على صلاة العيد.
ولعل المؤلف ظن أن مروان بن الحكم من الصحابة، بل هو الظاهر من كلامه، لقوله بعد القصة: «وقد بحثت كثيرًا عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيرون سنة رسول الله ﷺ»، فيكون هذا من جملة جهالاته التي سبق التنبيه على أمثلة كثيرة منها. (^١)
والصحيح أن مروان لا تثبت له صحبة، فقد توفي النبي ﷺ وهو صغير ابن ثمان سنين، وقد كان في الطائف مع أبيه، بعد نفي النبي ﷺ له. (^٢)
قال ابن الأثير: «لم ير النبي ﷺ لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لايعقل لما نفي النبي ﷺ أباه الحكم». (^٣)
وعده الذهبي في السير من كبار التابعين. (^٤)
وقال ابن حجر: «لم أر من جزم بصحبته». (^٥)
_________________
(١) انظر ص ١٥٤ - ١٦٢ من هذا الكتاب.
(٢) انظر: الإستيعاب لابن عبد البر المطبوع مع الإصابة ١٠/ ٧٠، والإصابة لابن حجر ٩/ ٣١٨.
(٣) أسد الغابة ٥/ ١٣٩.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٧٦.
(٥) الإصابة ٩/ ٣١٨
[ ٢٦٠ ]
وعلى هذا فلا يُحَمّل الصحابة فعل مروان، فكيف وقد أنكره من حضره من الصحابة وهو أبو سعيد الخدري ﵁.
على أن تقديم مروان للخطبة على صلاة العيد، وإن كان خطأً إلا أن العلماء ذكروا أنه إنما فعله مجتهدًا.
قال ابن حجر في شرح الحديث بعد قول مروان: (إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة): «وهذا يشعر بأن مروان فعل ذلك
باجتهاد منه» . (^١)
ونقل عن ابن المنير أنه قال: «حمل أبو سعيد فعل النبي ﷺ في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر عن ترك الأولى بما ذكره من تغير حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة٠ وهو سماع الخطبة- أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها» . (^٢)
وأما قول المؤلف: إن الأمويين وأغلبهم من الصحابة، وعلى رأسهم معاوية كان يحمل الناس ويجبرهم على سب علي ولعنه من فوق منابر المساجد، فكلامه هذا يتضمن أمرين:
الأول: قوله إن الأمويين أغلبهم من الصحابة، فإن كان يعني من تولى الخلافة من بني أمية في عهد الدولة الأموية -وهو الظاهر- فمن من خلفاء بني أمية من الصحابة غير معاوية حتى يقال: -إن أغلبهم من الصحابة؟؟ -وهذا باستثناء عثمان ﵁ فإن خلافته كانت في عهد الخلفاء الراشدين كما هو معلوم- وأنا لا أعلم هل هذا من تلبيس المؤلف على العوام وأهل الجهل، أم أنه الجهل المفرط؟!
الثاني: قوله إن معاوية كان يحمل الناس على سب علي ولعنه فوق منابر المساجد، وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى
صحة النقل. والمؤلف لم يوثق كلامه هذا، وإنما اكتفى بقوله: (كما ذكر ذلك
_________________
(١) فتح الباري ٢/٤٥٠.
(٢) المصدر نفسه.
[ ٢٦١ ]
المؤرخون) ولم يحل على أي مصدر لذلك، ومعلوم وزن مثل هذه الدعوى عند المحققين والباحثين، فكيف بها وقد صدرت من رافضي حاقد.
ومعاوية ﵁ منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، فقد كان كاتب الوحي لرسول الله ﷺ (^١)، وثبت في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن عميره أن النبي ﷺ قال لمعاوية: (اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهد به). (^٢)
وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة وامتدحه
خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير.
فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال لما ولاّه الشام: (لا تذكروا معاوية إلا بخير). (^٣)
وعن علي ﵁ أنه قال بعد رجوعه من صفين: (أيها الناس لاتكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل). (^٤)
وعن ابن عمر أنه قال: (ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أسود
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ: ثلاث أعطنيهن، قال: نعم وفيه: (معاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: نعم) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٥. قال ابن عساكر: «وأصح ما روى في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس أنه كان كاتب النبي ﷺ منذ أسلم». نقله ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ١٢٥.
