يربط أكثر الحداثيين بين التحرر الذي يصبون إليه، والتقدم الذي يزعمونه ويدعونه، ونفي وجود اللَّه تعالى وجحد كونه خالقًا مدبرًا لهذا الكون وفلسفتهم تقوم على إبعاد الثنائية عن العالم والإنسان، وإزاحة مفهوم أن الكون ينقسم إلى خالق ومخلوق.
_________________
(١) انظر ترجمة فولتير (١١٠٥ - ١١٩٢ هـ/ ١٦٩٤ - ١٧٧٨ م) وهذه الأقوال عنه في موسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ١٧٠ - ١٧٧، ومعجم الفلاسفة: ص ٤٣٤ - ٤٣٨، والموسوعة الفلسفية للحفنيّ: ص ٣٤٩.
[ ١ / ١٣١ ]
وفي هذا الصدد يقول حسن حنفيّ (^١) الذي يعد عند بعض العلمانيين والحداثيين من أصحاب التوجه الإسلامي المستنير!! يقول في ندوة عقدت في لندن بعنوان "الإسلام والحداثة" عام ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م: (إن العالم مقسوم إلى قسمين: اللَّه والعالم، فينعكس ذلك حتمًا في المجتمع، على السلطان على الحاكم والمحكوم، وسينعكس في الأسرة على الرجل والمرأة، والسؤال الموجه لك هو: أن هناك ثلاثة اختيارات، اختيار حركة تحرر المرأة. . . في البداية لتحرير المرأة من الرجل، وهناك المثقف العلماني الذي يبدأ بتغيير النظام السياسيّ، وهناك الذي يحاول تثوير الدين، ما لم نقض على هذا التصور الثنائي للعالم ورؤية العالم بين حاكم ومحكوم، وعلى المستوى الدينيّ بين خالق ومخلوق، فلن تستطيع حركات تحرر المرأة أن تفعل شيئًا، ولن يستطيع المثقف العلمانيّ أن يؤدي دوره ما لم نقض على هذا التصور، هذا السؤال الأول في آليات التغيير) (^٢).
ويعد علمانيّ آخر أن قضية لزوم تطبيق حكم اللَّه في الأرض مرتبط في عقيدة المسلم بإيمانه بوجود اللَّه الخالق، وأن هذا الاعتقاد هو الذي يشكل الرباط المعرفيّ والأسبقية الاعتقادية التي ينبني عليها القول بلزوم انضواء السياسة تحت الإسلام، كما يقول بذلك علماء ودعاة الإسلام اليوم، ومن ثم
_________________
(١) ولد في القاهرة عام ١٣٥٤ هـ/ ١٩٣٥، حصل على الدكتوراه من السوربون عام ١٣٨٥ هـ/ ١٩٦٦ م، ويعمل أستاذًا للفلسفة في جامعة القاهرة ورئيس القسم فيها، والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية، له مؤلفات كثيرة مليئة بالتناقض في المواقف والآراء، إلّا أنه لم يختلف موقفه في تأييد العلمانية ومعاداة الإسلام، وقد أعلن في ندوة الإسلام والحداثة بقوله: (أنا هنا أكثر ماركسية من الماركسيين)، وقال: (نحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن نحاول أن نخرج من الإيمان السلفيّ)، وقال: (أنا مفكر وضعيّ، وكل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين)، أو يقول مخاطبًا العلمانيّ المجاهر بإلحاده عادل ظاهر: (الإيمان السلفيّ التاريخيّ. . . هو الشيء الذي تخافه عليّ، إن إيماني يكفرني كما أنه يكفرك أيضًا). انظر أقواله هذه في: الإسلام والحداثة: ص ٢١٧، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢١، ٢٢٤، وترجمته في الكتاب نفسه ص ٤١٦.
(٢) الإسلام والحداثة: ص ٣٨٧ - ٣٨٨.
[ ١ / ١٣٢ ]
يشير هذا الكاتب إلى ما يجب استبعاده من منظومات عقائد المسلم، باعتبارها الأساس للقول بوجوب الحكم بشرع اللَّه في سائر نواحي الحياة وهي القضية التي يسعى لمحاربتها، ويرى أنه لا يُمكن استبعادها إلّا باستبعاد أساسها الاعتقاديّ، فيقول: (. . . إن الكلام على الماهية العقدية للإسلام هو كلام على ذلك الاعتقاد الذي له أسبقية منطقية على الاعتقادات الدينية الأخرى للمسلم، إن أسبقية المنطقية يحتّمها كونه الأساس الأخير لكل اعتقاد آخر للمسلم، إنه ما ينبغي أن نلجأ إليه في نهاية التحليل لتقرر ما الذي يتحتم استبعاده أو عدم استبعاده أو لا يتحتم استبعاده من منظومة اعتقادات المسلم الدينية، ومعيار الاستبعاد أو عدم الاستبعاد هو معيار منطقيّ في المقام الأول) (^١).
إلى أن يقول: (ولكن أي اعتقادات المسلم هو الاعتقاد المؤهل لاحتلال هذا الوضع الابستمولوجيّ (^٢) الفريد في المنظومة الاعتقادية للمسلم؟، إنه لا شك الاعتقاد بوجود خالق أزليّ كليّ الحضور واحد أحد لكل شيء، خالق واجب الوجود، وكليّ العلم، وكليّ الخير، وذي حرية تامة ومصدر للإلزام الأخلاقي، إن أي اعتقاد آخر يتعارض معه مستبعد بالضرورة من المنظومة الاعتقادية للمسلم. . .) (^٣).
وبعد سفسطات سخيفة يقول: (هل يُمكن أن يكون اللَّه ذر الطبيعة المسندة إليه من قبل الإسلام كائنًا يُمكن أن يأمر البشر بأن يقيموا دولتهم على أسس معينة لا سواها بغض النظر عن ظروفهم الزمانية والمكانية؟ هل يُمكن لكائن له طبيعة اللَّه أن يفرض على المؤمنين في كل عصورهم وأممهم ألا يفصلوا بين دينهم والسياسة؟. . .) (^٤).
_________________
(١) الحداثة والإسلام من مقال للبناني عادل ظاهر بعنوان (الإسلام والعلمانية): ص ٧٤ - ٧٥.
(٢) لفظ مركب من لفظين يونانيين هما ابستمي أي المعرفة والعلم ولوفوس أي النظرية والدراسة، فمعنى الابستمولوجيا إذن نظرية العلوم وفلسفة العلوم، وتعنى بدراسة مبادئ العلوم وفرضياتها ومناهجها ونتائجها دراسة نقدية ترمي إلى إبراز بناها ومنطقها وقيمتها الموضوعية. معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص ١٣.
(٣) الحداثة والإسلام من مقال للبناني عادل ظاهر بعنوان (الإسلام والعلمانية): ص ٧٤ - ٧٥.
