توحيد الربوبية يقوم على ثلاثة أسس، هي الاعتقاد الجازم بأن اللَّه هو الخالق المالك المتصرف، فهو -﷾- خالق كل شيء وحده ولا خالق سواه، كما قال -﷾-: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (^١)، ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢)، وكل شيء سوى اللَّه مخلوق من عدم، موجود أوجده اللَّه بعد أن لم يكن، وخَلْقه سبحانه يشمل ما يقع من مفعولاته وما يقع من مفعولات خلقه.
وهو سبحانه المالك الملك المطلق العام الشامل، وكل شيء في ملكه -﷾-، قال-جَلَّ وَعَلَا-: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ. . .﴾ (^٣)، وقال -﷾-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (^٤)، وأمّا غير اللَّه فإن مَلَكَ فإن ملكه قاصر مقيد غير شامل، فهو وما يَملك مملوك للَّه -﷾-.
وهو سبحانه المنفرد بالتصرف في خلقه وملكه، وله التدبير الشامل الذي لا يحول دونه شيء ولا يعارضه شيء، كما قال -جَلَّ وَعَلَا- عن نفسه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ (^٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا
_________________
(١) الآية ٣ من سورة فاطر.
(٢) الآية ١٦ من سورة الرعد.
(٣) الآية ٨٨ من سورة المؤمنون.
(٤) الآية ١ من سورة الملك.
(٥) الآية ٢ من سورة الرعد.
[ ١ / ٨٧ ]
مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (^١).
ويتفرع على هذه الأمور الثلاثة كل ما يتعلق بتوحيد اللَّه بأفعاله -جَلَّ وَعَلا (^٢) -، ومن جحد أو شك في شيء من هذا فهو كافر لا حَظَّ له في الإسلام.
وهذا القسم من أقسام التوحيد لم ينازع في أصله أحد من بني آدم، إلّا ما حصل في بعض تفاصيله فى الأقدمين من مجوس وثنوية ودهرية وأمثالهم من ضلال المتفلسفة والمعتزلة (^٣).
أمّا مشركوا العرب فكانوا يقرون بتوحيد الربوبية، كما أخبر عن ذلك اللَّه العظيم في كتابه الكريم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . .﴾ (^٤)، ولكن هذا لم ينفعهم لأنهم كانوا يشركون غير اللَّه مع اللَّه في العبادة والانقياد.
أمّا ملاحدة هذا العصر فهم ينكرون وجود اللَّه أصلًا ويجحدون تبعًا لذلك كل قضايا الربوبية من خلق وملك وتدبير، وما يتفرع عنها، كما سوف يأتي من كلامهم في هذا الشأن.
ومما يتعلق بتوحيد الربوبية قضية وجود اللَّه -﷾- وهو أمر مركوز في الفِطَر والأدلة على وجوده -﷾- لا تحصى، وعددها كعدد المخلوقات؛ إذ كل مخلوق يحمل أدلة تدلنا على خالقه وموجده وبعض صفاته، وأول شيء يقال هنا بأن العدم لا يوجد شيئًا، ومن المستحيل أن يفعل العدم شيئًا؛ لأنه لا وجود للعدم، وثانيًا إذا نظرنا في المفعولات وجدناها مرآة لبعض قدرة الفاعل وبعض صفاته، وهناك علاقة محكمة بين المصنوع والصانع والفعل والفاعل، إذ لا يُمكن أن يكون شيء في المصنوع أو الفعل إذا كان الصانع أو الفاعل لا يَملك قدرة أو صفة تمكنه من فعل ذلك الشيء في مصنوعه أو فعله.
ولا يستطيع أحد أن يزعم أن حيوانًا لا يعقل أطلق قصرًا صناعيًا يدور
_________________
(١) الآية ٣ من سورة يونس.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٤، ٣٧، والفتاوى السعدية: ص ٨ - ٩، وعلم التوحيد للربيعة: ص ٧، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص ٧، والمجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٦ و٨/ ٢ - ١١، والكليات لأبي البقاء الكفوي: ص ٤٦٦، وتفسير الطبري ١/ ١٤١.
(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٣٨.
(٤) الآية ٢٥ من سورة لقمان.
[ ١ / ٨٨ ]
حول الأرض؛ لأن الحيوان لا يَملك القدرة على إطلاق ذلك القمر.
فإذا طبقنا مبدأ أن العدم لا يخلق شيئًا وشاهدنا ملايين الملايين من المخلوقات والأحداث التي تحدث كل يوم في هذا الكون جزمت عقولنا بأن لكل فعل منها فاعلًا؛ لأن العدم لا يخلق شيئًا، وإذا طبقنا مبدأ أن الفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته وجدنا أن المخلوقات والأحداث التي تحدث في الكون محكمة في نظامها تشهد أنها من صنع حكيمٍ، موجهة في سيرها تشهد أنها من صنعِ مريدٍ، متناسقة في أعمالها تشهد أنها من صنعِ عليمٍ واحدٍ أحدٍ، خاضعة لنظام موحد تشهد أنها من صنع حاكم مهيمن، فتجزم العقول بأن خالق هذه المخلوقات موجود متصف بالإرادة والعلم والحكمة وغير ذلك من صفات الكمال، وإذا نظرنا في المخلوقات كالسماوات والأرض والشمس والقمر وغيرها مما يدركه الحس نجد أنه لا شيء منها يتصف بأنه واحد أحد حاكم مهيمن، له إرادة مطلقة، ومشيئة نافذة وحكم مستمر وحكمة عامة وعلم شامل، إذن الذي خلقها وأوجدها هو وحده الذي يتصف بذلك (^١)، وليست الطبيعة الخاضعة المخلوقة البائدة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ (^٢)، وقال -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (^٣).
وإذا كانت قضية وجود اللَّه من المسائل المسلم بها فيما مضى، فإن العصر الحاضر غلب فيه الإلحاد على أهل الكفر المعاصرين، أمّا في الزمان الغابر فقد كان الانحراف يتمثل في الشرك، والمشرك يعرف أن هناك إلهًا خالقًا لهذا الكون ولكنه يشرك به في العبادة، فيتوجه إلى آلهة أخرى مع اللَّه أو من دون اللَّه فيقدم لها العبادة والعداء، أو يتبع أمرها بالطاعة أو بالمحبة والولاء.
أمّا الملحد -كما في الاصطلاح المعاصر- فهو ينكر وجود اللَّه تعالى، وهذا الذي غلب على كثير من أصحاب المذاهب الفلسفية والسياسية والأدبية
_________________
(١) انظر: توحيد الخالق لعبد المجيد الزنداني ١/ ٢٠ - ٢٥، وكتاب الإيمان للزنداني أيضًا: ص ٢٣ - ٢٦.
(٢) الآية ١٨٥ من سورة الأعراف.
(٣) الآية ٢٤ من سورة الحشر.
[ ١ / ٨٩ ]
والفكرية المعاصرين؛ وسبب ذلك غلبة الصادية فكرًا وحياة وممارسة على هؤلاء، وانحصارهم في دائرة المحسوس، وتمادي الغفلة والجهالات الفكرية بهم إلى الحد الذي أنكروا فيه ما وراء الحس إنكارًا تامًا، وزعموا أن كل ما كان خارج الحس فهو غير موجود، وهذا انطماس غير عادي في البصيرة والعقل، يؤدي إلى تأليه المحسوس وحده، ونفي وجود اللَّه وسائر الغيبيات.
ومن أسبابه ذلك الدور الخطير الذي قامت به الكنيسة في إفساد دين النصرانية المنزل من عند اللَّه، حيث ألهت البشر وجعلت الإله ثلاثة، وأبطلت حكم اللَّه وشريعته، وكانت هذه الأفاعيل من الكنيسة مقدمة للإلحاد والخروج عن الدين بكامله في أوربا، ثم ما قامت به الكنيسة -التي أصبحت منارًا للشرك والجهالات- من حربٍ للعلم والعقل والتجربة وذلك لخوفها على مكانتها عند الناس الذين سيكتشفون أن هناك حقائق غير الذي تقوله الكنيسة.
ثم لأن العلوم التجريبية جاءت من احتكاك الأوروبيين بالمسلمين فكان العلم المنافس للكنيسة علم المسلمين، وهذا محل خطورة على الكنيسة من الإسلام نفسه الذي سوف ينتشر في أوروبا مع الحركة العلمية المنقولة عن المسلمين؛ لذلك قامت بحرب شرسة ضد العلماء الأوروبيين المتأثرين بالمسلمين، وهذا سبب آخر بُذرت به بذور العداوة بين العلم التجريبيّ والدين، وما لبثت هذه البذور تنمو حتى أثمرت على مر العصور قطيعة تامة مع الدين، ومحاربة له وخروجًا عليه بالكلية، حتى أنهم وصلوا إلى أن البحث العلميّ يجب أن يخلو من أي ذكر للَّه تعالى؛ لأن مجرد ذكر اسمه تعالى في البحث العلميّ يفقد هذا البحث طابعه العلميّ حسب زعمهم الماديّ.
إضافة إلى ما فعلته الكنيسة من إفساد لدين اللَّه المنزل على عيسى -﵊- وموقفها العدائي للعلم والتجريب، فقد مارست أنواعًا من الطغيان، وأفسد رجال الدين النصرانيّ بعسفهم وظلمهم وتعديهم على عقول الناس وأموالهم وأجسادهم وحقوقهم فسادًا عظيمًا كان سببًا في ظاهرة الإلحاد المتزايدة اليوم في أوروبا والغرب.
فقد فرضت الكنيسة ورجال الدين النصرانيّ على الناس أموالًا يقدمونها للكنيسة إلزامًا ليأخذها الرهبان -الذين يدّعون الزهد والنسك!! - خالصة لأنفسهم ليعيشوا بها في بذخ لا يحلم به المترفون، وفرضت الكنيسة على الناس العمل مسخرين في فلاحة الأراضي التي تملكها الكنيسة يومًا في كل أسبوع سُخْرة بغير
[ ١ / ٩٠ ]
أجر ولا ثَمن، وفرضت الكنيسة ورجال الدين على الناس الخضوع والتذلل للرهبان، فإذا مر أحدهم وجب على الناس أن ينحنوا حتى تلتصق جباههم بالأرض ولو كانوا في الطين والوحل، وألزمت الناس بأفكار محددة عن الكون، مخالفة للحقائق العلمية الثابتة، وحكمت بكفر وإلحاد من خالف هذه الأفكار.
أمّا احتكارها لحق الصلة بين الإنسان وربه فكان من أبشع الممارسات التي جعلت الناس فيما بعد يثورون على الكنيسة ورجال الدين بل على الدين كله.
فكانت جلسة الاعتراف أمام الكاهن هي الطريق الوحيد للتوبة ونيل رضوان اللَّه، ولا خلاص من الذنوب إلّا بهذا العمل، ولا يُمكن للإنسان أن يدعو ربه أو يعبده إلّا من خلال هذه الواسطة التي احتكرها رجال الدين النصرانيّ لأنفسهم، فاستعبدوا الناس وأذلوهم وحطموا مقومات الشخصية الإنسانية فيهم، ومارسوا عليهم المهزلة المهينة المسماة بصكوك الغفران، مقابل أموال ينالونها من الناس، ثم جاءت قاصمة الظهر حين قام الناس في أوروبا في العصور الحديثة بالمطالبة بحقوقهم التي سلبها الأباطرة والإقطاعيون والملوك، فوقفت الكنائس ورجال الدين إلى جانب الظالمين والمستبدين، وأصدروا الفتاوى الدينية في حق من تمرد على الاستعباد وطالب بالحقوق، بأنه قد مرق من الدين واستحق غضب اللَّه، فكانت غضبة الجماهير عاصفة قوية ونفورهم من الكنيسة ورجالها وبالتالي من الدين وما يتصل به نفورًا قويًا، قاد إلى الإلحاد والمادية والشهوات البهيمية التي انحطت فيها أوروبا والغرب اليوم.
هذه بعض الأسباب التي أدت إلى الإلحاد الذي انتشر اليوم، وقامت على فكرته الضالة سياساتٌ ودولٌ ومدارسُ ومناهجُ وجامعاتٌ تقوم على تدريسه وتأصيله ونشره، وتلقاه بعض أبناء المسلمين وتأثروا به فنقلوه في كتاباتهم وأفكارهم وممارساتهم وسعوا في بثه والدفاع عنه، مع أن واقع المسلمين في دينهم منهجًا وعملًا مخالف تمام المخالفة لما كانت عليه أوروبا في دينها وحياتها الاجتماعية والسياسية، ومع ذلك فقد تلقى هؤلاء الأتباع هذا الإلحاد بحماس أشد من حماس أصحابه الأصليين، وطفقوا
[ ١ / ٩١ ]
يبثونه ويدعون إليه ويدافعون عنه، وهذا ما سوف يأتي عرضه في هذا الفصل من الانحرافات المتعلقة بالربوبية في الأدب العربي المعاصر.
غير أنه قبل استعراض هذه الانحرافات الموجودة في أدب الحداثة العربي ينبغي أن أذكر أن هذه الضلالات التي يقوم على تأصيلها ونشرها والدفاع عنها أدباء الحداثة؛ ليست إلّا نقولات مترجمة من أفكار ومناهج الغربيين إلى اللغة العربية بأقلام هذه الوسائط الفكرية والأدبية، التي ليست سوى أقلام عربية الحرف أجنبية الفكر والاعتقاد والولاء.
وفي الحقيقة إن ما أطلقوا عليه تقدمًا ومعاصرة ليس إلّا تعبيرًا عن الإلحاق بالقوة في المجال الثقافيّ والفنيّ، تبعأ للإلحاقات الاستعمارية السابقة العسكرية والسياسية والاقتصادية، فقد انغمس المثقف العربي الحداثيّ في التبعية الاعتقادية والفكرية إلى حد كبير جدًا حتى وهو ينادي بالوطنية والقومية ويتشدق بالحرص على الأمة والمجتمع، فها هو لويس عوض (^١) في محاضرة له بعنوان "أسباب عدم عالمية الفكر العربي" يذكر أن السبب في التخلف هو انشغال الفكر العربيّ بقضايا تجاوزتها أوروبا منذ زمن طويل (^٢).
ويقول في جريدة الأهرام: (إن سياسة الباب المفتوح عندما تمتد من مجال السلع والخدمات المستوردة إلى مجال الاقتصاد والقيم المستوردة سوف تبعث في مصر على وجه اليقين ذلك التراث الإنسانيّ العظيم من التواصل الثقافيّ مع بقية بني الإنسان) (^٣).
_________________
(١) كاتب وناقد وشاعر حداثيّ مصريّ نصرانيّ، ولد سنة ١٣٣٣ هـ/ ١٩١٥ م، يزعم أنه أول من ابتدع الحداثة الشعرية في "برتولاند"، تخرج من جامعة القاهرة في الأدب الإنجليزي، أكمل دراسته في جامعات لندن، ثم عاد مدرسًا في الجامعة في مصر وعمل في الصحافة، وفي منصب مستشار في جريدة الأهرام، تشبع بالفكر الاشتراكي ودعا إليه، حارب التراث الإسلامي بتعصب صليبيّ ظاهر، واندفع نحو تغريب المجتمع المسلم وهدم عقيدته وقيمه الأخلاقية في حقد ظاهر وضغينة لا يخفيها تجاه الإسلام والمسلمين وعمالة وولاء لأعداء الإسلام. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٦٣، ورأيهم في الإسلام: ص ١٠٧، ورحلة في عقول مصرية: ص ٣٩٧.
(٢) انظر: مجلة الطليعة الكويتية الصادرة في ٥/ ٤/ ١٩٧٦ م، الموافق ٤/ ١٣٩٦ هـ.
