قال الرافضي ص ١٣٢ تحت عنوان: (الصحابة يشهدون على أنفسهم).
«روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس: فلم نصبر.
وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب ﵄ فقلت طوبى لك صحبت النبي ﷺ وبايعته تحت الشجرة فقال: يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده.
وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين، الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحًا قريبًا، يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي ﷺ، وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به ﷺ وتنبأ به من أن أصحابه سيحدثون بعده، ويرتدون على أدبارهم»
قلت: إن من أغرب الغريب أن يطعن هذا الرافضي الحاقد، فيمن يعترف لهم بفضل الصحبة والسبق للإسلام، مضمنًا كلامه في
الطعن عليهم، ما دلت عليه الآية الكريمة في الثناء على أولئك السابقين
الأولين وهي قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ
[ ٢٨٧ ]
يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ (^١) وهو بهذا يؤكد أنه أثناء طعنه في الصحابة غير غافل عن هذه الآية وغيرها من الآيات المتضمنة ثناء الله العظيم على هؤلاء الصحابة، وإخبار الله أنه رضي عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.
وهذا تكذيب منه صريح لنص القرآن، ورد قبيح لأخباره، ومشاقة ومعاندة لأحكامه، وهذا والله هو الكفر الصريح الذي لا يشك فيه أحد من أهل العلم، خصوصًا إذا ما اقترن الرد لأحكام القرآن بشيء من السخرية والاستهزاء، وذلك في قول الرافضي: «وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحًا قريبًا يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي ﷺ وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به ﷺ» الخ كلامه.
وأما استشهاده بقول أنس ﵁ (فلم نصبر) على طعنه في
الصحابة، وما ادعاه من إحداثهم وردتهم بعد الرسول ﷺ، فليس في
قول أنس ما يدل على تلك الدعوى الفاسدة لامن قريب أو بعيد.
وبيان ذلك أن النبي ﷺ عهد للأنصار عهدًا أنهم سيلاقون أثرة وظلمًا شديدًا بعده، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وفيه يقول النبي ﷺ: (إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس فلم نصبر). (^٢)
فقول أنس ﵁ متعلق بما أوصاهم به من الصبر على ظلم الولاة واستئثارهم بالحقوق عليهم، وغاية ما يدل عليه أنهم لم يصبروا على ظلم
_________________
(١) سورة الفتح آيه ١٨.
(٢) جزء من حديث أنس في خبر قسمة الغنائم يوم حنين رواه البخاري في (كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم) فتح الباري ٦/ ٢٥١، ح ٣١٤٧، ومسلم (كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم) ٢/ ٧٣٣، ٧٣٤، ح ١٠٥٩.
[ ٢٨٨ ]
الولاة، بخلاف ما ادعى الرافضي من الإحداث والردة فهذا لايتحمله السياق ولا يدل عليه.
والصبر الذي أمر به النبي ﷺ الأنصار وأمر به غيرهم في
حق الولاة جاء مفسرًا في أحاديث أخرى، ففي الصحيحن من
حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال:
(من كره من أميره شيئًا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرًا
مات ميتة جاهلية). (^١)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضًا: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية). (^٢)
فتبين أن الصبر على الولاة يكون بلزوم جماعة المسلمين، وعدم الخروج على السلطان، وعلى هذا فأنس ﵁ وسائر الأنصار من الصابرين على الولاة المتمسكين بوصية نبيهم ﷺ إذ لا يعرف في تأريخ الأنصار أن أحدًا منهم خرج على الحكام، لا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا فيما أدركوا من عهد الدولة الأموية، وقد كان أنس ﵁ من آخر الصحابة موتًا كما تقدم (^٣)، وقد أدرك بعض الأمراء الظلمة مثل الحجاج بن يوسف الذي كان أميرًا عليه عندما كان في العراق، ومع هذا لا يعرف من سيرته أنه نازعه في سلطانه، ولا خرج
عليه، مع ما هو معروف به الحجاج من الظلم والبطش بل كان في ذلك صابرًا محتسبًا، وكان الحجاج لربما تعرض له بشيء من السب والشتم فلا يخرجه ذلك عن صبره ﵁ على ما نقل ابن كثير من رواية علي بن يزيد قال: (كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض
_________________
(١) رواه البخاري (في كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ سترون بعدي أمورًا تنكرونها) فتح الباري ١٣/ ٥، ح ٧٠٥٣، ومسلم (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين) ٣/ ١٤٧٨، ح ١٨٤٩.