(٤) المصدر السابق: ص ٧٦.
[ ١ / ١٣٣ ]
فها هو بعد التشكيك في اللَّه تعالى، وبعد نظرية الاستبعاد التي ذكرها، يتهكم باللَّه تعالى ويعتبره صاحب طبيعة مسندة إليه من قبل الإسلام؟ أي أنه تعالى ليس له حقيقة وإن افتُرض أنه موجود فوجوده ليس إلّا وصفًا مخترعًا من قبل الدين الإسلاميّ، ثم يوغل في التهكم فيصف اللَّه بأنه "كائن".
وبعضهم قد تجاوز هذا الحد في التهكم والسخرية والإلحاد وتلفظ بكلام عظيم في حق اللَّه تعالى، ولولا أن هذا البحث يتمحور حول إثبات الانحرافات الاعتقادية لدى أصحاب الأدب المعاصر لما جرى نقل هذا الكلام السخيف، على أن ناقل الكفر ليس بكافر، أسأل اللَّه العفو والغفران.
وكما حاول العلماني السالف الذكر أن يربط بين العلمانية ونفي وجود اللَّه، فإن الحداثي -وهو علماني بالتبع- يحاول أن يربط بين ما يسميه الإبداع والإلحاد، ويؤكد أنه لا حداثة ولا إبداع إلّا مع نفي وجود اللَّه -جلَّ وعلا- أو "قتل اللَّه" -سبحانه وتعالى عما يقولون- كما يعبر عن ذلك أدونيس ممتدحًا جبران خليل جبران (^١) في كتابه الهدام "المجنون" فيقول: (قلت: إن كتاب جبران هدمي، وهو لذلك يضعنا في مناخ العدمية، نشعر أن الأخلاق والقيم الدينية تهدمت في العالم الذي يسكنه المجنون، لم تعد ثمة غاية ولا اتجاه، ولم يعد ثمة نور يضيء ولا طريق. .
_________________
(١) هو: جبران بن خليل جبران بن ميخائيل، ولد عام ١٣١٣ هـ/ ١٨٩٥ م لأسرة لبنانية مارونية، وسافر من صغره إلى بوسطن في أمريكا، وتعرف على ماري هاسكل، فغيرت مجرى حياته، وسافر إلى باريس لتعلّم الرسم على نفقتها، شارك في تأسيس الرابطة القلمية عام ١٣٣٨ هـ/ ١٩٢٠ م في أمريكا وهي التي روجت لكتبه، مات في نيويورك عام ١٣٤٩ هـ/ ١٩٣١ م، يعتبره الحداثيون القائد الأول للاتجاه الحداثيّ بسبب ما لديه من عقائد إلحادية، وشكية، وانحرافات سلوكية مثل الشذوذ الجنسيّ، إضافة إلى غرور شيطانيّ ركبه كان يعتقد معه أنه نبيّ مخلص، ويعتقد أيضًا عقيدة التناسخ، إضافة إلى أنه عند وفاته طلب الكاهن الخوراسغف فرنسيس واكيم راعي كنيسة القديس يوسف المارونية في نيويورك ليموت بين يديه، وجبران مجمع لعقائد متناقضة منحرفة ونموذج للغزو الفكريّ والخلقيّ الموجه ضد البلاد العربية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٢٩٥، وأحاديث عن جبران لرياض حنين، وأضواء جديدة على جبران لتوفيق صايغ، والمرشد لتراجم الكتاب والأدباء: ص ٤٦.
[ ١ / ١٣٤ ]
كل نقد جذريّ للدين والفلسفة والأخلاق يتضمن العدمية ويؤدي إليها، وهذا ما عبر عنه نيتشه بعبارة "موت اللَّه"، وقد رأينا أن جبران قتل اللَّه هو كذلك -على طريقته- حين قتل النظرة الدينية التقليدية، وحين دعا إلى ابتكار قيم تتجاوز الملاك والشيطان، أو الخير والشر، والواقع أننا بعد أن ننتهي من قراءة "المجنون" نشعر أن ثمة تاريخًا من القيم ينتهي.
ومن الواضح أن جبران لا يحلل تحليلًا فلسفيًا أو علميًا القيم التي يهدمها وإنّما يعرضها بشكل يجعلها مشبوهة، فمتهمة فمرفوضة، إنه يحاول بتعبير آخر أن يظهر خطأ التفسيرات التي تقدمها الأديان والأخلاق التقليدية للعالم والإنسان فيما يدعو إلى محو المذهبية القيمية، ويؤكد على فاعلية الحياة والإنسان الذي يبتكر القيم الجديدة، الأخلاق التقليدية هي التي تعيش الخوف من اللَّه، وتنبع من هذا الخوف، الأخلاق التي يدعو إليها جبران هي التي تعيش موت اللَّه، وتنبع من ولادة إله جديد، إنه إذن يهدم الأخلاق التي تضعف الإنسان وتستعبده، ويبشر بالأخلاق التي تنميه وتحرره، إنه يهدم الأخلاق السلبية الانفعالية التي تتقبل الراهن الموروث من القيم، ويبشر بالأخلاق الإيجابية الفعالة التي تخلق هي نفسها القيم، إنه يريد بالتالي أن يحل محل الفكر المأخوذ بأخلاق المستقبل محل الفكر المأخوذ بأخلاق الماضي؛ ولهذا فإن كتاب "المجنون" دعوة لقلب نظام القيم) (^١).
فأدونيس يثبت هنا إلحاده وإلحاد جبران وهم في ذلك ليسوا إلّا تبعًا لنيتشه (^٢) الفيلسوف الألمانيّ الملحد، ويؤكد أن هذا الإلحاد هو عنصر الإيجابية والفعالية والإبداع والابتكار والتجديد، وهذا محور أساسي من محاور فكر أستاذ الحداثة الكبير وقدوة الحداثيين وأشباههم، فهو لا يفتأ يكرر مثل هذه المعاني داعيًا إلى تأليه الإنسان وجحد الخالق البارئ العظيم -﷾-، فها هو يقول: (. . . إن جوهر الإنسان ليس في كونه مشروطًا بل في كونه يفلت من الشروط كلها، ليس في كونه مخلوقًا بل في
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) سبقت ترجمته وذكر طرف من إلحادياته ص ١٢١.
[ ١ / ١٣٥ ]
كونه خالقًا، فجوهر الإنسان هو في أنه كائن خلاق مغير، وجوهر الثقافة بالتالي هو إذن في الإبداع المغير) (^١).
