أولًا: حقائق رياضية أو طبيعية أو اجتماعية أو نفسية ثبتت صحتها بالتجربة الحسية أو البرهان العقلي.
_________________
(١) الآيات ٨٩ - ٩٤ من سورة الإسراء.
[ ٢ / ١٢١٢ ]
ثانيًا: نظريات علمية عن الطبيعة أو الإنسان فردًا وجماعة وهي ثلاثة أنواع:
أ- نوع نجح في تفسير كثير من الظواهر، ولم نجد ما يدل على بطلانه وإن كنا لا نقطع بصحته.
ب - نوع ما زال في طور التجربة.
جـ - نوع ثبت بطلانه.
ثالثًا: تقنية تكاد تشمل كل جوانب الحياة أدى إليها تطور العلوم الطبيعية والرياضية.
رابعًا: مهارات تقنية وإدارية مبنية على تلك العلوم.
خامسًا: تصورات دينية أو فلسفية للوجود، ومكانة الإنسان فيه، وللقيم الخلقية والجمالية، ولعلاقة الفرد بالمجتمع.
سادسًا: أدب وفن يعبر عن هذه التصورات.
سابعًا: أو ضاع سياسية واقتصادية وعلاقات اجتماعية وعادات وتقاليد تصوغها تلك التصورات) (^١).
هذه مكونات ما يسمى بالحضارة الغربية، والناظر في المناهج والفلسفات والعقائد السائدة في الغرب اليوم يجدها خليطًا من الأفكار والتصورات المتناقضة، ومزيجًا من الآراء والأهواء والنظريات المتضادة، وهي مع اتصافها بهذا الوصف تنضوي ضمن إطار أصولي تصوري شامل، بمثل معيار القبول والرفض والخير والشر والحق والباطل والحسن والقبح عندهم، بل ويمثل المحور الذي توضع فيها الحقائق العلمية وتفسّر على ضوئه، وتستنتج منه النتائج التي توافقه.
_________________
(١) أهواء العصر ومقتضيات العصر محاضرة ألقاها الدكتور جعفر شيخ إدريس على طلاب السنة التمهيدية للماجستير في كلية الشريعة في الرياض عام ١٤٠٢ هـ: ص ٤ - ٥.
[ ٢ / ١٢١٣ ]
وهذا الإطار الفكري الأصولي الغربي الشامل هو "الفكر المادي الإلحادي" وفحوى هذا الفكر هو:
(أ - أن الواقع الموضوعي يتكون في النهاية من لبنات مادية متناهية الصغر في حجمها متحركة في فراغ.
ب - أن كل ما في الوجود فهو إمّا هذه اللبنات، وإمّا أشياء مركبة منها، وإمّا علاقات بينها وما سوى ذلك فلا وجود حقيقي له.
جـ - أن طبيعة هذه المركبات سواء كانت أجسامًا جامدة أو كائنات حية، أو جماعات بشرية تفسرها في النهاية طبيعة اللبنات المكونة لها، هذا على الرأي السائد بين جمهرة المشتغلين بالعلوم الطبيعية، وهنالك رأي لكثير من فلاسفة العلوم يقول: إن المركبات تكتسب بحكم تركيبها طبيعة جديدة لا يُمكن ردها إلى الأجزاء المكونة.
د- أنه ينبغي لذلك أن نلتمس تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية والحيوية والفيزيائية في أسباب ضمن هذا الكون المادي، أي أن الكون المادي كون مكتفٍ بنفسه، غير محتاج إلى قوة خارجية تخلقه أو ترسم مساره أو تدبر أمره.
هـ- ولذلك فإن كل عبارة تنطوي على دعوى تخالف في ظاهرها هذا التصور فإمّا أن نحكم ببطلانها وإمّا أن نعيد تفسيرها، بحيث نجد لها مكانًا داخل هذا الإطار الإلحادي المادي.
و- وكل ظاهرة يدعى أنها خارقة لقوانين الطبيعة فهي إمّا كذب أو وهم لا أساس له.
ز- وكل تفسير للظواهر النفسية أو الاجتماعية. . . الخ بأسباب خارج هذا الإطار لا يعتبر تفسيرًا علميًا، أي أن التفسير العلمي هو بالضرورة تفسير إلحادي، حتى أن كلمة العلم أصبحت في العالم كله تقريبًا علمًا على هذا التصور الإلحادي للعلم) (^١).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥ - ٦.
[ ٢ / ١٢١٤ ]
هذه الفلسفة المادية الإلحادية هي التي تشكل النظرة الكلية للإنسان الغربي والتي من خلالها ينظر إلى الحقائق العلمية والأحداث والمبتكرات والمتغيرات، والأحوال النفسية والاجتماعية، والممارسات السياسية والقانونية والاقتصادية والتربوية.
ويُمكن تصنيف مثقفي الغرب إزاء هذه الفلسفة المادية المكونة لمجمل النظريات والفلسفات الغربية إلى عدة أقسام:
القسم الأول: الملاحدة الصرحاء الذين يأخذون هذه الفلسفة المادية أخذًا كاملًا، ويعلنون كفرهم باللَّه والنبوات والمعاد وبالدين كله جملة وتفصيلًا.
القسم الثاني: منهم من يقبل هذه الفلسفة المادية الإلحادية كمنهج علمي يتخذه إطارًا لفكره وفلسفته وقانونه ومجتمعه، وينتهجه إذا دخل معمله أو كتب أبحاثه، ويتخلى عنه إذا ذهب إلى كنيسته أو بيعته.
القسم الثالث: منهم من يقبله حقيقة ولكنه ينتمي إلى الدين اسمًا؛ لأنه يفسر كل المفاهيم الدينية تفسيرًا ماديًا لا يخرج عن هذا الإطار.
القسم الرابع: منهم من ينكر الفلسفة المادية وينتقدها، إمّا على أساس إلحادي آخر، وإمّا على أساس ديني ينتمي أصحابه إلى أديان شركية خرافية محرفة (^١).
أمّا بالنسبة لموقف المثقفين في العالم الإسلامي، الذين تأثروا بالغرب، فإننا نجد أنهم على قمسين:
القسم الأول: الملاحدة الذين يقولون بوجوب أخذ كل ما لدى الغرب، وخاصة هذا الإطار الفلسفي الإلحادي؛ لأنه يمثل -عندهم- أساسي التطور والتنوير والتقدم والحضارة، ويرون أن هذا التصور هو الذي يقتضيه العصر، والذي يعتبر متخلفًا عن عصره كل من لا يقول به.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٦ - ٧.
[ ٢ / ١٢١٥ ]
وعلى ذلك جميع المعتقدين بالشيوعية والوجودية، وعليه كل من أدونيس وأنسي الحاج والبياتي وتوفيق زياد وتوفيق صائغ وجبرا إبراهيم جبرا وجبران خليل جبران وخالدة سعيد وخليل حاوي وسعدي يوسف وسميح القاسم وحسين مروة والطاهر بن جلون والطيب تزيني وعلاء حامد وعادل ظاهر وعزيز العظمة وكاتب ياسين ولويس عوض ومحمد أركون ومعين بسيسو ومحمد بنيس وهاشم صالح ويوسف الخال (^١)، وغيرهم.
