منذ أن وقع أتباع العلمنة والحداثة تحت سيطرة الإلحاد ولوازمه وفروعه؛ فاضت أعمالهم بالحرب السافرة للدين وقضاياه وأعلنوا المحاربة المباشرة أو من وراء الحواجز لعقيدة الإسلام وشريعته.
غير أنهم مهما تطاولوا واستعرت نيران بغضائهم وعداواتهم لهذا الدين وأتباعه فإنهم لا يُمكن لهم أن يتجاوزوا دائرة الإعاقة الفكرية والعقلية والشعورية كما أخبر اللَّه تعالى عن عاقبة الشرك في قوله ﷿: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ (^١)، فكل قرد يحيد عن التوحيد ينحط في هيئة المعاق المقعد مذمومًا بالعقيدة الذميمة التي اعتنقها، مخذولًا بالكفر والشرك والإلحاد الذي انتكس في حمأته، لا ناصر له، ومن لا ينصره اللَّه فهو مخذول وإن كثر ناصروه، وإن تظافر مؤيدوه، فالخذلان ملازم له في فكره وعقيدته وعمله، وإن ظهر لبادي الرأي أنه منتصر وفكره
_________________
(١) الآية ٢٢ من سورة الإسراء.
[ ٢ / ١٤٦٤ ]
بين الناس منتشر، فإن الوهن ملازم له والخذلان مصاحب لكل أحواله، ولفظ "فتقعد" يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد، ويلقي ظل الضعف، فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزًا، وهو يلقي كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان؛ لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع (^١)، ومع أن هذه هي حالة هؤلاء المرتدين، إلّا أنهم من خلال هالات المزاعم والادعاءات الجوفاء يصورون أنهم أصحاب تقدم وحركة وتحديث، وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون.
لقد دنسوا أنفسهم بالكفر والإلحاد، وارتكسوا في الرجس الوثني الذي نهى اللَّه عنه في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^٢).
والرجس نجاسة وخبث، وأخبث النجاسة ما يصيب القلوب والعقول بسبب الشرك والكفر والردة والإلحاد والمادية، وهذه كلها دنس يصيب الضمير ويلوث القلوب، ويشوب نقاءها وطهارتها كما تشوب النجاسة الثوب والمكان (^٣).
وكلها تقود إلى قول الزور، والكذب والافتراء والمغالطة.
ومن تابع أقوال وأحوال الكافرين قديمًا وحديثًا يجد هذين الوصفين من أظهر الأوصاف فيهم وفي أعمالهم: نجاسة وخَبَث في الاعتقاد والكفر، وزور في القول والعمل.
واللَّه تعالى يريد من الناس أن يجتنبوا هذه الأرجاس الوثنية سواء تسمت هذه الأوثان باللات أو العزى ومناة أو تسمت بالعقلانية أو الحداثة أو العلمانية أو الماركسية أو غيرها من المذاهب والمناهج والنظم الوضعية الجاهلية، فكلها رجس وزور، واللَّه يريد من الناس أن يميلوا عن الشرك
_________________
(١) هذا المعنى مقتبس من الظلال لسيد قطب. انظر: ٤/ ٢٢٢٠.
(٢) الآية ٣٠ من سورة الحج.
(٣) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٤٢١.
[ ٢ / ١٤٦٥ ]
كله بكل ألوانه وأشكاله ومسمياته، وأن يجتنبوا الزور كله، وأن يستقيموا على التوحيد الخالص النقي الطاهر القويم: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^١)، ثم يبين تعالى صورة الذي ينحدر من أفق التوحيد إلى درك الشرك، فإذا هو ضائع، ذاهب بددًا كأن لم يكن من قبل أبدًا ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (^٢)، وهي صورة صادقة حقيقية لحال المشرك والملحد والمادي حين يهوي من الأفق الإيماني العالي إلى سفوح الفناء والانطواء والخذلان والوهن؛ وذلك لأنه فقد -باختياره- القاعدة الثابتة اليقينية، قاعدة التوحيد، وافتقد بسبب كفره وإلحاده وعلمانيته المستقر الآمن، فتخطفته الأهواء والشبهات، كما تخطف الجوارح المفترسة بغاث الطير، وتتقاذفه الأوهام والجهالات تفاذق الريح بالريش والورق اليابس، فتراه لا يمسك بعروة وثقى ولا يستقر على قاعدة ثابتة (^٣).
والمتأمل في أحوال وأعمال وأقوال هؤلاء الحداثيين يجد أنهم أحق الناس بهذه الأوصاف التي ذكرها اللَّه الخبير العليم، فهم في نجاسة هذه العقائد النتنة يتقلبون، وبأقوال الزور والكذب يجأرون، وفي مهاوي الضلالات والجهالات يرتعون، فالحمد للَّه على نعمة الإسلام ونعمة العقل.
ولا أدل على مقدار الهوان الاعتقادي والعملي الذي تردى فيه المعنيون بهذا البحث من قضية القضاء والقدر، فقد استيقظت طاقاتهم في ظلمات الإلحاد والشك والشرك، فكانوا بمثابة الديدان التي تتغذى وتعيش وتتحرك في الجيف.
ومن نتائج هذه الطاقات ما نقرؤه في نتاجهم من انحرافات متراكمة وظلمات متلاطمة.
_________________
(١) الآية ٣١ من سورة الحج.
(٢) الآية ٣١ من سورة الحج.
(٣) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٤٢١ - ٢٤٢٢.
[ ٢ / ١٤٦٦ ]
فها هم بعد أن اشتروا ضلالة الإلحاد واستنبتوها في سويداء قلوبهم السوداء فرغوا عليها ضلالات آخر منها -ما نحن بصدده الآن- نفي قدرة اللَّه تعالى، ونفي وجود قدرٍ قدّره اللَّه وقضاه، وزعمهم أن قضية القضاء والقدر مجرد خرافة ودجل وكذب.
ولا ريب أن مناقشة هؤلاء في هذه المسألة فيه فائدة إبطال زيفهم وكشف زورهم وكذبهم، وإن كانت القضية الأولى بالنقاش معهم هي وجود اللَّه تعالى وألوهيته، فإنهم بجحدهم ربوبية اللَّه جحدوا قَدَرَه؛ وبجحدهم ألوهيته جحدوا حقه في الطاعة والتشريع، وبجحدهم أسماءه وصفاته جحدوا علمه وقدرته ومشيئته.
إن المنهج الذي يحكم تفكير هؤلاء منهج مادي إلحادي وهو الذي يحدد موقفهم من المنهج النقيض منهج الإيمان والتوحيد.
والذين يرتكزون في عقيدتهم وفكرهم على القيم المادية والمعطيات المادية، ويغفلون القيمة الكبرى الأساسية في حياة الإنسان "قيمة التوحيد والإيمان" هم أعداء للبشربة، لا يريدون لها أن ترتفع عن مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان.
وهم حين يطلقون آراءهم الجاهلية في عقيدة الفوضى التي يعتنقونها، عقيدة جحد القدر يهدفون من وراء ذلك إلى القضاء على قيم الإيمان وعقيدة الإسلام التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان -دون أن تغفل أو تنسى ضروياتهم وحاجياتهم الأساسية- بل تجعل لهم مطالب أرقى وأشرف إلى جوار المطالب المادية التي يحتاجها الإنسان، والتي إذا اقتصر عليها ضاهى الحيوان وأشبهه.