(٣) الأهرام، مقال بعنوان (تأملات في الثقافة المصرية) في ٢٤/ ٥/ ١٩٨١ م، الموافق ٦/ ١٤٠١ هـ.
[ ١ / ٩٢ ]
وها هى مجلة (شعر) التي تعد أبرز حركة حداثية وأعمقها تأثيرًا في مسيرة الفكر الحداثيّ تعلن بصراحة اندماجها الكامل في النموذج الثقافيّ الفكريّ الغربي، في محاولة مكشوفة وصريحة لأوربة الشعر الحديث (^١)، في مضامينه وأفكاره وعقائده، تمهيدًا لإنزال ذلك في سائر نواحي الحياة، وقد استوعبت مجلة (شعر) النموذج الغربيّ أعمق استيعاب، ثم جاءت به منقولًا بكامله لغرسه في أحشاء الحياة العربية، على أساس أن العودة إلى أوروبا والغرب هي عودة إلى الأصول التاريخية والثقافية في فينيقيا وما بين النهرين (^٢).
يقول محمد جمال باروت (^٣) -وهو حداثي كبير شهير- في معرض حديثه عن مجلة (شعر) ومجموعة الشعراء التموزيين (^٤): (أن لكل منهم دمّله وأزماته وأحلامه، ولكل منهم في الآن ذاته وعيه وحساسيته وموهبته، وعانوا جميعًا من تعدد الانتماءات، وأسهمت في تكون وعيهم أصول ايديولوجية مختلفة ومتناقضة وكانوا جميعًا يتوقون إلى المعاصرة، ولأن يلتحقوا بركب الحضارة وينخرطوا في سلك الشعراء العالميين، ويقولون بعمق العلمنة والتحديث وبلبرالية (^٥) الفكر والحوار، وبالالتصاق بالتيارات الأكثر طليعية في
_________________
(١) و(^٢) انظر: الحداثة الأولى، لمحمد جمال باروت: ص ١١٠.
(٢) محمد جمال باروت، ناقد من سورية، يعمل مدرسًا للغة الفرنسية فى حلب، ويكتب في النقد الأدبيّ، من وجهة نظر حداثية، مطلع على الحداثه العربية وتاريخها ومدارسها، مؤيد لها منافح عنها، لا يخلو كلامه من غمز في الإسلام واستخفاف به، ومناقضة لقضاياه. انظر: مجلة الناقد، العدد العاشر ١٩٨٩ م.
(٣) نسبة إلى (تموز) وهو وثن آشوريّ بابليّ كانوا يعتقدون أنه رب المحاصيل والإنبات وأنه يموت كل شتاء ويولد في كل ربيع، وأنه كان زوجًا لعشتار أو عشيقها. انظر: معجم الأساطير: ص ٢٣٦، وقد شغف الحداثيون بهذا الرمز الوثني ومثلت أسطورته المثل الأعلى لهم فانتسبوا إليه وجعلوه مثالًا للحضارة والتجدد والانبعاث وتظهر هذه الأسطورة لديهم في رموز وثنية أخرى منها: عشتار وأدونيس وأفروديت وأوزيريس وايزيس والبعل. انظر: الحداثة الأولى: ص ١٦٣ - ١٦٤.
(٤) الليبرالية مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في السياسة والاقتصاد، وينادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهب وأفعاله شرط المعاملة بالمثل، والليبرالية السياسية تقوم على التعددية الإيديولوجية والتنظيمية الحزبية، =
[ ١ / ٩٣ ]
الغرب. . . تعرفوا جميعًا على الأرض اليباب لأليوت (^١) وقرأوا بنهم عجيب ادونيس أو تموز لجميس فرايزر (^٢). . . وعلى صفحات مجلة شعر انخرطوا جميعهم في أواخر الخمسينات في النشيد التموزي مجتمعين، حتى كأنهم جماعة المصلين وقد اشتركوا في طقوس عبادة مفروضة) (^٣).
هذه العبادة الوثنية التموزية التي استغرقت هؤلاء ليست إلّا محاكاة فجة وتافهة للغربيين الملحدين، وما سارت بها مجلات ما يسمى بعصر النهضة مثل مجلة المقتطف والهلال (والتي وجدت "روح العصر" في أوروبا
_________________
(١) = والليبرالية الفكرية تقوم على حرية الاعتقاد "أي حرية الإلحاد" وحرية السلوك "حرية الدعارة والفجور"، وعلى الرغم من مناداة الغرب بالليبرالية والديمقراطية إلّا أنهم يتصرفون ضد حريات الأفراد والشعوب في علاقاتهم الدولية والفكرية، وما موقفهم من الكيان اليهوديّ في فلسطين، وموقفهم من قيام دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية، وموقفهم من حقوق المسلمين إلّا لبعض الأدلة على كذب دعواهم. انظر: الموسوعة السياسية ٥/ ٥٦٦.
(٢) هو: توماس ستيرنش أليوت، ولد سنة ١٣٠٥ هـ/ ١٨٨٨ م، شاعر وناقد إنجليزي من أصل أمريكي، درس في هارفرد والسوربون واكسفورد، وحصل على جائزة نوبل للآداب ١٣٦٧ هـ/ ١٩٤٨ م، تأثر به الحداثيون العرب كما لم يتأثروا بأي شاعر آخر، وخاصمة في قصيدته الأرض اليباب، يستند أليوت إلى ثقافة نصرانية يرى فيها المستقبل، ويسعى لاقتحام الآخرين ماديًا وفكريًا. انظر: ألف شخصية عظيمة: ص ٣٨٠، والموسوعة العربية الميسرة ١/ ٢١٤، وفي النقد الحديث: ص ١٩٩ - ٢٠١.
(٣) هو: جميس فريزر، اسكتلندي إنجليزي، ولد عام ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٤ م،. وتوفي عام ١٣٦٠ هـ/ ١٩٤١ م، يعد في الغرب من علماء الدراسات الإنسانية الكبار، صاحب كتاب الغصن الذهبي المكون من اثني عشر مجلدًا، وموضوعه دراسة السحر والدين والأساطير، حاول فيه أن يثبت شرعية الأسطورة ويعترف أن قوله يفتقر إلى البرهان ولا يتجاوز درجة الاحتمال، ولكن المتأثرين به وخاصة الحداثيين العرب أخذوا كلامه بقطعية تامة، وترجم جبرا جزء أدونيس من الغصن الذهبي، وقد أثر جيمس فريزر في الحداثيين العرب تأثيرًا كبيرًا، فاتجهوا نحو الأسطورة وجعلوها أساسًا لمنطلقاتهم الفكرية، كذبوا بالحق لما جاءهم، وآمنوا بالأكاذيب. انظر: فوضى الحداثة للدكتور عبد الحامد: ص ١٩٢ - ١٩٥، والموسوعة العربية الميسرة ٢/ ١٢٩٨.
(٤) الحداثة الأولى: ص ١٢٨.
[ ١ / ٩٤ ]
الليبرالية العقلانية، أوروبا الديكارتية (^١) الدارونية (^٢)، وأوروبا روسو (^٣) والثورة البورجوازية (^٤) الفرنسية والعلمية، فقد كانت الهلال تربط عصرية النهضة بمدى قدرتها على تمثل هذه الروح، أو بما كان يسميه جورجي زيدان (^٥)
_________________
(١) الديكارتية نسبة الى ديكارت وفلسفته التي سار عليها أتباعها من بعده، حيث ادعى أنه قد شملته نشوة علمية غريبة فحلم حلمًا عجيبًا ولم يشك أنه الوحي نزل عليه حسب زعمه. حيث رأى فيه نفسه، وقد اكتشف أسس علم يرد العلوم كلها إليه ويؤلف بينها ويقيمها على الرياضيات، وشرع يؤلف "قواعد لهداية العقل" ورفض أن يكون للعلم أساس سوى اليقين المطلق، ومن هنا نشأت فلسفة الشك التي عممها على كل شيء حيث أعلن أنه ينوي الشك ما استطاع إلى الشك سبيلًا حتى يرى ما الذي يُمكن أن يصمد للشك، فما بقي فهو اليقين، ويبدأ بشكه في حواسه وعقله ثم في وجود اللَّه تعالى والماضي وقوانين الحياة، وقد أخذ الحداثيون والعلمانيون الديكارتية ليطبقوها على الدين وقضاياه وتاريخ الإسلام والتراث العربي كما فعل طه حسين. انظر: الموسوعة الفلسفية: ص ١٨٩.
(٢) الداروينية نسبة إلى عالم الطبيعة الإنجليزي داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء والاصطفاء الطبيعيّ، التي قرر فيها أن الإنسان نشأ بلا خالق، بل تكون من خلية وحيدة تطورت حتى وصل في مرحلة إلى القرد، ثم تطور ليصبح إنسانًا، وقد نالت هذه الخرافة مكانة كبيرة في الفكر والحياة الغربية ولمن سار على منوالها. انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث: ص ٧١٥، والموسوعة الفلسفية: ص ١٧٧.
(٣) هو: جان جاك روسو، ولد في جنيف عام ١١٢٤ هـ/ ١٧١٢ م، نشأ في بؤس انعكس على نفسيته فكان سيء الظن بالناس دائم التشهير بهم، شديد الكبرياء، كان بروتستنتيًا فتحول إلى الكاثوليكية، ربط نفسه بخادمة أنجبت منه خمسة أطفال دخلوا جميعًا ملجأ اللقطاء، صاحب العقد الاجتماعيّ والكتاب التربويّ أميل، وتقوم فلسفته على أساس ماديّ، وجعل العقد الاجتماعيّ هو الدين المدنيّ اللازم للمجتمع، وتوفي سنة ١١٩٢ هـ/ ١٧٧٨ م بعد أن ترك أثرًا كبيرًا في الحياة الاجتماعية الغربية، وسيأتي تفصيل ذلك في ص ٢٠٩١ من هذا البحث. انظر: الموسوعة الفلسفية: ص ٢١٦، ومعجم الفلاسفة: ص ٢٩٩.
(٤) البرجوازية ينعت بها سكان المدن الحديثة، وهي ترمز إلى الطبقية المتوسطة والثرية وأصحاب المهن الحرة، ويضادها العمال أي البروليتاريا حسب مصطلح الماركسية، وحكومة البورجوازية حكومة رأسمالية، واليساريون هم أكثر من يطلق هذا اللفظ. انظر: المعجم الفلسفي: ص ٣٣، ومعجم العلوم السياسية اليسر: ص ٥٢، والموسوعة العربية الميسرة ١/ ٤٢٩.
(٥) هو: جورجي زيدان، ولد في بيروت سنة ١٢٧٧ هـ/ ١٨٦١ م لأسرة نصرانية، رحل=
[ ١ / ٩٥ ]
بمدى قدرة العربي على تحدي الغرب وإثبات الاحتذاء به وتمثله.
كان ذلك يعني على المستوى الثقافيّ الشعريّ القول بـ "الشعر العصريّ" وإذا كان هذا القول يستمد معاييره من الغرب، فإن هذا يعود أساسًا إلى أنه كان محكومًا بالوعي البورجوازيّ الناشئ الذي رأى "الحداثة" و"العصرية" عبر أوروبا، والذي نجد له تمثيلًا نموذجيًا واضحًا في كل من "الهلال" و"المقتطف". . .
لا شك أن هذا الوعي كان يستجيب لتفكيك العلاقات الإقطاعية وانحلالها، ويدعم تقويضها ايديولوجيًا في النزوع إلى بنية اجتماعية ثقافية جديدة، تقوم على الحداثة والعلمنة، وعلى التحول من اللاهوت إلى العقل، ومن الذهنية التقديسية إلى الذهنية التاريخية، ومن الذهنية الدينية إلى الذهنية العقلانية الديكارتية والدارونية. . .) (^١). فهذا هو المستند الاعتقاديّ القائم على التبعية الكاملة للغرب هو الذي أودى بالأتباع المحاكين للغرب في مهاوي الإلحاد والكفر والضلال.
وهذا التحول الذي يشير إليه النص السابق هو أساس الانحراف الاعتقاديّ، وثمرة التبعية والمحاكاة للغرب، وكونهم يتحولون من اللاهوت إلى العقل ومن الذهنية التقديسية إلى الذهنية التاريخية ومن الذهنية الدينية إلى الذهنية العقلانية، كل ذلك يعني أنهم لا يطّرحون الدين الإسلامي جانبًا فحسب بل ويطّرحون -تبعًا لأساتذتهم- كل أسس الاعتقاد الدينيّ الإسلاميّ من إثبات لوجود اللَّه وتوحيده وربوبيته والرسل والمعاد والغيبيات.
_________________
(١) = إلى مصر واشتغل بالصحافة وفي سنة ١٣٠٩ هـ/ ١٨٩٢ م أسس مجلة الهلال التي لعبت دورًا كبيرًا في نشر التغريب والعلمانية الفكرية والسياسية، كما أسس دار الهلال للطباعة والنشر وما زالتا تقومان بما أسست عليه، توفي في القاهرة ١٣٣٢ هـ/ ١٩١٤ م عن ٥٣ سنة، له مؤلفات كثيرة في تاريخ آداب اللغة وسلسلة من الروايات التاريخية تزيد عن العشرين ملأها بالدس والتزوير والكذب على تاريخ الإسلام، يعتبره الحداثيون والعلمانيون أحد مؤسسي النهضة الصحفية والأدبية في البلاد العربية. انظر: المرشد لتراجم الكتاب والأدباء: ص ٨٤، والصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٥٠.
(٢) الحداثة الأولى: ص ١٤٨.
[ ١ / ٩٦ ]
علمًا بأن أدباء الحداثة لا ينفون مطلقًا التبعية للغرب، والانتماء إليه فكريًا وثقافيًا واعتقاديًا، وهذا ما يقرره محمد مندور (^١) في مقدمة الأدب ومذاهبه، يقول: (لا شك أن الأدب العربيّ الحديث قد تأثر بالآداب الغربية تأثيرًا يفوق تأثره بالآداب العربية القديمة، وذلك منذ أن أخذ العرب يتصلون بالعالم الغربيّ سواء بواسطة المبشرين والمحتلين ورجال المال والتجارة الذين وفدوا إلى بلاد العرب، أو بواسطة البعثات العلمية التي أرسلتها البلاد العربية إلى البلاد الغربية، وكان هذا التأثير إمّا عن طريق الترجمة وإمّا عن طريق القراءة في اللغات الأصلية للآداب الغربية) (^٢).
ويقول في موضع آخر: (. . . إن كل حركات التجديد التي نشأت في الأدب العربي المعاصر إنّما تستمد في الغالب وحيها من الآداب الأجنبية. . .) (^٣).
وهذا الاستمداد من الآداب الغربية ليس مقصورًا على الأنماط والأشكال والأساليب كما يتوهم بعض التلفيقيين، بل هو ممتد إلى الأفكار والعقائد والمضامين، بل إن هذه هى أولى ما بدأ النَقَلَة العرب المعاصرون باعتناقه ونقله ونشره، وهم يعرفون ذلك ويؤكدون حصوله، ويعترفون بأن ما يقومون به ليس إلّا انعكاسًا كليًا لمرآة الحداثة الغربية، وأنه انقياد وامّحاء كلي أمام نماذج الغرب (^٤).