ويبحث أدرنيس عن جذور له في الفكر العربيّ فلايجد إلّا ابن الراونديّ (^٢) وأضرابه من الزنادقة الملاحدة، فينقل كلامه في معرض تأصيل للحداثة وفي سياق تبجيل وتمجيد للأفكار المتحررة حسب زعمه، ويأتي بأقواله في التهكم بالنبوة والسخرية بالمعجزات والنيل من الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- ثم يقول بعد ذلك: (وابن الراونديّ هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب وإنما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت الكيفيّ لدى القائلين بها. . . وينتهي ابن الراونديّ إلى القول بأن العقل يناقض النبوة، فمن جهة أولى ليس "للخلق أول" والكلام الإنساني حادث، ولا يرجع في أصله إلى الأنبياء، والإنسان هو الذي ابتكر بعقله كل شيء دون حاجة إلى الأنبياء يقول مثلًا: "إن الكلام مستملى عن الوالدين صاعدًا قرنًا فقرنًا إلى ما لا نهاية له فليس للخلق أول) (^٣).
ثم يمزج أدونيس إلحاده في خليط خبيث بين الصوفية الفلسفية والسورياليّة (^٤) فيقول: (. . . فمن الصحيح القول ليس للَّه بالمعنى الدينيّ
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٤٨.
(٢) هو: أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراونديّ، من سكان بغداد وأصله من أصبهان، قيل: كان والده يهوديًا فأسلم، فيلسوف مجاهر بالإلحاد، جاحد للنبوة والمعاد، أحد مشاهير الزنادقة الذين أولع بهم أهل الحداثة وخاصة أدونيس في كتابه الثابت والمتحول ١/ ٧٤ - ٧٧، ٢٣٥، لما جاهر ابن الراونديّ بإلحاده طلبه السلطان في زمانه فهرب ولجأ إلى ابن لاوي اليهوديّ في الأهواز وصنف له كتاب الدامغ للقرآن، ووضع كتبًا في نفي وجود اللَّه وتصحيح مذهب الدهرية، قيل مات، وقيل صلبه أحد السلاطين في بغداد سنة ٢٩٨ هـ. انظر: الأعلام ١/ ٢٦٧، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٥٩.
(٣) الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول أدونيس: ص ٧٥. والكلام بين الأقواس الداخلية نقله أدونيس من كلام صنوه ابن الراونديّ.
(٤) السوريالية مذهب في الفن والأدب يذهب إلى ما فوق الواقع، ويعول على إبراز الأحوال اللاشعورية، ويؤكد على الجوانب اللاعقلية في الوجود الإنسانيّ، وتعنى فوق =
[ ١ / ١٣٦ ]
التقليديّ أي حضور في التجربة السوريالية. . . لكن ليس له كذلك، بالمعنى الدينيّ التقليديّ أي حضور في التجربة الصوفية، أو لنقل أن حضوره فيها ليس حضور انفصال وتجريد عن الوجود كما هو الشأن في النظرة الدينية التقليدية، وإنّما هو حضور اتصال بالوجود، حضور اتحاد ووحدة، "اللَّه" صوفيًا ليس الواحد - إلّا لأنه الكتير، إنه من الوجود "النقطة العليا" كما يقول بريتون (^١): النقطة التي يتوحد فيها ما نسميه المادة وما نسميه الروح وتزول التناقضات فهو ليس الواحد الذي يخلق الوجود من خارج ودون اتصال به، وإنّما هو الوجود نفسه في حركيته ولا نهايته، ليس في السماء وليس في الأرض، بل هو السماء والأرض معًا متحدين. . . واللانهاية ليست خارج المادة بل هي داخل المادة، اللانهائي الإنسان نفسه والمادة نفسها) (^٢).
ويشرح أدونيس هذه الخرافات في مواضع عديدة في كتابه الصوفية والسوريالية ويؤكد أنهما وجهان لعملة واحدة وأن ما يسميه التلاقي في الطريق المعرفيّ يجمع بينهما، غير أنه لم يشر إلى أن تلاقيه هو الآخر مع الصوفية والسوريالية آت من عقيدته الأصلية الباطنية النصيرية، إلّا أنه في موضع من مقدمة هذا الكتاب ألمح إلى هذا دون أن يصرح بنصيريته فقال: (. . . أبادر إلى القول أن غايتي من هذا البحث ليس القول إن الصوفية والسوريالية شيء واحد، أو إن الأولى بوضعها تجربة متقدمة زمنيًا أثرت على الثانية بشكل
_________________
(١) = أو ما وراء الواقع، وهي تمجد الجنون والغيبوبة والمخدرات والأحلام والعبث وتعتبرها أساسًا للفن والإبداع. انظر: المعجم الفلسفي: ص ٩٧، ومعجم المصطلحات الأدبية لإبراهيم فتحي: ص ٢٠٤، وموسوعة السوفييت: ص ٢٤٤، والصوفية ١٠١ والسوريالية: ص ٣٤ - ٣٥.
(٢) هو: أندريه بريتون، أحد أعلام السوريالية، ومن الداعين إلى العبث والعصاب والجنون باعتبارها وسائل تحقق أصالة الحياة النفسية الشخصية حسب رأيه الأرعن، وقد تبعه في ذلك أدونيس في كتابه عن السوريالية. انظر: الصوفية والسوريالية لأدونيس: ص ٤٦ - ٥٣.
(٣) الصوفية والسوريالية لأدونيس، دار الساقي: ص ١٠.
[ ١ / ١٣٧ ]
مباشر، أو مداور، إن غايتي هي التوكيد على أن في الوجود جانبًا باطنًا لا مرئيًا مجهولًا، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية العقلانية، وأن الإنسان دونه محاولة الوصول إليه كائن ناقص الوجود والمعرفة وأن الطرق إليه خاصة وشخصية، وأننا نجد استنادًا إلى ذلك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. . .) (^١).
ولم يبق لأدونيس إلّا أن يكشف السجف الرقيق المتبقي خلف هذه العبارات ويقول صراحة بباطنيته ونصيريته، ولولا خشية الاستطراد والخروج عن حدود هذا الفصل لذكرت بتفصيل موثق أن أدونيس في حداثته باطني وفي علمانيته نصيريّ، وفي إبداعه قرمطيّ، وأنه لا يعدو قدره وإن تطاول.
أمّا ما أشار إليه في النص السابق من أن اللَّه تعالى ليس الواحد الذي يخلق الوجود من خارج وإنّما هو الوجود نفسه، فهو مذهب وحدة الوجود بمضمونه الغربيّ، وهو مضمون إلحاديّ بحت، وقد جاء تفسيره في المعاجم الفلسفية بأنه: (. . . تغليب فكرة العالم فلا يسلم إلّا بوجوده ويرد كل شيء إلى المادة فهي حية بذاتها، وعنها نشأت الكائنات جميعها، وهذه وحدة مادية. . . ولم يخل هذا المذهب من نقد لما فيه من إلحاد. . .) (^٢).
ومذهب وحدة الوجود: (تعاليم فلسفية تذهب إلى أن اللَّه مبدأ لا شخصي ليس خارج الطبيعة ولكنه متوحد معها، ومذهب وحدة الوجود يبث اللَّه في الطبيعة ويرفض العنصر الخارق للطبيعة. . .) (^٣).