(٢) رواه البخاري (في كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ سترون بعدي أمورًا تنكرونها) فتح الباري ١٣/ ٥، ح ٧٠٥٤، ومسلم (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين) ٣/ ١٤٧٧، ح ١٨٤٩.
(٣) انظر ص ٣٨١ من هذا الكتاب.
[ ٢٨٩ ]
الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي ياخبيث جوال في الفتن مرة عليّ، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع
ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضب.
قال يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال: إياك أعني أصم الله سمعك قال: فاسترجع أنس). (^١)
وهذا مما يدل على صبر أنس تحقيقًا لوصية رسول الله ﷺ وتمسكًا بالعهد الذي عهده إليه ﵁ وأرضاه، وأما قول أنس ﵁ (فلم نصبر) فهذا لا يشكل على من عرف سيرة الصحابة رضوان الله عليهم وما كانوا عليه من مقتهم لأنفسهم واستعظامهم ذنوبهم لشدة خوفهم من الله تعالى، وتعظيمهم له، ولذا ثبت في صحيح البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد
النبي ﷺ من الموبقات). (^٢)
ولعل أنس ﵁ أراد بقوله: (لم نصبر) ما قام به من شكوى الحجاج على الخليفة لما اشتد أذاه له على ما روى ابن كثير عن أبي بكر بن عياش أن أنسًا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: (والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه وأنا خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين). (^٣)
وقد تقدم نقلًا عن ابن حجر أن أنسًا ﵁ قدم دمشق شاكيًا الحجاج على الخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك. (^٤)
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ٩/ ٩٦.
(٢) رواه البخاري في: (كتاب الرقاق، باب مايتقى من محقرات الذنوب) فتح الباري ١١/ ٣٢٩، ح ٦٤٩٢.
(٣) البداية والنهاية ٩/ ٩٦.
(٤) انظر: ص ٣٧٩ من هذا الكتاب.
[ ٢٩٠ ]
ومعلوم أن شكوى أنس للحجاج لاتنافي الصبر، ولا تقدح في أنس ﵁ فإن الحجاج كان ظالمًا مستبدًا مؤذيًا للأخيار ومنهم أنس، فرفع أمره للخليفة دفع لظلمه، وانتصار بالحق، وهذا جائز في الشرع، بل محمود قال تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ (^١)، وقال ﷿: ﴿إلا الذين آمنوا وعموا
الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ (^٢)، وقال تعالى في وصف المؤمنين في معرض الثناء عليهم: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾. (^٣)
فأنس ﵁ انتصر لنفسه بحق ثم إنه رأى بعد هذا أن الأولى هو عدم ذلك، وأن الأليق بمقامه هو العفو والصفح، وعليه يتنزل قوله: (لم نصبر) والله تعالى أعلم.
وأما قول البراء بن عازب ﵁: (إنك لا تدري ما أحدثنا بعده) (^٤) فمحول على ماتقدم من مقت الصحابة رضوان الله عليهم لأنفسهم، لكمال إيمانهم، وتعظيمهم لربهم.
قال ابن حجر في شرحه: «يشير إلى ما وقع لهم من الحروب وغيرها، فخاف غائلة ذلك، وذلك من كمال فضله». (^٥)
قلت: وهذا حال كل مؤمن كامل الإيمان، فهو دائمًا يستصغر عمله ويستقله، ويستعظم ذنبه ويستكثره، وذلك لكمال علمه بالله
وقوة تعظيمه له، بخلاف الفاسق، فإنه يستعظم عمله، ويستقل ذنبه، لضعف الإيمان في نفسه وجرأته على ربه.