_________________
(١) هو: كاتب وناقد مصريّ وأستاذ جامعيّ متخصص في الأدب والنقد، ولد سنة ١٣٢٥ هـ/ ١٩٠٧ م، وتوفي سنة ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٥ م أكمل دراسته العليا في فرنسا، رأس تحرير جريدة المصريّ والوفد المصريّ وصوت الأمة وانتخب في البرلمان المصريّ، كان مهتمًا بالمسرح، ملمًا باللغة اليونانية، غزير الثقافة، غربيّ النزعة، ومدافعًا عن أهل الانحراف مثل لويس عوض وأشباهه، تعاون مع المنظمة العالية لحرية الثقافة. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٧٨، وأباطيل وأسمار: ص ٤٦٤ - ٤٨١، وتوفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى: ص ١٤٠.
(٢) الأدب ومذاهبه - محمد مندور: ص ٣٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٤.
(٤) انظر: كتاب قضايا وشهادات: الحداثة ص ٢، الوطني الاختلاف حداثة الآخر ٣ شتاء ١٩٩١ م/ الموافق ١٤١١ هـ ص: ٢١٥. =
[ ١ / ٩٧ ]
وقد اعترف بعضهم بالسذاجة لهذه التبعية العمياء للغرب، فقال: (لقد كان التحديث -ويا لسذاجتنا نحن التقدميين- شعارًا شافًا وأحيانًا شفافًا لإنجاز التبعية الكاملة للغرب. . . وكلما ازدادت هذه الحداثات وكلما كانت حداثتها أحدث، ازددنا تبعية للرأسمالية العالمية. . . إن الحداثة في مثل هذه البلاد ليست ظل الثورة الممكنة والمضاعة فقط، بل إنها عنصر قمع وتطويق لأي إمكانية ثورية لم يخنقها القنوط بعد، هذه الحداثة هي أداة للاستبداد وامتداد له، وهي أيضًا أداة للآخر المستعمر الملحد الماديّ وامتداد له. . .) (^١).
وهذا الاعتراف الخطير من أحد أعلام الحداثة المنافحين عنها والمقاتلين في سبيلها، يؤكد ما سبق ذكره من أن الحداثة العربية ليست إلّا نسخة مترجمة عن الحداثة المادية الغربية الملحدة، ثم نسمع بعد ذلك كيف ترتفع عقائر هؤلاء في مدافعة هزلية عن أنفسهم ومذاهبهم الباطلة التي لم يكن لهم فيها أي دور إلّا دور الذبابة الناقلة للجراثيم.
ومما لا مجال للريب فيه أنهم ينظرون إلى الحداثة على اعتبار أنها نظرية شاملة ومنظومة متكاملة (لا تخص الشعر وحده بل تشمل مختلف حقول النشاط الإنسانيّ) (^٢)، ويعتبرون الغرب هو المحضن الأساسي والمرجع الحضاريّ والعقديّ لفكرة الحداثة.
وإذا أخذنا يوسف الخال (^٣) -وهو نصراني لبناني- نموذجًا لهذا
_________________
(١) المصدر السابق ٢ صيف ١٩٩٠ م: ص ٢٢ من مقال لسعد اللَّه ونوس بعنوان (الحداثة والتحديث).
(٢) الحداثة في الشعر، ليوسف الخال: ص ١٧، دار الطليعة بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨ م.
(٣) يوسف الخال ولد في قرية عمار الحصن في وادي النصارى غرب سوريا عام ١٣٣٨ هـ/ ١٩٢٠، وتعلم الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت، هاجر إلى أمريكا وسكن نيويورك، ثم عاد إلى لبنان وفتح دارًا للنشر سماها دار "مجلة شعر" وبعد عودته من أمريكا بسنتين وذلك في عام ١٣٧٦ هـ/ ١٩٥٧ م أصدر بيان الشعر الذي اعتبره الحداثيون العلامة البعيدة لوعي مغاير، وكانت مجلة شعر تمول من قبل منظمة =
[ ١ / ٩٨ ]
الاتجاه الاتباعيّ للغرب، وهو مؤسس كبير من مؤسسي الحداثة في البلاد العربية فإنا نجده كما قال عنه الحداثي الآخر محمد جمال باروت (ينظر الخال إلى "الحداثة" عبر "الغرب اللبراليّ" إذ يحضر الغرب في هذه النظر بوصفه عالميًا كونيًا شاملًا، ويعود ذلك بالنسبة للخال إلى أن "الغرب" نتاج العقل الذي يتميز بكونية وشمولية قوانينه. . .) (^١).
ثم ينقل باروت نصًا ليوسف الخال يؤكد هذه النظرة الارتمائية وفيه يقول: (الحضارة الغربية هي حضارتنا نحن بقدر ما هي حضارة الفرنسيّ والألمانيّ والروسيّ. . . إلخ، ونحن لا قيمة لنا في العالم العربي إن بقينا خارجها، ولم نتبنها من جديد ونتفاعل ونفعل بها أن هذه الحضارة هي نحن بقدر ما هي هم) (^٢).
وفي الحقيقة أن هذه النظرة التي صرح بها الخال وكان جريئًا في طرحها هي النظرة نفسها التي ارتمى فيها معظم الحداثيين، والفرق أنه صرح وبعضهم يلمح، في حين أنهم أجمعين يرون جوهر النهضة هو في الغرب فكرًا وعقيدة وسلوكًا ونظمًا ومذاهبًا، وفي قراءتي المتنوعة لأدب الحداثة وفكرها لم أجد من خرج منهم عن هذه النظرة، وإن كان بعضهم ينتقد المسارعة في الارتماء، والإغراق في التصريح بذلك، غير أن الجميع عن منهل واحد يرجعون بكل ما في هذا المنهل من أخلاط وأوشاب، وحول موائد الغرب يطوفون في ذلة وخضوع.
وليس هذا الذي يقوله الحداثيون اليوم إلّا ثمرة لبذور قديمة بثها من
_________________
(١) = تابعة للمخابرات الأمريكية وقامت هذه المجلة وأصحابها وعلى رأسهم الخال وأدونيس وأنسي الحاج بدور كبير في ترسيخ الانحرافات العقدية والسياسية والاجتماعية، وكانوا يحملون حقدًا شديدًا على الإسلام واللغة العربية، وينادون بإلحاق بلاد العرب بالغرب، كما أن يوسف الخال لم يتخل عن نصرانيته، هلك وما زال أتباعه يقتفون أثره ومنهم رياض نجيب الريس صاحب مجلة الناقد. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث ص ٣٠٧، ورأيهم في الإسلام: ص ٢٣، وأسئلة الشعر: ص ١٤٧.
(٢) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠/ الموافق ١٤١٠ هـ: ص ٢٥٤.
(٣) المصدر نفسه: ص ٢٥٥، والنص مأخوذ من شعر عدد ١٥: ص ١٣٨ - ١٣٩.
[ ١ / ٩٩ ]
قبل طه حسين (^١) ولطفي السيد (^٢)، القائل في جريدة "الجريدة" التي كان يصدرها في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي: (إن الإنجليز هم أولياء أمورنا في الوقت الحاضر، ولا ينبغي أن نحاربهم ونقاومهم، إنّما واجبنا أن نتعلم منهم، ثم نتفاهم معهم بعد ذلك تصفية ما بيننا من خلافات) (^٣).
وهو المعنى نفسه الذي دعا إليه طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر فالطريق عنده (واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي أن نسير مسيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها حلوها ومرها وما يجب منها وما يكره. . . ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع) (^٤).
ويشير أحد الحداثيين إلى هذه التهمة الموجه إلى طه حسين وإلى غيره من الحداثيين بشيء من التفصيل النظريّ التسامحيّ التبريريّ فيقول: (ومن التهم التي رددها رشيد رضا (^٥). . . . . .
_________________
(١) الكاتب والمفكر العلمانيّ المشهور، تخرج من الجامعة المصرية ثم درس في السوربون في باريس حيث عاد بالمناهج الغربية ليقوم ببثها في بلاد المسلمين، تولى عمادة كلية آداب القاهرة، ثم وزارة التعليم، ألف كتبًا عديدة من أشهرها "مستقبل الثقافة في مصر" الذي نفى فيه أن تكون مصر جزءًا من البلاد العربية بل هي عنده جزء من أوروبا، وكتابه في "الشعر الجاهلي" الذي أثار ضجة كبيرة، ورد عليه جملة من المسلمين، عرف عنه شغفه باليونان وبالحياة الغربية وسعيه الشديد في إلحاق بلاد المسلمين بالغرب، توفي في القاهرة سنة ١٣٩٣ هـ. أنظر: الأعلام ٣/ ٢٣١.
(٢) حقوقي وكاتب صحافي وسياسيّ مصريّ، ولد سنة ١٢٨٨ هـ/ ١٨٧٢ م، اشتهر بلقب أستاذ الجيل، شغل رئاسة مجمع اللغة العربية في القاهرة، وقبل ذلك رئاسة الجامعة المصرية، من أوائل دعاة التغريب وطلائع شداة العلمانية. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٥٢.
(٣) نقلًا عن كتاب واقعنا المعاصر لمحمد قطب: ص ٣٠٧.
(٤) مستقبل الثقافة في مصر: ص ٥٤، نقلًا عن مقال لبها طاهر بعنوان صورة الغرب في أدب طه حسين في كتاب قضايا وشهادات ١/ ١٨١، وهو مقال مسخر للدفاع عن طه حسين وهذا الطرح المهين وأمثاله.
(٥) هو: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب، ولد سنة ١٢٨٢ هـ، وتوفي سنة ١٣٥٤ هـ، صاحب مجلة المنار، =
[ ١ / ١٠٠ ]
ومصطفى صادق الرافعي (^١) بتبعية طه حسين للغرب، وأنا لا أبريه من شيء من ذلك لا سيما في شبابه، وهو كداعية حداثة لابد أن يتأثر بالثقافة الغربية ويضعها في مركز القدوة، ولا إشكال في ذلك، لولا أن الكثير من الحداثيين لا يفرقون بين الثقافة الغربية والايديولوجيا الغربية، بين المثقف الغربيّ بنزعته العلمية وأفقه الإنسانيّ الحضاريّ الواسع، وبين المؤدلج الغربيّ الملحق بماكينة الاستعمار،. . . ولم يكن لطه حسين من الوعي السياسيّ ما يمكنه من إدراك هذا الفرق الدقيق بين الايديولوجيا والثقافة في الموقف من أوروبا، ومما يعقد الحال انتماؤه في ذلك الوقت إلى حزب الأحرار الدستوريين وهو حزب موالٍ للإنجليز كان يضم في نفس الوقت عدد (^٢) من المثقفين العصريين ممن تعذر عليهم أن يفهموا طبيعة الاستعمار وأهداف الإنجليز في مصر بسبب تعلقهم الساذج بالثقافة الغربية) (^٣).
وعلى الرغم مما في هذا النص من مغالطات واضحة، إلّا أن المهم فيه إثبات ما سبق ذكره من أن التبعية الثقافية لدى تلامذة الغرب ليست فقط في المجال الثقافيّ أو النظريّ، بل كان حتى في الجانب الاعتقاديّ
_________________
(١) = انتقل من القلمون من أعمال طرابلس الشام إلى مصر سنة ١٣١٥ هـ، ولازم محمد عبده وتتلمذ عليه، بث آراءًا إصلاحية وأصبح مرجع الفتيا، واهتم بالتوفيق بين الشريعة والأوضاع العصرية، ألف تفسيرًا للقرآن ولم يكمله والوحي المحمدي وغيرهما. انظر: الأعلام ٦/ ١٢٦.
(٢) هو: مصطفى صادق بن عبدالرزاق بن سعيد بن أحمد الرافعي، أديب العربية غير منازع، ورأس بلغاء العصر، ومقدم المنافحين عن الإسلام إزاء المنحرفين من الأدباء والكتاب، ولد سنة ١٢٩٨ هـ/ ١٨٨٠ م لأسرة مشهورة بالقضاء في مصر، وأصله من طرابلس الشام، شاعر وناثر ونثره أجود من شعره، له مواقف قوية ضد طه حسين وأعداء اللغة والدين، على هنات في بعض كتاباته وسلوكياته، إلّا أنه كان لا يساوم على مبدأ الدين ولا على قضية اللغة العربية، له كتب كثيرة شهيرة كلها تدل على طول باع في اللغة وقدرة عالية على جودة الإنشاء، توفي -﵀- سنة ١٣٥٦ هـ. انظر: الأعلام ٧/ ٢٣٥، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص ١٠٤.
(٣) هكذا والصواب: في الوقت نفسه، وعددًا بالنصب.
(٤) من مقال بعنوان (طه حسين والتعصب الديني) قضايا وشهادات ١/ ٣٣٠ لهادي العلوي.
[ ١ / ١٠١ ]
"الايديولوجيّ" (^١) حسب تعبير النص السابق، بل وحتى في الجانب العمليّ السياسيّ، وذلك من طبائع الأمور، فإن من اعتقد عقيدة قوم فلابد أن يحبهم ويجلهم ويعظمهم ويواليهم، وينتمي إليهم عضويًا في السياسة والعمل والنظام، وهذا ما حدث فعلًا عند أتباع الغرب من أبناء المسلمين، فها هو الطهطاوي ركيزة الانطراح الأول والتبعية الأولى كان (إبان احتال الجزائر يقيم في فرنسا، ولم يعتقد أن هناك معنى للقول بأن أوروبا خطر سياسيّ، ذلك أن فرنسا وأوروبا لم تسعيا في نظره وراء القوة السياسية والتوسع بل وراء العلم والتقدم الماديّ. . . فكتب عنها بإعجاب. . . وحين احتلت الجزائر كان الطهطاوي هناك، فلم ينل الحدث إهتمامه وأوجز رؤيته لاحتلال الجزائر بالقول: إن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنّما هو مجرد أمور سياسية ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات منشؤها التكبر والتعاظم (^٢)،
وأغرب ما في الأمر أن بعض الحداثيين الذين أحسوا بفضاعة الارتماء في أحضان الغرب وخطورة الذوبان وانطماس الهوية الذاتية مع شعورهم هذا وتوصيفهم لهذه المشكلة يصرون أيضًا -في الوقت ذاته- على ضرورة الأخذ عن الغرب، ويهاجمون بشدة ما يسمونه التيار التقليدي السلفيّ، فها هو أحدهم يقول: (إن الاقتحام الاحتلالي للغرب بنظامه الرأسماليّ يفترض تقويض الأبنية من فكرية وسلوكية ومعمارية، ويفترض تهميشًا للوجود الذي تم اقتحامه واكتشافه والتعرف عليه، وسينسب هذا الوجود منذ ذلك الحين بكل ظواهره إلى المركز الغربيّ، وسيمتد معقوليته أو عدم معقوليته من وجهة نظر هذا المركز لا من تركيب داخلي لتاريخه الخاص، لقد انتهك
_________________
(١) الايديولوجي نسبة إلى الايديولوجيا، وهي الأحكام والاعتقادات الخاصة بمجتمع ما في لحظة ما، وهي نظام يمتلك منطقه وصرامته ومعاييره وأحكامه، وعلم الايديولوجيا هو علم الأفكار وموضوعه دراسة الأفكار والمعاني وخصائصها وقوانينها والبحث عن أصولها. انظر: المعجم الفلسفي: ص ٢٩، والمفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص ١١٣، ومعجم المصطلحات الأدبية المعاصرة: ص ٤١.
(٢) بحثًا عن الحداثة، لمحمد الأسعد: ص ١٠٦.
[ ١ / ١٠٢ ]
تاريخه وأعيد تركيبه ليلائم حاجات المشروع الاقتحاميّ، وهنا سيتحقق شيء ظل خافيًا أمدًا طويلًا على أذهان المقاومين العرب من إحيائيين وليبراليين ودعاة تقنية، وهو أن الغرب لم تكن وجهته أن يركّب الوجود العربيّ على غرار صورته، وإنما أن يخلق تركيبًا جديدًا. . . إن طموحه هو أن يقيم عالمًا ثالثًا، عالمًا آخر هو غير الغرب وغير الشرق في آن واحد، ومعنى ذلك تأسيس شروط هوية جديدة للجسد المستعمر، هي من صنع هذا الغرب ذاته ولكنها ليست هو. . .) (^١).