القسم الثاني: الذين ينتسبون إلى الإسلام صدقًا أو نفاقًا، ويحاولون تفسير الإسلام ضمن هذا الإطار الإلحادي المادي، ويتصورون الوجود ضمنه، وينتجون ويفكرون من خلاله، جاعلين منه أساسًا علميًا لقياس كل شيء عليه، ومحاكمة كل شيء إليه، ابتداءً من وجود اللَّه تعالى وألوهيته حتى النبوات والغيبيات والمعاد وسائر قضايا الاعتقاد، حتى التشريعات والنظم والمناهج، وهم في أحسن أحوالهم -حين نحسن بهم الظن- يريدون أن يبينوا أنه لا تعارض بين الإسلام وهذا الإطار الذي يسمونه المنهج العلمي، ولا بين الإسلام والحياة والمعاصرة، ولذلك فإنهم يعمدون إلى عسف قضايا الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا، لتصبح داخل هذا الإطار تحت شعارات التنوير ومسايرة الإسلام لظروف العصر، وهم في هذا يسلكون منهج كثير من المفكرين النصارى مشابهين لهم أو متشبهين بهم.
فنصوص الوحي لديهم ليست مصدرًا للمعرفة لاستنادها -عندهم- إلى أصل مجهول، وعند بعضهم هي مصدر ثانوي للمعرفة بعد أن يثبت المنهج الفيللوجي أو التاريخي أو اللغوي أو غيرها من المناهج أن هذا النص يُمكن قبوله، ثم يخضعونه بعد ذلك للمنهج الهرمونطيقي أي: التأويلي الاستبطاني، ليرى مدى ملاءمته، وإمكانية اعتماده مصدرًا "ثانويًا" للثقافة، ولبعض الممارسات الحياتية التي لا تعارض مبدأ العلمانية.
وهذا القسم نوعان: منهم من قبل هذا الإطار لا في مجال الثقافة
_________________
(١) سبقت الترجمة لهم جميعًا. انظر: ثبت الأسماء المترجم لها.
[ ٢ / ١٢١٦ ]
والفنون بل في مجال التشريع العملي وفي مجال العقيدة أيضًا، ومنهم من قبل لوازم هذا الإطار في مجال التشريع وإن لم يقبلها في مجال العقيدة أو ظل على الأقل ساكتًا عنها في هذا المجال.
وهذا القسم بنوعيه أخطر وأشد نكاية وأعظم ضررًا من القسم الأول، ذي العداوة السافرة المكشوفة؛ لأن هؤلاء عداوتهم للإسلام وأهله عداوة مستترة ملتبسة على كثير من الناس، وقدرتهم على نقل الإلحاد والكفر وتسويقه أوسع، وتلبيسهم على جماهير المسلمين أيسر.
ولذلك حذر اللَّه من هذا الصنف أشد التحذير، وفصل في ذكره وذكر أوصافه وأحواله أعظم التفصيل، ومن ذلك قوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
_________________
(١) الآيات ٨ - ١٦ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٢١٧ ]
وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ (^٣).
وهذا القسم المنتمي إلى الإسلام اسمًا، والذي يعيش بين ظهراني المسلمين، ويتسمى بأسمائهم وقد يمارس بعض شعائر الإسلام، أو يمتدح بعض التراث "وهم يعتبرون الإسلام كله تراثًا"، هم الأكثرون بين جمهور المنهزمين فكريًا، والتابعين هوية للغرب، وجمهرتهم في ثلاث فئات لها خطر: فئة الإداريين وفئة المثقفين وفئة الإعلاميين، ومن خلالهم جاس العدو في بلدان المسلمين يفعل الأفاعيل التي ما كان يقدر عليها لو كان يحكم بنفسه مباشرة.
ومن هذا القسم السياب وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل والمقالح وحجازي وأمين الخولي ومحمد خلف اللَّه وجابر عصفور وحسن حنفي ونصر أبو زيد وطه حسين والطهطاوي وعبد الرحمن منيف والفيتوري ومحمد عابد الجابري ونجيب محفوظ (^٤)، وغيرهم كثير.
وبعد فقد أوردت هذا التفصيل في أحوال هؤلاء لبيان وجه التمايز بينهم وبين بقية المسلمين في هذا الأصل، إذ يتلقى المسلم عن الرسل العلم
_________________
(١) الآيات ٦٠ - ٦٣ من سورة النساء.
(٢) الآيتان ٢٩ - ٣٠ من سورة محمد.
(٣) الآية ٤ من سورة المنافقون.
(٤) سبق تراجمهم. انظر: ثبت الأعلام المترجم لها.
[ ٢ / ١٢١٨ ]
والهدى ويعرف الحق عن طريق الوحي المعصوم، ويعتبر ذلك سبيل فلاحه في الدنيا والآخرة ومصدر معرفته ومعيار أحكامه وأقواله وأعماله.
أمّا الذين مسخوا من أبناء المسلمين فقد تجارت بهم الأهواء المادية تجاري الكَلَب بصاحبه حتى لم يذر عرقًا ولا مفصلًا إلا دخله، وهذه الأهواء هي الداء المبير، والشر المستطير، والفساد الكبير التي أحالت حياة هؤلاء إلى ما يشبه حياة القطيع الذي يسير وقد أعار عقله ولبه لغيره، وقد استحالت أعمالهم وكتاباتهم إلى وسائط لنقل عقائد وأفكار الآخرين كالذي يقوم على خشبة المسرح بأدوار التمثيل التي لقّنه وحفّظه المخرج.
ويحاولون مع ذلك صبغ أعمالهم المستقذرة المنبوذة الكريهة بأصباغ مخادعة كاذبة من دعاوى الدقة والاستيعاب والتمحيص والمهارة والحذق والذكاء والموضوعية، ثم يزداد الأمر بشاعة حين يزعم بعضهم مع اندراجه داخل ذلك الإطار الإلحادي إنه ما زال مسلمًا، ولا يحق لأحد نزع هذه الصفة عنه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ (^١).
وأمثال هؤلاء الحداثيين ممن نشأ في لسان أمته، وتعليم بلاده، حتى إذا بلغ عمر التنقل والرحلة ذهب إلى بلاد الغرب وتلقى مناهجهم وعقائدهم، حتى إذا استوى عوده وبلغ أشده أعادوه إلى بلاد المسلمين ليكون لأمته عدوًا وحزنًا، وأمدوه بما يحتاج من دعم مادي ومعنوي، فإذا هو قادر أو مُفترض أنه قادر تمام القدرة على منازلة الأمة في عقيدتها وشريعتها وأخلاقها وقيمها وتاريخها، ومؤهل أو مُفترض أنه مؤهل ليقود معركة بالنيابة عن أساتذته ضد أمته، مفارق كل المفارقة أو بعض المفارقة -وكلا الأمرين سواء- للعقيدة وأصولها والشريعة وأحكامها والأخلاق وضوابطها.
ولا يلبث غير زمن يسير حتى يصبح في وسائل الأعلام المثقف والمفكر والمنهجي والمؤرخ والاجتماعي، والمستشار في قضايا الأمة!!
_________________
(١) الآيتان ٢٣ - ٢٤ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ١٢١٩ ]
فيالها من فواقر عظيمة أصيبت بها الأمة في الصميم من خلال هؤلاء ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^١).
على ضوء كل ما سبق من وصف الإطار الفكرى الغربي والفلاسفة الغربيين، ثم تلامذتهم في المشرق، يتبين لنا أن موقفهم من النبوة والنبوات سيكون تابعًا لذلك الإطار ولأولئك الفلاسفة، في الأصول والتعريفات.
ومن ذلك الجحد الكامل للرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم.