وهذا الصراخ المستمر الذي تطلقه الحناجر المادية العلمانية والحداثية وغيرها ليس صراخًا بريئًا أو حياديًا أو موضوعيًا، بل هو خطة مقصودة لإقامة أصنام حديثة تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى وتكون لها السيادة العليا على قيم الحق والخير والفضيلة.
وعندما تصبح المادية صنمًا يكدح الناس حوله ويطوفون به في قداسة
[ ٢ / ١٤٦٧ ]
الأصنام، فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك العقائد والقيم والأخلاق والأعراض والنظم والأسرة والضوابط والضمانات، كل هذه إذا تعارضت مع المادية وأوثانها وسدنتها فيجب أن تمحى وتزال وتمحق وتنتقص!!.
فماذا تكون الأصنام إن لم تكن هذه؟ إنه ليس حتمًا أن يكون الصنم حجرًا أو شجرًا أو جنًا، بل قد يكون الصنم مذهبًا أو منهجًا أو قيمة أو اعتبارًا أو لافتة أو لقبًا أو شخصًا أو نظامًا (^١) إلى غير ذلك، ما دام متصفًا بأنه متبوع أو معبود أو مطاع من دون اللَّه تعالى.
ومن لا يفقه هذه الحقيقة على وجهها فإنه بلا ريب لم يفقه التوحيد ولم يفهم الإيمان ولم يعرف الإسلام!!.
وما أكثر الذين ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم لا يفهمون هذه الحقيقة الأولية حق الفهم، ولا يدركون هذا المعنى العميق بالإيمان حق الإدراك، ولذلك تجدهم في ريبهم يترددون، وخاصة عندما تدق الجاهلية المعاصرة طبول إعلامها وأزلامها، في إشادة وتبجيل للماديات ونتاجها وقيمها واعتباراتها ومناهجها التي تسعى إلى تدمير مبادئ التوحيد والإيمان والولاء والبراء، ومقتضيات ولوازم هذه المبادئ العظيمة.
إن جحد هؤلاء ونفيهم لوجود قدر كوني يحكم هذه المخلوقات لهو أعظم دليل على مقدار العته الذي أصيبت بهم عقولهم المظلمة.
إن التناسق والانتظام والتكامل والانضباط الموجود والمحسوس في هذا الكون والحياة والمخلوقات هي أعظم دليل على أن كل شيء محكوم بقدر يحدد حقيقته وصفته ومساره ومقداره وحركته وسكونه وارتباطه بسائر ما حوله.
إن هذه الحقيقة العميقة الكبيرة الظاهرة غابت عن عقول الملاحدة الماديين، على رغم ادعائهم المتواصل بالعقلانية.
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن ٣/ ١٨٠٠ - ١٨٠١.
[ ٢ / ١٤٦٨ ]
(على أن الأمر أعظم من هذا كله وأشمل في التقدير والتدبير، إن حركة هذا الكون كله بأحداثها ووقائعها وتياراتها مقدرة مدبرة صغيرها وكبيرها، كل حركة في التاريخ ككل انفعال في نفس فرد، ككل نفس يخرج من صدر! إن هذا النفس مقدر في وقته، مقدر في مكانه، مقدر في ظروفه كلها، مرتبط بنظام الوجود وحركة الكون، محسوب حسابه في التناسق الكوني، كالأحداث العظام الضخام!) (^١).
وإذا أردنا أن نتعرف على مدى الانحدار الفكري والاعتقادي في باب القضاء والقدر الذي وصل إليه أتباع الحداثة من خلال نفيهم لقدرة اللَّه تعالى وإرادته النافذة ومشيئته التي لا تحد؛ فلنطلع على بعض من هرائهم في هذا:
من ذلك: ما وضعه النصيري الوثني "أدونيس" في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" من قواعد كفرية سار على منوالها الأتباع العمي الذين لا يعقلون، ومن هذه القواعد قوله: (. . . وسواء تحركت القصيدة الجديدة في مستوى اجتماعي، أو مستوى نفسي أو مستوى استعادي - ذكروي، فهي تتحرك في إطار هذا الزمن، الزمن القدر/ الخارجي. هذا المفهوم للزمن يبقينا في إطار النظرة التقليدية القائلة بأن الآلام والشرور "طبيعية" لا يُمكن الخلاص منها، والنظرة الجديدة "الشعرية" هي التي تقول بأن الآلام والشرور "غير طبيعية" ولذلك يُمكن الخلاص منها، النظرة الجديدة هي الخروج من قدر الطبيعة والدخول في إرادة الإنسان، هي الخروج من الثبات إلى التحول، هي الخروج من الصراعات والتناقضات الذهنية، والدخول في عالم الصراعات والتناقضات الحياتية، هي الإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا قادر على صنع التاريخ، والقصيدة الجديدة هي التي تكون من هذه الشرفة، مسرحًا للعالم) (^٢).
إن هذا القول المتولد من المادية الإلحادية ليس سوى دعاوى مفتقرة
_________________
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٤٤٠.
(٢) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٨٣.
[ ٢ / ١٤٦٩ ]
إلى أدنى بينة أو دليل، وإلّا كيف يُمكن الخروج من إطار القضاء والقدر؟ هل يُمكن تحويل الشمس عن مجراها؟ أو النجوم عن مسارها؟ أم هل يُمكن إخراج الحياة الكونية المترابطة من أصغر ذراتها إلى أكبر أفلاكها من إطار التسخير الرباني والتقدير الإلهي؟.
إن استطاع أدونيس وكل أشباهه وأتباعه أن يفعلوا ذلك فليفعلوه!!.
ثم لماذا يربط نظرته المادية الجامدة بقضية التحول والتقدم؟ وهي في الحقيقة نظرة لا تبتعد قيد أنملة عن مطالب الأرض وحظوظ الأرض ومقاصد الحيوان!!.
أليست هذه هي النظرة الجامدة اليابسة المنحطة، التي تأبى الرقي إلى أفق التوحيد والإيمان الأعلى والأرقى الذي يخلص الإنسان من وحول الماديات ويرتفع به إلى قمم سامقة عالية منيفة لا يُمكن للمادي الملحد أن يحلم بها فضلًا عن أن يعيشها أو يمارسها أو يذوق حلاوتها!!.
أمَّا القول بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا وعلى صنع التاريخ، فهذه فكرة مسروقة عن المادية الجدلية المتمثلة في الماركسية، التي تقول بحتمية صراع الطبقات ثم حتمية التقدم نحو النمط المسمى "ديكتاتورية البلوريتاريتا" وهي فكرة ساقطة أثبتت الحوادث والأيام أنها مجرد وهم وخرافة تداعت بتداعي بنيان دولة الإلحاد المادي الشرقي "الاتحاد السوفيتي" بيد أن فكرة أن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم ليست مقتصرة على مذهب ذوي العاهات الفكرية "الماركسية"، بل هي أصل لجميع المذاهب المادية في الغرب، وقد استنسخها أدونيس فيما استنسخ من أفكار وعقائد ثم جاء بها تحت مضلات مخادعة.
فما الذي نتج من خلال هذا الزعم المادي القائل بالقدرة المطلقة للإنسان في تغيير نفسه والعالم؟.
إن الذي حدث هو التسارع المفرط في درب الانحطاط البهيمي الحيواني فتحول الإنسان إلى جهاز آلي أو كتلة حيوانية!!.
