قال الرافضي ص ١٣١ وكان عمر يجتهد ويتأول مقابل النصوص الصريحة من السنن النبوية، بل في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الحكيم فيحكم برأيه كقوله: (متعتان كانتا على عهد رسول الله [ﷺ] وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما).
ويقول لمن أجنب ولم يجد ماءً (لا تصلّ) رغم قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (^١)».
قلت: طعنه في عمر ﵁ لنهيه عن المتعتين، هذه من مطاعن الرافضة القديمةالتي أجاب العلماء عنها بمايدحض بطلان دعواهم فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة ضمن رده على ابن المطهر في هذه المسألة: «وإن قدحوا في عمر لكونه نهى عنها، فأبو ذر كان أعظم نهيًا عنها (^٢) من عمر، وكان يقول: إن المتعة
كانت خاصة
_________________
(١) هكذا أورد الآية فأخطأ في النقل والآية الصحيحة ﴿فلم تجدوا ماء﴾ سورة المائدة آية ٦.
(٢) روى مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة) وفي رواية: (لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج) صحيح مسلم (كتاب الحج، باب جواز التمتع) ٢/ ٨٩٧.
[ ٢٨١ ]
بأصحاب رسول الله ﷺ، وهم يتولون أبا ذر
ويعظمونه (^١)، فإن كان الخطأ في هذه المسألة يوجب القدح فينبغي أن يقدحوا في أبي ذر، وإلا فكيف يقدح في عمر دونه، وعمر أفضل وأفقه، وأعلم منه.
ويقال ثانيًا: إن عمر ﵁ لم يحرم متعة الحج بل ثبت عن الضُّبي بن معبد لما قال له: إني أحرمت بالحج والعمرة جميعًا فقال له عمر: هديت لسنة نبيك ﷺ رواه النسائي وغيره. (^٢)
وكان عبد الله بن عمر ﵁ يأمرهم بالمتعة فيقولون له: إن أباك نهى عنها فيقول: إن أبي لم يرد ما تقولون: فإذا ألحوا عليه قال: أفرسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا أم عمر؟
وقد ثبت عن عمر أيضًا أنه قال: لو حججت لتمتعت، ولو حججت لتمتعت وإنما كان مراد عمر ﵁ أن يأمرهم بما هو الأفضل، وكان الناس لسهولة المتعة تركوا الاعتمار في غير أشهر الحج، فأراد ألا يُعرَّى البيت طول السنة، فإذا أفردوا الحج اعتمروا في سائر السنة، والاعتمار في غير أشهر الحج مع الحج في أشهر الحج أفضل من المتعة باتفاق الفقهاء الأربعة وغيرهم
والإمام إذا اختار لرعيته الأمر الفاضل، بالشيء نهي عن ضده فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار لا على وجه التحريم، وهو لم يقل: وأنا أحرمهما كما نقل هذا الرافضي، بل قال: أنهى عنهما ثم كان نهيه عن متعة الحج على وجه الاختيار للأفضل لا على وجه التحريم.
وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ، والفسخ حرام عند كثير من الفقهاء، وهو من مسائل الاجتهاد، فالفسخ يحرمه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لكن أحمد وغيره من فقهاء الحديث وغيرهم لا يحرمون الفسخ، بل
_________________
(١) سبق أن تقدم نقل رواية الكافي في زعمهم أن الناس ارتدوا بعد النبي ﷺ إلا … ثلاثة: أبو ذر وسلمان والمقداد بن الأسود، انظر ص ٣٨٨ من هذا الكتاب.
(٢) رواه النسائي في: (كتاب مناسك الحج، باب القران) ٥/ ١١٣ - ١١٤.
[ ٢٨٢ ]
يستحبونه، بل يوجبه بعضهم، ولا يأخذون بقول عمر في هذه المسألة بل بقول: علي، وعمران بن حصين، وابن عباس،
وابن عمر، وغيرهم من الصحابة ﵃.
وأما ما ذكره من نهى عمر عن متعة النساء فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال، هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لابن عباس ﵁: لما أباح المتعة إنك امرؤ تائه، إن
رسول الله ﷺ حرّم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام
خيبر (^١)، رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها، أئمة الإسلام في زمانهم، مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة وغيرهما، ممن اتفق المسلمون على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح متلقى بالقبول ليس في أهل العلم من طعن فيه.
وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرَّمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة (^٢)، وقد تنازع رواة حديث علي ﵁ هل قوله: (عام خيبر) توقيت لتحريم الحمر فقط، أوله ولتحريم المتعة؟ فالأول قول
ابن عيينه وغيره قالوا: إنما حرمت عام الفتح، ومن قال بالآخر قال: إنها حرمت ثم أحلّت ثم حرمت، وادعت طائفة ثالثة أنها أحلت بعد ذلك ثم حرمت في حجة الوداع.
فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها، والصواب أنها بعد أن حرمت لم تحل وأنها إنما حرمت عام فتح
_________________
(١) رواه البخاري بدون: (إنك امرؤ تائه) في: (كتاب النكاح، باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا) فتح الباري ٩/ ١٦٦، ح ٥١١٥، ومسلم: (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة) ٢/ ١٠٢٧، ح ١٤٠٧.
(٢) رواه مسلم في صحيحه من حديث سبرة الجهني ﵁: (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة) ٢/ ١٠٢٥.
[ ٢٨٣ ]
مكة ولم تحل بعد ذلك، ولم تحرم عام خيبر، بل عام خيبر حرمت
لحوم الحمر الأهلية.
وكان ابن عباس يبيح المتعة ولحوم الحمر فأنكر علي بن أبي طالب ﵁ ذلك عليه
وقد روى ابن عباس ﵁ أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنهما فأهل السنة اتبعوا عليًا وغيره من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي ﷺ، والشيعة خالفوا عليًا فيما رواه عن النبي ﷺ واتبعوا قول من خالفه». (^١)
ويقول الدهلوي ضمن ذكره لمطاعن الرافضة على عمر والرد عليها: «ومنها أن عمر منع الناس من متعة النساء ومتعة الحج مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه ﷺ، فنسخ حكم الله تعالى وحرّم ما أحله الله سبحانه، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله: (متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهي عنهما).
والجواب: أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني أنه ﷺ قد حرم هو المتعة بعدما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبدًا إلى يوم
القيامة (^٢) ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها، (^٣) فإن ادعت الشيعة أن ذلك كان في غزوة خيبر ثم أُحلت في غزوة الأوطاس فمردود لأن غزوة خيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية، لامتعة النساء، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله وجهه أنه قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بتحريم
_________________
(١) منهاج السنة ٤/ ١٨٤ - ١٩١.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٩٦.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٩٦.
[ ٢٨٤ ]
المتعة) فقد علم أن تحريم المتعة كان في عهد رسول الله ﷺ مرة أو مرتين، فالذي بلغه النهي امتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعها وهدد من كان يرتكبها، وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها
والجواب عن متعة الحج: -أعنى تأديه أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته -أن عمر لم يمنعها قط ورواية التحريم عنه افتراء صريح- نعم إنه كان يرى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعهما في إحرام واحد وهو القران أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي، وسفيان الثوري،
وإسحاق بن راهوية وغيرهم لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ إلى قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ (^١) الآية فأوجب سبحانه الهدي على المتمتع لا على المفرد جبرًا لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص، ولأنه ﷺ حج في حجة الوداع مفردًا، واعتمر في عمرة القضاء وعمرة جعرّانة كذلك، ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة.
وأما ما رووا من قول عمر (وأنا أنهى عنهما) فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان، ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه، فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم، وظهر لك مزيد ضلالهم والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو». (^٣)
فظهر بهذا بطلان دعوى الرافضة في طعنهم في عمر لنهيه عن المتعتين. أما متعة الحج فلم ينه عنها نهى تحريم وإنما كان نهيه على
وجه الاختيار للأفضل، وذلك خشية منه أن يهجر البيت بترك الناس للاعتمار في
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٩٦.
(٢) وردت الآية في سورة (المؤمنون) آية ٧، وفي سورة المعارج آية ٣١.
(٣) مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٥٦ - ٢٥٨.
[ ٢٨٥ ]
غير أشهر الحج، وقيل إنما كان نهي عمر عن فسخ الحج
إلى عمرة وهذا هو قول أكثر أهل العلم، كما نقله ابن قدامة في المغني لأن الحج أحد النسكين فلم يجز فسخه كالعمرة. (^١)
وأما متعة النساء فالذي حرمها رسول الله ﷺ بعد أن كان أحلها وكان علي ﵁ من أشد الناس إنكارًا على من قال بحلها، وإنما قال بحلها ابن عباس ﵄ فأنكر عليه علي ﵁ ورجع عن ذلك لما بلغه الحديث الذي رواه علي ﵁ بتحريم رسول الله ﷺ لها، وكذلك روى أحاديث تحريم المتعة غير علي
﵁ بعض الصحابة وهي مخرجة في صحاح أهل السنة كما تقدم، فأي لوم على عمر ﵁ في نهيه عن المتعة بعد أن ثبت تحريم
رسول الله ﷺ لها إلى يوم القيامة.
_________________
(١) انظر المغني لابن قدامة ٥/٢٥٢.
[ ٢٨٦ ]