وحين نتعقب كلام أدونيس في كتاب الصوفية والسوريالية فإننا نجده يدور حول هذه المفاهيم بخلفية باطنية وشكوك إلحادية.
فها هو يبتهج بالنتيجة الهائلة التي وصل إليها؛ لأنها تطابق معتقده وتوافق مقصده في هدم الدين، وذلك حين يقول في معرض التوافق
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٥.
(٢) المعجم الفلسفي من إصدار مجمع اللغة العربية في مصر: ص ٢١٢، وفيه أن من شخصيات هذا المذهب ديدرو وهولباخ.
(٣) الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٥٨٠، وفيه أن من فلاسفة هذا المذهب برونو، وبصفة خاصة سبينوزا.
[ ١ / ١٣٨ ]
المنهجيّ بين الصوفية والسوريالية (. . . فالمنهج واحد وفي تطبيق هذا المنهج مشابهات كثيرة تدفع إلى القول بأن السوريالية صوفية وثنية أو بلا إله، وغايتها التماهي مع المطلق، وبأن الصوفية سوريالية تقوم على البحث عن المطلق والتماهي هي أيضًا معه) (^١).
ثم يتحدث عن الوحدة العميقة بين الصوفية والسوريالية، ويؤكد أن الحقيقة لديهم: (لا تجنى من خارج، من الكتاب أو الشرع أو القانون أو الأفكار والتعاليم وإنّما تجيء من داخل من التجربة الحية من الحب من التواصل الحي مع الأشياء والكون ويتجلى له أن الإنسان طاش أبدًا إلى أن يجسد ويتجسد).
ثم يعقب ذلك بكلام يشكك به في وجود اللَّه تعالى، فيقول: (ويوقن أن اللَّه إن كان خارج الوجود ولا اتصال له بالوجود إلّا اتصال التكوين والهيمنة فإن هذا العالم لن يكون أكثر من كرة من الغبار لا يستحق أن يوجد، ولا يستحق بالأحرى أن يعيش فيه هذا الكائن العظيم: الإنسان، وسيكون هذا المخلوق مع ذلك أكثر أهمية من الخالق. . .) (^٢).
فقد بدأ بوحدة الوجود - بالمفهوم الغربيّ الإلحاديّ المتضمن لنفي وجود اللَّه تعالى، ثم انثنى يشكك ويقولى كأنه يتنزل مع خصومه تنزلًا: (إن اللَّه إن كان خارج الوجود) ثم عقب بعد كل ذلك بأن المخلوق أكثر أهمية من الخالق، وهذا الرجل له في سوق الحداثة قدم راسخ، وله بيق أتباعها كلمة مسموعة، وراية متبوعة، وحتى الذين يدعون أنهم لم يكفروا ولم يلحدوا في حداثتهم يتخذونه إمامًا ومتبوعًا فبئس التابع والمتبوع.
هذا العدو اللدود لدين الإسلام يسعى جاهدًا لهدم كل أسسه بدءًا بتوحيد الربوبية وإثبات وجود اللَّه، وقد مر معنا من قبل امتداحه لجبران خليل جبران في إلحاده ويصفه بأنه قد "قتل اللَّه" تعالى اللَّه وتقدس، ثم يكرر هذا المعنى الإلحاديّ في موضع آخر من كتابه الصوفية والسوريالية
_________________
(١) الصوفية والسوريالية: ص ١٦.
(٢) المصدر السابق: ص ١٦ - ١٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
وهو يصف الانخطاف السورياليّ عند بعض السورياليين أسياده وأساتذته يقول: (. . . ففي النشوة ينعدم كل شيء حتى اللَّه) (^١).
وفي غمرة الانبهار بالغرب والتبعية لأطروحاته العقيدية والفكرية تجد الأقاويل الفاسدة الباطلة تتسلل في ثياب زائفة مرة باسم الموضوعية ومرة باسم النقاش الحر، ويدخلون في ذلك كل شيء، ويخضعون مسألة وجود اللَّه تعالى وربوبيته وألوهيته لمناقشاتهم السوفسطائية، بل ويعدون تحرز المسلم من الخوض في مستنقعاتهم الفكرية تخلفًا وجمودًا وأصولية كما يحلو لمحمد أركون (^٢) أن يعبر تبعًا لتعبيرات معلميه في فرنسا وغيرها، ففي سياق انتقاده للغة العربية ووصفه لها بأنها منغلقة ونائمة ومتخشبة، وامتداحه للغة وفكر الغرب يتساءل بعد إيراده للفظ فرنسي إلحاديّ يقول: (. . . فكيف نعبر عنه باللغة العربية؟ هل نقول: مشكل اللَّه أو مشكلة اللَّه. . .) (^٣).
ثم يعقب بأن هذا التعبير يقابل بالاندهاش والاستنكار عند العرب في حين أنه تعبير عاديّ في اللغة الأوروبية الحديثة (^٤).
فمن التبعية المطلقة للغرب فكرًا ولغة وعقيدة يتجرجر هذا التعيس في أودية الإلحاد ولا يكتفي بذلك بل يريد أن يعممه على مستوى الأمة التي ارتبطت لغتها بدينها وتشابكت حياتها مع عقيدتها، وتواصلت ممارساتها بشريعتها؛ ولذلك يقول عن اللَّه تعالى بأنه مشكلة، ويعتبر عدم خوضهم في
_________________
(١) الصوفية والسوريالية: ص ٥٥.
(٢) ولد محمد أركون في منطقة القبائل في الجزائر، يقال أنه يهودي الأصل، وأنه كان يعرف بعركون، درس في السوربون وأصبح أستاذًا فيها بعد نيله الدكتوراه منها، له كتب عديدة تنضح ببغضاء شديدة ضد اللغة العربية التي ينادي بتفجيرها، ويرى أن اللَّه تعالى وتقدس مشكلة، ويسخر من المؤمنين بأن اللَّه خالق العالم يستخدم مصطلح التاريخية والتاريخانية بتقديس كامل، ويمجد كل معارض للإسلام مشكك فيه من مسكويه والتوحيديّ حتى خلف اللَّه، وينتقد من يثني على شيء في الإسلام مثل نقده لموريس بوكاي، وبالجملة فهو من عتاة أعداء الإسلام وممن تولى كبر المحاربة له. انظر: الإسلام والحداثة: ص ٤١٨، ورأيهم في الإسلام: ص ١٤٥.
(٣) الإسلام والحداثة: ص ٣٤٣.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٣٤٣.
[ ١ / ١٤٠ ]
\هذا المجال دليل قصور وتخشب في اللغة ممارسة وفي الفكر عقيدة، ويضرب لذلك مثلًا أخر وهو فقدان اللغة لمصطلح "الأرثوذوكسية" (^١) فيقول: (فهذا المصطلح لا وجود له في اللغة العربية، ومجرد عدم وجوده دليل صارخ على مدى تخلف الفكر والتفكير بهذه اللغة في المرحلة الحالية) (^٢).