[ ٢ / ١٤٧٠ ]
لقد أحرزوا انتصارات شتى في اكتشافات القوانين الكونية وتسخيرها، وتحقق في عالم الصناعة والطب والمكتشفات والمصنوعات ما يشبه الخوارق -بالنسبة للماضي- وما يزالون في طريقهم لإحراز انتصارات واكتشافات مادية أخرى، ولكن ما أثر هذا كله في حياتهم؟ وما تأثيره في نفسياتهم وسلوكياتهم؟ هل وجدوا السعادة؟ هل وجدوا الطمأنينة؟ هل وجدوا السلام؟ هل زالت الآلام والشرور التي يزعم أدونيس إنه يُمكن للإنسان الخلاص منها؟.
كلا لقد عمهم الشقاء والقلق والخوف والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والجريمة، وها هي شهادة أحد فلاسفتهم ومنظريهم المعاصرين يقول: (سبب الازدياد المطرد في عدد الجرائم الجنسية في أوروبا وأمريكا، القدر الكبير من القلق والجزع والخوف، ومن الإنصاف أن نقول بأن كل أصناف الجريمة قد ازدادت، إلّا أن الجريمة والعنف الجنسيين قد سجلا أكبر نسبة من الازدياد) (^١)، ثم يذكر أرقامًا تصاعدية لعدد الجرائم ثم يضيف: (وفي الولايات المتحدة مايزيد على ١٥٠٠٠ اعتداءً جنسيًا في العالم، والسبب هو بلا شك الضغوط والتوترات الاجتماعية المتنامية في مجتمعنا الحضاري الآلي) (^٢).
ويقول: (إن مجتمعًا كمجتمعنا هو تربة خصبة مثالية لنمو كل أنواع الشذوذ الجنسي) (^٣).
ويقول معللًا هذه الظواهر الشريرة: (. . . إن انهيار "القيم" في مجتمعنا الذي حلله نيتشه بعمق كبير، لا بد أن يؤدي حتمًا إلى زيادة السادية (^٤). . . وينبغي أن ندرك أن هذا الانهيار هو في معظمه "انهيار ثقافي"
_________________
(١) و(^٢) أصول الدافع الجنسي: ص ٢٥٨ لكولن ولسن.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٤٤.
(٣) السادية: ضرب من الانحراف الجنسي، يتميز بالحصول على اللذة الجنسية والاستمتاع الشهواني من جراء إساءة معاملة الأفراد الآخرين من الذكور والإناث، تستخدم هذه اللفظة أحيانًا بشكل عام للدلالة على حب القسوة والفظاظة والتلذذ بتعذيب الطرف =
[ ٢ / ١٤٧١ ]
وثقافة مجتمع ما هي نوع من الثقل المقابل لضغوط الاجتماعية. . . فنحن نعيش في حضارة ذات ثقافة مادية أساسيًا) (^١).
ويقول: (. . . وفي يومنا هذا، فالجريمة المنحرفة المثالية تأتي غالبًا من السأم وتدعى "جريمة السأم" أي الجريمة التي ليس لها أي دافع معين والتي تنتج عن "الجريمة الزائدة" وعن فقدان أي إحساس بالهدف) (^٢).
لقد فقدوا الإطار الإيماني الذي يضبط الحياة والنفس ويسيّر الجميع في توافق وانسجام، لقد فقدوا التصور الصحيح للغاية من الوجود الإنساني ولأهداف الحياة الإنسانية (وحين تقاس غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر، إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب، تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة! بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود، وتسفل به، وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه! والخواء يأكل قلب البشرية المكدود والحيرة تهدد روحها المتعبة. . إنها لا تجد اللَّه. . لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة، والعلم الذي كان من شأنه، لو سار تحت منهج اللَّه، أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من اللَّه، هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطًا بسبب انطماس روحها ونكستها، انها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه اللَّه لها ووهبها الاستعداد له، ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها، وآخرتها ودنياها، وأفرادها وجماعاتها، وواجباتها وحقوقها، تنسيقًا طبيعيًا شاملًا مريحًا. . وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج اللَّه الهادي، وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج "رجعية"! ويحسونه مجرد حنين
_________________
(١) = الثاني، وهي مشتقة من اسم المركيز الفرنسي في ساد الذي كتب مطولًا في هذا الموضوع وارتكب العديد من جرائم الجنس ويقابل السادية المازوكية. انظر: موسوعة علم النفس: ص ١٣٦.
(٢) أصول الدافع الجنسي: ص ٢٥٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٦٠.
[ ٢ / ١٤٧٢ ]
إلى فترة زاهية من فترات التاريخ. . وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يُمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة، كما يقود خطاها إلى النمو والرقي، ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو، إننا نرى واقع البشرية النكد، ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه، ونرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاح تلوح للمكدوديين في هجير الصحراء المحرق، والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع، ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان، ولكل معنى من معاني الإنسان!) (^١).
أمَّا أوعية التلقي المادي من أبناء البلاد الإسلامي من علمانيين وحداثيين ووجوديين وغيرهم، فإنهم يأبون إلّا أن يكونوا نسخًا مكرورة للأرجاس الوثنية المادية المعاصرة، وصورًا منسوخة عن الانحرافات الضلالية الحديثة، فها هو أحدهم في كتابه "بحثًا عن الحداثة" يقول: (في الخرافة يتجلى ثاني أساسيات الثقافة العربية بوصفه تفسيرًا للفاعلية وتعليقًا لها على وجود آخر غير منظور، وتنتشر تمثلات الخرافة تحت شتى المسميات، فهي القدر مرة، وهي الشيطان أو الكائنات الأسطورية مرة أخرى. . .) (^٢).
وليس جديدًا أن تصبح الدعاوى الإلحادية الكفرية حقًا وحقيقة عند أصحابها، وتصبح الحقائق اليقينية خرافة ووهمًا، فقد دأب على ذلك جميع الجاهليين القدماء والمحدثين ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ (^٣).
ومن هذا التكذيب زعمهم أن الغيب خرافة والقدر خرافة، وهم لم يحيطوا بعلم ما كذبوا به بل هم في غاية الجهل والتجاهل، مع تطاول وتعالم وادعاء بأنهم أصحاب العقول والنظر والمنطق، ولا جرم أنهم أبعد
_________________
(١) في ظلال القرآن ١/ ٤٤٠ - ٤٤١.
(٢) بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص ٦٦.
(٣) الآية ٣٩ من سورة يونس.
[ ٢ / ١٤٧٣ ]
الناس عن هذا، وأشدهم تنكبًا لطريق العلم واليقين والبرهان، انظر قول الباطني "أدونيس":
(القدر اهتز على البحار
وانكسرت خواتم الخرافة
وها هي الأغوار
فاترك لنا أن نزرع الشطآن بالمحار
أن نرسي الفلك على صنيّن
واترك لنا أن نصعق التنين
يا سيد الخرافة) (^١).
فهو يصف كيف أن القدر أصبح عند الغربيين -ورمزهم البحار- خرافة، ثم يشيد بذلك زاعمًا أن هذه الضلالة أو صلتهم إلى الأغوار والفهم العميق، ويتمنى أن يسلك سبيلهم ليزرع الشطآن وسائر البلدان بهذه الفكرة الغربية القائمة على كسر خرافة القدر -كما يزعم- ثم ينادي بقتل التنين والخرافة، وهما رمزان للتخلف يقصد بهما الدين وقضاياه، ومنها القدر.
وهكذا ينتحب الإلحاد في صورة شوهاء واستلقاء فكري انثوي!!.
