قال المؤلف ص ١١٤: «قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وما محمدٌ إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾. (^١)
ثم قال بعدها: «فهذه الآية صريحة وجلية في أن الصحابة سينقلبون على أعقابهم بعد وفاة الرسول ﷺ مباشرة، ولا يثبت منهم إلا القليل، كما دلت على ذلك الآية في تعبير الله عنهم -أي: عن الثابتين الذين لاينقلبون- بالشاكرين، فالشاكرون لايكونون إلا قلة، كما دل عليه قوله ﷾: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾». (^٢)
إلى أن قال ص ١١٥: «والمهم أن آية الانقلاب تقصد الصحابة مباشرة، الذين يعيشون معه في المدينة المنورة، وترمي إلى الانقلاب مباشرة بعد وفاته بدون فصل».
قلت: قاتل الله الجهل ما أضره بأهله!! ولو اطلع هذا المتشدق بما لا يعلم في كتاب مختصر من كتب التفسير، على سبب نزول هذه الآية،
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٤٤.
(٢) سورة سبأ آية ١٣.
[ ٢٢٩ ]
التي زعم أنها في الردة بعد موت النبي ﷺ، ورمى الصحابة بذلك، لم يقل ما قال، ولكان في ستر من هذه الفضيحة، التي تشهد بجهله وتقوله على الله بلا علم ولا بصيرة، وذلك أن هذه الآية نزلت يوم أحد، عندما أصاب المسلمين ما أصابهم، وشج رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وشاع في الناس أن الرسول ﷺ قتل، فقال بعض المنافقين: إن محمدًا قد قتل فالحقوا بدينكم الأول فنزلت هذه الآية.
روى الطبري في تفسيره بسنده عن الضحاك قال في قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ (^١)، «ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا يوم فرّ الناس عن نبي الله ﷺ، وشج فوق حاجبه، وكسرت رباعيته، قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول، فذلك قوله: ﴿أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾» . (^٢)
وروى أيضًا عن ابن جريج قال: «قال أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي ﷺ: قد قتل محمد، فالحقوا بدينكم
الأول فنزلت هذه الآية» . (^٣)
فالمقصود بالانقلاب على الأعقاب في الآية هو: ما قاله المنافقون لما أُشيع في الناس أن رسول الله ﷺ قتل، وهو قولهم: ارجعوا إلى دينكم الأول. ولم تكن هذه الآية فيمن ارتد بعد موت النبي ﷺ وإن كانت هي حجة عليهم، مع أنها لو كانت فيمن ارتد بعد موت النبي ﷺ لكانت أظهر في الدلالة على براءة أصحاب النبي ﷺ من المرتدين، فإنهم هم الذين قاتلوهم، وأظهر الله دينه على أيديهم، وخذل المرتدين بحربهم لهم، فرجع منهم من رجع إلى الدين، وهلك من هلك على ردته، وظهر فضل الصديق والصحابة بمقاتلتهم لهم.
ولهذا ثبت عن علي ﵁ أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وسيجزي
_________________
(١) سورة آل عمران من الآية ١٤٤.
(٢) تفسير الطبري ٣/٤٥٨.
(٣) تفسير الطبري ٣/٤٥٨.
[ ٢٣٠ ]
الله الشاكرين﴾ (^١)، (الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه) . (^٢)
وكان يقول: (كان أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين أحباءِ الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله) . (^٣)
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجهادون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ (^٤)، أنها كانت في أبي بكر وأصحابه، لما كان في علم الله أنهم سيقاتلون أهل الردة.
روى الطبري بسنده عن علي ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، (بأبي بكر وأصحابه) .
وعن الحسن البصري قال: (هذا والله أبو بكر وأصحابه) .
وعن الضحاك قال: (هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه، حتى ردهم إلى الإسلام) .
وبهذا قال قتادة وابن جريج وغيره من أئمة التفسير. (^٥)
فتأمل أيها القارئ كيف أن هذا الرافضي الحاقد يرمي أصحاب النبي ﷺ بالردة بعد موت النبي ﷺ، في حين أنهم هم الذين قاتلوا المرتدين، وأثنى الله عليهم بذلك، واشتهر في الأمة فضلهم بما قاموا به من نصرة دين الله بعد موت النبي ﷺ، وجهادهم أولئك المرتدين على
كثرتهم، مما لا يجهله أحد من عوام المسلمين اليوم، فضلًا عن علمائهم، ثم يأتي هذا الرافضي فيتهم هؤلاء الصحابة بالردة مصادمًا بذلك النصوص والواقع،
_________________
(١) سورة آل عمران من الآية ١٤٤.
(٢) تفسير الطبري ٣/٤٥٥.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) سورة المائدة آية ٥٤.
(٥) تفسير الطبري ٤/٦٢٣-٦٢٤.
[ ٢٣١ ]
بل وحتى العقل. فلو كان لهذا الرجل عقل، لما قال ما قال، فيصبح أضحوكة بين الناس، بهذا الهذيان الذي يدل على سخافة في العقل وبلادة في الفهم.
ولقد أحسن الشعبي ﵀ في قوله: (ما رأيت قومًا أحمق من الشيعة، لو كانت الشيعة من الطير لكانت رخمًا، ولو كانوا من الدواب لكانوا حمرًا) . (^١)
ولقد صدق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في وصفهم بقوله: «القوم من أضل الناس على السواء، فإن الأدلة: إما نقلية، وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول، في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾» . (^٢)
_________________
(١) أخرجه الخلال في السنة ١/٤٩٧، واللالكائي في شرح السنة ٧/١٢٦٧.
(٢) منهاج السنة ١/٨. والآية من سورة الملك آية ١٠.
[ ٢٣٢ ]