وكلامهم في هذا الصدد متنوع ومتعدد، بيد أن من أوائل من فتح لهم هذا الباب هو طه حسين الذي اصطنع الشك بل استنسخ الشك من ديكارت، ليسلطه على الحقائق الدينية والتاريخية، بل حتى على بعض المسائل الاعتقادية كما هو الشأن في هذه القضية التي نحن بصددها، وذلك حين ادعى أن القرآن والتوراة لا يكفيان حين يتحدثان عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تتحدث عن هجرة إسماعيل إلى مكة، والنتيجة المترتبة على ذلك من انتساب العرب المستعربة إلى إسماعيل، وادعى أن هذه القصص منتحلة وضعها اليهود الذين يستوطنون شمالي البلاد العربية، وأن القرآن إنّما اصطنع هذه القصص احتيالًا لإثبات الصلة بين الإسلام واليهودية أو بين القرآن والتوراة والعرب واليهود (^٢).
وقد كتبت لجنة العلماء في مصر تقريرًا مفصلًا عن كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي ذكر فيه القول الشنيع عن إبراهيم وإسماعيل ﵉، وقد قررت اللجنة أن الكتاب (كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن
_________________
(١) الآية ٤ من سورة المنافقون.
(٢) انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٠٩٥، ونقد كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد فريد وجدي: ص ٧٦.
[ ٢ / ١٢٢٠ ]
عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم) (^١).
ويبنوا (أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من اللادينية التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت شعار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى واضطرب حبل الأمن؛ لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام.
والكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلًا يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولًا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلّا ليأتي عليها من أصولها وبخاصة الدين الإسلامي) (^٢).
وهذا الاستنتاج الذي وصلت إليه لجنة العلماء هو عين ما ذكرته آنفًا من دوران المفكرين المستغربين في داخل الإطار الإلحادي المادي.
وحتى لا يكون الكلام مجرد نقل عن الناقدين لطه حسين فإنه لابد أن نذكر قوله بنصه لتبيان حقيقة قوله الذي أصبح فاتحة شرّ لما هو أعظم من ذلك فيما بعد.
يقول طه حسين: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة) (^٣).
ثم يقول طه حسين: (نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى) (^٤).
_________________
(١) انظر نص التقرير في: كتاب تحت راية القرآن: ص ١٦٧ - ١٧٢.
(٢) في الشعر الجاهلي: ص ٢٦.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٦.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٧.
[ ٢ / ١٢٢١ ]
ثم يضيف: (وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح) (^١) إلى أن قال: (إذًا فليس ما يمنع قريش من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم كما قبلت روما أنها متصلة بإينياس بن بريام صاحب طراودة، أمر هذه القصة إذًا واضح، فهي حديثة العهد قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضًا، وإذا فيستطيع التاريخ والأدبي واللغوي الا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى) (^٢).
ولا شك أن هذه الأقوال تتضمن إلحادًا مكشوفًا ومعارضة صريحة للقرآن العظيم وكفرًا باللَّه وآياته ورسله، وتكذيب للنصوص القاطعة وللرسول -ﷺ- الذي أوحي إليه من ربه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (^٣)، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ (^٤).
ورد صريح لخبر اللَّه في القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ (^٥).
وهذا الذي قاله طه حسين عن القرآن هو عين الذي قاله المشركون في القرآن من قبل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ
_________________
(١) و(^٢) المصدر السابق: ص ٢٩.
(٢) الآية ١٢٧ من سورة البقرة.
(٣) الآيتان ٢٦، ٢٧ من سورة الحج.
(٤) الآيات ٣٥ - ٣٧ من سورة إبراهيم.
[ ٢ / ١٢٢٢ ]
آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (^١).
لقد كان طه حسين طليعة المجترئين على حرب الوحي والرسل والرسالات، وما زال يعد عند الحداثيين والعلمانيين صاحب طريقة يجب أن تطاع وأن تسلك، فها هو الحداثي عزيز العظمة يستشهد بكلام طه حسين، ويجعله منطلقًا لرفض وصاية أهواء الماضي، واعتبره برنامج عمل للفاعلية العقلانية التاريخية (^٢)، وقائد الريادة للممارسة الفكرية المستقلة عن الماضي، واعتبر أن الذين ردوا على طه حسين في تلك النصوص الكافرة يمارسون الردة ويعملون إلى إرجاع الأسطورة وإرجاع النص إلى مكانته المتعالية ورفض المساءلة، ثم ينتقد العظمة الذين أحجموا عن القيام بمثل ما قام به طه حسين (^٣).
ثم ختم مقاله بقوله: (إن عنوان الحداثة العلمانية فى يومنا هذا هتك أساطير البداية، ووعي التاريخ والتأسيس فيه ومن سياقه العالمي، وإعادة الوصل مع كونية طه حسين مع مواضع أخرى حيث تعطل الوصل بيننا وبين الترقي الثقافي والعقلي الكفيل بإعادة الاعتبار للشرط اللازم للرقي في معانيه الأعم) (^٤).
وهذا ما ترسخ فعلًا في مشروعات أهل الحداثة والعلمانية فقد وجدوا أن الإلتحاق بهذه المفاهيم هو أقرب الطرق لهدم الإسلام من خلال هدم أصوله ومصادره، ويثني النصراني المصري غالي شكري على كتاب صدر بعنوان "الكتابة السوداء" (^٥)، والذي قام أصحابه بنشر الفصل الذي تحدث فيه طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي عن إبراهيم وإسماعيل عليها الصلاة
_________________
(١) الآيتان ٤، ٥ من سورة الفرقان.
(٢) الإسلام والحداثة: ص ٢٦٩.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٧٠ - ٢٧١.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٧١.
(٥) الكتابة السوداء كتاب أصدرته مجموعة أصوات في مصر سنة ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
[ ٢ / ١٢٢٣ ]
والسلام كما في النص المنقول آنفًا ثم عقب على ذلك قائلًا: (إن نشر تراث الحداثة على هذا النحو إنّما يجدد نيران الشهوة في تغيير العالم بردم الهوة بين النخبة وبقية الناس) (^١).
وقد مرّ معنا في الفصل السابق كيف حاول أدونيس من خلال "تلمود الحداثة" كتاب "الثابت والمتحول" أن يرسخ مبدأ الإلحاد كأساس أولي لجحد الدين والتشكيك في الرسل والرسالات والتكذيب الصريح للوحي من خلال نقله نصوصًا لأشباهه السالفين الذين استخرجهم من قعر نجاسات التاريخ مثل ابن الراوندي والرازي الملحد وابن المقفع، ثم ليبني على هذه الأقوال مذهبه الإلحادي الذي يُعده ليكون أساسًا للحداثة العربية، ولا ينسى أن يربط مفاهم الإبداع والحداثة التي ينشدها بأوتار من رماد الإلحاد، وذلك حين يجعل مجيء الإسلام بداية للتخلف وذلك في سياق مقابلة اصطنعها على سبيل الادعاء بين التقدم والتخلف، جاعلًا من الإسلام وقضاياه وأدوات فهمه والتعبير عنه في قائمة التخلف وعكس ذلك في قائمة التقدم.
فقائمة التخلف عنده مستندة إلى نبوة النبي محمد -ﷺ- وأميته وأمية العرب والفطرة العربية والمشافهة، ثم يسرد على هذه الدعوى الكاذبة أوصافًا يعدها أساسًا للتخلف ويريد بها الإسلام ورسالة النبي محمد -ﷺ- القائمة حسب دعواه على: الخطابة والبداوة والأمية والفطرة والشفوية، والوضوح والإفهام والبيان والارتجال والتأثير والنفع والتحسين، ومطابقة الحق، والحق الثابت والواضح، والمضاهاة للسابق ومشابهته، وفصل اللفظ عن المعنى وجعل المعنى دينيًا أخلاقيًا، وفرض المعايير.