أين هؤلاء عن أقوال الغربيين الذين اكتشفوا هزال حياتهم وشتاتها وفسادها وتناقضها وانحدارها؟ وهم كثير، بعضهم استطاع أن يصف الداء ويشخص المرض ويطنب في توصيف ذلك، وبعضهم اهتدى للدواء الشافي من هذه العلل، ومنهم - على سبيل المثال "ركس انجرام (^٢) " الذي قال بعد
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٩٦.
(٢) ركس انجرام، ولد في اسكتلندا في أواخر القرن الماضي وشارك في الحرب العالمية الأولى، ثم رحل إلى العديد من بلاد الشرق ودرس لغاتها وأديانها، وانتهى به المطاف مصورًا سينمائيًا في هوليود، ثم اعتنق الإسلام بعد أن وجد ضالته المنشودة. انظر: كتاب قالوا عن الإسلام: ص ١٥٤.
[ ٢ / ١٤٧٤ ]
أن هداه اللَّه للإسلام: (إني أعتقد أن الإسلام هو الدين الذي يدخل السلام والسكينة إلى النفس ويلهم العزاء وراحة البال والسلوى في هذه الحياة، وقد تسرب روح الإسلام إلى نفسي فشعرت بنعمة الإيمان بالقضاء الإلهي وعدم المبالاة بالمؤثرات المادية من لذة وألم، لقد درست الدين الإسلامي مدة سنين ولم أتخذه دينًا إلّا بعد بحث قلبي عميق، وتحليل نفسي طويل، لم أغير ديني إلّا لكي أجد الراحة من ضجيج الحياة الجنوني، ولأنعم بالسكينة في ظلال الهدوء والتأمل بعيدًا عن متاعب الهموم والمحن التي يسببها التكالب على الكسب والتهالك على المال الذي أصبح اليوم معبود البشر وإلههم، ولأخلص نفسي من براثن الأغراء وخدع الحياة الباطلة، والشراب والمخدرات، وجنون فرقة الجاز، أسلمت لكي أنقذ ذهني وعقلي وحياتي من الهدم والتدمير) (^١).
ومنهم "دونالدر كويل (^٢) " القائل: (لقد جذبني إلى الإسلام عوامل كثيرة لا أستطيع حصرها أو الوقوف عليها جميعًا؛ لأن منها الظاهر الجلي الذي لا يماري فيه إنسان، وجمنها الباطن الخفي الذي يغوص في أعماق الروح ويكمن في خبايا الضمير، لقد قرأت عن الإسلام وقرأت عن القرآن وشيئًا يسيرًا من سيرة محمد بن عبد اللَّه ﵊ فلفت نظري الشيء الكثير، لفت نظري بساطة العقيدة الإسلامية وسهولتها، فليست هناك أسرار ولا ألغاز تؤمن بها ولا تناقشها، بل مرد الإيمان إلى العقل والنظر في ملكوت اللَّه، وما في الكون من نظام بديع يهدي ضرورة إلى وجود إله متصرف له الخلق والأمر) (^٣).
_________________
(١) قالوا عن الإسلام لعماد الدين خليل: ص ١٥٤ - ١٥٥ وقد نقل ذلك من كتاب رجال ونساء أسلموا ١/ ٣٢.
(٢) دونالدركويل: أمريكي من مواليد يتلورفيل، تلقى تعليمه في مدرسة سيرنج فيلد العليا بواشنطن ثم أتم دراساته في جامعات واشنطن وكولومبيا حيث نال جوائز علمية كثيرة وهو شاعر وناقد أدبي صحفي، اعتنق الإسلام بعد طول بحث وتأمل. انظر: قالوا عن الإسلام: ص ١٨٢، ورجال ونساء أسلموا ٧/ ٩.
(٣) رجال ونساء أسلموا ٧/ ٩ - ١٠.
[ ٢ / ١٤٧٥ ]
وإذا كان أدونيس وأمثاله من أجهزة الاستقبال الحداثي العلماني المادي؛ يرون أن الفهم الأعمق للحياة هو باطراح الإيمان ونفي القضاء والقدر وجعل القيم الدينية مجرد خرافة؛ يرون ذلك ويعتقدونه رضوخًا للفلسفة المادية التي اعتنقوها، وإرضاء لمعلميهم من أساتذة وفلاسفة الغرب.
إذا كانوا كذلك فإننا نجد من مفكري الغرب ومجربيه من يرى السقم والمرض والانهيار والتخلف في نسيج الحياة الغربية، ومن يرى أن حياة المسلمين البسطاء فيها من دواعي الطمأنينة والسعادة ما ليس في ثقافة وقيم الحياة الغربية.
يقول مؤلف كتاب "إنسانية الإنسان": (أصبحت المدن العصرية، بخاصة الحواضر الأميركية الضخمة كابوسًا مزعجًا لأنها تفشل باطراد في توفير محيط مرض للحاجات غير المتغيرة في طبيعية الإنسان البيولوجية، ولتطوره الثقافي. . .) (^١).
ويقول: (بحب اعتبار أكثر الناس في بلاد المدنية الغربية -وبخاصة أمريكا اليوم- من الجانحين لأنهم يتصرفون وكأنّما المقياس الوحيد لسلوكهم هو إرضاء رغباتهم ودوافعهم الغريزية الآتية دون النظر لعواقب ذلك. . .) (^٢).
وعندما يتحدث عن حرية الإنسان والإرادة الحرة يبين أنه لا توجد إرادة حرة طليقة بل لا بد من ضوابط تحديدية كونية وعضوية لا يُمكن للإنسان أن يخرج عنها، وهو لا يتحدث في هذا من فراغ بل هو أخصائي كبير في علم الحياة "البيولوجيا" وحاصل على جائزة نوبل في العلوم سنة ١٩٧٦ م/ ١٣٩٦ هـ.
ومع كونه يعتقد بخرافة "دارون" لكنه توصل إلى حقيقة وجود ضوابط تحديدية لا يُمكن للإنسان أن ينفك عنها، وهذه الضوابط التي يطلق عليها "التحديدية الجبرية" هي ما يُمكن أن يسمى في دين الإسلام "القضاء والقدر"
_________________
(١) إنسانية الإنسان لرينيه دوبو: ص ٢٤٨ تعريب نبيل الطويل.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٢٢.
[ ٢ / ١٤٧٦ ]
حيث لا يُمكن للإنسان أن يخرج من إطاره ونظامه وقانونه مهما فعل.
يقول المؤلف المشار إليه: (. . . والمواقف تجاه مشاكل الحياة التي تندرج تحت تعبير "إرادة حرة" و"تحيديدية جبرية" قد تظهر في المستقبل أقل تعارضًا إذا اكتشف فيما بعد أن النشاطات الحياتية تضم فكرًا أكثر دقة وعمقًا مما يسيطر الآن على ميادين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. . . يظهر أن الحرية تنعدم وتغيب لأن كل نواحي السلوك متأثرة بعوامل تكوينية، إرثية، وتجريبية، وبيئية. . . على كل حال أن في حدود وإمكانات الحرية عناصر تحديدية كافية في القوى المحيطة، وفي الخصائص البيولوجية الموروثة والمكتسبة في بنية كل فرد. . . الإرادة الحرة لا تستطيع العمل إلّا حيث يوجد نوع ما من الإيمان والاقتناع، وتعتبر القيم غير قابلة للتغيير لأنه من المعتقد أنها جزء لا يتجزأ من الطبيعة الأخلاقية في الإنسان. . . والمعلومات العلمية وحدها لا تقدر على تحديد أو فرض قيم تتحكم بالسلوك ولكنها توفر حقائق يُمكن على أساسها الاختيار.