ثم ينسل إلى مقصده الرئيسيّ الذي ذكره سابقًا فيما يتعلق باللَّه تعالى، فيقول عن العربيّ: (. . . لا يُمكن أن يتصور إمكانية طرح مشكلة فكرية حول اللَّه أو مناقشة فكرية حول وجود اللَّه، والسبب هو أن الخطاب القرآنيّ يملأ مشاعره كمسلم أو كعربيّ بوجود اللَّه، إنه يملأ أقطار وعيه ومشاعره إلى درجة أنه لا يبقى في وعيه أية مساحة لإثارة مناقشة فكرية حول وجود اللَّه) (^٣).
هذه المنهجية الإلحادية التي يحاول رواد وقادة الحداثة ترويجها بين المسلمين ليصلوا إلى ما يسمونه عفوية التأويل الإلحاديّ كما يقول أحدهم: (. . . إن عفوية النقد الماضويّ تذكرنا بعفوية التأويل الإلحاديّ الأول والقائل: "إذا لم يكن اللَّه موجودًا فكل شيء مباح") (^٤).
إنه الانفراط العقديّ، والتيه الفكريّ، والضياع المترتب على ذلك، وهو كل المراد من هذه المقولات الإلحادية، الداعية إلى الخروج عن المألوف، وتجاوز السائد والمقصود به بالطبع في مجتمعات المسلمين دينهم وعقيدتهم.
_________________
(١) الأرثوذكسية فرقة من فرق النصارى ومذهب تعتنقه جل الكنائس الشرقية، قام هذا المذهب كرد فعل لعقيدة نسطور بطريرك الاسكندرية الذي قال سنة ٤٣١ م أن مريم لم تلد إلّا إنسانًا هي أم له وليست أمًّا لإله، فعقد في مدينة أفسيس في الأناضول مؤتمر في تلك السنة وافقوا فيه على عقيدة البابا كيرنس بطريرك الاسكندرية والتي تقضي بأن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة. انظر: الديانات والعقائد في مختلف العصور ٣/ ٥٠٠، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ص ٥٠٣.
(٢) و(^٣) الإسلام والحداثة: ص ٣٤٤.
(٣) مجلة الناقد عدد ١٣ في تموز يوليو ١٩٨٩ م الموافق ذو الحجة/ ١٤٠٩ هـ: ص ٤١ من مقال لأمينة غصن بعنوان (النقد الحديث قراءة الصيرورة لا الحداثة).
[ ١ / ١٤١ ]
وعندما نكرر القول بأن التبعية الغربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني هي المنطلق الأساسي للحداثيين فلا نكون قد خالفنا الصواب قيد أنملة، وذلك أن دلالة الحال والمقال من هؤلاء المرتمين تؤكد هذا المعنى.
ولنأخذ على ذلك مثالًا فيما نحن بصدده في مسألة الربوبية كلمات سوريالية هائمة للنصرانيّ الملحد أنسي الحاج (^١)، مجنون قصيدة النثر، وداعية التحرر التام، والتبعية التامة، يقول في كتابه "خواتم" الذي أصدرته مجلة الناقد: (أنت لا تشك في وجود اللَّه بل وجودك أنت، ولا تجد فاعلية بل على حظك، وبصياحك "اللَّه مات" لا تعني أنه اللَّه مات بل إنك تستفزه من قاع خوفك البهيم. . . لو استطاع الإنسان التخلص من الندم على الماضي ومن الأمل بمستقبل ما يلي الموت، هل كان يستغني عن فكرة اللَّه؟. . . العدم حقيقة حقًا: إنه فراغي أنا، عدمي الداخليّ. . .، ومع ذلك لا أستطيع إلّا أن أعجب أيضًا بمن ينكرك يا إلهي، كأني أمل بأن تشتبكا أمامي، أو كأنه هو أنا الآخر الذي ما زال رغم الإيمان ينتظر السانحة ليعلن استقلاله المطلق ويستأصل كل مخاوفه.
وأمضى فأصل إلى النتيجة: إعجابي بثورة الملحد وتجديفه سببه حريته المطلقة، التي في نكرانه التام للمسؤول الأكبر ولا مبالاته الناجزة بالثواب والعقاب بات يجني ثمارها دون أشواكها. . .) (^٢).
هذا الهذيان الإلحاديّ المتنقل بين عفونة الشك إلى قذارة العدمية والعبث إلى الإعجاب الشديد بالإلحاد وأهله يصدر من إنسان غرق في العمالة للغرب حتى الآذان، وارتبط بالمخابرات الأمريكية من خلال "منظمة
_________________
(١) أنسي الحاج حداثيّ لبنانيّ من أصل نصرانيّ، يجاهر بإلحاده وشذوذه الفكريّ وانحلاله، ويدعو إلى التخريب والهدم الذي يسميه التخريب الحيويّ، من أعمدة مجلة شعر، ومن السائرين على أهدافها حتى بعد إغلاقها، ركيك العبارة، سقيم الأسلوب، له ديوان سماه "لن" مليء بكل أصناف الضلال، ومثله كتابه خواتم، وكتاباته في مجلة الناقد من هذا الجنس المظلم. انظر: قضايا الشعر الحديث: ص ٣١٦.
(٢) خواتم: ص ٧٤ - ٧٥.
[ ١ / ١٤٢ ]
حرية الثقافة" التي يدير فعالياتها الأمريكان واليهود الصهاينة (^١).
وها هو يعترف في كتابه "خواتم" بذلك ويقول: (. . . خنقوني مرة بحرير حرية تعبيري، ومرة بصدق هذا التعبير، كمنوا في الجب والبئر يحرضونني على الظهور ويغرقون في خنادق خبثهم) (^٢).
ومع كل هذا الوضوح في اعترافه بأنه أداة تنفيذ، ومع صراحة الوقائع المثبتة لعمالته إلّا أنه ما زال يعد عند المفتونين بسراب الحداثة من القمم التي لا تطال!!!.
ومن هذياناته في باب الربوبية قوله: (يموت الخلاق إن لم يكن من جهل العالم له فمن علمه به) (^٣)، وسواء أراد بالخلاق الرب ﷾، أم أراد به الحداثيّ المبدع فإن ذلك كله من الانحراف الذي يسعى هو وأضرابه إلى جعله واقعًا في حياة المسلمين من خلال الجحد والشك والجراءة والاستخفاف بكل ما يتعلق باللَّه تعالى.