هذه عنده هي قائمة التخلف والرجعية، وأضدادها هي التقدم والتطور، وقد بدأ الصراع -حسب رأيه- بين الشفوية والكتابة والبداوة والحضارة والأمية والثقافة منذ أن بعث الرسول -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) الناقد - العدد ١٣ تموز ١٩٨٩ م: ص ٥٦ من مقال لغالي شكري بعنوان الحداثة بلا كهنوت.
(٢) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٣٦ - ١٣٧.
[ ٢ / ١٢٢٤ ]
وغني عن الإعادة أن هذه الأقوال المطلقة من أي دليل أو مستند، هي مجرد دعوى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يريد فرض مفاهيمه عن التقدم والتخلف كمسلمات وحقائق ثابتة لا نقاش حولها، ولذلك نجد الإمعات من أتباع الحداثة يأخذون هذه على بساط التسليم والمتابعة، رغم ادعائهم استخدام العقل والمنطق والدراسات الموضوعية!!.
وفي سياق تمرير أدونيس لعقائده من خلال شخصيات أخرى تشابه في المنزع والغاية يأتي بجبران خليل جبران فيجعل من دراساته مثلًا لـ "الثورة على الشريعة" (^١) و"الثورة على الأسباب العميقة التي تكمن وراءها" (^٢) و"الثورة على الماضي" (^٣) و"التحرر من التقاليد" (^٤).
ثم يورد مقطوعة من كلامه ليصل من خلالها إلى المقصد من كل هذه المقدمات قائلًا: (في هذه المقطوعة يسمي اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقة،. . . والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية لتحرره) (^٥).
وهذا القول منه ليس سوى تعبير جديد لمضمون قديم قاله أعداء الرسل والرسالات، كما أخبر اللَّه سبحانه في كتابه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ (^٦).
وليس معهم سوى مجرد الشتم والادعاء قديمًا وحديثًا، وفي سياق تشبث أدونيس بأي شاهد يساعده في تثبيت إلحاده وكفره بالرسل والرسالات
_________________
(١) و(^٢) و(^٣) و(^٤) و(^٥) المصدر السابق ٣/ ١٨٧.
(٢) الآيتان ٥٩، ٦٠ من سورة الأعراف.
[ ٢ / ١٢٢٥ ]
يلقى حباله على متن معروف الرصافي (^١)، ويجعل منه طليعة للحداثة كما جعل من جبران، وسبب هذا الاعتبار -كما هو ملاحظ- ارتكاس هذين في مفاهيم إلحادية ومجاهرتهما بما يناقض دين الإسلام، وفي هذا دلالة واضحة على أن الحداثة عند أدونيس مرتبطة بالكفر والإلحاد ومضادة الإسلام، فمن كان كذلك فهو حداثي مبدع ولو كان يكتب بالأسلوب القديم أو بما يسمونه الشعر العمودي، وكل من ليس كذلك فهو تراثي متخثر حتى ولو كتب بالأسلوب الحديث، وهذا برهان على أن الحداثة تعني عندهم الكفر أولًا والمضمون الإلحادي قبل أي شيء.
والناظر في حيثيات اعتبار أدونيس للرصافي مجددًا يجدها تتمحور حول إنكار الدين والوحي والنبوة وجحد الغيبيات ورفض مبدأ الثواب والعقاب وقضية العبادة من صلاة وصوم، ورفض التشريعات الإسلامية، وكذلك العادات والتقاليد الاجتماعية التي قامت على أساس وتصور ديني، ومحاربة الماضي وأمجاده، ورمي التاريخ بالكذب والتضليل، والدعوة إلى الحياة الراهنة والحرية والعلم ومنجزاته (^٢).
وهذه الحيثيات هي نفسها أصول وأسس الحداثة العربية، ولكل واحد من الحداثيين نصيبه من هذا الميراث الشيطاني قل ذلك أو كثر، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (^٣)، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).
_________________
(١) هو: معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي، شاعر العراق في عصره، ولد سنة ١٢٩٤ هـ وتوفي سنة ١٣٦٤ هـ، اشتغل بالتعليم، شجع ثورة رشيد عالي الكيلاني، وكان أيام العثمانيين نائبًا في مجلس المبعوثان، له مؤلفات ودواوين شعر، وقد اعتبره أدونيس طليعة الحداثيين، لإنكاره الدين والغيبيات ورفض الشريعة والمعاد وجحد الوحي والنبوة وغير ذلك من الضلالات التي نسبها إليه. انظر: الأعلام ٧/ ٢٦٨، والمرشد لتراجم الكتاب والأدباء ص ١١٧، والثابت والمتحول ٣/ ٦١ - ٧٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ٦٥ - ٦٧.
(٣) الآية ٣٠ من سورة الأعراف.
(٤) الآية ٢٧ من سورة الأعراف.
[ ٢ / ١٢٢٦ ]
يصف أدونيس مواقف الرصافي -وفي وصفه تعبير عن اعتقاده هو وموقفه من الدين- فيقول: (الأديان بالنسبة إليه ليست موحاة، وإنّما هي وضع قام به أشخاص أذكياء، وإذ ينكر الوحي ينكر بالضرورة النبوة، وينكر وجود الأنبياء والنتيجة الطبيعية لإنكار الدين، وحيًا ونبوة، هي إنكار التعاليم أو المعتقدات التي جاء بها) (^١).
ويلتفت أدونيس من الجحد الكامل للنبوة، إلى استخدام التدنيس والاستخفاف بابًا آخر للجحد والإنكار، وذلك حين يجعل نبوة محمد -ﷺ- بديلًا عن ثقافة الجاهليين المتمثلة في الشعر، أي أن النبوة حلت مكان الشعر وأزاحته ليس لأنها حق ووحي من اللَّه، ولكن لأنها "حدس معرفي" لا أقل ولا أكثر، يقول: (الشعر في الجاهلية فاعلية أولى في مستوى العمل والحلم والدين، أي في مستوى الطبيعة والغريزة، فهو حدس أساسي في المعرفة، بل هو الحدس الأكمل، غير أن النبوة في الإسلام هو الحدس الوحيد، والمعرفة كلها تصدر عن هذا الحدس، وهكذا حلت النبوة محل الشعر، وتراجع الشعر إلى مستوى الفاعلية الثانية) (^٢).
وإذا كان هذا تأصيله في تلمود الحداثة، فإنه يمارس ذلك أيضا فيما يطلق عليه "شعر الحداثة" وفي ذلك يقول كاذبًا على لسان آدم ﵊:
(وشوشني آدم
بغصة الآه
بالصمت بالأنَّه:
"لست أبا العالم
لم ألمح الجنة
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٦٥.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٢٣٥.
[ ٢ / ١٢٢٧ ]
خذني إلى اللَّه") (^١).
كذب على النبي، وجحد لخلق اللَّه للناس، وإقرار ضمني بنظرية دارون، وفي موضع آخر يعلن جحده للَّه تعالى للأنبياء بتعبير آخر حيث يقول:
(دماء، لا عاصمٌ، والنبيون ماتوا) (^٢).
وفي تلاعب آخر بالألفاظ بجعل المعراج صعودًا نحو كوكب مجهول، وهذا يتضمن إنكار وجود اللَّه وتكذيب النبي -ﷺ- فيقول:
(تصعد نحو كوكب المجهول كالمعراج) (^٣).
وله مقطوعة طويلة يتحدث فيها عن الإسراء والمعراج باعتباره أسطورة وكذبًا، ويضيف إليها من أكاذيبه وسخرياته وعباراته الإلحادية الشيء الكثير (^٤).