وهذا الكاتب نفسه يقول في موضع آخر من كتابه عن أسباب النهضة ومقوماتها وأنها (تتمحور حول انفصال لا يقبل الجدل بين قيمتين: القيمة الروحية والقيمة العلمية، أو القيم الايديولوجية والقيم التقنية، فأتيح بهذا الانفصال للمصلح النهضويّ المجال لكي يتحدث عن أسباب التقدم الصناعيّ والتحديث) (^٢).
فهذا القول ليس إلّا تقمصًا مزريًا وتقليدًا مكشوفًا للغرب في عقيدته اللادينية التي تفصل الدين عن الدنيا والتحضر والنظم، ولهذا نجد هذا الكاتب يثرب على المسلمين الملتزمين بدينهم تفسيرهم الدينيّ للتخلف والتقدم، ويعتبر ذلك تفسيرًا خارجًا عن المشكلة (^٣)، بل لقد اعتبر الإيمان بالقدر خرافة (^٤)، والغيبيات من آليات الثقافة الخرافية (^٥)، وأن أساسيات الثقافة الموروثة تقف أمام التحرر وتؤدي إلى افتقاد الإنسان حريته وهذه الأساسيات هي اللَّه تعالى والقدر والنظام الإسلامي والحاكم بهذا النظام، والوحي المنزل من اللَّه (^٦)، إلى آخر أقاويله الفاسدة.
فإذا كان هذا هو حال من تكشّف له الانحراف الارتمائيّ في أحضان
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٢٨.
(٢) المصدر السابق: ص ١١.
(٣) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص ٦٣.
(٤) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص ٦٦.
(٥) و(^٦) انظر: المصدر السابق: ص ٦٦ - ٦٧.
[ ١ / ١٠٣ ]
الغرب، وهو مع ذلك يردد عقائد الغرب وأفكار الغرب وينادي بالإلحاد ويعتبر يقينيات الدين خرافة، فما بالك بمن ارتمى وهو متشبع بمحبة الغرب ومنجذب إلى كل شيء فيه ببلاهة عمياء؟! لابد أنه سيقول ما قاله يوسف الخال في قصيدة بعنوان شعاع ويقصد به الغرب:
(بزغت فكان أروع ما تجلى
على لبنان من أمدٍ وهلَّا
يعيد إلى ربانا الغرب كهلَّا
يعلمنا - وعلمناه طفلا
فبدد عن شواطئنا الليالي
وعاد بنا على الدنيا مطلا
شعاع الغرب أين وطأت سهلًا
وأين نزلت في لبنان أهلا
شعاع الغرب أي شعاع خير
له في كل جارحة مصلى
مددت يدًا نصافحها وفاءً
فأنت أحق من يوفي وأولى) (^١).
وعلى هذا النحو من التبجيل للغرب والارتماء الواله به وبما لديه سارت قوافل الأتباع تحاكي وتنقل إلى بلاد المسلمين فضائح انحطاطها وعبوديتها للغرب، إلى حد أنهم زعموا أنه لا يوجد شيء اسمه الغزو الفكريّ، وبعضهم يقر بوجود غزوِ ولكنه يقول: (يجب ألّا نقاوم أي غزو ثقافي أكان أمريكيًا أو حتى إسرائيليًا) (^٢).
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص ٨٦ - ٨٨، وهي أبيات من ذات الشطرين ولكنها في ديوانه مطبوعة على هيئة شعر التفعيلة.
(٢) القائل يوسف إدريس في كتاب رأيهم في الإسلام: ص ٩٦.
[ ١ / ١٠٤ ]
وفي سبيل تسويغ الأخذ عن الغرب تجري شبهات التبرير المتعددة، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: المزج بين التقنية والفكر، والقول بأننا إذا أخذنا التقنية الغربية وجب علينا أن نأخذ معها العقائد والأفكار، وهذا ما يؤكده كثير من الحداثيين، ومن ذلك -مثلًا- قول أدونيس (^١): (إننا اليوم نمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائله، لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل، ووسائل هذا التحسين، أي أننا نأخذ المنجزات ونرفض المبادئ العقلية التي أدت إلى ابتكارها، إنه التلفيق الذي ينخر الإنسان العربي من الداخل) (^٢).
ولست هنا بصدد الرد على هذه المغالطة الواضحة في الخلط بين التقنية والعقائد، ولكن فلننظر ما الذي أخذه أدونيس وسائر الحداثيين من الغرب فيما يخص ما نحن بصدده في هذا الفصل وهو توحيد الربوبية.
لقد قام الفكر الغربي الحديث في جانب كبير منه على إنكار وجود اللَّه -﷾-، وخضوعًا لمذاهب فلسفية تقدس الحس وتعلي شأنه
_________________
(١) أدونيس، علي أحمد سعيد أسبر النصيريّ الباطنيّ الملحد، ولد سنة ١٣٤٩ هـ/ ١٩٣٠ م في جبال العلويين في سوريا، تسمى بأدونيس نسبة إلى وثن الخصب اليونانيّ، سماه بذلك أنطون سعادة زعيم الحزب القوميّ السوريّ، الذي كان أدونيس أحد أعضائه، شارك في تأسيس مجلة شعر، ورأس تحريرها ثم أسس مجلة مواقف، عمل أستاذًا للأدب العربي في الجامعة اللبنانية، وما زال، نال شهادة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت، وكانت أطروحته بعنوان "الثابت والمتحول" وهو تلمود الحداثة، اهتم فيه بتهديم الدين الإسلاميّ واللغة العربية، يعتبر أدونيس أستاذًا للحداثيين وقدوة لهم، وكبيرًا من كبرائهم، يحتذون أثره، ويتبعونه في تقديس وإجلال كبيرين، عقيدته خليط من أصله النصيريّ، وحاله الماديّ الإلحاديّ، مغرم بكل عدو للإسلام، ومبغض بحقد طافح لدين اللَّه وكل ما يتعلق به من قضايا، مجاهر بذلك غير مستتر به، ويرى أن الحداثة لا تقوم إلّا على هذه الأسس وهو باختصار أكبر طواغيت هذا الزمن، وأشهر عتاة الإلحاد وأظهر عداة الدين والإيمان، وقد انتحل مجموعة من الأعمال الغربية ونسبها لنفسه. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص ٦٩٨، والإسلام والحداثة: ص ٤١٥، ورأيهم في الإسلام: ص ٣١، والصراع بيت القديم والجديد: ٢/ ١٢٣٣، وأدونيس منتحلًا لكاظم جهاد.
(٢) الثابت والمتحول ٣/ ٢٦٨.
[ ١ / ١٠٥ ]
وتقدمه على كل المعارف اليقينية العقلية والمعنوية، بل إن بعضها يلغي تمامًا أي شيء عدا المعرفة الحسية الظاهرية المنقولة بالحواس الخمس، أمّا ملكات العقل وضروراته ولوازمه ومعطياته فإنهم يؤمنون منها بما يخدم المذهب الحسيّ الظاهريّ مثل قدرة العقل على تسجيل الظواهر وخزنها في الذاكرة واختبارها بالتجربة ونحو ذلك، وما عدا ذلك -وهو كثير- لا يوقنون به، مع أن (المعرفة البشرية:
١ - معرفة اضطرارية لا تفتقر إلى برهان، ولها ثلاثة مصادر: الحس، وأوائل العقل التي لا تفتقر إلى الحس، والإلهام.
٢ - ومعرفة تكتسب بالبرهان، وهذه مصدرها الحس وأوائل التمييز؛ لأنها تستمد برهانها منهما أو من أحدهما، وهذه المعرفة يتوصل إليها بالبرهان وهو شاهدة الأثر والاستدلال به، مع ضرورة صدق الناقل، وهي على قسمين من جهة الحكم والتصديق عقلية وهي ما أقنع العقل من حس وخبر واستدلال، وغير عقلية وهي ما لم يقنع العقل من حس خاطئ وشرع مدسوس، وإشراقة كاذبة) (^١).
والماديون والملاحدة ينكرون الأديان ووجود اللَّه تعالى والكتب المنزلة مع أن إثباتها ضرورة عقلية اضطرارية ونفيها سفسطة، ويوجد من معارفهم ما يناقض دعاواهم الإلحادية، (فإن الماديين من التجريبيين والوضعيين الذين يقولون لا نؤمن بإله غير منظور ولا ملموس ولا مذوق إلى آخر كلامهم محجوجون: بأن الأثير يملأ الفضاء ويبلغنا الضياء ويحمل الأصوات من وراء الجدار وهو غير ملموس ولا منظور ولا مذوق ولا مشموم ولا مسموع والمادة غير محسوسة، وكذلك الموت والروح كل ذلك غير محسوس بالحواس الخمس ومع هذا فلم تهدر حقيقتها، وإن من ينكر حقيقة ما ذكرنا علمًا ضروريًا، ونقول لهؤلاء: ما أدركتموه هل له حقيقة أم لا؟ فإن قالوا: له حقيقة نقضوا أصلهم إذ آمنوا بما لم تدركه حواسهم، وإن قالوا: لا حقيقة
_________________
(١) لن تلحد، لأبي عبد الرحمن الظاهري: ص ٣٣ - ٣٤ بتصرف يسير.
[ ١ / ١٠٦ ]
له كذبوا إذ بينت حواسهم أن له حقيقة) (^١).
أصبح الإلحاد ظاهرة مرضية منتشرة بين الناس، وخاصة بعد أن قامت دول بتبنيه وتعليمه ونشره والدعاية له والقتال من أجله مثل دولة الاتحاد السوفيتي البائدة، ومن سار في فلكها من دول شرق أوروبا، ومخيرها من دول ما يسمى بالعالم الثالث، ودولة الصين والمنظمات والأحزاب الشيوعية التابعة لكل من السوفييت والصين، أمّا في أوروبا الغربية وأمريكا فإن الإلحاد يتمثل في مدارس فكرية ومناهج فلسفية ومذاهب أدبية وفلاسفة ومفكرين، وكتاب وإعلاميين، وكثير من المثقفين الذين تأثروا بظاهرة الإلحاد الوبائية التي ساعد في انتشارها الإعلام بأجهزته المختلفة، من خلال الترويج لأفكار الملاحدة وإعطائهم بريقًا وجاذبية، وإضفاء صفات الإجلال والإكبار عليهم وإلباس أقاويلهم الباطلة سرابيل الحقائق العلمية والبراهين العقلية دجلًا وخداعًا، في مجتمعات يشكل الإعلام فيها عقليات الناس تشكيلًا عجيبًا، وهكذا سقطت أوروبا النصرانية في معظم بلدانها في شرك الإلحاد باسم العقلانية والعلمانية، وساعد في ذلك قوة وإحكام المكر اليهودي الذي وصف اللَّه أصحابه بأنهم ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (^٢).
إضافة إلى ما سبق ذكره من أسباب جاءت من جهة فساد الكنيسة واستجدادها، وطغيان رجال الدين النصراني وانحرافهم في العلم والعمل والسلوك.
ومع توجه العالم الأوروبيّ وتحركهم ضد العالم الإسلامي في عمليات الاستلاب والانتهاك للمسلمين عسكريًا وسياسيًا وفكريًا، ركزوا جهودهم لسلخ المسلمين عن دينهم، وإبعادهم عن عقيدتهم تحت شعارات التحرر والتحديث والعقلنة والتمدن والحضارة، واستطاعوا أن يجدوا من أبناء المسلمين من يؤمن بالإلحاد وينادي بالكفر، ورأى الغرب في هؤلاء خير وسيلة لمحاربة المسلمين ودينهم بأقوام من بني جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم،
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٨ - ٩٩.
(٢) الآية ٦٤ من سورة المائدة.
[ ١ / ١٠٧ ]
أذلة على الكافرين أشداء على المسلمين، عقولهم مسترقة، وأفئدتهم مستعبدة، وأفكارهم مستوردة، أطوع في أيدي الأعداء من الأجهزة المبرمجة، وأسرع في تنفيذ مخططاتهم، وأكثر تلونًا ومكرًا وكيدًا لأمة الإسلام من الأعداء الأصليين.
الحداثيون الملاحدة -محل البحث هنا- أكبر مثال على هذا، وعند التأمل في أقوالهم واعتقاداتهم لا نجد أنهم بارحوا أئمة المادية الإلحادية، وإذا أردنا بحق أن نعرف خلفيات الانحرافات الاعتقادية والفكرية والسلوكية عند هؤلاء فإننا لابد أن نطلع على المذاهب والعقائد والفلسفات الغربية لنجد أن أتباعهم من أبناء المسلمين ليسوا إلّا مسخًا عربيًا لأئمة الانحرافات الغربية.
فمثلًا في قضية وجود اللَّه -جل وعلا- وربوبيته تعالى لا يخرج ملاحدة الحداثة العربية عن دائرة المذاهب الشكية (^١) واللاأدرية (^٢) والمادية (^٣)
_________________
(١) الشكيّة: تصور فلسفيّ قريب من اللاأدرية، والشكية كعقيدة فلسفية انبعثت خلال أزمة المجتمع القديم. . . وكانت هناك اتجاهات شكية مختلفة في الفلسفة الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبصفة عامة لعبت النزعة الشكية دورًا هامًا في دحض العقائد القطعية. . .، ومن ثم مهدت الأرض لاعتناق المادية. والشكية الريبية الحديثة (المذهب الوضعي والمذهب العلمانيّ) تتمثل في التصديق بما تنقله الحواس، وفي إثبات حقيقة العالم الماديّ لا غير، وفي الشك في وجود اللَّه. انظر: الموسوعة الفلسفية من وضع لجنة من الأكاديميين السوفييت، ترجمة: سمير كرم: ص ٢٦٤، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية لجلال الدين سعيد: ص ٢٥٨ - ٢٦٠، والموسوعة الفلسفية للحنفي: ص ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٢) اللاأدرية: مذهب فلسفي مشتق من كلمة لا أدري، ويسمى اللاعرفانية، ويقوم على الإنكار الكلي أو الجزئي لإمكان معرفة حقيقة الأشياء أو البت في المسائل الماورائية كوجود اللَّه ونهاية الكون، وظهرت هذه النزعة مع بيرون والسوفسطائيين، واللاأدرية بمعناها العام هي وجهة النظر التي تنكر إمكان التأكد من وجود اللَّه تعالى، ويقولون بأن إثبات وجود اللَّه تعالى أو إنكاره مستحيل، يعتبر الإنجليزي توماس هكسلي ١٢٤٠ هـ - ١٣١٢ هـ/ ١٨٢٥ م - ١٨٩٥ م أول من صاغ أصطلاحات اللاأدرية، واستُخدم هذا المذهب بشكل واسع في فلسفة القرن التاسع عشر. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية ص ٣٨٧، والموسوعة الفلسفية لجماعة من علماء السوفييت: ص ٤٠٢، والموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص ٣٩٠، ٤٢٦.