صحيح أن الاختيار يكون أكثر منطقية إذا بني على معلومات حقيقة وعلى تقدير للنتائج، إلّا أنه -أي الاختيار- يحتفظ دائمًا بعنصر شخصي؛ لأنه في النهاية يضم محاكمة تقييمية، وهذه أيضًا تشكل بدورها تعبيرًا آخر عن الاستقطاب: "الحرية"، "التحديدية الجبرية" وهي من أهم الخصائص المميزة في الحياة الإنسانية. . . أمَّا الإنسان فهو حر لأنه قادر على عدم ارتكاب الخطيئة وله الخيار في ذلك. . . والتعريف الميكانيكي لحياة الإنسان يخطيء الهدف؛ لأن ما هو إنساني في الإنسان هو نفسه بالتحديد "غير مكانيكي") (^١).
هذه الأقوال تدل في مجملها -على ما فيها من المآخذ- على أن الإنسان محكوم بقانون كوني لا يستطيع الخروج عنه مهما حاول أو تطاول.
أمَّا مؤلف كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" فقد أورد في آخر كتابه هذا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٦٤ - ١٦٨.
[ ٢ / ١٤٧٧ ]
قصصًا واقعية يروي أصحابها كيف قهروا القلق، ومن ضمن هذه القصص، قصة رحالة أوروبي عاش بين مجموعة من المسلمين في بادية أفريقيا الشمالية الغربية مدة سبعة أعوام، وألف مجموعة من الكتب منها كتاب بعنوان "رياح على الصحراء" وآخر عن النبي محمد -ﷺ- بعنوان "الرسول".
يقول هذا الرحالة: (في عام ١٩١٨ م وليت ظهري العالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر أفريقيا الشمالية الغربية حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغنامًا وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام، حتى أنني ألفت كتابًا عن محمد -ﷺ- عنوانه "الرسول" وقد كانت تلك الأعوام أمتع سني حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان والرضا بالحياة.
وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق، فهم بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذًا سهلًا هنيًا، فهم لا يتعجلون أمرًا، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقًا على أمر، إنهم يؤمنون بأن "ما قدر يكون" وأن الفرد منهم "لن يصيبه إلّا ما كتب اللَّه له" وليس معنى هذا أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلا!.
ودعني أضرب لك مثالًا لما أعنيه: هبت ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي "الرون" في فرنسا وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي يتزعزع من منابته لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقًا فقد هزوا أكتافهم وقالوا كلمتهم المأثورة "قضاء مكتوب".
لكنهم ما أن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتهم، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء دون أن تبدو من
[ ٢ / ١٤٧٨ ]
أحدهم شكوى، قال رئيس القبيلة الشيخ: "لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شيء، ولكن حمدًا للَّه وشكرًا فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد".
وثمة حادثة أخرى: فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يومًا فانفجر أحد الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار احتياطي، وتولاني الغضب، وانتابني القلق والهم، وسألت صحبي من الأعراب "ماذا عسى أن تفعل؟ " فذكروني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلًا، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق، ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاث إطارات ليس إلّا، لكنها ما لبثت أن كفت عن السير، وعلمت أن البنزين قد نفذ، وهنالك أيضًا لم تثر ثائرة أحد من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوءهم، بل مضوا يذرعون الطريق سيرًا على الأقدام وهم يترنمون بالغناء!.
قد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرحل، أن الملتاثين ومرض النفوس والسكريين، الذين تحفل بهم أمريكا وأوروبا، ما هم إلّا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساسًا لها.
إنني لم أعان شيئًا من القلق قط، وأنا أعيش في الصحراء بل هنالك في جنة اللَّه، وجدت السكينة والقناعة والرضا، وكثيرون من الناس يهزأون بالجبرية التي يؤمن بها الأعراب ويسخرون من امتثالهم للقضاء والقدر، ولكن من يدري؟، فلعل الأعراب أصابوا كبد الحقيقة، فإني إذ أعود بذاكرتي إلى الوراء، وأستعرض حياتي، أرى جليًا أنها كانت تتشكل في فترات متباعدة تبعًا لحوادث تطرأ عليها، ولم تكن قط في الحسبان أو مما أستطيع له دفعًا، والعرب يطلقون على هذا اللون من الحوادث اسم "قدر" أو "قسمة" أو "قضاء اللَّه" وسمه أنت ما شئت.
وخلاصة القول: إنني بعد انقضاء سبعة عشر عامًا على مغادرتي الصحراء، ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء اللَّه، فأقابل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة، ولقد أفلحت هذه الطباع
[ ٢ / ١٤٧٩ ]
التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير) (^١).
فإذا كانت نفحة من نفحات الإيمان بالقضاء فعلت بهذا الرجل ما فعلت على الرغم من الشوب الموجود في كلامه مثل تسمية القدر "جبرًا"، فكيف لو ضارع هذا إيمان باللَّه تعالى؟.
والمقصود من كل هذه الإيرادات أن هناك من الغربيين من عرف بتجربته العلمية أو العملية أن القضاء والقدر حقيقة وليس خرافة كما يقول مقلدة المذهب الإلحادي من العرب، ولست في إيرادي هذه الأقوال أريد إثبات حقيقة قاطعة يقينية، بقدر ما أريد أن أبين أن أتباع المذهب الإلحادي في غمرة انغماسهم في تقليد الماديين الملحدين الغربيين عموا وصموا عن رؤية وسماع أقوال أخرى وتجارب أخرى هي أقرب في لهجتها وطرحها إلى الصدق والتجرد والموضوعية.
ومن هذا المنطلق تبدو لنا إحدى مشكلات الحداثة العربية المعتمدة في تقليدها على نظرة آحادية جامدة مصوبة نحو فلاسفة وأساتذة المادية والإلحاد، مغفلة بجهل أو تجاهل أي أقوال أخرى، بل بلغ ببعضهم التطرف الإلحادي أن اعتبر مقولات بعض الغربيين الذين أسلموا أو الذين امتدحوا بعض عقائد الإسلام؛ اعتبروها تخلفًا ورجعية وانتكاسة، وقد مرت معنا بعض أقوال محمد أركون، التي انتقد فيها موريس بوكاي في دراسته للكتب السماوية وترجيحه وتقديمه للقرآن على ما سواه، وأقوال الطيب تزيني عن رجاء جارودي، حيث ألف كتابًا عنه يناقش فيه إعلانه الدخول في الإسلام الذي عده "ردّة"!!.
ومن الأقوال الشنيعة قول النصراني أنسي الحاج الحداثي الملحد:
(يا اللَّه، أتحب حجتك للإنسان أكثر أم حكمتك؟
_________________
(١) دع القلق وابدأ الحياة لديل كارنيجي: ص ٢٩٠ - ٢٩٢ تعريب عبد المنعم محمد الزيادي، وهذه التجربة نقلها كارنيجي عن ر. ن. س. يودلي.
[ ٢ / ١٤٨٠ ]
هل أنت أسير حكمتك، قضائك وقدرك؟
ولا يكسر طوقهما، ولايحرر منهما، إلّا المعجزة إجباري
إياك بالصلاة أو بتحريكي شعورك بالذنب
أو بأي شيء آخر، على اجتراح المعجزة؟
المعجزة هي منك أم ضدك؟ من أنت يا اللَّه!؟) (^١).
ويقول أيضًا: (المعجزة، التي هي ترجمة للقوة الخارقة للمشيئة الإلهية، هي في الوقت ذاته دليل إلى ألوهية الإنسان) (^٢).
سبحان اللَّه وتعالى وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
وفي مناقشة غبية سخيفة أجراها العلماني الملحد، الحداثي اللبناني "عادل ظاهر" في ندوة الإسلام والحداثة، عن الإسلام والعلمانية حيث تكلم عن الإسلام بجهل فاضح وتحامل واضح، وعن العلمانية بتقديس وتأليه، مما يؤكد أن العلمانية أضحت وثنًا يعبد من دون اللَّه تعالى، وثنًا اعتباريًا يتمثل في منهج طاغوتي يُتَّبع ويخضع له في ذلة وانكسار.
ومن أقوال هذا المتردي قوله: (. . . إن إصرار منظري الصحوة على جعل السياسة بعدًا جوهريًا من أبعاد الإسلام هو بمثابة إصرار من قبلهم على أن الأحداث التي رافقت نشأة الإسلام ما كانت لتجري إلّا كما جرت عليه، ولم يكن حتى اللَّه يملك في أن يغير في مجراها. . .) (^٣).
أمَّا كون السياسة من الإسلام فهذا حق أصيل، وحقيقة ثابتة وإن رغصت آناف كل العلمانيين والماديين الذين لا يستطيعون مهما حاولوا أن يجعلوا الإسلام كهنوتًا كما فعل أساتذتهم الغربيون!!.
أمَّا إصرار السلف على أن الأحداث ما كانت لتجري إلّا كما جرت
_________________
(١) مجلة الناقد، عدد ١٨ كانون الأول ١٩٨٩ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٨ - ٩.
(٢) خواتم: ص ٦١.
(٣) الإسلام والحداثة: ص ٧٨ - ٧٩.
[ ٢ / ١٤٨١ ]
عليه، فهذه عقيدة كل مسلم يؤمن باللَّه تعالى من السلف والخلف كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (^١).
ووصف العلماني الجاهل هذه العقيدة بأنها إصرار من قبلنا يدل على مقدار الجهالة بالإسلام وعقائده وتاريخه وواقعه، كما يدل على أنه يجحد قدر اللَّه تعالى وقدرته على إجراء الأحداث والوقائع وفق مشيئته -جلَّ وعلا-.
أمَّا وصفه للسلف بأنهم مع عقيدتهم في القدر يرون بأن اللَّه لا يملك أن يغير مجرى الأحداث، فهذا كذب وافتراء على عقيدة السلف وأتباعهم إلى يوم القيامة، ويكفي في الدلالة على عمق الجهالة والاستخفاف بعقول الناس والكذب الصريح، ما في هذا النص من مغالطات وأكاذيب تدل بجلاء على نوعية الخصومة التي يرفع الحداثيون والعلمانيون لواءها ضد الإسلام وأهله.
ولو أني بليت بهاشمي … خؤولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقى … ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني (^٢)!!
فلا عقول يُمكن مناظرتها، ولا احترام للحقيقة يُمكن الاستمساك بها، إضافة إلى الكذب العلمي والافتراء الفكري على أقوال المناوئين!!.
وعلى غرار أسئلة أنسي الحاج الشكية الإلحادية التي سبق آنفًا نقلها، نجد صلاح عبد الصبور يطرح أسئلة على لسان أحد شخصيات مسرحية "الحلاج" حيث يقول:
(يا حلاج
الشر قديم الكون
_________________
(١) الآية ٢٢ من سورة الحديد.
(٢) البيتان قائلهما دعبل الخزاعي، وقيل: زياد بن عبيد اللَّه الحارثي. انظر: ديوان دعبل: ص ١٥٧، والكامل للمبرد ٢/ ٩٨٠، وأخبار أبي تمام للصولي: ص ٣٩.
[ ٢ / ١٤٨٢ ]
الشر أريد بمن في الكون
كيف يعرف ربي من ينجو ممن يتردى؟) (^١).
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (^٢).
ويصوغ صلاح عبد الصبور نفيه للقضاء والقدر في صيغةٍ تمريضية "قيل لكم" وأخرى تشكيكية "فيما رواه الناس"، وذلك في قوله:
(وقيل لكم:
بأن حياتكم جسر، وأن بقاءكم مسطور
خطى تخطى بميقات إلى دار ببابين
نطوف بها كومض شعاعة العين
وأن العاقل المبرور من يحيا بلا زاد
ليجمع زاد رحلته
لأن وراء هذه الدار فيما قد رواه الناس
شطوطًا طاميات موجها ديجور) (^٣).
ثم يواصل في وصف المعاد بالصورة التشكيكية الموصلة إلى النفي المحض، ولكنه لم يكتف بذلك بل أعقب هذا الهراء بقول يؤكد فيه أنه يرى القدر والمعاد زيفًا وقولًا ساقطًا اعتلى مكانة بين الناس بسبب الترديد، فيقول:
(أقول لكم بأن الزيف قد يقتات بالفطنة
وسقط القول قد يعلو بأجنحة من الترديد) (^٤).
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٤٧٤.
(٢) الآية ٧٠ من سورة الحج.
(٣) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ١٦٧.
(٤) المصدر السابق: ص ١٦٨.
[ ٢ / ١٤٨٣ ]
ولنزار قباني خوض واسع في المستنقع الآسن "نفي القدر" ومن ذلك قوله:
(أنا رجل بلا قدر
فكوني. . أنت لي قدري
وأبقيني على نهديك
مثل النقش في الحجر) (^١).
وهذا بعض كبره واستكباره الدنيء البذيء على اللَّه مالك الملك، ونحوه قوله:
(مشيئة الأقدار لا تردني
أنا الذي أغير الأقدار) (^٢).
ومراده نفي القدر وأنه لا يخضع لسلطانه، بل هو الذي يغير القدر، ويقال لهذا الصغير المتطاول: إذا جاءك الموت فلا تقبل به وردّه إن استطعت!!.
أمَّا تعبيره بمشيئة الأقدار فسوف تأتي مناقشة ذلك في هذا الفصل عند الكلام على أن الأقدار لا تضاف إليها الصفات والأفعال الاختيارية، وهذا القول من الجهل الفاضح باللغة والمعاني، ودلالاتها، ومثله في نفي القدر مع إضافة المشيئة له مع نفي مشيئة اللَّه القادر العليم، قول الشيوعي الفلسطيني سميح القاسم:
(ومشيئة الرحمن والأقدار
بعض من نفايات القرون!) (^٣).
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ١/ ٦٥٤.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٢٩.
(٣) ديوان سميح القاسم: ص ٣٢٣.
[ ٢ / ١٤٨٤ ]
وتاللَّه إن العقيدة الحداثية والفكرة الماركسية هي التي من نفايات القرون، إذ أنها في جوهرها امتداد لأقوال الكفار والمشركين الأوائل.
وليس هذا فحسب بل هذه العقائد الجاهلية المعاصرة جزء من نفايات هذا العصر، وحسبك ما وصلت إليه الشيوعية من اضمحلال وانتهاء، بعد تفتت دولة الإلحاد "الاتحاد السوفيتي" وتحطم المنجل والمطرقة التي سجد لوثنيتها سميح القاسم وأمثاله من الماركسيين العرب!!.
ومن أقواله الجاحدة للقضاء والقدر، وعلى طريقة صلاح عبد الصبور المشار إليها آنفًا، قوله:
(كنت طفلًا، آنذاك. .