وهو في كل ذلك يريد أن يقول بأن القضية كلها ليست سوى أسطورة وكذبًا، والرسالة المبنية على ذلك كذلك، وعندما يشرح مشروعاته المستهدفة خدمة الملة الحداثية يبين أنه يسعى إلى إزالة النبوة وآثارها وأصدائها والبلاد التي تتبع نهجها، فيقول:
(مثلما تنضج الأبجدية
لا لكي ألأم الجراح
لا لكي أبعث المومياء
بل لكي أبعث الفروق. . الدماء
نجمع الورد والغراب، لكي أقطع الجسور
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٤٠٩.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٧٤.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٩٦.
(٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٢٦ - ١٤٦.
[ ٢ / ١٢٢٨ ]
ولكي أغسل الوجوه الحزينة
بنزيف العصور
وكتبت المدينة
مثلما يذهب النبي إلى الموت، أعني بلادي
وبلادي الصدى والصدى والصدى) (^١).
أي أن النبي نهايته الموت والانقراض وكذلك هي نهاية البلاد التي تتبعه.
والمعنى بنفسه يكرره في موضع آخر قائلًا:
(ها غزال التاريخ يفتح احشائي، نهر العبيد
يهدر، لم يبق نبي إلّا تصعلك، لم يبق إله. . .
هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت
نفتح للشمس طريقًا غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك
للحالم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم) (^٢).
في هذا المقطع اختصار مهم لعقائد الحداثة ومشاريعها وآمالها، وفيه دلالة على أنها -ليست فقط- لا دين لها بل هي تتدين بهدم دين الإسلام ومناقضة وهدم أصوله ومحاربته بكل الوسائل الدنسة الخبيثة، إنها امتداد لا ريب فيه للجاهلية الأولى، ولكن بأسلوب حديث، ودليل هذا الامتداد دفاعه عن قوم ثمود الذين عارضوا نبيهم وكذبوه واستحبوا العمى على الهدى، يقول:
(شقاء
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٦٦.
[ ٢ / ١٢٢٩ ]
إن تتفتح، أو أن تكبر، أو أن تهجم نحو الضوء، وموت أن تبدع أو أن تحيا في أحوال ثمود
ولهذا، اعذر وجه ثمودٍ
أعني المجذوبين إليه
الطافين عليه
وأقول عليهم، باسم الملعونين الخلاقين من الشعراء:
ما أقسى أن نعرف أو أن نفهم كل الأشياء
ولهذا، لا يتركني رفضي) (^١).
إنه يصطنع مقارنة تبجيلية هجائية، يبجل الحداثة والكفر والرفض ويجعلها تفتحًا ونموًا وتنويرًا وإبداعًا وحياة ومعرفة لكل الأشياء، ويجعل الرسالة التي يشير إليها برفض قوم ثمود لها عكس ذلك كله، وهو في كل ذلك لم يتجاوز قدر سلفه فرعون القائل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ (^٢)، وليس في الادعاء دليل عقل أو تقدم، ولكن الكارثة أن تجد أن هذه المعاني الاتحادية تتسرب إلى قلوب المعجبين، فتتشربها وتقوم باستقاءتها كرة أخرى على صفحات ديوان أو كتاب أو صحيفة.
وكما تشبث بالراوندي والرازي الملحد وابن المقفع والرصافي في كتابه "الثابت والمتحول" فإنه يتشبث في ديوانه بأبي العلاء المعري فيقول: (كيف اقنع المعرة بأبي العلاء؟ سهول الفرات بالفرات؟ كيف أبدل الخوذة بالسنبلة؟.
"لابد من الجرأة لطرح أسئلة أخرى على النبي والمصحف" أقول وألمح غيمة تتقلد النار، أقول وألمح بشرًا يسيلون كالدمع) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢.
(٢) الآية ٥٢ من سورة الزخرف.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٣٠٢.
[ ٢ / ١٢٣٠ ]
الدعوة إلى الجرأة والشك وطرح أسئلة الريب والجحد والنقد والتجريح على النبوة والأنبياء والوحي والقرآن إستنادًا إلى شكوك أبي العلاء وأسئلته، مع امتداح لها ومناداة للسير على منوالها.
وقد زعم في بعض محاضراته بأن الوحي وهم، وأحصى ذلك عليه أحد النقاد الحداثيين واعتبر ذلك انتحالًا منه لفكرة قالها محمد أركون (^١)، فبئس التابع والمتبوع.
ويجيب عن سؤال وجه إليه عن النبوة والقرآن قائلًا: (ظاهرة النبوة بحد ذاتها عصرية، لكن المسألة هي في فهم هذه الظاهرة أنا شخصيًا ضد فهمها السائب في المجتمع العربي اليوم) (^٢).
والفهم الذي يريده هو الفهم الحداثي الإلحادي الذي يجعل النبوة مجرد وصف يستحقه من هب ودب من الحداثيين والعلمانيين والفلاسفة، وحتى المجانين والشواذ كما سوف يأتي.
ويواصل دعوته إلى اجتثاث الرسل والرسالات واقتلاع جذورها، ويضرب لذلك أمثلة نبينا محمد -ﷺ- ويحيى ويوسف عليهم الصلاة والسلام ويشير إلى عيسى ﵇ باسم أمه مريم ﵍، ويجعلهم جميعًا جذورًا للعوسج، الشجر الشوكي المر الذي لا فائدة منه، وينادي بضرب جذور العوسج، رامزًا بذلك إلى اقتلاع الدين والرسل ورسالاتهم، وتهيئة الجو والمكان والزمان للملة الإلحادية، التي يسعى حثيثًا في نشرها والدفاع عنها، فيقول:
(أحمد حنا يوسف مريم
قل للضارب جذر العوسج: أهلًا
قل للمأخوذ بقبضة هذا المعول: أهلًا
_________________
(١) انظر: أدونيس منتحلًا: ص ٣١.
(٢) أسئلة الشعر: ص ١٤١.
[ ٢ / ١٢٣١ ]
قل للفاتن والمفتون، وكل جمال: أهلًا) (^١).
ولا يقتصر على هؤلاء الأنبياء الكرام، بل يتعرض أيضًا لغيرهم، ومن ذلك جعله قصة سليمان وبلقيس والهدهد مجرد خرافة، ووصف سليمان ﵇ بأنه مجرد رجل شهواني (^٢)، ويتمادى في ضلاله حين يصف النبوات بأنها: (. . . خرافة تُرضع بنتها السماء) (^٣).
ويعلن عن ضجره لكون التاريخ المدون والمعاش في ارتباط دائم بميلاد النبي عيسى ﵊ أو هجرة النبي محمد -ﷺ-، ويطالب بكسر هذا النسيج، أي أنه يطالب بما لم يفعله الاتحاد السوفيتي الملحد، يطالب بتاريخ آخر غير مرتبط بالأنبياء بل مرتبط بالإلحاد والكفر، بالمجوس أو الوثنية اليونانية بأدونيس أو تموز أو عشتار، بأي شيء آخر غير الرسالات، يقول:
(هل انسللت في حشود كروية
مستطيلة مثلثة تتناوب رصد الأفلاك
قبل الميلاد قبل الهجرة
بعد الميلاد بعد الهجرة
سنوات تترادف وتروح في عباءات من وبر السلطان
مطابقان بشر وتأريخ أسوار تتداخل أو تتوازى، سحابة
واحدة وماء واحد
استطالات ترتد، ألن ينكسر مكوك هذا النسيج) (^٤).
