قال الرافضي ص ١٣٦: «فهاهو البخاري يخرج من باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني.
كما أخرج في باب غزوة خيبر عن عائشة: أن فاطمة ﵍ بنت النبي ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت.
والنتيجة في النهاية هي واحدة ذكرها البخاري باختصار وذكرها ابن قتيبة بشيء من التفصيل ألا وهي: أن رسول الله ﷺ يغضب لغضب فاطمة، ويرضي لرضاها، وأن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر».
قلت: ما ذكره المؤلف هنا من مطاعن الرافضة المشهورة على أبي بكر ﵁ التي تناقلتها كتبهم القديمة. وقد رد العلماء عليهم في ذلك حتى ظهر الحق وبطل افتراء الرافضة وتلبيسهم في هذه المسألة.
وسأذكر هنا بعض الأوجه التي تندفع بها هذه الفرية مضمنًا
الكلام بعض النقول المهمة عن أهل العلم في دحضها.
[ ٣٠٠ ]
الوجه الأول: أن كتب الرافضة متناقضة في نقل هذه الحادثة فبعضها تذكر أن فاطمة طالبت بفدك (^١) لأن رسول الله ﷺ منحها إياها، (^٢) وبعضها تذكر أن فاطمة ﵂ طالبت بإرثها (^٣) وهذا تناقض واضح يدل على اضطراب القوم، وجهلهم بأصل هذه المسألة، وبالتالي سقوط ما بنوا عليها من أحكام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن ما ذكر من ادعاء فاطمة ﵂ فدك فإن هذا يناقض كونها ميراثًا لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان بطريق الهبة امتنع أن يكون بطريق الإرث، ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت فرسول الله ﷺ منزه إن كان يُورث كما يُورث غيره
أن يوصي لوارث، أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في صحته فلابد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلامه، ولم يقبض الموهوب شيئًا حتى مات الواهب كان ذلك باطلًا عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبي ﷺ فدكًا لفاطمة ولا يكون هذا أمرًا معروفًا عند أهل بيته والمسلمين، حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو علي ﵄ (^٤)». (^٥)
الوجه الثاني: أن الصحيح الثابت في هذه الحادثة أن فاطمة ﵂ طالبت أبا بكر بميراثها من رسول الله ﷺ فاعتذر إليها من ذلك محتجًا
_________________
(١) قرية بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، أرسل أهلها إلى رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر، وطلبوا منه أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك. فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله ﷺ. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/ ٢٣٨.
(٢) انظر: الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للنباطي ٢/ ٢٨٢، وحق اليقين في معرفة أصول الدين لعبد الله شبّر ١/ ١٧٨.
(٣) انظر: الاحتجاج للطبرسي ١/ ١٠٢.
(٤) في هذا رد على الرافضة في زعمهم أن أم أيمن وعليًا ﵄ شهدا بمنح رسول الله ﷺ فاطمة فدكًا. انظر: الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للنباطي ٢/ ٢٨٢.
(٥) منهاج السنة ٤/ ٢٢٨.
[ ٣٠١ ]
بقول النبي ﷺ: (لا نورث، ما تركنا صدقة) على ما أخرج ذلك الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: (إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ، قال: (لا نورث، ما تركنا صدقه، إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال، وإني والله لا
أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ، فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت). (^١)
فقد كانت فاطمة ﵂ مجتهدة في ذلك، اعتقدت أن الحق معها، ثم لما رأت من عزم الخليفة على رأيه أمسكت عن الكلام في المسألة، وما كان يسعها غير ذلك.
قال ابن حجر في توجيه اجتهادها: «وأما سبب غضبها [أي فاطمة] مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث) ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك». (^٢)
الوجه الثالث: أن السنة والإجماع قد دلا على أن النبي ﷺ
لا يورث فيكون الحق في هذه المسألة مع أبي بكر ﵁.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كون النبي ﷺ لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي، فلا
_________________
(١) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب غزوة خيبر) فتح الباري ٧/ ٤٩٣، ح ٤٢٤٠ - ٤٢٤١، ومسلم: (كتاب الجهاد، باب قول النبي ﷺ لا نورث) ٣/ ١٣٨٠، ح ١٧٥٩.
(٢) فتح الباري ٦/ ٢٠٢.