علموني أن مجرى الأرض في كف السماء
علموني أنه سبحانه يحيى ويفني ما يشاء
علموني أن أطيع الأولياء
دون أن أسأل: من كانوا؟.
وماذا صنعوا للتعساء؟!
علموني الدجل والرقص على الحبل
وإذلال النساء
علموني السحر والإيمان بالأشباح
والرقية والتعزيم
والخوف إذا جاء المساء!
علموني ما يشاؤون، ولم يستنبئوني ما أشاء
فرس الخضر. . كفيل بي
وحسبي الفقهاء!!
[ ٢ / ١٤٨٥ ]
يا أبي المهزوم. . يا أمي الذليلة!
إنني أقذف للشيطان، ما أورثتماني
من تعاليم القبيلة!
إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية
إنني اجتثها من جذرها
تلك المراسيم الغبية
إنني أبصق أحقادي وعاري
في وجوه الأولياء الصالحين
إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري
للتكايا والدراويش
وأقزام الكراسي النابحين!
إنني أصرخ من قعر جحيمي:
يا وحلًا لصقت في نعل تاريخي العظيم
إنني أحكم بالموت عليك) (^١).
وهذا السباب والشتائم العلمانية دليل على مقدار المخزون التربوي الذي يتمتع به هؤلاء!، ولست بصدد الرد على هذه الألفاظ السوقية الرخيصة، ولكني أريد أن أقول للمغفلين أو المستغفلين من أبناء المسلمين هذا نموذج للحداثة العربية، في العقيدة والهوية والأدب!.
أليس من العار عليكم إن كنتم تؤمنون باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا أن تدافعوا عن هؤلاء أو تغضوا الطرف عنهم أو عن تلامذتهم الذين سودوا الصحف والمجلات في الثناء والإشادة والدعاية لهؤلاء الملاحدة؟!.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
[ ٢ / ١٤٨٦ ]
فإن لَمْ تندفع في أعراقكم الحمية للإسلام فلا أقل من أن تسكتوا عن الدفاع والمدح، أما أن تدافعوا أو تحاولوا الجمع بين الأقوال وإمساك العصا من النصف، فهذا غير لائق بكم ولا بدينكم إن كنتم أهل دين وإيمان!.
ويقول الفيتوري:
(ولئن القدر السيد عبد يتأله
والنبوات مظله
والديانات تعله
هب من كل ضريح في بلادي
كل ميت مندثر
كل روح منكسر
ناقمًا على البشر
كل أعداء البشر
كافرًا بالسماء، والقضاء والقدر) (^١).
ويقول:
(إن الأجراس الوثنية
والأقدار الكهنوتية
أكلتها نار الحرية
ما أبقت منها غير دخان
فاكتب يا جبار الأحزان
اكتب عن فجر البشرية
_________________
(١) ديوان الفيتوري ١/ ١١٣.
[ ٢ / ١٤٨٧ ]
عن آخر أيام الطغيان) (^١).
ويقول عبد الرحمن منيف في مدن الملح: (. . . في هذه الحياة كل شيء قسمة، كل شيء صدفة، وعلى الإنسان الذكي ألا يفوت الفرصة) (^٢).
أمَّا رواية "ليلة القدر" للطاهر بن جلون فقد ملأها بما أسماه أحد المادحين له وللرواية في مجلة الناقد، بالانتهاك والانتقام من الماضي، على حد تعبير الناقد المادح (يمعن بن جلون في لعبة الانتهاك وكسر الممنوع والهذيان) (^٣)، (يكتب بن جلون ليلة القدر كي ينتقم من الماضي في استمراريته ومن الواقع المغلق) (^٤).
وقد حصل بن جلون بهذه الرواية على جائزة "غونكور" الفرنسية وهي أكبر جائزة أدبية تمنح في فرنسا (^٥)، وهذه الجائزة شهادة على مدى الانسجام الفكري والثقافي والاعتقادي مع مضامين الثقافة والقيم الفرنسية الفرنكفونية!!.
وهذه الرواية مليئة بالضلال الاعتقادي والفساد الخلقي؛ ولذلك استحق عليها هذه الجائزة ونالت اهتمام الملاحق الأدبية الحداثية، ومن هذه الضلالات في باب القدر، قوله: (لقد أبعدت الصدفة والقدر المرض عن الدار كان التيفود يختار جيراننا القريبين من بيتنا ويتلافى دارنا مواصلًا عمله المميت. . . وقد عملت فكرة إنجاب هذا الطفل، ولو أنهما مخالفة للمشيئة الإلهية على تغيير حياتي. . .) (^٦).
فهذا جحد صريح لمشيئة اللَّه النافذة، وإنكار للقدر وكفر باللَّه القادر العظيم، القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٦٧.
(٢) مدن الملح ٥ - بادية الظلمات ص ٧٢.
(٣) و(^٤) و(^٥) الناقد - العدد ٨ شباط ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ.
(٤) ليلة القدر: ص ١٩.
[ ٢ / ١٤٨٨ ]
فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (^١)، ولكن الإلحاد إذا غطى على العقول ودنس القلوب فإنها لا توقن بهذا ولا تؤمن به ولا تستجيب له ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ (^٢).
وأشد منه جحدًا وأظهر منه كفرًا وأبشع مضادة لدين الإسلام ما كتبه الملحد علاء حامد في روايته "مسافة في عقل رجل" وهو كلام كثير مكرور في غاية الهبوط والتخلف، ومنه قوله: (. . . هل الإنسان مسير. . أي ليست له إرادة في تسيير دفة أموره. . وأنه ليس سوى منفذ لقدره المكتوب. . فالإيماءة والابتسامة والغضبة والكلمة حتى تحريك الحاجبين لمغازلة امرأة فاتنة، كلها كتبت بمداد مجهول في صفحة مجهولة تسمى القدر، وبالتالي فإن محاولات الإنسان للتحضر والرقي لن تجد لها صدى سوى ما كتب بمداد هذا القدر المجهول، بالمعنى الشائع، "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" إن هذا الكلام مهما اكتسب من قدسية نتيجة تداوله، والإيمان به باعتباره إحدى القضايا الإلهية التي لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها، لهو أشبه بتلك الألغاز التهويمية من شياطين وجن أحمر وأسود وأخضر وإبليس ورقيب وعتيد وعوالم ما بعد الموت، لماذا؟.
أولًا: لأن القدر يعني أن الإنسان يسير في فلك أعمال وأقوال كتب عليه أن يفعلها، بل ونتائج حكم عليه بها، وهذا ببساطة شديدة أن كفاح الإنسان مهما عظم شأنه فهو مرتبط بنتيجة سبق رصدها، القدر لا تغيير فيها ولا تبديل. . .
ثانيًا: أن القدر يعني رفض علاقة السببية بين الفعل ونتيجته، فلا ارتباط بينهما بل انفصام كامل. . . فالنتجية لا تحدث بسبب الفعل، بل تخضع لمشيئة القدر، يحددها بالصورة التي يرتئيها، فسقوط المطر ليس سببه نظرية علمية، بل إرادة القدر والتي يكون من أحد حوافزها ابتهال الناس ودعواهم، وشروق الشمس وغروبها ليس منشأة دوران الأرض حول
_________________
(١) الآية ٨٢ من سورة يس.