(٢) أخرجه الترمذي: (كتاب المناقب، باب مناقب لمعاوية ﵁) ٥/ ٦٨٧، وقال هذا حديث حسن غريب، وصحح الحديث الألباني قال في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٦١٥: «رجاله كلهم ثقات رجال مسلم فكان حقه أن يصحح ..». وقال: «وبالجملة فالحديث صحيح».
(٣) أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ١٢٥.
(٤) المصدر نفسه ٨/ ١٣٤.
[ ٢٦٢ ]
(^١) من معاوية فقيل ولا أبوك؟ قال: أبي عمر ﵀ خير من معاوية، وكان معاوية أسود منه). (^٢)
وعن ابن عباس قال: (ما رأيت رجلًا كان أخلق بالملك من معاوية). (^٣)
وفي صحيح البخاري أنه قيل لابن عباس: (هل لك في أمير
المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة قال: إنه فقيه). (^٤)
وعن عبد الله بن الزبير أنه قال: (لله در ابن هند (يعني معاوية) إنا كنا لنفرقه (^٥) وما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنا مُتّعنا به مادام في هذا الجبل حجر وأشار إلى أبي قبيس). (^٦)
وعن قتادة قال: (لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي). (^٧)
وعن مجاهد أنه قال: (لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي). (^٨)
وعن الزهري قال: (عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا). (^٩)
_________________
(١) من السيادة وسمى السيد سيدًا لأنه يسود سواد الناس، لسان العرب ٣/ ٢٢٩
(٢) أخرجه الخلال في السنة ١/ ٤٤٣، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/ ١٥٢، وابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ١٣٧.
(٣) أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ١٣٧.
(٤) صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر معاوية) فتح الباري ٧/ ١٠٣، ح ٣٧٦٥.
(٥) الفَرَق هو: الخوف والفزع، النهاية لابن الأثير ٣/ ٤٣٨.
(٦) أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ١٣٨.
(٧) أخرجه الخلال في السنة ١/ ٤٣٨.
(٨) المصدر نفسه. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ١٣٧.
(٩) أخرجه الخلال في السنة ١/ ٤٤٤، وقال المحقق: إسناده صحيح.
[ ٢٦٣ ]
وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله فقال:
(فكيف لو أدركتم معاويه؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله). (^١)
وسئل المعافى معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: (كان معاوية أفضل من ستمائه مثل عمر بن عبد العزيز) (^٢).
والآثار عن السلف في ذلك كثيرة، وإنما سقت هنا بعضها.
كما أثنى على معاوية ﵁ العلماء المحققون في السير والتاريخ، ونقاد الرجال.
يقول ابن قدامة المقدسي: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين -رضي الله تعالى عنهم-». (^٣)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكًا ورحمة». (^٤)
وقال: «فلم يكن من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرًا منهم في زمان معاوية». (^٥)
وقال ابن كثير في ترجمة معاوية ﵁: «وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو». (^٦)
_________________
(١) أخرجه الخلال في السنة ١/ ٤٣٧.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٤٣٥.
(٣) لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد ص ٣٣.
(٤) مجموع الفتاوى ٤/ ٤٧٨.
(٥) منهاج السنة ٦/ ٢٣٢.
(٦) البداية والنهاية ٨/ ١٢٢.
[ ٢٦٤ ]
وقال ابن أبي العز الحنفي: «وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين». (^١)
وقال الذهبي في ترجمته: «أمير المؤمنين ملك الإسلام». (^٢)
وقال: «ومعاوية من خيار الملوك، الذين غلب عدلهم على ظلمهم». (^٣)
وإذا ثبت هذا في حق معاوية ﵁ فإنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي ﵁ على المنابر وهو من هو في الفضل وهذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه على الظلم والبغي واتفقوا على الضلال وهذا مما نزهت الأمة عنه بنص
حديث الرسول ﷺ (إن أمتي لاتجتمع على ضلالة). (^٤)
ومن علم سيرة معاوية ﵁ في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية، ظهرله أن ذلك من أكبرالكذب عليه.
فقد بلغ معاوية ﵁ في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال قال: عبد الملك بن مروان وقد ذكر عنده معاوية: (ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه). (^٥)
وقال قبيصة بن جابر: (ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا، ولا أكثر سؤددًا، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجًا، ولا أرحب باعًا بالمعروف من معاوية). (^٦)
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ص ٧٢٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣/ ١٢٠.
(٣) المصدر نفسه ٣/ ١٥٩.
(٤) رواه ابن أبي عاصم في السنة من حديث أنس ﵁ ص ٤١ رقم ٨٢ - ٨٣ - ٨٤، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٢١٨، وحسنه الألباني في ظلال الجنة المطبوع مع السنة ص ٤١ - ٤٢، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠ رقم ١٣٣١.
(٥) البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ١٣٨.
(٦) المصدر نفسه.
[ ٢٦٥ ]
ونقل ابن كثير: (أن رجلًا أسمع معاوية كلامًا سئيًا شديدًا، فقيل له لو سطوت عليه؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي). (^١)
وقال رجل لمعاوية: (ما رأيت أنذل منك، فقال معاوية: بلى من واجه الرجال بمثل هذا). (^٢)
فهل يعقل بعد هذا أن يسع حلم معاوية ﵁ سفهاء الناس وعامتهم المجاهرين له بالسب والشتائم، وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان. الحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم؟؟
وأما ما استدل به الرافضي على تلك الفرية بما عزاه إلى صحيح مسلم فليس فيه ما يدل على زعمه، وهو بهذا إنما يشير إلى حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: (أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم) (^٣) الحديث.
قال النووي: «قول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب. كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا، أو خوفًا، أو غير ذلك، فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن
السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعد قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال. قالوا ويحتمل تأويلًا آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا، وأنه أخطأ». (^٤)
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) البداية والنهاية ٨/ ١٣٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي ﵁) ٤/ ١٨٧١.
(٤) شرح صحيح مسلم ١٥/ ١٧٥.
[ ٢٦٦ ]
وقال القرطبي معلقًا على وصف ضرار الصُّدَائي لعلي ﵁ وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال (^١): «وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي ﵁ ومنزلته، وعظيم حقه، ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبّه، لما كان معاوية موصوفًا به من العقل والدين، والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح، وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق
لمستحقه). (^٢)
والذي يظهر لي في هذا والله أعلم: أن معاوية إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي ﵁ فإن معاوية ﵁ كان رجلًا فطنًا ذكيًا، يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي ﵄ فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير. وهذا مثل قوله ﵁ لابن عباس: (أنت على ملة علي؟ فقال له ابن عباس ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله ﷺ). (^٣) فظاهر أن قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب، وأما ما ادعى الرافضي من الأمر بالسب فحاشا معاوية ﵁ أن يصدر منه مثل ذلك والمانع من هذا عدة أمور:
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًا ﵁ كما تقدم حتى يأمر غيره بسبه، بل كان معظمًا له، معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه.
_________________
(١) تقدم تخريج هذا الخبر ونقل طرف منه ص ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٢) المفهم للقرطبي ٦/ ٢٧٨.
(٣) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى ١/ ٣٥٥، والصغرى ص ١٤٥، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ٩٤.
[ ٢٦٧ ]
قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجه: أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني). (^١) الخبر.
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: (لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم). (^٢)
فهل يسوغ في عقل ودين أن يسب معاوية عليًا بل ويحمل الناس على سبه وهو يعتقد فيه هذا!!.
الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية ﵁ تعرض لعلي ﵁ بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية ﵁ كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي -حاشاه ذلك- أفكان
يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا، فكيف بمعاوية.
الرابع: أن معاوية ﵁ انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي ﵄ له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟ بل الحكمة وحسن السياسه تقتضي عدم ذلك، لما فيه من
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ٨/ ١٣٢.
(٢) المصدر نفسه ٨/ ١٣٣.
[ ٢٦٨ ]
تهدئه النفوس، وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفي على معاوية ﵁ الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية ﵁ بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي من الأُلفة والتقارب، ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ. ومن ذلك أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف. وقال لهما: (ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين: ولم تعط أحدًا أفضل منا) . (^١)
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: (مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله ﷺ، وأمر له بثلاثمائة ألف) . (^٢)
وهذا مما يقطع بكذب ما ادعى الرافضي في حق معاوية، من حمله الناس على سب علي، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة، والاحتفاء والتكريم.
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة، وتتجلى الحقيقة.
فلله الحمد على نعمه وتوفيقه.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ٨/١٣٩.
(٢) المصدر نفسه ٨/١٤٠.
[ ٢٦٩ ]