(٣) المادية: اتجاه فلسفيّ وضعيّ يقرر بأن لا وجود لأي جوهر غير المادة، فجميع =
[ ١ / ١٠٨ ]
بجوانبها العديدة وأوجهها المتنوعة: المادية الاقتصادية (^١)، والمادية التاريخية (^٢)، والمادية الجدلية (^٣)، وكل ما انبثق عن هذه الشجرة
_________________
(١) = الظواهر النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية إنّما يفسرها الوجود الماديّ، ويتضمن المذهب الماديّ أن هذا العالم أبديّ، وأنه لا محدود في الزمان والمكان، والمادية تذهب إلى أن الوعي نتاج للمادة وانعكاس للعالم الخارجيّ، ظهرت المادية في عدة مدارس وفلسفات وتوجهات في الغرب منذ ما يسمى عصر النهضة ثم تطورت المادية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، واحتلت الفلسفة المادية الفرنسية الدور الأكبر على يد لامتري وديدرو وهلفيتوس وهولباخ، والتزموا بالمفهوم الآليّ للحركة على اعتبار أنها صفة كلية غير قابلة للتعبير، وكانت الرابطة العضوية قائمة بين كل أنواع المادية والإلحادية وبلغت الذروة في فلسفة فيورباخ القائلة بالمذهب الطبيعي ثم وصلت أقصى حد لها في المادية الماركسية المادية الجدلية القائمة على الإلحاد وجحد وجود اللَّه تعالى. انظر: معجم المصطلحات: ص ٤٠٥، والموسوعة الفسلفية: ص ٤٢٩ - ٤٣١.
(٢) المادية الاقتصادية: فرع من الفلسفية المادية، ويقوم على اعتبار الاقتصاد القوة الوحيدة في التطور الاجتماعي، وتعتبر الماركسية أظهر أنصار المادية الاقتصادية. انظر: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٤٣١.
(٣) المادية التاريخية: فلسفة التاريخ التي تقول بها الماركسية، وهي جانب تطبيقي للمادية الجدلية في مجال دراسة المجتمعات، وترد حركة التاريخ إلى تطور قوى وعلاقات الإنتاج في المجتمع وتاريخ التطور الاجتماعيّ هو تاريخ الإنتاج الماديّ، وتاريخ منتجي الحوائج المادية وتاريخ الجماهير العاملة، والمادية التاريخية جزء مكون للفلسفة الماركسية اللينينية، ويعتبرونه العلم الذي يدرس القوانين العامة للتطور الاجتماعيّ وأشكال تحققه في نشاط الناس التاريخيّ، على أساس ماديّ بحت وليس لأي قوة خارج المادة أي أثر في ذلك مطلقًا. انظر: الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص ٤٠٧، والموسوعة الفلسفية للسوفييت: ص ٤٣١، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص ٤٠٥.
(٤) المادية الجدلية: النظرية العامة للماركسية اللينينية صاغها ماركس وإنجلز ولينين، أمّا ماوتس تونج فماركسيّ المذهب قليل البضاعة في الفلسفة، وقد أخذ ماركس وإنجلز المادية عن فيورباخ والجدل عن هيجل، واعتبر الفكر انعكاسًا للواقع وليس العكس، وفي التفكير الماديّ الجدليّ إن الوجود كله وحدة متماسكة تترابط فيه الأشياء والأحداث ارتباطًا عضويًا وفي حالة حركة وتجدد دائمين، فهناك باستمرار شيء يولد ويتطور، ولا تعتبر المادية الجدلية مجرد نظرية بل دعوة ومنهاج وبرنامج عمل وعقيدة؛ ولذلك فالماديّ الجدليّ بالضرورة اشتراكيّ ملتزم بالنضال الصريح والعنيف ضد العقائد =
[ ١ / ١٠٩ ]
الخبيثة من آداب وأفكار ومذاهب أدبية، ومدارس نقدية ومناهج فكرية وممارسات عملية، كما أنهم تأثروا بالمذهب الطبيعي بشتى اتجاهاته (^١)، والمذهب العقلاني المؤله للعقل والمستبعد لما وراء الطبيعة أو تفسيرها تفسيرًا عقليًا ماديًا (^٢)، وانساقوا وراء الوضعية بتياراتها المختلفة الوضعية الجديدة أو الوضعية المنطقية، والوضعية المنطقية الأخلاقية (^٣).
_________________
(١) = الأخرى وخاصة الأديان وكل الغيبيات، وتقوم عقائده أصلًا على جحد وجود اللَّه تعالى. انظر: الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص ٤٠٧ - ٤٠٨، والموسوعة الفلسفية للسوفييت: ص ٤٣٣ - ٤٣٤، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص ٤٠٥.
(٢) المذهب الطبيعيّ في الفلسفة هو: تفسير تطور المجتمع بقوانين الطبيعة مثل الأحوال المناخية والبيئية والجغرافية والاختلافات البيولوجية "وظائف الأعضاء" والاختلافات الجنسية بين الشعوب، ويقوم هذا المذهب على مركزية الإنسان في الكون، وقام بدور كبير في القرنين السابع عشر والثامن عشر ضد النزعة الروحية، ومن فروعه: المذهب الطبيعي الأخلاقيّ وهو اسم عام يطلق على نظرياته في الأخلاق واللذة يوحد بينها مبدأ يقول بأن مفهوم الخير يتحدد عن طريق نوع من المفهوم الطبيعيّ مثل اللذة أو التطور البيولوجي، ومن فروعه المذهب الطبيعي في دراسة الإنسان، وهو مذهب ماديّ سبق الماركسية وأعد لها الأجواء، يعتبر الإنسان النتاج الأعلى للطبيعة، ويفسر كل الملامح والصفات الخاصة بالإنسان من منظور طبيعي "نسبة إلى الطبيعة" ويوْكد وحدة الإنسان والطبيعة ومضاد لمفهوم أن الإنسان روح وجسد. انظر: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٤٧٠ - ٤٧٢.
(٣) المذهب العقلانيّ: يقوم على الإيمان بالعقل وقدرته، وأنه يصل إلى تحصيل الحقائق من العالم بدون مقدمات تجريبية، ولا تُستمد المعرفة عندهم من الخبرة الحسية، وأهم فلاسفة هذا المذهب ديكارت وسيبنوزا ولايبنتس، وكان دالمبير وفولتير وكندوروسيه أبرز المفكرين الذين ذهبوا إلى إعلاء العقل كنقيض للخرافة والإيمان حسب قولهم، ويريدون بذلك الإيمان باللَّه ربوبية وألوهية، والمعاد وسائر الغيبيات. انظر: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٤٧٢ - ٤٧٣، والموسوعة الفلسفية للحنفي: ص ٤٣١.
(٤) الوضعية: مذهب فلسفيّ يرى أن الفكر الإنسانيّ لا يدرك سوى الظواهر الواقعة والمحسوسة وما بينها من علاقات أو قوانين، والعلوم التجريبية هي المثل الأعلى =
[ ١ / ١١٠ ]
أمّا المذهب الكفريّ الذي أغرقوا في محبته واتباعه وتغنوا بأفكاره
_________________
(١) = لليقين، وتسمى الوضعية أحيانًا: الإيجابية وهي قبل كل شيء موقف معاد لكل الأبحاث الماورائية أي: كل ما هو خارج نطاق المحسوس، ويشمل ذلك كل الغيبيات وأول شيء فيها وجود اللَّه تعالى، ويعتبرها الوضعيون عديمة الفائدة وأمارة تأخر في الذهن، وأبرز فلاسفتها أوجست كونت وهو المؤسس لهذا المذهب. والوضعية المنطقية: اتجاه منبثق من الوضعية، ويعول أساسًا على التجربة تحقيقًا للدقة والتحليل المنطقيّ للغة، ثم تحولت إلى دراسة تحليلية منطقية للغة لتحقيق وحدة مشتركة بين فروع العلوم المختلفة، وتقول الوضعية المنطقية: إنه لا يمكن قيام فلسفة علمية أصيلة إلّا بواسطة التحليل المنطقيّ للعلم. ووظيفة هذا التحليل المنطقي هي أولًا: التخلص من الميتافيزيقيا، أي: كل ما وراء الطبيعة وهو ما سبق شرحه عند ذكر الماورائية، وتسمى الوضعية المنطقية: الوضعية الجديدة، وقد تولد منها وضعيات أخرى مثل الوضعية المنطقية في علم الأخلاق والسياسة الوضعية، وأساس ذلك عندهم إقامة نظام أخلاق واجتماعي ملائم للعصر الصناعيّ، وأن الخير والشر ليس لها معنى على الإطلاق وأنها ليست سوى أشباه مفاهيم، وتعتبر الوضعية المنطقية وتطبيقاتها ديانة وضعية، ديانة إنسانية تزدري الميتافيزيقيا. وأظهر فلاسفتها بعد كونت براتراند راسل الفيلسوف الإنجليزيّ الملحد المنادي بحقوق اليهود والتحرر الجنسيّ، ولودفيج فتجنشتاين وهو يهوديّ، وفلاسفة حلقة فينا هانزهان وأوتونويراث وفيليب فرانك وارنست ماخ وفريدريش فايزمان وفيلكس كلوفمان وردولف كارناب اليهوديّ الألماني، وقد ذاع بأن هذه الحلقة تجمع يهوديّ وأن نواة دعوتها صهيونية، وقد ذاعت دعوتها وانشد إليها الكثير من الفلاسفة في أوربا وأمريكا، وكان أبرزهم الفريدتارمسكي وجيلبرت رايل وألفريد اير، وقد تأثرت بالوضعية عدة فلسفات معاصرة مثل البرغماتية "الذرائعية". وخلاصة القول: إن الوضعية تناهض الميتافيزيقيا وكل ما وراء الحس بدعوى أنها تبحث في موضوعات لا معنى لها طالما أنها موضوعات تتجاوز الخبرة، ولا يُمكن من صدقها عمليًا. انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٥٢٦ - ٥٢٨، ٣٦٢، والمفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص ١٦٦، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص ٤٨٧ - ٤٨٩، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٥٨٢ - ٥٨٥، والمعجم الفلسفي: ص ٢١٤.
[ ١ / ١١١ ]
وفلسفاته وشخصياته فهو المذهب الوجوديّ (^١) القائم على الإلحاد وإنكار الإله -جل وعلا-.
وبشكل عام يتلقى رواد الحداثة العربية المنكرون لوجود اللَّه وربوبيته المذهب الإلحاديّ (^٢)، وكافة فروعه العلمية والعملية بوَلَهٍ ومحبة واعتناق.
_________________
(١) الوجودية: مذهب فلسفي يقوم على إبراز الوجود وخصائصه، وجعله سابقًا على الماهية، فالإنسان عندهم وجود لا ماهية، ومعنى ذلك أن الإنسان يوجد أولًا ثم تتحدد ماهيته باختياراته ومواقفه، ويقولون بالحرية المطلقة للفرد بحيث يملأ وجوده بالنحو الذي يلائمه، وتعتبر الوجودية تيارًا فلسفيًا يضم جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة تقوم على الكفر باللَّه ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان، ويعدونها عوائق أمام حرية الإنسان ومستقبله، ويعتبر الإلحاد أحد أهم مبادئ الوجودية ومن خلاله توصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة، ومن ذلك أنه لا وجود لقيم ثابتة توجه سلوك الإنسان وتضبطه، وإنّما كل إنسان يفعل ما يريد، وليس لأحد أن يفرض قيمًا أو أخلاقًا معينة على الآخرين؛ ولذلك دعت الوجودية إلى الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية، والوجوديّ الحق عندهم هو الذي لا يقبل توجيهًا من خارج ذاته، وإنّما يسير نفسه بنفسه ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود، ومن مظاهر الوجودية التمرد والفوضى والحرب على التراث والأخلاق وجميع الضوابط القانونية والعرفية والشرعية واطراح الماضي. ومن أبرز فلاسفة الوجودية مؤسسها كيركغارد وهيدغر وكامو وجان بول سارتر الملحد نصير الصهيونية وكارل جاسبرز، وقد أثرت الوجودية تأثيرًا كبيرًا في الأدب الحديث خاصة في الرواية والمسرح، وبرز في ذلك سارتر وألبيركامو ودستويفسكي وغيرهم. انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٥٢٥ - ٥٢٦، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص ٤٨٥، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة من إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي - الرياض: ص ٥٤٣ - ٥٤٥، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٥٧٩، والمعجم الفلسفي: ص ٢١١.
(٢) المذهب الإلحاديّ: مجموعة من الآراء والفلسفات التي تنكر وجود اللَّه والبعث والحساب والخلود والنبوات وسائر الغيبيات، وتقول بإمكان وجود أخلاق ونظام ومجتمع بدون أي أساس دينيّ، ويقول الملحد: إن لفظة اللَّه بلا مدلول، ويضم هذا المذهب اللاأدريين ومنهم توماس هنري هكسلي وليزلي ستيفن، وكلارينس دارو، وصرحاء الإلحاد مثل هولباخ وبوخنر وفيورباخ وماركس =
[ ١ / ١١٢ ]
وتجد أسماء أكابر مجرمي الإلحاد تتردد في كتبهم، وتتحول عندهم إلى رموز مقدسة وشخصيات متبعة، وأظهر أئمة الإلحاد الذين ظهر صدى إلحادهم في كتابات ملاحدة الحداثة هم:
١ - توماس هوبز ٩٩٧ - ١٠٩٠ هـ/ ١٥٨٨ - ١٦٧٩ م وهو فيلسوف إنجليزيّ، ومن أوائل الماديين المحدثين وأحد كبارهم، ألف كتاب مبادئ القانون الطبيعي والسياسي، ونشره سنة ١٠٤٩ هـ/ ١٦٤٠ م، ويعتبر ناقلًا لأفكار الماديين اليونان ديموقريطس (^١) وأبيقور (^٢) الذين هم جذور الإلحاد الفلسفيّ الغربي المعاصر، كان هوبز يحمل عداءً شديدًا للدين والكنيسة ورجال الدين، وليس في فلسفته ما هو جديد على أفكار الماديين اليونان إلّا ما قام به من إحياء لهذه المادية والدعوة
_________________
(١) = وشوبنهاور ونيتشه وسارتر وتوماس هوبز ودافيد هيوم وسبنسر وبرتراند راسل، وهؤلاء هم أئمة المادية الغربية الملاحدة، وأظهر صورة برز بها المذهب الإلحاديّ في مجال الحياة العامة في الماركسية وفي مجال الفكر والأدب في الوجودية. انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٤٢٦ - ٤٢٧، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٤٦٧.
(٢) هو: ديموقريطس الأبديري نحو ٤٦٠ ق. م - ٣٦١ ق. م، وتقوم فلسفته على أن الوجود واحد وهو ينقسم إلى عدد غير متناه من الوحدات غير المتجانسة وغير المدركة بالحس والواحد منها هو الجوهر الفرد، وهذه الواحدات قديمة أزلية، وعنه أخذ الماديون المعاصرون فكرة أزلية المادة، وأن وجود الكون ثمرة حركة مادة الكون الأولى، ثم تتحرك بوجود آلية الحركة الذاتية للوحدات غير المتجانسة التي يتألف منها الوجود، وهذا الذي يعرف بالمذهب الذريّ، وخلاصته: أن كل شيء يترابط بفعل حتمية ميكانيكية ذاتية في المادة والأجسام تتولد من انصهارات الذرات وتختفي بانفصالها، وهذا نفي لكون الخلق محدثًا من عدم، وأن له ربًا خالقًا مدبرًا، وقد أثنى لينين على ديموقريطس وأفكاره. انظر: موسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، ومعجم الفلاسفة: ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٣) أبيقور هو: فيلسوف يونانيّ ماديّ عاش ما بين ٣٤١ - ٢٧٠ ق. م، وقد تتلمذ على أفكار ديموقريطس وخاصة المذهب الذريّ، والابيقوريون يهاجمون الدين ويعتبرونه الشر الذي ما بعده شر، وينكرون ظاهرة العناية الإلهية التي هي إحدى أدلة المثبتين لوجود اللَّه ثعالى. انظر: أعلام الفلسفة ١/ ٥٢، ومعجم الفلاسفة: ص ٣٧ - ٣٩.