لا غرابة إذا وجدت احتفاء بعضهم ببعض، وثناء بعضهم على بعض في انحطاطهم وهدمهم، فها هو أدونيس في خطبة حماسية، وبيان يشبه البيانات العسكرية يشيد بأنسي الحاج ويحرضه على رفض الموروث والمستنقعات المقدسة -حسب تعبيره- ويدعوه للرفض والثورة والتمرد ويعدها أساسًا لكل تغيير ثم يحثه على الجد في الهدم (^٤)، ثم يختم كل ذلك بقوله: (أحييك يا أنسي، أيتها القصيدة المارقة، أيها الشيطان الأصفر، يا صديقي، يا أخي) (^٥).
ولا عجب أن يبتهج أدونيس بمروق صاحبه وشيطانيته؛ لأنهما معًا
_________________
(١) انظر: مصداق ذلك في كتاب أفق الحداثة وحداثة النمط لسامي مهدي: ص ٥٥، ٥٦، ٥٧، وقضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ٣٠٥، وبحثًا عن الحداثة: ص ٤١ - ٤٢، ٤٨، ٥٩، ٩٠، ٩١.
(٢) خواتم: ص ١٥٣.
(٣) المصدر السابق: ص ١٠٩.
(٤) انظر: زمن الشعر لأدونيس: ص ٢٢٨ - ٢٣٠.
(٥) زمن الشعر: ص ٢٣١.
[ ١ / ١٤٣ ]
يعتزان بهذه الدركات الكفرية، ويبذلان في سبيل نشرها غاية البذل.
أمّا لماذا كل هذا التبجح بالإلحاد؟ فأمر يجيب عليه أحد نقاد الحداثة قائلًا: (لعل إشكالية الحداثة هي الأكثر لبسًا بين الإشكالات الفكرية والثقافية والفنية التي شهدتها لوحة الثقافة العربية الراهنة.
ويبدو أن هذا اللبس والغموض المحيط بها ليس سمة الحداثة في حقل تداولها الاصطلاحيّ والدلاليّ العربيّ فحسب، بل هي ولدت في سياقها الغربيّ متلبسة باللبس والشك والقلق، والعقل المزدحم بتمزقاته وانشراخه. . . حيث لا أفق سوى العدمية والاستلاب بعد إعلان نيتشه موت اللَّه وموت الجمال معه، والفن لم يعد يعوض عن الحياة بل يساهم في تعميق الاستلاب نحوها، فسيموت الفن تاركًا إيّانا في العراء. . .
إن الباحث وهو يجهد لاكتشاف خصائص ومميزات الحداثة وسط العوالم القاحلة والعراء الروحيّ إلّا من الشمس السوداء، وقمر الكارثة الشاحب، لابد أن يقر بصعوبة الإحاطة بكليتها عبر تناقضاتها وتفتت رؤيتها لذاتها وللعالم. . . وهي إذ تطمح لإلغاء الطبيعة عبر تشييئها التقنيّ (^١) لا تلبث أن تنتحب حنينًا إلى فردوس الطبيعة المفقود، فقد اغتالت اللَّه والجمال والأخلاق والفن وراحت تندب وترثي ما اجترحته يداها. . .
إنها وعي المتاهة إذ تغدو المتاهة هي الحقيقة الواقعية الوحيدة بعد أن مات الإنسان بموت اللَّه عبر قرون من تلاشيه التدريجيّ. . .) (^٢).
وهذه الإجابة تتضمن حقائق ثابتة عن الحداثة المحاربة للثبات، وأول هذه الحقائق أنها تجحد وجود اللَّه، وتسعى في إبطال الإيمان به، وإبعاد البشر عنه، وثانيها أن هذا المسعى جر على الحداثة وأتباعها المزيد من التمزق والشتات والضياع والتيه، وصدق اللَّه العظيم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي
_________________
(١) أي: جعلها أشياء ومنتجات تقنية.
(٢) قضايا وشهادات ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦ من مقال لعبد الرزاق عيد بعنوان (الحداثة: عقيدة الأفاعي)، وفيه ثناء وإطراء للماركسية والزعم أنها أبدية وأنها العقلانية الوحيدة، ويتوقع مستقبلًا زاهرًا لها ويثني على الحداثة ورموزها وطموحاتها.
[ ١ / ١٤٤ ]
هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (^١).
إن نزعات العداء لدين اللَّه والمحاربة لكل ما يمت إليه بصلة من أهم مشاريع وإنجازات الحداثة العربية، حتى أصبح التغني بالإلحاد إبداعًا والتدنيس للدين تقدمًا، يقول نزار قباني (^٢):
(حين يصير العدل في مدينةٍ
سفينة يركبها قرصان
ويصبح الإنسان في سريره
محاصرًا بالخوف والأحزان
حين يصير الدمع في مدينة
أكبر من مساحة الأجفان
يسقط كل شيء
الشمس والنجوم والجبال والوديان
والليل والنهار والبحار والشطآن
واللَّه والإنسان
حين تصير خوذة
كالرب في السماء
_________________
(١) الآيتان ١٢٣، ١٢٤ من سورة طه.
(٢) نزار قباني شاعر سوريّ، ولد سنة ١٣٤١ هـ/ ١٩٢٣ م، درس الحقوق وتخرج سنة ١٣٦٤ هـ/ ١٩٤٥ م، وعمل في بعثة دبلوماسية في القاهرة ثم تركيا ثم لندن وبكين، من رواد الحداثة، اشتهر بأنه شاعر المرأة، حيث جعل منها مجرد جسد، وأناء لتفريغ الشهوة الجنسية، يركز على أعضاء الجنس، والملابس الداخلية للنساء، ويأتي بعبارات صارخة مكشوفة جنسيًا، ويجاهر بالإلحاد، والتهكم باللَّه ورسوله والدين والشريعة، ويبغض العرب لفرط شعوبيته. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٦٩، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٣٥.
[ ١ / ١٤٥ ]
تصنع بالعباد ما تشاء
تمعسهم تهرسهم تميتهم تبعثهم
تصنع بالعباد ما تشاء) (^١).
ويقول معين بسيسو (^٢):
(باسمك تلك المومس
ترقص بقناع الرب
باسمك يتدحرج
رأس الرب) (^٣).
أمّا الملحد علاء حامد (^٤) الذي نال من الشهرة -رغم تأخره في إظهار كفره- ما لم ينله من سبقه، وحصل له من حماية الدولة وصيانتها وحراستها لشخصيته وتأمينها لحياته المعيشية ما لم يحصل عليه إلّا كبار رجالات الدولة ومسؤوليها.
هذا الملحد الجريء في إلحاده، الضعيف في حجته، سجل تهافتاته الفكرية الكفرية في رواية "مسافة في عقل رجل" وأعلن فيها الكفر صراحة، وتبجح بالردة أقصى درجات التبجح.
_________________
(١) الأعمال السياسية الكاملة لنزار قباني ٣/ ١٠٥ - ١٠٧.
(٢) معين بسيسو ولد في غزة عام ١٣٤٥ هـ/ ١٩٢٧، شاعر حداثيّ فلسطينيّ، شيوعيّ ماركسيّ اتخذ سب اللَّه تعالى والتهكم بالإسلام قاعدة لأعماله الشعرية، تخرج من الجامعة الأمريكية عام ١٣٧١ هـ/ ١٩٥٢، وعمل رئيسًا للقسم الثقافي في جريدة الأهرام القاهرية، ثم تولى رئاسة تحرير الطبعة العربية لمجلة "اللوتس" التي تصدر عن اتحاد كتاب آسيا وافريقيا، هلك عام ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م. انظر: رفاق سبقوا: ص ١٧٣، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٢٩.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين يسيسو: ص ١، ٢.
(٤) علاء حامد الروائيّ الحداثيّ المصريّ الملحد، صاحب رواية "مسافة في عقل رجل" المليئة بأبشع أنواع الإلحاد والكفر باللَّه والتهكم بالدين وكل مايتعلق به، نال حظوة كبيرة عند الحداثيين، وحماية قوية من الدولة العلمانية، ورعاية وتأييدًا، ورغم مطالبات أهل الإسلام بمحاكمته إلّا أنه في منعة وحصانة.
[ ١ / ١٤٦ ]
فتارة يصف الأديان بأنها عجزت عن إيجاد تفسير علميّ مقنع لخلق الإنسان ويسأل: (ماذا كان الإنسان وكيف خلق؟! لقد عجزت الأديان عن تفسير علمي مقنع لتلك الأسئلة الخالدة. . . وأذابت العقل الإنسانيّ في محلول حمضيّ مركز من الخرافات. . .) (^١).
وفي مقطع من مقاطع هذا الكتاب النجس بالكفر والردة يتلخص كل فكر علاء حامد حيث يقول: (. . . الإنسان ليس سوى نظرية مادية بحتة، وجد بالصدفة وسيموت بالصدفة، وبموته يصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة، فلا إله ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، ولا جن أزرق أو أحمر ولا ملائكة بيضاء أو خضراء تهفهف بأجنحتها، والرسل ليسو سوى مجموعة من الدجالين، والأديان صيغ بشرية ذكية، والإنسان ابن الطبيعة، خالق نفسه، هو الأوحد والأقوى والأفضل والجبار والمتكبر، وبالتالي فقد وجد بالصدفة، وسيفنى جنسه البشري أيضًا بالصدفة، وعلى البشرية في هذه الحالة الأخيرة أن تبدأ للمرة الثانية من نقطة الصفر، أي من نقطة البداية، وقد يختلف شكل المخلوق القادم عن الإنسان المندثر بعد فناء العالم) (^٢).
ثم يتحدث بهذا الأسلوب المتهافت وهذه الطريقة الإنشائية الخالية من أي نظر أو حتى شبهة تأمل عقليّ، فيأتي بما يسميه "افتراضية أن الإنسان مخلوق للَّه تعالى"، ثم يهاجم هذه الحقيقة بالأسلوب الادعائيّ الهجائيّ، العريّ من البراهين، المرتمي بسخافة اتباعية في أحضان أساتذته الماديين، إذ هو في الحقيقة ليس إلّا مسخًا مشوهًا للماركسية البائدة، وصدًى متهالكًا للشكوك والريب المادية.
علمًا بأن الشك والتكذيب الذين ملأ بهما كتابه ليسا في الحقيقة من أبواب الفكر والعلم والبرهان؟ لأن الشاك -في أحسن أحواله- متوقف لأنه لا علم عنده، أو لأن الأدلة والبراهين عنده متكافئة، وهذا الملحد يصطنع
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ٩.
(٢) المصدر السابق: ص ١٢٥.
[ ١ / ١٤٧ ]
الشك ويدعيه تقليدًا لديكارت وغيره، ويزعم أن الشك هو الوسيلة الوحيدة للبحث ثم للحكم، بل ويتخذ الشك عقيدة، وهذا كله سفه في العقل، وغمط للحق والبرهان، وحَيْدة عن الدليل الساطع، وإهدار لليقين، وهذا كله مضاد للعقل والعلم والبرهان، وتكذيب بالحقائق، والتكذيب ليس شجاعة كما يصور هذا المادي الملحد وأضرابه، بل الشجاعة والامتياز هو في التصديق بالحق والتكذيب بالباطل.
وعلاء حامد في كل كتابه لا يعدو أن يكون صاحب دعاوى مجردة يلقيها ثم يرش عليها من مسوح شكه وتكذيبه وتلفيقه بعبارات استفزازية يناقض بها حقائق الكون وقطعيات العقول، ويزيف كل ذلك بأهواء هابطة في عبارات مزركشة على متنِ تناقضٍ فاضح.
ومن أمثلة الدعاوى المجردة التي دأب عليها في هذه الرواية الإلحادية قوله في معرض رده على من يقول بأن الخلق خلقُ الباري -﷾-: (ورواية الخلق بهذه الصورة تعني أمر واحد (^١) فقط، عقل بشريّ حاول أن يجد لنشوء الخلق أسبابًا مقنعة. . . فانتزعها من عادات وتقاليد وأساطير وخرافات شعوب سبقته بمئات السنين ثم عاد ليؤكدها بدعوة ألبسها ثوب إلهي (^٢) حتى يصدقها الناس) (^٣).
فأين هو البرهان العقليّ أو الحسيّ الذي يشهد له بأن العقل البشريّ هو الذي اخترع هذه القضية؟ ثم أين هو الدليل على أن قضية الخلق كانت من عادات وتقاليد وأساطير وخرافات شعوب سابقة؟.
إنها دعاوى تدل على طفولة عقل صاحبها، والعاقل يستحيي أن يواجه حقائق كالشمس، براهينها كعدد الخلق بمثل هذه التهويمات، ومتى كان الباطل المموه بالأدلة متحديًا للحق ذي البرهان، فضلًا عن الباطل العري عن حجة أو دليل؟.
_________________
(١) هكذا كتب والصحيح أمرًا واحدًا، والكتاب مليء بهذا النوع من الأخطاء.
(٢) هكذا كتب والصحيح ثوبًا إلهيًا.
(٣) مسافة في عقل رجل: ص ١٢٧.
[ ١ / ١٤٨ ]
ولست هنا في صدد الرد المفصل على هذه الأقوال الادعائية، إذ المقصود بيان أوجه الانحراف الاعتقاديّ في أدب الحداثة، ومقولات هذا الملحد المغالط في قضية نفي وجود اللَّه تعالى والتشكيك في ذلك عديدة أترع بها كتابه، فمرة يجحد بصراحة، ومرة يوهم ويشكك، ومرة يجعل اللَّه تعالى شيئًا من الأشياء المخلوقة، فإنه بعد أن قرر أن الإنسان وجد صدفة ويموت صدفة وسيفنى الجنس البشري صدفة ويوجد جنس بشري آخر (^١)، تناقض وصرح بأنه لابد من وجود قانون كلي يرتبط به الكون وجودًا وعدمًا فقال: (. . . إذا كان لا يوجد خلاف حول وجود قانون يحكم الكون بدقة شديدة وأن خلف هذا القانون إرادة منظمة امتزجت به يُمكن القول أن القانون هو اللَّه واللَّه هو القانون، وأن البديل لغياب هذا القانون هو الفوضى. . .) (^٢).
وهذا هو القول نفسه الذي سبقت الإشارة إليه عند الكلام عن وحدة الوجود بالمفهوم الغربيّ الإلحاديّ، حيث جعل علاء حامد ما يسميه -ادعاءً أيضًا- القانون الكليّ، جعله هو اللَّه تعالى، فإذا كان هذا قانونًا فمن الذي قنّنه؟، ولا مجال للشك في أن القانون الذي يتحدث عنه هو شيء مخلوق، فمن الذي خلقه ومن الذي جعله كليًا؟.
إلى غير ذلك من الإيرادات التي تبين زيف هذا القول الذي يهدف في آخر مغزاه إلى إنكار وجود اللَّه تعالى وربوبيته.
ويواصل هذا الملحد تخبطاته فيقول: (قبل أن نخوض في تعريف محدد للَّه، ماهيته وجوهره، نقول: إن الأكوان منظورة أو غير منظورة تحكمها أنماط معينة من القوانين التي تنظم سيرها ومسيرتها وحركتها، من هذه القوانين الثابتة على مر الدهور والأزمان أن لكل شيء سببًا، ولو شبهنا اللَّه بخلية أبدية لا تفنى، وأن مخلوقاته ليست سوى انقسام لهذه الخلية الأبدية ولكن بعد إضافة مواد أخرى كيمائية (مواد بشرية) اكتسبت بها
_________________
(١) انظر: مسافة في عقل رجل: ص ١٢٥.
(٢) المصدر السابق: ص ١٢٨، ونحوه في ص ١٥٧، وص ١٦٠، وص ١٦٣.
[ ١ / ١٤٩ ]
خواص جديدة ظاهرية بالإضافة إلى خواص الخلية الأبدية، إذا قلنا بذلك فنحن لم نبتعد عن جادة الصواب ولكننا في نفس الوقت لم نقترب كثيرًا من الحقيقة) (^١).
ثم يضيف: (اللَّه هو تلك الخلية الأبدية وكذلك مخلوقاته من إنسان وحيوان ونبات وجماد لا فرق في ذلك بين الشمس والبقرة والقمر والشجرة والنجم الثاقب والطفل الخائب، كلها مخلوقات للَّه انقسمت من الخلية الأبدية بعد أن ارتدت ثوبها الماديّ. . .، يا صديقي اللدود إذا أردت رؤية اللَّه مجسمًا فتأمل الشمس والنجوم والحيوان والإنسان والنبات، أمّا القول بأن اللَّه يجلس على عرش، وأن له مكانًا محددًا يجلس فيه يُمكن التحدث معه بلسان طليق، فهذه أوهام صنعت بمهارة وصدقتها عقول تعيش في دروب الجهالة المفرطة، ولكن إذا أردت معرفة اللَّه فليس أمامك سوى أن تعرف كل القوانين التي تحكم الكون) (^٢).
ثم يستطرد في حوار شخصيات روايته الشيطانية ويسأل بشك: (إن كلامك يدور حول ماهية اللَّه، ولكن أما كان من الأجدى أن نبحث عن وجود اللَّه قبل أن نبحث عن ماهيته، فهل حقًا يوجد إله ينظم هذا الكون، أم أن هذا الكون ينظم نفسه ذاتيًا دون ما حاجة لقوة منظمة متحكمة) (^٣). ثم يجيب: (. . . ليس في جعبتنا أمام هذا التاريخ الطويل أدلة مادية ملموسة على وجود الإله. . .) (^٤).
ثم عاد يدندن حول القانون الكليّ الكونيّ وأنه هو اللَّه (^٥)، ويتهكم بصفات اللَّه وأسمائه، تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٤٨.
(٢) مسافة في عقل رجل: ص ١٤٩ - ١٥٠.
(٣) المصدر السابق: ص ١٥٠.
(٤) المصدر السابق: ص ١٥٠ - ١٥١.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ١٥٢، ١٥٣، ١٥٦، ١٥٧، ١٩١.
[ ١ / ١٥٠ ]
وإذا كان هذه اعتقادات شخص هو من آخر أذيال الحداثة فهل كان سلفه على هذا المنوال؟.
سبق أن نقلنا كلام أدونيس وأركون ونزار قباني وهنا نذكر بعض أقوال نجيب محفوظ (^١) الذي ابتهج به العرب عندما منح جائزة نوبل ذات الاتجاه الصهيونيّ، وعدّوه من أعلام الأمة ونبلائها!!، وقد كشف الدكتور السيد أحمد فرج أنواع انحرافاته الاعتقادية والسلوكية في كتابه النادر "أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب"، ومن ذلك -مما له علاقة بهذا الباب- تشكيك نجيب محفوظ في وجود اللَّه تعالى، ففي رواية الحب تحت المطر يُجري حوارًا بين شخصين وفيه قال أحدهم: (. . حدثني أحد الكبار (الشيوخ) فقال: إنه كان يوجد على أيامهم بغاء رسميّ.
- زماننا أفضل فالجنس فيه كالهواء والماء.
- لا أهمية لذلك، المهم هل اللَّه موجود؟.
- ولم تريد أن تعرف؟.
- إذا قدر لليهود أن يخرجوا فمن سيخرجهم غيرنا.
- من يقتل كل يوم غيرنا!
- من قتل عام ١٩٥٦ من قتل في اليمن من قتل في عام ١٩٦٧!
- لا أحد يريد أن يجيبني أهو موجود؟.
_________________
(١) نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا، ولد عام ١٣٢٩ هـ/ ١٩١١ م، عمل سكرتيرًا لوزير الأوقاف مصطفى عبد الرزاق ثم تقلب في أعمال وظيفية آخرها أنه عمل مستشارًا لوزير الثقافة ثم صحفيًا في جريدة الأهرام، منح جائزة نوبل لمواقفه الموالية لليهود وأعماله التغريبية، وحصل على جائزة رابطة التضامن الفرنسية العربية، له روايات كثيرة مليئة بالمضامين المنحرفة فكرًا وخلقًا. انظر: حول الدين والديمقراطية: ص ٢٢٣ - ٢٢٥، وأدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب.
[ ١ / ١٥١ ]
- إذا حكمنا بالفوضى الضارية في كل مكان، فلا يجوز أن يوجد) (^١).
ويعقب الدكتور سيد أحمد فرج على هذا النص فيقول: (إن الكاتب ونأسف له -يمارس في هذا الحوار- مجاملة لليهود وبغضًا للعرب، وإنكارًا لوجود اللَّه. . .) (^٢).