[ ٣٠٢ ]
يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عمومًا فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلًا لما كان إلا ظنيًا فلا يعارض القطعي، إذ الظني لا يعارض القطعي، وذلك أن هذا الخبر (^١) رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصرّ أحد من أزواجه على طلب الميراث ولا أصرّ العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئًا فأخبر بقول النبي ﷺ رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير من ذلك شيئًا، ولاقسم له تركة». (^٢)
وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال: «وقد روينا عن السفاح أنه خطب يومًا
فقام رجل من آل علي ﵁ قال: أنا من أولاد علي ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على من ظلمني قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد علي ﵁ والذي ظلمني أبو بكر ﵁ حين أخذ فدك من فاطمة، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال: عمر ﵁، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال عثمان ﵁، قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانًا يهرب منه». (^٣)
وبتصويب أبي بكر ﵁ في اجتهاده صرح بعض أولاد علي من فاطمة ﵄ على ماروى البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: (أما لو كنت مكان أبي بكر، لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك). (^٤)
_________________
(١) يشير إلى الحديث الذي احتج به أبو بكر وهو قول النبي ﷺ: (لا نورث، ما تركنا صدقه)، وقد تقدم تخريجه في الصحفة السابقة.
(٢) منهاج السنة ٤/ ٢٢٠.
(٣) تلبيس إبليس ص ١٣٥.
(٤) السنن الكبرى ٦/ ٣٠٢، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ٢٥٣.
[ ٣٠٣ ]
كما نقل القرطبي اتفاق أئمة أهل البيت بدأً بعلي ﵁ ومن جاء بعده من أولاده، ثم أولاد العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله ﷺ، أنهم ما كانوا يرون تملكها، وإنما كانوا ينفقونها في سبيل الله قال ﵀: «إن عليًا لما ولي الخلافة لم يغيرها عما
عمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسين، ثم بيد عبد الله بن الحسين، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه، وهؤلاء كبراء أهل البيت ﵃ وهم معتمد الشيعة وأئمتهم، لم يُرو عن واحد منهم أنه تملكها ولا ورثها ولا ورثت عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًا لأخذها علي أو أحد من أهل بيته لما ظفروا بها ولم فلا». (^١)
فظهر بهذا إجماع الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة، وأئمة أهل البيت ﵃ أجمعين، على أن رسول الله ﷺ لا يورث، وأن ما تركه صدقة، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين وأئمة أهل البيت الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله ﷺ.
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ إنما أراد بغضب فاطمة الذي يغضب له هو: أن تغضب بحق، وإلا فالرسول ﷺ لا يغضب لنفسه، ولأحد من أهل بيته بغير حق، بل ما كان ينتصر لنفسه ولو بحق مالم تنتهك محارم الله، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂
قالت: (ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله). (^٢)
_________________
(١) المفهم للقرطبي ٣/ ٥٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في: (كتاب الحدود، باب إقامة الحدود) فتح الباري ١٢/ ٨٦، ح ٦٧٨٦، ومسلم: (كتاب الفضائل، باب مباعدته ﷺ للآثام) ٤/ ١٨١٣، ح ٢٣٢٧.
[ ٣٠٤ ]
وفاطمة ﵂ على جلالتها، وكمال دينها، وفضلها، هي مع ذلك ليست معصومة، بل قد كانت تصدر منها بعض الأمور التي ماكان النبي ﷺ يقرها عليها، وقد تطلب من النبي ﷺ الشيء فلا يجيبها له: كسؤالها النبي ﷺ خادمًا فلم يعطها وأرشدها وعليًا للتسبيح كما ثبت في حديث علي ﵁ في الصحيحين. (^١)
وفي سنن أبي داود عن عمر بن عبد العزيز: إن فاطمة سألت الرسول ﷺ أن يجعل لها فدكًا فأبى. (^٢)
وثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂
أن فاطمة جاءت لرسول الله ﷺ وقالت له: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقال لها رسول الله ﷺ: (أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه). (^٣)
فلم يجبها النبي ﷺ لشيء من ذلك، فدل على عدم موافقته لها في كل شيء، بل قد تفعل الأمر مجتهدة فتخطئ فلا يقرها عليه، وبالتالي فأن لا يغضب لغضبها من باب أولى.
وطلبها ميراث رسول الله ﷺ من أبي بكر من جنس ذلك، فقد كانت ﵂ مجتهدة وكان الحق في ذلك مع أبي بكر للنص الصريح في ذلك، ولموافقة الصحابة له في رأيه، فكان إجماعًا معتضدًا بالنص كما تقدم، فأبو بكر في ذلك قائم بالحق متبع للنص مستمسك بعهد رسول الله ﷺ في هذه المسألة، فكيف يتصور أن يسخط بفعله هذا رسول الله، وهو إنما يعمل بشرعه، ويهتدي
بهديه.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب) فتح الباري ٧/ ٧١، ح ٣٧٠٥، وصحيح مسلم: (كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم) ٤/ ٢٠٩١، ح ٢٧٢٧.
(٢) انظر: سنن أبي داود: (كتاب الخراج والإمارة، باب في صفايا رسول الله ﷺ) ٣/ ٣٧٨، ح ٢٩٧٢.
(٣) أخرجه مسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة) ٤/ ١٨٩١، ح ٢٤٤٢.
[ ٣٠٥ ]
الوجه الخامس: أن قول النبي ﷺ: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني) (^١)، من نصوص الوعيد المطلق التي لا يستلزم
ثبوت موجبها في حق المعنيين، إلا بعد وجود الشروط، وانتفاء الموانع. (^٢) هذا مع أن ما في هذا الحديث من الوعيد لو كان لازمًا لكل من أغضبها مطلقًا، لكان لازمًا لعلي قبل أبي بكر، ولكان لحوقه بعلي أولى من لحوقه بأبي بكر، إذ أن مناسبة هذا الحديث هو خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل وشكوى فاطمة له على النبي ﷺ على ما روى الشيخان من حديث المسور بن مخرمة قال: (إن عليًا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد أنكحت أبا العاص ابن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد فترك علي الخطبة). (^٣)
وفي رواية: (إن رسول الله ﷺ قال: فاطمة بضعة مني فمن
أغضبها أغضبني). (^٤)
فظهر أن مناسبة الحديث هي خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل وغضب فاطمة من ذلك، والنص العام يتناول محل السبب، وهو نص فيه باتفاق العلماء، حتى قالوا لا يجوز إخراج السبب بدليل تخصيص، لأن
_________________
(١) سيأتي تخريجه مع ذكر رواياته في الصفحة التالية.
(٢) انظر: تقرير هذه المسألة في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ١٠/ ٣٧٢، ٢٨/ ٥٠٠ - ٥٠١.
(٣) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر أصهار النبي ﷺ) فتح الباري ٧/ ٨٥، ح ٣٧٢٩، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت رسول الله ﷺ) ٤/ ١٩٠٣.
(٤) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول ﷺ) فتح الباري ٧/ ٧٨، ح ٣٧١٤.
[ ٣٠٦ ]
دلالة العام على سببه قطعية وعلى غيره على وجه الظهور (^١) وعلى هذا فلو كان هذا الحديث متنزلًا على كل من أغضب فاطمة لكان أول الناس دخولًا في ذلك عليًا ﵁.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن رده على الرافضة في هذه المسألة وبعد أن ذكر الحديث: «فسبب الحديث خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل والسبب داخل في اللفظ قطعًا، إذ اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج سببه منه، بل السبب يجب دخوله بالاتفاق.
وقد قال في الحديث: (يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها) ومعلوم قطعًا أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي ﷺ رابه ذلك وآذاه، فإن كان هذا وعيد لاحقًا لزم أن يلحق هذا الوعيد
علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيدًا لاحقًا بفاعله، كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي». (^٢)
الوجه السادس: أن فاطمة ﵂ كانت قد رجعت عن قولها في المطالبة بإرث رسول الله ﷺ، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة في الحديث والسير.
قال القاضي عياض: «وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل، تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث، ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر، وعمر ﵃». (^٣)
وقال القرطبي: «فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر فكان
_________________
(١) انظر: المسودة في أصول الفقه للأئمة الثلاثة من آل تيمية: شيخ الإسلام وأبيه شهاب الدين وجده أبي البركات ص ١١٩، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٦٠.
(٢) منهاج السنة ٤/ ٢٥١.
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٧٣.
[ ٣٠٧ ]
ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دل على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك ولم تعد إليه» . (^١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذه الأحاديث
الثابتة المعروفة عند أهل العلم، وفيها ما يبين أن فاطمة ﵂ طلبت ميراثها من رسول الله ﷺ على ما كانت تعرف من المواريث، فأخبرت بما كان من رسول الله ﷺ فسلمت ورجعت» . (^٢)
وقال ابن كثير ﵀: «وقد روينا أن فاطمة ﵂ احتجت أولًا بالقياس، وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي ﷺ، وأنها سلمت له ما قال، وهذا هو المظنون بها ﵂» . (^٣)
فظهر بهذا رجوع فاطمة ﵂ إلى قول أبي بكر وما كان عليه عامة الصحابة، وأئمة أهل البيت من القول بعدم إرث رسول الله ﷺ، وهذا هو اللائق بمقامها في الدين والعلم -فرضي الله عنها وأرضاها-.
الوجه السابع: أنه ثبت عن فاطمة ﵂ أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ماروى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: (لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال علي: يافاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها
يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا إبتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت) . (^٤)
_________________
(١) المفهم ٣/٥٦٣.
(٢) منهاج السنة ٤/٢٣٤.
(٣) البداية والنهاية ٥/٢٥٢.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٠١.
[ ٣٠٨ ]
قال ابن كثير: «وهذا إسناد جيد قوي والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي». (^١)
وقال ابن حجر: «وهو وإن كان مرسلًا فاسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة ﵍ على هجر أبي بكر». (^٢)
وقال أيضًا: «فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال وأخلق بالأمر أن يكون كذلك، لما علم من وفور عقلها ودينها، ﵍». (^٣)
وبهذا تندحض مطاعن الرافضة على أبي بكر التي يعلقونها على غضب فاطمة عليه، فلئن كانت غضبت على أبي بكر في بداية
الأمر فقد رضيت عنه بعد ذلك وماتت عليه، ولا يسع أحد
صادق في محبته لها، إلا أن يرضي عمن رضيت عنه، ولا يعارض هذا ما ثبت في حديث عائشة المتقدم (أنها وجدت على أبي بكر فلم تكلمه حتى توفيت) (^٤) فإن هذا بحسب علم عائشة ﵂ راوية الحديث، وفي حديث الشعبي زيادة علم، وثبوت زيارة أبي بكر لها وكلامها له ورضاها عنه، فعائشة ﵂ نفت والشعبي أثبت، ومعلوم لدى العلماء أن قول المثبت مقدم على قول النافي، لأن احتمال الثبوت قد حصل بغير علم النافي، خصوصًا في مثل هذه المسألة فإن عيادة أبي بكر لفاطمة ﵂ ليست من الأحداث الكبيرة التي تشيع في الناس، ويطلع عليها الجميع، وإنما هي من الأمور العادية التي تخفى على من لم يشهدها، والتي لا يعبأ بنقلها لعدم الحاجة لذكرها.
على أن الذي ذكره العلماء أن فاطمة ﵂ لم تتعمد هجر أبي بكر ﵁ أصلًا، ومثلها ينزه عن ذلك لنهي النبي ﷺ عن الهجر فوق ثلاث، وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة لذلك.
_________________
(١) البداية والنهاية ٥/ ٢٥٣.
(٢) فتح الباري ٦/ ٢٠٢.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٢٣.
[ ٣٠٩ ]
قال القرطبي في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم: «ثم إنها (أي فاطمة) لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله ﷺ، ولملازمتها بيتها فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال
رسول الله ﷺ: (لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (^١) وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله ﷺ) كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله ﷺ وسيدة نساء أهل الجنة». (^٢)
وقال النووي: «وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ﵁ فمعناه انقباضها عن لقائه، وليس هذا من الهجران المحرم، الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء، وقوله في هذا الحديث (فلم تكلمه) يعني في هذا الأمر، أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت
إلى لقائه فتكلمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته». (^٣)
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة، وتبطل دعوى الرافضي وتندحض شبهته بما تم تقريره من خلال النصوص والأخبار الصحيحة الدالة على براءة الصديق من مطاعن الرافضي، وأن ما جرى بين
الصديق وفاطمة لايعدو أن يكون اختلافًا في مسألة فقهية ظهر
لفاطمة ﵂ الحق فيها فرجعت له، وعرف لها الصديق فضلها، فعادها قبل وفاتها واسترضاها فماماتت إلا وهي راضية عنه فرضي الله عنهما جميعًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ في: (كتاب الأدب، باب الهجرة) فتح الباري ١٠/ ٤٩٢، ح ٦٠٧٧، ومسلم: (كتاب البر والصلة، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي) ٤/ ١٩٨٤، ح ٢٥٦٠.
(٢) المفهم ٣/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
(٣) شرح صحيح مسلم ١٢/ ٧٣.
[ ٣١٠ ]