[ ١ / ١١٣ ]
إليها، فيعد بسبب ذلك أول الماديين المحدثين (^١).
٢ - ديفيد هيوم (١١٢٣ - ١١٩٠ هـ/ ١٧١١ - ١٧٧٦ م): وهو فيلسوف ومؤرخ واقتصاديّ اسكتلندي ملحد، آراؤه الفلسفية مبنية على إنكاره لوجود اللَّه تعالى، وإنكاره لأسس الأخلاق وفكرة السببية بين الأشياء، انتقل من عداوته للميثافيزيقيا إلى الدين ذاته، ولكي يهدم أصول الأخلاق ذكر بأن سلوك الإنسان عمل آليّ محض، ولا يوجد في الإنسان ما يسمى الإرادة الحرة، وزعم أن الدافع الأساسي لسلوك الإنسان اللذة والألم فقط، انتهج المنهج الشكي وقال به، وأدخل المنهج التجريبيّ إلى حقل العلوم الأخلاقية (^٢).
٣ - ديني ديدرو (١١٢٥ - ١١٩٨ هـ/ ١٧١٣ - ١٧٨٤ م): وهو فيلسوف ومفكر فرنسيّ، من مفكري حركة التنوير، أصله ألمانيّ، قرن بين الأدب والفلسفة، مرَّ في ماديته وإلحاده بعدة مراحل: كان ماديًا، ثم وصل إلى اعتناق مبدأ وحدة الوجود (^٣)، وناظر رجال الدين من منطلق عقلانيّ ماديّ مناهض لرجال الدين، ثم انتقل إلى المذهب الربوبيّ (^٤)، ثم انتقل إلى الإلحاد وتأثر بالنزعة الإلحادية الجريئة عند هولباخ، وعنده أن التجربة
_________________
(١) انظر عن توماس هوبز: معجم الفلاسفة: ص ٦٥٣ - ٦٥٥، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث لرونالدسترو مبرج ترجمة أحمد الشيباني ٢/ ٢٢، وموسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٥٤٩، وكواشف زيوف: ص ٤٢٨.
(٢) انظر عن ديفيد هيوم الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٥١٨ - ٥٢٠، وموسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٥٧٤، ومعجم الفلاسفة: ص ٦٦٩ - ٦٧٠ وفيه أنه أصيب بانهيار عصبي ولم يشف إلّا بعد عدة سنوات، واتهم بالهرطقة لعدائه للدين وأدرجت الكنيسة جميع كتبه في لائحة الكتب الممنوعة، وكان صديقًا لجان جاك روسو وآواه روسو ودبر له ملاذًا وفي نوبة هذيان لروسو ظن بهيوم الظنون بأنه يدبر مؤامرة ضده وراح يشيع عن خيانة هيوم له، فتأمل كيف اتخذ الغرب هؤلاء المجانين علماء وموجهين!!. وانظر: كواشف زيوف للميداني: ص ٤٢٩ - ٤٣٢.
(٣) سيأتي بيان معنى وحدة الوجود بمفهومه الغربي ص ١٣٩.
(٤) سيأتي شرحه ص ١٢٩.
[ ١ / ١١٤ ]
والملاحظة هما وسائل ودليل المعرفة وعن طريقهما يتمكن الفكر من إحراز المعرفة، وقد أثنى الماركسيون على أعمال ديدرو وتعاليمه وامتدحها إنجلز ولينين، وكانوا يلقبونه في عصره بالرسول والموحى إليه ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^١)، وكان يعرف ديدرو بأنه صاحب طابع أنثويّ (^٢).
٤ - هولباخ - بول هنري ديتريش (١١٣٥ - ١٢٠٣ هـ/ ١٧٢٣ - ١٧٨٩ م): كاتب وفيلسوف فرنسي من أصل ألماني، أبرز فلاسفة المادية الملحدة في القرن الثامن عشر، وأشد فلاسفة حركة التنوير إنكارًا للدين وتهجمًا عليه، ويطرح في كتبه كل ذلك بمضادة شديدة للدين، ويعد كتابه "نظام الطبيعة أو قوانين العالم الفيزيائيّ والعالم الأخلاقي" مرجعًا لتاريخ المادية الملحدة، هاجم الكنيسة والدولة والإقطاع وسلط أسلحته كلها على الدين، اهتم بترجمة الأدب الملحد من اللغات الأخرى إلى الفرنسية، تقوم فلسفته المادية الملحدة على أن الإنسان ابن الطبيعة وأنه لا وجود لشيء اسمه الروح، وأن الطبيعة مادة وحركة والعالم الماديّ من صنع نفسه، والتغير في الأشياء تغير في الجزئيات المكونة لها، دعا إلى الفلسفة الداعية لحكم الأخلاق حيث إن الأخلاق والأفكار عنده مصدرها الأحاسيس، ودعا إلى فصل الدين عن الدولة، متعصب لإلحاده، وكان في حياته يذم على صفاقة ذهنه (^٣).
٥ - شوبنهاور - آرثر (١٢٥٢ - ١٢٧٦ هـ/ ١٧٨٨ - ١٨٦٠ م): فيلسوف ألماني ملحد، تشاؤمي، ولد من أبوين أسرتهما مشهورتان بحالات أمراض عقلية، فقد مات والده منتحرًا، وكانت والدته أديبة روائية لها صالون أدبيّ
_________________
(١) الآية ١١٢ من سورة الأنعام.
(٢) انظر ترجمته في: موسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٤٤٥ - ٤٤٧، ومعجم الفلاسفة: ص ٢٦٧ - ٢٦٩، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص ١٨٨ - ١٨٩، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٣) الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحفني: ص ٥١٠ - ٥١١، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٥٦٤، ومعجم الفلاسفة: ص ٦٥٩ - ٦٦١.
[ ١ / ١١٥ ]
وكانت متسلطة عليه فكرهها وهجرها إلى أن ماتت، وانعكس علاقته بأمه على نفسه فصب مقته على النساء، وكان سليط اللسان، سفه أحلام معاصريه من الفلاسفة بكلام همجي ووصفهم بالدجل والثرثرة، كان شديد التشاؤم معقد النفس، مغترًا بنفسه، ممتلئًا بالمخاوف والقلق، ينام ومسدسه المحشو بالذخيرة تحت وسادته، يخاف من المرض ويتحرز منه بشدة وهلوسة، فإذا كان سليمًا معافى شك أنه ربّما كان مريضًا بشيء لا يعيه، منهمك في محبة الطعام والخمر والنساء رغم ادعائه أنه يمقتهن.
تقوم آراؤه الفلسفية على إنكاره لوجود الرب الخالق العظيم -﷾-، وعلل الوجود بأنه إرادة عمياء، وجعل الدافع الجنسي إرادة عمياء وأعضاء التناسل هي بؤرة هذه الإرادة وهي المركز الذي يقابله المخ، وأعضاء الجنس عنده هي أساس الحياة؛ لأنها تحفظها، وتتضمن حياة لا تنتهي، ومن أجل ذلك -في رأيه- عبدها اليونان واليهود، ويرى أن العلاقة الجنسية هي المحور المركزيّ لكل عمل وسلوك وهي تتجلى في كل شيء رغم محاولة سترها (^١)، ويعتبر الغريزة الجنسية روح شجرة النوع الذي تنمو عليها حياة الفرد، وبسب تشاؤمه قرر أن العالم شرّ، وجره كفره باللَّه واليوم الآخر إلى هذه الفلسفة، وإلى حياة الشقاء التي عانى منها ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (^٢).
دعا إلى الفن والأدب والجمالية التي تحتقر الواقع، وتكون بمنأى عن المصالح الحيوية للناس (^٣)، وقد شكلت فلسفته وآراؤه الأساس الاعتقادي لفلسفة نيتشه (^٤).
_________________
(١) أفكار شوبنهاور في الجنس هي نفسها التي أخذها فرويد فيما بعد ونشرها بأن جعل الجنس هو الدافع الوحيد الموجه لسلوك الإنسان.
(٢) الآية ١٢٤ من سورة طه.
(٣) سيأتي في هذا البحث -إن شاء اللَّه- إثبات أن هذه الفكرة تعد من أصول الحداثة العربية.
(٤) انظر ترجمته في: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٢٦٦، والموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحفني: ص ٢٥٥ - ٢٥٩، وموسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٤٢، ومعجم الفلاسفة: ص ٦٥٩ - ٦٦١، وكواشف زيوف: ص ٤٣٢ - ٤٣٩.
[ ١ / ١١٦ ]
٦ - فيورباخ - لودفيج اندرياس (١٢١٨ - ١٢٨٨ هـ/ ١٨٠٤ - ١٨٧٢ م): فيلسوف ماديّ ألمانيّ ملحد، اشتهر بنقده للنصرانية والدين عامة وتنحى فلسفته إلى تأليه الإنسان (^١)، له كتب مادية ملحدة مثل ماهية المسيحية وماهية الدين، ونظرية نشأة الكون، أخذ أفكار هيجل وانحدر معها نحو الإلحاد، وكان المضمون الأساسي لفلسفته إعلان المادية والدفاع عنها، وهنا تبدى المذهب الطبيعيّ (^٢) في دراسة الإنسان، ويعتبِر الدين استلابًا للسمات الإنسانية، ويعتبَر فيورباخ السلف المباشر للماركسية، وبأفكاره وفلسفاته تأثر كل من إنجلز وماركس، وبتأثيره الحاسم في أفكارهما يعتبر بمثابة الأساس للماركسية الملحدة (^٣).
٧ - داروين (١٢٢٤ - ١٢٩٩ هـ/ ١٨٥٩ - ١٨٨٢ م): عالم أحياء إنجليزيّ، ثم تفلسف في قضية الوجود فكانت فلسفته مادية إلحادية، صاحب نظرية الانتخاب الطبيعيّ التي يزعم فيها أن الكائنات الحية تنزع إلى الابتعاد في سماتها عن أصولها وتتطور، ويدعي أن الحياة يحكمها قانون الانتخاب الطبيعيّ، وأنه يحدث بالصدفة ويتأكد بالوراثة، وليس فيه قصد ولا نظام ولا يدل على علة تحدثه.
رفض داروين الأديان وجميع مضامينها وخاصة عن وجود الإنسان، بعضهم يصفه باللاأدرية وبعضهم يصفه بأنه ملحد صريح الإلحاد، وتقوم نظريته نظرية النشوء والارتقاء على فرضية أن أصل الكائنات العضوية ذات ملايين الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة منها نشأت الحياة ثم تطورت وارتفعت من الأدنى إلى الأرقى، وأن الطبيعة وهبت الأنواع القوية عوامل البقاء والنمو والتكيف، وتدرجت في الرقي إلى أنواع راقية جديدة
_________________
(١) سياتي في ثنايا البحث -إن شاء اللَّه تعالى- أن ذلك من أساسيات الحداثة العربية.
(٢) سبق بيانه: ص ١١٠.
(٣) انظر ترجمته في: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٣٦٥ - ٣٦٦، ومعجم الفلاسفة: ص ٤٥٥ - ٤٥٦، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٣٥٠ - ٣٥١.
[ ١ / ١١٧ ]
كالقردة ثم أنواع أرقى تتجلى في الإنسان، وأن كل ذلك يتم بفعل الطبيعة العشواء بدون قاعدة ولا منطق ولا نظام، ويقول بأن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق.
أدت هذه النظرية إلى انتشار الإلحاد بصورة أكبر في أوروبا، وتخلت جموع كثيرة بسببها عن الإيمان بوجود اللَّه تخليًا تامًا أو شبه تام، وترتب عليها أنه لا فائدة ولا جدوى من البحث في الغاية من وجود الإنسان، فأدى ذلك إلى إهمال العلوم الغربية لفكرة "الغائية" باعتبارها لا تقع في دائرة البحث العلمي، وأدى ذلك إلى طغيان الفوضى الاعتقادية والأخلاقية؛ لكون النظرية توحي بحيوانية الإنسان، وكانت هذه النظرية ممهدة لنظرية فرويد في التحليل النفسي، ولنظرية سارتر في الوجودية، وماركس في المادية الجدلية، ولنظرية التطور المطلق في كل شيء تطورًا لا غاية له ولا حدود، وسادت فلسفة أن كل عقيدة أو نظام أو سلوك هو أفضل وأكمل من غيره ما دام تاليًا له في الوجود الزمني، وأنه ليس ثمة كمال ثابت (^١)، كل ذلك في إطار عقيدة الإلحاد القائلة بأنه لا حكمة لوجود الخلق، ولا إله (^٢).
٨ - كارل ماركس (١٢٣٣ - ١٣٠٠ هـ/ ١٨١٨ - ١٨٨٣ م): مؤسس الشيوعية وفيلسوف الإلحاد المسمى بالمادية الجدلية والداعي إلى الاشتراكية العلمية، والشيوعية مذهب اقتصاديّ سياسيّ، يعتمد على أساس من الإلحاد المسمى بالديالكتيك والمادية، التاريخية الاجتماعية.
وأصل كل ذلك إنكار وجود رب خالق مدبر لهذا الكون، واعتقاد أن
_________________
(١) أصبحت هذه الفكرة أساسًا من أساسيات الحداثة كما سوف يأتي بيانه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(٢) انظر عن داروين والداروينية: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ١٧٧ - ١٧٨، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ١٩٢ وفيه عن الداروينية الجديدة: ص ١٩٣، والداروينية الاجتماعية: ص ١٩٣، والموسوعة الميسرة: ص ٢١١ - ٢١٩.
[ ١ / ١١٨ ]
المادة هي كل الوجود، وأن مظاهر الوجود تطور متصل للقوى المادية، وأن أجلى مظاهرها مظاهر تطور الإنسان، وأن أحداث هذا التطور الماديّ -حسب زعم الماركسية- تخضع لقانون جبريّ موجود في ذات المادة، وهو صفة من صفاتها الذاتية، وأن الحياة الاجتماعية والاقتصادية تسير وفق قانون الصيرورة، قائم على القضية ونقيضها ومركب القضية والنقيض وهذه هي المادية الجدلية، ومظهرها صراع الطبقات الاجتماعية.
وقد قامت الفلسفة الماركسية على أساس إنكار وجود اللَّه والقول بأزلية وأبدية المادة وجعلها كل شيء في الوجود، وتفسير حركتها وتفسيرها تفسيرًا ماديًا بحتًا، وبناءً على ذلك قام ماركس بتفسير التاريخ الإنسانيّ تفسيرًا ماديًا وأخضعه لنظام المادية الجدلية، وقد جعل ماركس فلسفته ممارسة حياتية، ففي الاقتصاد الاشتراكية العلمية وهي المذهب الاقتصاديّ القائم على إلغاء الملكية الفردية، وجعل الدولة مالكة لكل شيء على مبدأ: من كلٍ حسب استطاعته ولكل حسب حاجته، وفي السياسة دعا إلى إقامة الدولة الشيوعية عن طريق الثورة الجارفة المدمرة، وفي المجتمع دعا إلى إطلاق الحريات الشخصية على أوسع مدى شريطة أن لا تمس المبادئ الشيوعية أو نظام حكمها، ودعا إلى أن تكون العلاقة الجنسية مشاعًا، وفي الأخلاق نادى بهدم القيم والأخلاق التقليدية التي تعارف عليها الناس، لكي يقوم بدلًا عنها أخلاق البرامج الشيوعية، التي تحقق قيام المجتمع الشيوعيّ على نظام إداريّ سياسي شيوعيّ في دولة "ديكتاتورية البروليتاريا" أي الاستبداد الشيوعيّ الصارم من قبل رأس هرم الحزب الشيوعي، وقد تحقق قيام الشيوعية في دولة الاتحاد السوفيتي الهالك، ودولة الصين الشيوعية المتهالكة، وما تبع ذلك من دول، ولكن الشيوعية اليوم ممارسة وفكرًا تتهاوى وتتلاشى مؤذنة بزوالها التام عما قريب -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقد كان ماركس يهودي الأصل، اعتنق والده النصرانية نفاقًا، وكان ماركس صاحب مزاج خبيث وعالة على أهله وأصدقائه، قامت فلسفته على آراء ملاحدة اليونان أبيقور وديموقريطس، ثم أخذ عن هيجل الجدل
[ ١ / ١١٩ ]
والمادية، ثم عن فيورباخ المادية الإلحادية، ثم التقى بإنجلز وشكلا معًا ثنائيًا متساندًا في الكفاح والنضال من أجل نشر المبادئ الشيوعية الإلحادية (^١).