ولماذا كل هذه العداوة؟ إنه يجيب على ذلك في مقطع آخر بقوله:
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ٣٤٥.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤٠١.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٠٢.
[ ٢ / ١٢٣٢ ]
(لا نبؤة
بل رصد لمساقط الرؤوس) (^١).
وفي مقطع آخر يطرح أسئلة شك وتكذيب فيقول:
(وقلت
كيف يسبح الحصى في اليدين
وينبع الماء من الأصابع؟) (^٢).
ويعتبر أن ما يجيء من السماء من وحي ورسالات مجرد جثث ميتة وآلهة مدعاة، وذلك قوله:
(وكواكب تقطر النجوم والتوابل
حيث السماء تمطر الجثث والآلهة) (^٣).
واعتباره النبوات جثثًا هو ما صرح به في الثابت والمتحول بعبارة أخرى حين زعم أن الوحي ضد العقل وأن الوحي ليس معرفة حقيقة (^٤)، وحين اعتبر أن مشكلة الحضارة الإسلامية القديمة هي في ثنائية التناقض بين الوحي والعقل والدين والفلسفة (^٥)، وحين اعتبر أن المنهج التجريبي إبطال للنبوة (^٦)، وحين أثنى على ابن الراوندي في جحده للنبوات وتهكمه بالشرع والرسول (^٧)، والمعجزات النبوية، وعلى الرازي الملحد في إعلائه شأن العقل -حسب زعمه- وإبطاله للنبوة (^٨)، في كلام طويل سبق نقل معظمه في الفصل السابق.
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٥٦٨.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٥٩٣.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٧٢٥.
(٤) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٢٦٢.
(٦) الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٧١.
(٧) المصدر السابق ٢/ ٧٤، ٧٥، ٧٦.
(٨) المصدر السابق ٢/ ٨١، ٨٢، ٨٣.
[ ٢ / ١٢٣٣ ]
أمّا إذا انتقلنا إلى غير أدونيس، ممن يعتبر عند بعض الدراسين من المعتدلين في الحداثة، وهو إحسان عباس!! فإننا نجد أنه تحدث في كتابه "اتجاهات الشعر العربي" عن الأسطورة في الشعر المعاصر وكيف استخدمها الشعراء، وضرب لذلك أمثلة عديدة، وجعل منها المسيح ويحيى عليهما الصلاة والسلام والخضر وأخبار الإسراء والمهدي المنتظر، كلها عدها من الأساطير (^١).
وسوف أعرض هنا نموذجًا للفكر الحداثي والمغالطة الحداثية والافتراء الجريء على الحقائق الثابتة، وهذا يعطينا تصورًا عن نوعية القوم الذين يريدون أن يهدموا دين الإسلام بسواعدهم الضعيفة وأفكارهم الكليلة، ويعطينا صورة عن الموضوعية المدعاة والعقلانية المزعومة، يقول أحدهم: (إن سمو التوحيد -كل توحيد- يتطلب برهانًا كما الوثنية؛ لأنها إنشاءات تقام على افتراضات) (^٢)، أي أن وحدانية اللَّه تعالى مجرد إنشاء بشري قائم على محض الافتراض.
وإذا نظرنا في تقسيم التدين فإنه لابد أن يكون إمّا توحيدًا كملة أهل الإسلام وإمّا وثنية كمن عداها، حتى ولو كان صاحبها يدعي الإلحاد وعدم الإيمان بشيء فإن ذلك في حد ذاته وثنية.
وبما أن القائل يعيش الوثنيات المعاصرة ويتلبس بمفهوماتها فهو لا يحتاج إلى برهان في وجودها ووجود أتباعها، إذن هو يتطلب برهانًا للتوحيد الذي يبدو أنه يجحده أو يشك فيه، وحيث أن الرجل فرنسي النزعة فسوف نأتيه بفرنسي يحدثه عن المصدر الذي يتضمن إثبات التوحيد وتأكيده.
يقول موريس بوكاي (^٣): (لقد فهمت بدراسة القرآن الكريم وذلك دون
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) رأيهم في الإسلام: ص ٢٢٤، والقول لعبد الوهاب المؤدب من المغرب العربي.
(٣) موريس بوكاي من علماء الطبيعة الفرنسيين، له أبحاث تجريبية عديدة، اطلع على القرآن فأذعن لما فيه من مطابقات دقيقة للمكتشفات الحديثة والحقائق العلمية، فألف كتابًا عن ثبوت القرآن، والشك والتحريف في التوراة والإنجيل، وألقى في ذلك عدة محاضرات.
[ ٢ / ١٢٣٤ ]
فكر مسبق وبموضوعية تامة باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات بذكر أنواعٍ كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراية الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث) (^١).
ومع قيام هذه الحقائق نجد المستغربين لا يعلمون ولا يشعرون أنهم لا يعلمون، فها هو الحداثي المشار إليه آنفًا، يقول: (وكان التوحيد قد اخترق الجزيرة العربية في صيغته اليهودية والمسيحية، فكان بعض اليهود والمسيحيين ينتظرون موسى آخر وربما وجدوه بشخص محمد، إذ كان رجل ثقافة واسعة وتفهّم كبير فشعر أن شعبه جاهز للانصاط (^٢) على أهبة الاستعداد للفتح، فخط التوحيد بلغة الضاد، وأقام وحدوية رمزية تتسم بطابع الآنية كحافز لانطلاقة العرب، وأن تتخذ تلك الوقائع، الأسطورة هالة لها، فالأمر طبيعي.
قلت: إن محمدًا كان رجل ثقافة، فلماذا ادعو أنه أمي، لا يقرأ ولا يكتب؟ أمن أجل إضفاء مصداقية أكبر وشرعية أعظم تزيد الرسالة نفاذًا في النفوس؟ فكل كلام علمي يتلفظ به أمي، لابد من أن يتجاوز قائله ليصبح مصدره إلهيًا) (^٣).
بالطبع لا يُمكن لقائل هذا القول أن يكون ممن يؤمن باللَّه ويصدق رسوله هذا أولًا، وثانيًا هذا القائل يكشف عن جهل فاضح، فهو يعد التوحيد دخل إلى جزيرة العرب عن طريق اليهود والنصارى، وهؤلاء مشركون ليسوا من الموحدين، أمّا نفيه أمية محمد -ﷺ- فهو -إضافة إلى
_________________
(١) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة في الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة: ص ١٣ لموريس بوكاي.
(٢) هكذا ولعل الصواب الانضباط.
(٣) رأيهم في الإسلام: ص ٢٢٥. والقول لعبد الوهاب المؤدب.
[ ٢ / ١٢٣٥ ]
مناقضته التامة للأخبار القطعية والأحداث التاريخية- قول قديم قاله الكفار من قبل ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (^١)، وهي دعوى كاذبة لا رصيد لها من الحقيقة، ولو افترضنا جدلًا أن النبي -ﷺ- كان مثقفًا ثقافة واسعة كما يقول هذا الضال لينفي الوحي والنبوة، فأي ثقافة كانت في عهده أو في من قبله تقول بأن الإنسان كلما صعد إلى السماء ضاق صدره واختنق؟، ومن الذي أخبره بأن لبن الأنعام يخرج من بين الفرث والدم؟، ومن الذي أخبره بأن الجزيرة العربية كانت مروجًا وأنهارًا؟ ومن الذي أخبره أن بين البحرين حاجزًا مائيًا؟، ومن الذي أخبره بأن الإنسان يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة؟، وغير ذلك من الأمور التي جاءت في الوحي، ما كان يعرفها هو ولا قومه ولا أي أمة من أمم الأرض، ولم تكتشف إلّا في هذه الأعصر المتأخرة بعد أبحاث طويلة وجهود متواصلة وتجارب عديدة.