(٢) الآية ١٨ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٤٨٩ ]
نفسها، بل في المقام الأول هو مشيئة القدر، فلو غير القدر تلك المشيئة لوجدنا الشمس تشرق في الغرب وتنام في الشرق، والموت صفحة مكتوبه لا تغيير فيها ولا تبديل، فمن أتى أجله يأتيه الموت ولو كان في بروج مشيدة من الصحة والعافية بلا أسباب ظاهرة أو خفية، يأتيه عزرائيل يحمحم حوله ويلف ويدور، ثم يطعنه هذا الملعون طعنة نجلاء، فإذا هو جثة هامدة ترفرف كالطير الذبيح فوق الأرض. . .
ثالثًا: أن تطبيق تلك القاعدة هكذا بلا ضوابط يعني في النهاية غيبة القانون الكامل الذي يحكم الكون، بمعنى أنه إذا كان للقدر اليد الطولى فلن يتم ذلك من خلال غيبيات غير مفهومة وبالتالي يصبح القدر رمزًا للنتائج التي لا تحكمها أسباب أو مسببات، فهي تأتي كما يشأ القدر وفي أي وقت يشأ، وتصبح هكذا رمزًا لفوضى ليس مكانها سطور قانون كامل استنبت في أرضه بذور المنطق. . وشجرة العقل بل تهويمات وخرافات.
رابعًا: اللَّه لا يتدخل في حياة كل فرد تدخلًا مباشرًا ليرسم له لوحة حياته بما فيها من ألوان باهتة وزاهية، وخطوط متعرجة ومستقيمة وظلال وضباب وأضواء، بل الأقرب إلى العقل القول أن الإنسان يجري ويلهث ويأثم ويبتسم ويغضب ويضرب في الأرض بلا هدى، ويصل بعقله للنظريات العلمية ويحرك السحب والمطر، كل هذا من خلال قانون كامل متكامل، هذا القانون ليس قدرًا، ولكنه قانون يحكم هذه الأكوان، هذا القانون لا يرسم لكل شخص حياته، ماذا يأكل، وماذا يشرب، ومن يعشق ومن يكره، لكنه قانون عام شامل له نظرياته العلمية والاقتصادية والإنسانية كل فرد تجرى شؤونه من خلال هذا القانون الذي لم يكتشف الإنسان بعد من فروعه سوى القدر اليسير، هذا القانون لا مكان فيه للحظ المطلق، ولا مجال فيه لتحديد عمر الإنسان إلّا إذا كان من خلال أحد قوانين العلم، مريض السرطان الذي يحدد الطب آفته ووقت وموته، هذا التحديد ليس ناتج القدر أو جنينه، بل سببه قوانين العلم التي أصبح في مكنتها تحديد نوع الجنين الذي كان يعتبر في وقت من الأوقات إحدى المعجزات التي لم يسر بها اللَّه لمخلوق!! ومن منطلق نقولات شائعة "لا يوجد دابة على الأرض إلَّا
[ ٢ / ١٤٩٠ ]
وعلى اللَّه رزقها" "ربك يفرجها" "تجري جري الوحوش وغير رزقك ما تحوش" "لن يصيبنا إلّا ما كتب لنا" "الأعمار بيد اللَّه" "اعقلها وتوكل" من هذا المنطق العاجز الكسيح بدأ بعض الناس يدمن الكسل أملًا في جنة أرضية تأتيه من حيث لا يدري. . .) (^١).
هذا النص الإلحادي المضطرب اضطراب عقلية صاحبه، واضطراب منهجه ومذهبه، يؤكد لكل مسلم المعنى العميق الشامل الدقيق لقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (^٢).
فالحق واضح، وأدلة القضاء والقدر من نظام الكون ومن أحداث الحياة ومن مجريات الأمور في هذه الدنيا أكثر من أن تحصى، ولكن العقول المنطمسة بالكفر والمادية تأبى كل هذه الأدلة، وتعارض بالباطل والجهل، وتخاصم بالكذب وتستعمل التهكم والسخرية ردءًا لها في المجادلة الباطلة التي يريدون بها ادحاض الحق ومغالبته، وهم حين يفعلون ذلك -كما في النص السابق- لا يبتغون الحق، ولا يطلبون الحقيقة، ولا ينشدون البرهان وليس لديهم الاستعداد للرضوخ للحق أو الحقيقة أو الدليل إذا اتضحت لهم -وهي متضحة جلية جلاء النهار- فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء، ولكنهم في غيهم يعمهون، وفي باطلهم يسرعون.
ومن كان هذا موقفه لا تجدي فيه البراهين ولا تنفع فيه الحجج مهما كان وضوحها وكثرتها، فقد تأصل العداء في قلوبهم، وانغرست البغضاء في عقولهم، واستولت عليهم الأوهام والجهالات استيلاء لا يسمح له برؤية ضلالهم وتناقضهم، وزيف ما هم عليه، كما لا يسمح لهم برؤية الحقائق البينة!!.
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ١٧١ - ١٧٣.
(٢) الآية ٥٦ من سورة الكهف.
[ ٢ / ١٤٩١ ]
وهذا النص الذي ذكر فيه علاء حامد عقيدته في القضاء والقدر، تلخيص لعقائد أهل الحداثة في هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، فهم في هذا الباطل مشتركون وهم بين مقل ومكثر.
وله أقوال أخرى تشابه هذا القول (^١)، يختمها بالسخرية ممن يحكم على أقواله السابقة بالإلحاد والكفر (^٢) كما هي عادة أضرابه من الحداثيين الذين يحاولون بإفكهم إبطال أحكام الإسلام كلها، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣).
وفي الكتاب التبجيلي المخصص عن الحداثي النصراني "خليل حاوي" الذي قتل نفسه لما ضاقت نفسه من الأحداث، ولم يكن في اعتقاده إيمان يعصمه من هذا الصنيع البائس، عقد مؤلف الكتاب فصلًا بعنوان "قصيدة البصّارة أو الثورة على الغيب والقدر" (^٤)، وأسهب في شرح مقاصد ومفردات قصيدة خليل حاوي التي سماها "البصّارة" أي الكاهنة أو قارئة الكف والرمل، ويبين أن خليل حاوي، تمرد في هذه القصيدة على قضية القضاء والقدر باعتبارها من الأساطير المكرسة في الشعب، حسب رأي الشاعر والناقد (^٥).
وفي كتاب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية يقول مؤلفه في المقدمة واصفًا عمله في هذا الكتاب: (. . . راعيت الاهتمام بالموروثات الروحية الأنزيمية الطقسية وما تقتضيه من ذهن غيبي أو جبري يفضي بدوره إلى آفات القدرية والسلفية، والاعتماد على البركة -وتوابعها- في مواجهة العلم التجريبي. . .
حجر زاوية هذا التراث العربي - الإسلامي - السامي، هو القدرية
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٢٢١، ٢٢٢، ٢٢٤.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٧٥.
(٣) الآية ٢١ من سورة يوسف.
(٤) مع خليل حاوي في مسيرة حياته وشعره لإيليا الحاوي: ص ٤٩١.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٤٩١ - ٤٩٥.
[ ٢ / ١٤٩٢ ]
ومترادفاتها من جبرية ودهرية ووعيدية، أي الإيمان المفرط في القدرية والوعيدية والدهرية) (^١).
فها نحن نرى هنا إنكار القدر والتهكم بالمؤمنين به، مع الخلط الكاذب بين عقيدة القدر التي يثبتها كل مؤمن باللَّه تعالى، وعقيدة الدهرية التي يعتقدها الملاحدة والماديون، وهذا يكفي في الدلالة على مقدرا عداوة القوم لعقيدة المسلمين، ومع العداوة كذب وسخرية وافتراء وهجاء وسب، وهذا ما سوف يأتي بيانه في الآتي من الكلام.