وقد تأثر جملة من أدباء الحداثة العربية بالماركسية فكرًا وفلسفة وعقيدة، ودافعوا عنها وسعوا في نشرها وبثها والإشادة بشخصياتها وتاريخها، وبعضهم انضم إلى الأحزاب الماركسية الموجودة في بلدانهم (^٢).
٩ - إنجلز- فريدريك (١٢٣٥ - ١٣١٢ هـ/ ١٨٢٠ - ١٨٩٥ م): فيلسوف ألمانيّ ماديّ ملحد، شارك كارل ماركس في صياغة الفلسفة الماركسية وسائر نظرياتها بعد أن التقيا سنة ٢٦٠ هـ/ ١٨٤٤ م، وقد تكفل بالإنفاق على ماركس في حياته وعلى أسرته بعد وفاته، وكل كتابات إنجلز تدور حول تأصيل الماركسية وإذاعة مبادئها، وسعى لأن تكون حركة دولية وانشغل بالجانب السياسيّ والعسكريّ في الانتفاضة الثورية الألمانية ١٢٦٤ هـ/ ١٨٤٨ م، وظل مهتمًا بجعل الشيوعية نظامًا سياسيًا شاملًا، وكرس جهده في الجانب التطبيقي منها، واحتك بالطبقة العاملة (^٣).
١٠ - بوخنر - لودفيج بوخنر (١٢٣٩ - ١٣١٦ هـ/ ١٨٢٤ - ١٨٩٩ م): فيلسوف ألمانيّ ماديّ ملحد اشتهر بكتابه "القوة والمادة"،
_________________
(١) انظر ترجمة ماركس في: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٤٣٨ - ٤٤٠، وفيها أيضًا تعريفات للماركسية اللينينية: ص ٣٤٧ - ٣٤٩، ٣٣٤ - ٣٣٦، ٤٤٠ - ٤٤٢، وانظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٤١١ - ٤١٣، ومعجم الفلاسفة: ص ٥٧١ - ٥٧٦.
(٢) من أدباء الحداثة الماركسية الشيوعية أو ما يسمى بأدباء الواقعية الاشتراكية: توفيق زياد وسميح القاسم ومحمود درويش ومعين بسيسو وحسين مروة والبياتي وعبد الرحمن الخميسي وأحمد سليمان الأحمد ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ورجاء النقاش وأميل حببيبي ومحمد دكروب.
(٣) انظر ترجمته في: معجم الفلاسفة: ص ٩٠ - ٩١، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٦٩، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٥٦ - ٥٨.
[ ١ / ١٢٠ ]
ونظريته الواحدية التي ترد القوة للمادة وتجعل منها شيئًا واحدًا، ويعرف القوة بأنها نشاط أو حركة المادة، ويعد بوخنر أبرز ممثلي المادية المسرفة، والتي تدعي أنها ترد كل أعمال الإنسان بما فيها الوعي والفكر إلى مضمار المادة والطاقة، وزعم بأن الشواهد العلمية تنكر وجود قوة خارج نظام الطبيعة ويرفض لذلك الغائية؛ لأنه لا يعتبر للغائية تفسيرًا سوى القوانين العلمية، آراؤه المادية الإلحادية تشابه أسلافه من الماديين الملاحدة وأحكامه في ذلك خالية من البراهين ومقرونة بالادعاء والتقريرية الفجة، وبها حاول أن يقاوم القطعيات العقلية في المثبتة لوجود اللَّه والغيبيات، ولكن بلغة وحجة ضعيفتين (^١).
١١ - نيتشه - فريدريك فلهم (١٢٦٠ - ١٣١٧ هـ/ ١٨٤٤ - ١٩٠٠ م): فيلسوف ألمانيّ ملحد، مجنون، مصاب بداء العظمة إلى حد تأليه النفس، بدأ بمرحلة الشك والتشتت منذ الثامنة عشرة من عمره وفيها فقد الإيمان بوجود إله خالق مدبر لهذا الكون، ثم قرأ كتاب شوبنهاور "العلم كإرادة وتمثل" وتأثر بفلسفته الإلحادية وتشاؤمه، ثم استرسل في شكه وإلحاده، وأصبح يعادي أصدقاءه تباعًا حتى أصبح في عزلة تامة مع ازدياد جنون العظمة في نفسه حتى حل به الجنون الكامل وفقد عقله كليًا وبقي كذلك حتى هلاكه، وكان قد حاول الانتحار عدة مرات في حياته.
ومن أشهر كتبه "هكذا تكلم زرادشت" صاغ فيه فلسفته بأسلوب شعريّ، وكان مطمحه أن يكون بديلًا عن الإنجيل وبشارة في الوقت نفسه بالأزمنة الجديدة، وليقوم على نقد الدين والقيم الثقافية السائدة، يعد في ميزان الغرب ثالث ثلاثة في الفلسفة الألمانية بعد كانت وهيجل.
آراؤه مليئة بالتخبط والخلط والتخريف، وتقوم على الإلحاد، وجحد وجود اللَّه تعالى والأديان والغيبيات، وجحد اليقينيات والحقائق والتعلق
_________________
(١) انظر ترجمته في: معجم الفلاسفة: ص ١٧٦، والموسوعية الفلسفية للحفني: ص ١١٥ - ١١٦، وكواشف زيوف: ص ٢٤٢.
[ ١ / ١٢١ ]
بأوهام خرافية مع دعاوى عريضة خالية من أي دليل أو برهان؛ لأنه يلغي أصلًا مبادئ الفكر وموازين العقل (^١)؛ ولذلك كثرت عنده الأغاليط الفكرية والتخبطات الذهنية، وذلك يرجع إلى رؤيته الناقصة للأشياء والأحداث، وأحكامه التعميمية السريعة، مقرونة بالإعجاب بنفسه والغرور بفكره، وقد توجد في كتبه بعض المقولات ذات التعبيرات القوية الذكية، تشبه ذكاء الشعراء والأدباء الساخرين، لا الحكماء العاقلين، وهذا هو سبب اغترار الإمعات به وانجرارهم إلى شرك أوهامه.
وتدور آراؤه حول نفي العقل، وأنه لا حاجة إليه وأنه خطر (^٢)، وإنكار الحقائق والزعم بأن الوجود في "صيرورة دائمة" أي التغير الدائم الذي ليس له غاية ينتهي إليها بل الصيرورة عنده غاية في نفسها وهي كل شيء ولا شيء وراءها (^٣).
ومن محاور فلسفته القول بإرادة القوة حيث جعل القوة هي الفضيلة العظمى والوحيدة في الوجود كله، فدعا إليها وإلى استعمالها دون إشفاق أو حنان واعتبر هذا هو أساس الأخلاق؛ ولذلك يسمى "فيلسوف القوة".
وأخذ نيتشه بنظرية التطور المسماة مذهب التطور والارتقاء (^٤)، وزعم أن كل صنف يخلق صنفًا أرقى منه وهكذا تم الأمر من الحيوان حتى وصل في آخر الأمر لخلق الإنسان، وأن على الإنسان أن يخلق الصنف الأعلى والأرقى وهو "السوبرمان" أي الإنسان الأعلى، وجعل ذلك هو غاية الإنسانية.
_________________
(١) و(^٢) سيأتي في ثنايا البحث -بإذن اللَّه- أن الحداثيين يعتبرون رفض العقل وموازينه والضوابط أيًا كانت من أصول حداثتهم وإبداعهم.
(٢) من أصول الفكر الحداثيّ الصيرورة الدائمة وعدم الثبات مطلقًا، وسيأتي بيان ذلك -إن شاء اللَّه-، وهذا هو منزعهم الذي نزعوا منه "نيتشه الملحد المجنون" إضافة إلى "داروين".
(٣) نظرية داروين.
[ ١ / ١٢٢ ]
ويقرر نيتشه أنه ليس بعد الموت شيء، وبين هذا القول ومذهب القوة قرر أن الانتحار مظهر من مظاهر القوة ويسميه الموت الإراديّ، غير أنه لم يطبق هذا المبدأ على نفسه رغم كثرة علله وأمراضه، حتى وصل إلى الجنون ولم ينتحر.
وبناء على هذا الخليط المشوش من الأفكار نادى بتحطيم القيم التقليدية وهدم المذاهب الأخلاقية والدينية والفلسفية، وإيجاد قيم جديدة (^١) للوصول إلى خلق الإنسان الأعلى "السوبرمان".
ودعا الإنسان في الأخلاق الجديدة التي أرادها ليكون فوق كل قيمة وكل قانون وفوق ما يسمى الخير والشر؛ لأن مهمته الرئيسية هو أن يكون خالقًا للقيم التي يريد، واضعًا ما يشاء من الأخلاق والسياسة والنظم والمعتقدات (^٢)، وأساس كل مزاعمه هذه إعلانه الإلحاديّ الكافر بأن اللَّه مات -تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا- وأعلن نفسه إلهًا وربًا (^٣)، حتى وصل إلى الجنون ومات كذلك (^٤).
ويعتبر نيتشه في أفكاره هذه وغيرها قدوة للحداثيين وأستاذًا كبيرًا وفيلسوفًا عظيمًا عندهم.
١٢ - سبنسر - هربرت (١٢٣٥ - ١٣٢٠ هـ/ ١٨٢٠ - ١٩٠٣ م): فيلسوف إنجليزيّ ملحد، يقولون عنه بأنه أعظم فيلسوف إنجليزي في القرن التاسع عشر، وفاخرت به إنجلترا ورفعته إلى مرتبة العبقريّ القويّ ورأت فيه أوروبا واحدًا من عظماء ذلك القرن.
_________________
(١) و(^٢) سوف يأخذ هذا المبدأ الهدام دعاة الحداثة وينادون به ويدعون إليه وهو ما سوف نراه في الفصل المختص بالأخلاق من هذا البحث.
(٢) وهذا مبدأ أخذته الحداثة ودعت إليه ونادت به كما سوف يأتي.
(٣) انظر ترجمته في: موسوعة أعلام الفلسفة ٢/ ٥١٢ - ٥١٥، ومعجم الفلاسفة: ص ٦٢٥ - ٦٢٨، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٤٨٩ - ٤٩١، وكواشف زيوف: ص ٤٤٢ - ٤٥٠.
[ ١ / ١٢٣ ]
نشأ سبنسر مريضًا كسولًا وكان يشعر بأنه صاحب رسالة، فأراد أن يعطي تصورًا عن العالم وتفسيرًا للوجود يعتمد على العلم والعقل، فشرع في التأليف معتمدًا على مواهبه الفطرية، وثقافته الذاتية، وملاحظاته المباشرة، فنزع إلى الإلحاد والمادية، وارثًا ذلك عن أبيه وجده لأبيه فقد كانا ماديين لا يؤمنان بشيء فوق الطبيعة.
قامت نظرته الفلسفية على نظرية الارتقاء المماثلة لنظرية دارون، ونشر عن ذلك قبل أن ينشر دارون كتابه "أصل الأنواع" بتسع سنوات، ثم لما نشره دارون زاد ذلك من حماسة سبنسر لفكرته وانبرى يؤلف سلسلة من الكتب تشرح كل العلوم المعروفة في ضوء نظرية التطور والارتقاء المادية الإلحادية في محاولة منه لوضع نظرية فلسفية شاملة، أو فلسفة تركيبية كما كان يسميها.
هناك من يعد إلحاده من مذهب اللاأدرية (^١)، وهناك من يعده من صرحاء الملحدين، تدور فلسفته على فكرة التطور الذاتي، وجعلها مفسرة لكل ظواهر الوجود وأخضع لها كل شيء، الحياة والعقل والمجتمع والأخلاق (^٢).
يرى أن العقل عاجز عن إدراك الحقيقة، ومع ذلك يعظمه ويقيس به كل شيء وهو عنده كالّ ضعيف!!!، يعتبر سبنسر أستاذًا من أساتذة المذهب الوضعي (^٣).
وبناء على فلسفته المادية يقول: كل ما يتجاوز إدراكنا ونطاق العلوم الواقعية يؤلف مجال المجهول ويؤدي إلى الاعتقاد بوجود ما لا يُمكن معرفته. . . ثم يرتب على هذه المقدمة الفاسدة نتيجة فاسدة هي: كل ما نستطيع أن نجزم بصدده هو أن نقول: إننا لا نعرف ما إذا كان اللَّه موجودًا أو غير موجود، وما من سبيل أمامنا إلّا أن نعتنق اللاأدرية بوصفها الاختيار
_________________
(١) سبق شرحه ص ١٠٨.
(٢) وهذا مبدأ من مبادئ الحداثة الأساسية.
(٣) سبق شرحه ص ١١٠.
[ ١ / ١٢٤ ]
الوحيد (^١)، انتشرت فلسفة سبنسر في أمريكا وتأثر بها بعض الشرقيين (^٢).
١٣ - برتراند راسل (١٢٨٩ - ١٣٨٩ هـ/ ١٨٧٣ - ١٩٧٥ م): رياضيّ وفيلسوف إنجليزيّ ملحد، أشهر فلاسفة فترة ما بين الحربين العالميتين، كتب كثيرًا في الفلسفة وفروعها المتعددة، يعتبر رائدًا للحداثيين والمثقفين التقدميين الملاحدة في أوروبا والغرب وأتباعهم.
شديد الغلو في إلحاده الذي بثه في مؤلفاته الفلسفية والأدبية والتي نال عليها جائزة نوبل للاداب عام ١٣٦٩ هـ/ ١٩٥٠ م، أثرت مؤلفاته المبسطة والمتعمقة على الناس في أوروبا وأمريكا وصبغت الفكر الأوروبي والأمريكي المعاصر بصبغة ما زالت ملازمة لها.
تدور فلسفته على الإلحاد أولًا والمذهب الوضعي وفلسفة الشك المسيطر على جوانب فكره، ويظهر التناقض والعجز الفلسفي في مؤلفاته، ينادي بالمنطق الرياضي وتطبيقه فلسفيًا، ويتبنى مبدأ التغير المستمر، ويزعم أنه من المستحيل إدراك الواقع خارج نطاق مناهج علوم الطبيعة ثم شكك في ذلك، آراؤه في علم النفس مغرقة في المادية باعترافه، وذهب إلى اعتبار الإنسان جزءًا لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة وأن عقله خاضع للقوانين الطبيعية، نفى وجود اللَّه والبعث بعد الموت والخلود، وصب هجومه على الدين بشتائم مليئة بالحقد والكراهية، وزعم أنه لا فائدة من النظريات الأخلاقية، وقال بنسبية آداب السلوك (^٣)، وأرجع النشاط الإنسانيّ إلى الغريزة والعقل والروح، ودعا إلى نظام اشتراكي تحرريّ إنسانيّ، وأسس مع سارتر الملحد الوجوديّ الفرنسي مؤسسة راسل للسلام ضد الحرب والسلاح النوويّ.