أمّا السياب رائد الشعر الحديث كما يقولون فلم تكن ريادته في أنه قلد الإنجليز في شكل الشعر فحسب بل كانت ريادته أيضًا في أنه قلدهم في المضامين، ولم تكن ريادته عند أهل الحداثة لمجرد التجديد.
في الأساليب الشعرية بل لأنه تقحم في موارد الوثنيات ومراتع الضلالات، ومن أمثلة ذلك أنه عد وحي السماء أساطير بالية تجر القرون بمركبة من جنون ولظى وغبار السنين، يقول:
(أساطير، مثل المُدى القاسيات
تلاوينها من دم البائسين
فكم أومضت في عيون الطغاة
بما حملت من غبار السنين
يقولون وحي السماء
_________________
(١) الآية ٥ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ١٢٣٦ ]
فلو يسمع الأنبياء
لما قهقهت ظلمة الهاوية
بأسطورة بالية
تجر القرون
بمركبة من لظى، في جنون
لظى كالجنون!) (^١).
وفي قصيدة "المومس العمياء" التي يقولون فيها بأنها إعلان انفصاله عن الشيوعيين (^٢)، يتحدث عن مجموعة من البغايا يبحثن عن رجال، ثم يقول في استخفاف بالأنبياء وجحد لهم يعبر عنه بلفظ الاندحار:
(والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين
نصبًا يخلد عار آدم واندحار الأنبياء) (^٣).
وفي مقطع آخر يعلن عقيدته في الأنبياء وفي نبوة محمد -ﷺفيقول:
(كفرت بأمة الصحراء
ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكةٍ أو عند واديها) (^٤).
أمّا توفيق صايغ فإنه يحصر النبوة في قوله:
(أدركوا أن النبوة بلاغة قول) (^٥).
أمّا النصراني الآخر أنسي الحاج فإنه يعبر عن جحده للنبوات بقوله:
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٣٤.
(٢) انظر: مقدمة الديوان "م م".
(٣) المصدر السابق: ص ٥٢٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٦٤٢.
(٥) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٤٩.
[ ٢ / ١٢٣٧ ]
(صورة اللَّه في كتابات بعض الأنبياء هى صورة السلطان الذي كانوا يشتهون أن يكونوا) (^١).
أمّا الشيوعي سميح القاسم فإنه كتب مقطوعة إلحادية بعنوان "رسالة إلى اللَّه" (^٢) بدأها بعبارة نصرانية شهيرة: (سيد الكون أبانا) (^٣)، وفيها يجعل الأنبياء مجرد حكاية تداولها الناس ورددوها فيقول:
(أرضنا من عسل - يحكى - بها الأنهار - يحكى
من حليب
انجبت - يحكى - كبار الأنبياء
وعشقناها
ولكنها انتهينا في هوانا أشقياء
وحملنا كل آلام الصليب
يا أبانا كيف ترضى لنبيك البسطاء
دون ذنب - كل آلام الصليب!!
يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء
لن نصلي لك كي تمطر قمحًا
لن نداوي بالحجابات وبالرقية جرحًا
نحن أنجبنا على الحزن كبار الأنبياء
وخلقنا من أمانينا التي تكبر. . ربا) (^٤).
_________________
(١) خواتم: ص ٧٨.
(٢) و(^٣) ديوان سميح القاسم: ص ٦٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٥.
[ ٢ / ١٢٣٨ ]
وهي كلمات فجة تعبر عن العقيدة الشيوعية التي يعتنقها سميح القاسم ويرددها بغباء البلداء، نعم لقد اتخذ الشيوعية دينًا وفلاسفتها وقادتها طواغيت يعبدهم من دون اللَّه.
وله مقطوعة بعنوان "أبطال الراية" ملأها بالحديث عن موسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات اللَّه وسلامه، ويذكر بعض أعمالهم وعلاماتهم ومعجزاتهم في سياق جحد وإنكار وإبطال، على طريقة الملاحدة، وفيها يبدأ بجحد وجود اللَّه تعالى فيقول:
(واللَّه نحن نشاؤه بغرورنا
شيئًا له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا
فاهبط من الأبراج من شم القباب
إذا استثير لهيبك القديس من صوت الضمير
وشقيت في ما يحمل الإنسان عن عبء العذاب
فالمس جراح الأرض في رفق
ودثر عريها الدامي بأسمال التراب
حطم وصاياك الشقية
واسجد مع الكفار للعجل الغبي فللسدى
تعطو امانيك الغبية
ألواحك الأجر تفري النمل والديدان
والأبريز في العجل المدلل يخطف الأبصار) (^١).
ثم يتحدث عن عيسى ﵇ بعقيدة نصرانية ثم إلحادية فيقول:
(شرف الأقانيم الثلاثة والصليب
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣١٨.
[ ٢ / ١٢٣٩ ]
شرف الدماء الزاكيات النازفات من الجراح
جراح هيكلك الخضيب
شرف الأحبوا بعضكم بعضًا
وهذا خبزكم جسدي وخمركمو دمي الجاري
وفي الناس المسره. . .
فارحم جراحك يا مسيح
ما عدت في الإنسان غير حكاية تحكى عن
الرب الجريح) (^١).
ثم يتحدث عن النبي محمد -ﷺ- قائلًا:
(حراء هل هجرت حمامتك الوديعة؟
هل جفتك العنكبوت؟. . .
عادت (منى) وأبو لهب
عادا فما تبت وتب!
والكعبة استخذت منابرها للغو خوارج
لا اللَّه يكبح من جماح ضلالهم، لا الأنبياء
ولا الكتب!
واستشهد الأنصار وانهارت مدينتهم
وشرّعت المساجد للصوص المارقين!
واللَّه أكبر لكنة جوفاء
تطلقها نفايات المسوخ التافهين
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٢٠ - ٣٢٢.
[ ٢ / ١٢٤٠ ]
فاركب بعيرك يا محمد
وتعال لي في الشمس معبد) (^١).
ثم ينتقل بعد ذلك إلى ذكر ما يسميه رسول العصر ويقصد به الشيوعي الماركسي الذي لا يؤمن بإله ولا رسالات ولا غيب ولا معجزات، فيقول:
(ما جئت بالتنزيل! لم يفاجئك جبرائيل
في رهط الملائك بالنبوة!
لم تلق وجه اللَّه! لم تسمع من النيران دعوه!
لم تحي أمواتًا، ولم تنهض كسيحًا!
ولم تزل برصًا ولم تخلق نبيذًا من مياه
ولم تجيء بالمعجزات الخارقات
لكن وجهك يا رسول العصر أشرق في ظلام العصر
أحلامًا وإيمانًا وقوه.
وهدير صوتك حز أعماق الخليقه
فاستفاقت جذوة سجنت بأعماق الحياه
فإذا الظلام يسيح في ذعر، ونور الفجر
يولد في العيون المطفآت
وإذا أنا الإنسان! أجهر بالصلاة!
وإذا صغاري يشبعون، ويدرسون ويلعبون
ومشيئة الرحمن والأقدار
بعض من نفايات القرون
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٢٠ - ٣٢٢.
[ ٢ / ١٢٤١ ]
والآرض بعد العقم أثمار وأزهار وخضره
فاسمع أغاني الثائرين
واشهد نهايات السجون
واهنأ فإنا باسمك الجبار نجتاز المجره!
واهنا فإن الشمس تشرق كل يوم ألف مرة!!) (^١).
وهذه المقطوعة، التي أترعها هذا الماركسي بعقائده الإلحادية، سخرية بالنبوة وجحدًا بالرسالات وتكذيبًا للَّه وإنكارًا للوحي، ثم بعد ذلك يأتي بالبديل الماركسي الشيوعي العلماني "رسول العصر" كما يسميه، ولكنه رسول ضلالة وإلحاد وقائد انحراف ومادية.
ثم يصور أنه يأتي بالازدهار والنور والنماء والتقدم، وهذا القول قاله قبل أن يتهاوى الاتحاد السوفيتي قبلة الماركسيين، والذي ظهر للعالم كله أنه بعد تهاويه كان مجمع فضلات وركام نفايات، ومأوى تخلف وفقر وجمود ورجعية وكان بحق "مزرعة حيوانات" (^٢) و"خمور فكرية" (^٣) وكان دينهم وملتهم "مذهب ذوي العاهات" (^٤).
وفي موضع آخر يعبر عن عداوته للنبوة والأنبياء ولمن أرسلهم بعبارات أخبث من كلامه السابق يقول فيها:
(أي تنين خرافي الألوهة
سمل الأعين في تاريخنا. . أدمى وجوهه!!
يا يتامى فقدوا في بيتهم طعم الحياة!
يا صغار الأنبياء
_________________
(١) المصدر السابق ص ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٢) اسم رواية لجورج اوريل عن الشيوعية.
(٣) اسم كتاب لآرثر كوستلر عن الشيوعية.
(٤) اسم كتاب لعباس العقاد عن الشيوعية.
[ ٢ / ١٢٤٢ ]
يا رواة حفظوا كل أساطير السماء
شيدوا البرج فقد نادى الإله
وبكى "نوح" على الطوفان. . طوفان الدماء!!) (^١).
ويتحدث عن فلسطين قائلًا:
(نحن من أرض يقال
انها مهد النبوات يقال
بسطت نورًا وعرفانًا على الدنيا يقال) (^٢).
وهذا تكذيب صريح بالنبوات وتهكم بالأنبياء ﵈.
ونحوه قوله: (وطن الأكاذيب القديمة والرؤى والأنبياء) (^٣).
فلا غرو أن يبيع هذا وأضرابه من العلمانيين فلسطين والقدس الشريف لليهود ويسلموها لهم، تحت شعار عملية الاستسلام التي تعيش دوامتها مرغمة، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه.
أمّا ممدوح عدوان فإنه يعلن عن جحد الرسالات بطريقته الخاصة فيقول:
(إني تبرأت من أول الكلمات
إلى آخر الصفقات
ومن أول الأنبياء
إلى صنم التمر) (^٤).
أمّا علاء حامد فقد أكثر من ترديد جحده وإنكاره وتشكيكه في الرسل
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٥٧٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٦١٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٨٩.
(٤) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان جـ ٢ لابد من التفاصيل: ص ٤٣ - ٤٤.
[ ٢ / ١٢٤٣ ]
والرسالات والوحي، وقد نقلت في الفصل السابق على هذا جملة من أقواله في هذا المجال، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (^١).
أمّا الشمطاء الرجيمة نوال السعداوي فإنها تقول على لسان إحدى شخصيات روايتها: (قلت لها: أعظم امرأة ليست من كتبت أعظم كتاب، وإنّما من ولدت أعظم رجل، قالت: مريم العذراء ولدت ابن اللَّه وأنا فقدت عذريتي في الطفولة، ولا أؤمن بالمسيح، قلت: بماذا تؤمنين؟ قالت: أؤمن بعقلي وبأي شخص يخاطب العقل وليس الرحم) (^٢).
وتسخر بالنبي محمد -ﷺ- وبالمسيح ﵇ في مواضع، متخذة هذا الأسلوب وسيلة للتشكيك والجحد كعادة أهل الحداثة والعلمنة (^٣).
أمّا مؤلف كتاب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية فإنه قد ساق مجموعة من أسماء الأنبياء وبعض أعمالهم على أنها أساطير، ومن ذلك قوله عن الخليل إبراهيم ﵊ تحت عنوان "إبراهيم الخليل أساطيره ومأثوراته" (^٤): (ولد بعد الطوفان بـ ١٢٦٣ سنة أو بعد خلق العالم ٣٣٣٧ سنة، فمثله مثل كل الأبطال الأسطوريين الفلولكوريين، هؤلاء الذين يجيئون في أزمان لتحقيق رسالاتهم. . .) (^٥).
ثم يسوق شيئًا من قصصه مع الملك النمرود ملك بابل، ومعارضته للأصنام، ورميه في النار، وولادة إسماعيل، وبناء الكعبة، على أنها جميعًا خرافات، حيث عقب على ذلك بقوله: (وبإيجاز شديد فإن كل هذه الأحداث والأفكار والحكايات والمآثر حول الخليل إبراهيم وخرافاته ما تزال تواصل تواترها واتصالاتها وتبادلاتها الشفهية والمدونة) (^٦).
_________________
(١) انظر: مسافة في عقل رجل: ص ٦، ٢٥، ٥٦، ٧٣، ١٩٢، ١٩٣، ١٩٥، ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٢، ٢٠٣، ٢٢٩.
(٢) سقوط الإمام: ص ٨٣.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٦ - ٢٧، ٨٣، ١٢٢ - ١٢٤، ١٢٥.
(٤) و(^٥) موسوعة الفلكلور: ص ٣٤.
(٥) المصدر السابق: ص ٣٧.
[ ٢ / ١٢٤٤ ]
ثم يورد كلامًا عاميًا في قصة شعبية مخترعة عن إبراهيم -ﷺ- ليجعل من هذا الخلط المتعمد بين الحقائق والحكايات الشعبية وسيلة لجعل كل ذلك خرافة وأسطورة (^١).
وفي موضع آخر يتحدث عن إسماعيل ﵊ باعتباره أسطورة من الأساطير والخرافات الشعبية (^٢).
ويتحدث عن أبوته للعرب باعتبارها أسطورة وحكاية مقلدًا في ذلك طه حسين (^٣)، كما تحدث عن أمر اللَّه لإبراهيم بذبح إسماعيل وفداء اللَّه عنه على أساس أنها حكاية شعبية وخرافة أسطورية (^٤).
وفي سياق تعداده للأساطير العربية يذكر قصة بقليس مع سليمان -﵇- وقصة سبأ وسد مأرب كمثال من أمثلة الأساطير العربية (^٥)، وكذلك يسوف اسم شعيب ﵇ وقصته، مع آيات من القرآن على اعتبار أنها من الأساطير والخرافات (^٦).
وكذلك يأتي بقصص عن موسى ﵇ ممزوجة بكلام شعبي وحكايات شعبية، ليخلص بعد ذلك إلى أن هذه حكايات وخرافات وأساطير (^٧)، ويجعل عصا موسى ﵇ أسطورة وشارة سلفية حسب تعبيره (^٨).
وعلى كل حال فالكتاب مليء بإنكار نبوة الأنبياء وجحد رسالاتهم والتشكيك فيها، من باب أنها أساطير وحكايات وخرافات، وهو في ذلك ليس ببعيد عن التيار الحداثي والملة العلمانية.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٣٩ - ٤٢.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٥٩ - ٦٢.
(٣) و(^٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٧٠ - ١٧٥.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٤ - ١٢٧.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٤٤٠.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٥٠٨ - ٥٣٠.
(٧) انظر: المصدر السابق: ص ٤٨٨.
[ ٢ / ١٢٤٥ ]