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (إن المؤمن يرى
_________________
(١) سورة الشوري آية ٤١.
(٢) سورة الشعراء آية ٢٢٧.
(٣) سورة الشورى آية ٣٩.
(٤) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية) فتح الباري ٧/ ٤٤٩، ح ٤١٧٥.
(٥) فتح الباري ٧/ ٤٥٠.
[ ٢٩١ ]
ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا). (^١)
ولهذا كثرت الآثار عن الصحابة، وخيار سلف الأمة في لوم النفس، واستشعار التقصير لكمال إيمانهم وعلمهم بالله ﵃ وما قول البراء وأنس بن مالك إلا من هذا الباب، ولو كان في هذا مطعن عليهما للزم ذلك الطعن على خيار الصحابة وسلف الأمة، الذين نقل عنهم من أمثال ذلك ما يصعب حصره.
وإنما اذكر هنا بعض ما جاء من ذلك عن الصحابة الذين هم
محل تقدير الرافضة وتعظيمهم، فمن ذلك ما ثبت عن علي ﵁ من ندمه يوم الجمل ندمًا عظيمًا حتى إنه قال لابنه الحسن: (يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا قال: يابني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا). (^٢)
وفيه رواية: (أنه لما اشتد القتال يوم الجمل ورأى علي الرؤوس تندر، أخذ علي ابنه الحسن فضمه إلى صدره، ثم قال: إنا لله ياحسن؟ أي خير يرجى بعد هذا؟). (^٣)
وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب (أن سعد بن مالك وعبد الله بن
_________________
(١) رواه البخاري في: (كتاب الدعوات، باب التوبة) فتح الباري ١١/ ١٠٢، ح ٦٣٠٨، وهذا الحديث مختلف فيه، هل هو من قول النبي ﷺ أو من قول ابن مسعود، لأن رواي الحديث عن عبد الله بن مسعود وهو الحارث بن سويد قال: حدثنا ابن مسعود حديثين: أحدهما: عن النبي ﷺ والآخر عن نفسه، وذكر هذا الحديث ثم ذكر (لله أفرح بتوبة العبد) وذكر النووي أن المرفوع هو الثاني، شرح صحيح مسلم ١٧/ ٦١. قال ابن حجر: «وكذا جزم ابن بطال بأن الأول هو الموقوف، والثاني هو المرفوع وهو كذلك) فتح الباري ١١/ ١٠٥.
(٢) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/ ٢٥١، والطبري في تأريخه ٤/ ٥٣٧، ولم يذكر قول الحسن.
(٣) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/ ٢٥١.
[ ٢٩٢ ]
مسعود دخلا على سلمان ﵃ يعودانه فبكى فقالا: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقال: عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ فلم يحفظه أحد منا قال: ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب). (^١)
وعن أبي ذر ﵁ أنه قال: (والله لوددت أني شجرة تعضد). (^٢)
فإذا كانت مثل هذه الآثار لا تستلزم الطعن في هؤلاء الأخيار من أصحاب النبي ﷺ وهم ممن تعتقد الرافضة عدالتهم وفضلهم، فكذلك الشأن فيما ثبت عن أنس والبراء ﵄ لايلزم منه الطعن عليهما أو تنقصهما.
وأما ما ادعاه الرافضي من أن تلك الآثار تصديق لما أخبر به النبي ﷺ من أن أصحابه سيحدثون بعده، فقد تقدم الرد على ذلك مفصلًا بما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه. (^٣)
_________________
(١) حلية الأولياء ١/ ١٩٦.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧٣، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي المستدرك مع التلخيص ٤/ ٦٢٥، وليس في رواية الحاكم النص على أن هذه العبارة من كلام أبي ذر، وإنما جاءت مدرجه في حديث: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون) والصحيح أنها ليست من كلام النبي ﷺ بل هي من كلام أبي ذر ﵁ وقد نبه على ذلك الشيخ الألباني -حفظه الله- في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٣٠٠.
(٣) انظر: ص ٣٥٠ من هذا الكتاب
[ ٢٩٣ ]