_________________
(١) انظر عن سبنسر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٢٣٦ - ٢٣٧، ومعجم الفلاسفة: ص ٣٢٧ - ٣٢٩، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٢٤١ - ٢٤٢، وموسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٥٤٥، وكواشف زيوف: ص ٤٥٠ - ٤٥٣.
(٢) ممن تأثر بها جلال صادق العظم الذي يحاول أن يؤكد الإلحاد في كتابه "نقد الفكر الدينيّ"، وقد رد عليه الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني في "صراع مع الملاحدة حتى العظم". انظر: كواشف زيوف للميداني: ص ٤٥١.
(٣) النسبية في الأخلاق أساس حداثيّ شهير سيأتي بيانه.
[ ١ / ١٢٥ ]
ودافع عن الإباحية الجنسية، والزواج الجماعيّ، والزواج تحت التجربة والاختبار، وحرية الحياة الجنسية، والسماح بها في سن مبكر، وناهض قوانين منع اللواط، وغير ذلك من الثمرات المرة البائسة للمادية والإلحاد (^١).
١٤ - هايدجر مارتن (١٣٠٦ - ١٣٩٦ هـ/ ١٨٨٩ - ١٩٧٦ م): فيلسوف وجوديّ عدميّ ألمانيّ ملحد، يعدونه أهم فيلسوف في القرن العشرين، ويسمونه مفكر الوجود لدوران فلسفته حول سؤال: ما الوجود؟، وهو تلميذ لادموند هوسرل اليهوديّ الألمانيّ، وكان هايدجر عضوًا في الحزب النازيّ وكان شديد التعصب لوطنه ولغته، ويرى أن الفلسفة لا يُمكن أن تكون بدون اللغة الألمانية وأن شعبه هو الوحيد القادر على تجديد الفكر الغربيّ.
حاول في كتابه "الوجود والزمان" أن يحدد علاقة الوجود بالإنسان انطلاقًا من الإنسان الذي هو الإله (^٢) الذي يحضر الوجود هنا، وأنه يفهم الوجود الإنساني من حيث أن الإنسان هو الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، وأنه حذف به إلى عالم ليس من صنعه، إلّا أنه قد أخلي بينه وبين استيعابه وتعديله، ويرى أن القلق هي الحالة الوحيدة التي تبدو بها حقيقة الإنسان وتعيد إليه الوعي وليس للإنسان من دور سوى أن يسعى لإقامة وجوده، ودعا إلى إقامة مجتمع حر ليبراليّ يهتم بالثقافة والقيم.
وفلسفة الوجود أساس فكرته، ويشدد عليها، ويرى أن التشديد من الآن فصاعدًا سيكون على الوجود الذي لا يعدو الإنسان أن يكون هو إلهنا العائد إليه "حسب زعمه الإلحاديّ"، وأن الوجود هو مقوم إنسانية الإنسان، وأنه قاعدة كل مذهب إنساني، والوجود ليس هو اللَّه -تعالى اللَّه- ولا أساس
_________________
(١) انظر عن براتراند راسل: موسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٤٨٢ - ٤٨٩، ومعجم الفلاسفة: ص ٢٨٩ - ٢٩٠، وكواشف زيوف: ص ٤٥٣ - ٤٨١، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص ٢٠٨ - ٢١٣.
(٢) تأليه الإنسان أصل من أصول الحداثة العربية.
[ ١ / ١٢٦ ]
العلم، الوجود هو أبعد من كل موجود (^١).
ولهايدجر تأثير واضح على سارتر وفلاسفة الوجودية من بعده.
١٥ - سارتر - جان بول سارتر (١٣٢٢ - ١٤٠٠ هـ/ ١٩٠٥ - ١٩٨٠ م): كاتب وفيلسوف وجوديّ فرنسيّ ملحد، تتلمذ على هايدغر وعلى هوسرل اليهوديّ الألمانيّ، كتب في الفلسفة والأدب بمنظور إلحاديّ ماديّ وجوديّ، وأحب الماركسية ودافع عنها رغم انتقاداته لبعض أفكارها وممارساتها وحاول إيجاد حركة سياسية يسارية جديدة تكون نواة لحزب يساريّ بديل عن الحزب الشيوعيّ يستقطب به المثقفين والعمال، وأصدر صحيفة اليسار، والوجودية التي نادى بها سارتر ليست في الأصل مذهبًا بل إنها تمرد على المذاهب لأنه لا يُمكن أن يكون ثمة مذهب للوجود -هكذا يزعم سارتر- مع أن الحقيقة أن الوجودية أصبحت مذهبًا تمرديًا أنانيًا ينادي بالحرية المطلقة للفرد ليتحقق بها ما يشاء من أعمال وسلوكيات.
تعرف سارتر على سيمون دي بفوار وعشقها سنة ١٣٢٣ هـ/ ١٩٠٦ م وبقيا في معاشرة داعرة طوال حياة سارتر وبصورة معلنة؛ وذلك ليثبت وجوديتهما من خلال رفض رباط الزواج وممارسة الوجودية عمليًا، ولسارتر كتاب بعنوان تأملات في المسألة اليهودية نشره عام ١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م وهو معروف بمناصرته العلنية لليهود والصهيونية.
وسارتر يجحد وجود اللَّه تعالى وكتبه ورسله والغيبيات جميعًا وكل ما جاءت به الأديان ويعتبرها عوائق ضد حرية الإنسان ويعد التقدم والتطور في الإلحاد (^٢).
_________________
(١) انظر: معجم الفلاسفة: ص ٦٤٠ - ٦٤٢، وموسوعة أعلام الفلسفة ١/ ٤٤ - ٤٧، والموسوعة الفلسفية للحفنيّ: ص ٤٩٧، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٥٦٥.
(٢) انظر ترجمته في: معجم الفلاسفة: ص ٣١٩ - ٣٢٢، الموسوعة الفلسفية للحفنيّ: ص ٢٢٦ - ٢٣٢، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
[ ١ / ١٢٧ ]
هؤلاء هم أبرز ملاحدة الغرب الذين يظهر أثرهم في كتابات ملاحدة الحداثة في الغرب ثم في آثار أتباعهم في الحداثة العربية، علمًا بأن هؤلاء لا يطرحون أفكارهم الإلحادية في شكل فلسفيّ كما يطرحها هؤلاء الذين ذُكرت أسماؤهم وإنّما تجدهم ينفثون ذلك في سموم كتاباتهم الأدبية، شعرية أو قصصية أو في المقالات والكتابات النقدية؛ وذلك أن الأتباع -في الغالب- يكونون أقل عمقًا من متبوعيهم وأكثر حماسة منهم، وهذا ماسوف نراه في النماذج الحداثية العربية.
غير أنه قد يدّعي بعضهم أنه لا ينكر وجود اللَّه تعالى وربوبيته، وأنه يقر بذلك، وإذا أخذنا هذا بشيء من التسليم فإنه ذلك لا يعني أن المقر بالربوبية قد انتفت عنه الانحرافات الاعتقادية الأخرى ما دام أنه ينكر ألوهية اللَّه تعالى كليًا أو جزئيًا أو يستخف باللَّه تعالى أو برسله أو بكتبه أو بأي شيء من شرعه أو أخباره.
ثم إننا إذا تأملنا هذه الدعوى وجدنا أنها لا تخرج عن التبعية لمذاهب غربية أخرى قد لا تعد في مفهوم الغرب ومعاييره من المذاهب الإلحادية، وهو ما يسمونه "المذهب الربوبيّ" الذي بدأ في القرن الثامن عشر الميلادي في إنجلترا، بعد أن ظهرت المذاهب ذات الصبغة الإلحادية الصريحة، وكان في مقابلها المذهب الدينيّ الكنسيّ النصرانيّ الذي قاوم بشدة هذه التوجهات الإلحادية، لكن موجها كان أكبر من سفينته المفككة المنخورة، والرجة الفكرية التي حدثت تبعًا للصراع بين العلم وحقائقه والكنيسة وزيفها وخرافاتها كانت أكبر من أن تحتمله جدران الكنيسة المتصدعة، ونشأ بين التيارين المتناقضين -أعني التيار الإلحادي الصريح والتيار الكنسي المحافظ- تيار ثالث يدعي التوفيق بين التيارين وهو أقرب إلى الإلحاد، إلّا أنه يريد الإبقاء على شيء من دين ولكن غير الدين المحرف الذي كانت الهجمات قد توالت عليه منذ القرن السابع عشر الميلادي فأنهكته (^١)، ولما جاء القرن
_________________
(١) انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، ترجمة أحمد الشيباني ٢/ ٥٤.
[ ١ / ١٢٨ ]
الثامن عشر كانت طلائع النقد الهادم للدين النصرانيّ واليهوديّ قد قطعت شوطًا كبيرًا وألقت بظلال من الشك على التوراة والإنجيل وعلى الأصل الموسويّ لأسفار موسى الخمسة (^١) حتى قال قائلهم في عام ١١٥٢ هـ/ ١٧٤٠ م: (لقد أصبح الكثيرون من الناس يعتقدون بأن المسيحية هي في نهاية المطاف خرافة) (^٢).
ولقد أسهم هذا التيار الجديد في هدم البقية الباقية من الدين النصرانيّ المحرّف، وتميز العصر المسمى عصر التنوير ١١٠١ - ١١٤٢ هـ/ ١٦٩٠ - ١٧٣٠ م (^٣) بالمناظرات الشديدة التي دارت حول المسيحية بين أولئك الذين يسمون أنفسهم بـ "الربوبيين" وبين أتباع الكنيسة المتعصبين لها (^٤).
هذا هو التيار الثالث المتولد بين صرحاء الإلحاد ومتعصبة النصرانية، وهو ما أطلق عليه اسم "الربوبيون" فهل هم فعلًا يؤمنون برب خالق قادر متصرف هو اللَّه الحكيم العليم، أم أن لهم ربًا آخر يؤمنون به؟.
المذهب الربوبيّ في المفهوم الغربيّ الماديّ هو كما عرفته الموسوعات الفلسفية: (وجهة النظر التي تؤكد الاعتقاد بوجود إله غير شخصيّ كسبب أوليّ للعالم وليس كإله الديانات الكتابية. . . ويعتقد الربوبيّ أن اللَّه خلق العالم وتركه يعمل وفق قوانينه ودون تدخل منه، ومن ثم ينفي القدرة المطلقة والعلم المطلق عن اللَّه. . .) (^٥).
ومما جاء في الموسوعة الفلسفية التي وضعها لجنة من العلماء والأكادميين السوفياتيين: (الربوبية: الاعتقاد بوجود إله كسبب أوليّ لا
_________________
(١) انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، ترجمة أحمد الشيباني ٢/ ٥٤.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٥٥.
(٣) و(^٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٥٥.
(٤) المعجم الفلسفي لعبد المنعم الحفنيّ: ص ٤٣١. ويذكر فيه رموز هذا المذهب وهم: فولتير وجان جاك روسو ولوك ونيوتن وتولاند وجيفرسون وبنيامين فرانكلين وتوماس وكانت الذي دعا إلى ديانة في حدود العقل وحده، وسوف تجد آثار هؤلاء الفلاسفة في موضع احترام وتججيل عند الحداثيين والعلمانيين العرب مما يدل على التشابه والتلاقح الاعتقاديّ بين هؤلاء وأولئك.
[ ١ / ١٢٩ ]
شخصيّ للعالم، والعالم -من وجهة نظر الربوبية- قد تُرك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خُلق، وكان أول ظهور الربوبية في إنجلترا، وهربرت أوف تشيربوري ٩٩١ - ١٠٥٨ هـ/ ١٥٨٣ - ١٦٤٨ م هو "أبو الربوبية"، وحيث كانت تسود المفاهيم الدينية الإقطاعية فإن الربوبية كانت غالبًا ما تتخذ شكلًا زأئفًا من المذهب الإلحاديّ) (^١).
هذا هو المذهب الربوبيّ كما يسميه فلاسفة الغرب، وقد انتشر من إنجلترا وعبر القنال إلى سائر القارة الأوربية، وأصبح جزءًا من حركة الفلاسفة الكبار في فرنسا (^٢).
وفي حقيقة الأمر أن هذا المذهب وإن كان أصحابه يقرون بأن الكون له موجد إلّا أنهم أقرب إلى الإلحاد منهم إلى الإثبات كما في التعريف السابق أن هذا المذهب اتخذ شكلًا زائفًا من المذهب الإلحاديّ، فهو عبارة عن مسخ فكري ماديّ لايؤمن باللَّه كما هو عليه -﷾- من صفات، ولا يقول بأقوال صريحة في الإلحاد، ويتجلى ذلك في شخصية فولتير صنم الحداثيين وقبلتهم الفكرية، فقد هاجم الأناجيل والكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، وعدّى ذلك بنظرته التشاؤمية إلى سائر الأديان باعتبارها مصدرًا للتعصب والتعسف والظلم، ورفض علم ما بعد الطبيعة لأنه مصدر تعاسة الإنسان كما يقول فولتير، وخلص إلى رفض العقائد الدينية والوحي والمعجزات، وآمن بدين ألوهيّ خاص به كما يقول المترجمون له، وأن للكون إلهًا علويًا غامضًا لا يعنى بشؤون الناس والكون، ولا يعنى بتنظيم حياة البشر، وقد نزع في كل ذلك نزعة أبيقورية (^٣).
_________________
(١) المعجم الفلسفي لأكادميين سوفييت: ص ٢٢٧ وفيه ذكر أسماء الذين يعتقدون بهذه العقيدة بعضهم ممن ورد في الهامش السابق.
(٢) انظر: تاريخ الفكر الأوربيّ لرونالد سترومبرج، ترجمة أحمد الشيباني ٢/ ٥٥، ٥٩، ٦١، ٦٤، وفيه ذكر أنه انتشر نتيجة لقصائد فولتير، وأن من رموزه ديدرو وجون ثولاند، وماثيوتندال، وانتوني كولنز.
(٣) نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور الذي يعد من أوائل الفلاسفة الملحدين، وقد سبقت ترجمته ص ١١٣.
[ ١ / ١٣٠ ]
وقرر في كتبه أن إلهه الذي يؤمن به لا شخصي وأنه فوق مستوى الإدراك، وسبب قوله بهذا القول أن العقل يجزم بوجود عقل أعلى خالق للكون -حسب تعبيره- ويقول: لو لم يكن اللَّه موجودًا لوجب اختراعه (^١).
والآن بعد ذكر جذور الإلحاد وأكابر الملحدين الغربيين الذين هم قدوة ملاحدة العرب من المثقفين وغيرهم، سوف نخلص إلى بيان أنواع الانحراف الاعتقاديّ في الأدب المعاصر في قضية وجود اللَّه تعالى وربوبيته وذلك من خلال العناصر التالية:
١ - نفي وجود اللَّه تعالى أو التشكيك في ذلك.
٢ - نفي كون اللَّه تعالى ربًا خالقًا مدبرًا "نفي توحيد الربوبية".
٣ - نسبة الأبدية للمخلوق والقول بأزلية العالم والخلق.
٤ - الزعم بأن الوجود عبث.
٥ - نسبة الخلق إلى غير اللَّه تعالى، وتسمية غير اللَّه خالقًا.
٦ - نسبة الربوبية إلى غير اللَّه تعالى.
٧ - السخرية والتدنيس والاستخفاف بالخالق الرب -جلَّ وعلا- وتوحيد الربوبية.
والآن إلى تفصيل ذلك وإثبات شواهده: