الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان الستة، قال اللَّه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ (^١).
والمراد بالإيمان بالملالكة: الاعتقاد الجازم اليقيني بأن للَّه ملائكة مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون اللَّه ما أمرهم، وأنهم يقومون بوظائفهم التي أمرهم اللَّه بالقيام بها.
وقد ثبت وجودهم بالدليل القطعي، ومن أنكر وجودهم كفر وخرج من الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ (^٢).
وهناك آيات وأحاديث كثيرة تحدثت عن الملائكة وأوصافهم وأحوالهم وأعمالهم، وكلها تفيد القطع بوجودهم وبما وصفوا به.
_________________
(١) الآية ٢٨٥ من سورة البقرة.
(٢) الآية ١٣٦ من سورة النساء.
[ ٢ / ٩٧٨ ]
وقد أخبرنا الوحي بأن الملائكة خلقوا من نور، كما جاء في صحيح مسلم وغيره أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (^١).
فالملائكة مخلوقات نورانية، وليسوا كالبشر ولا الجن، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناكحون في غاية الطهر والنقاء، فليس فيهم شهوات، ولا يأتون المعاصي، بل هم منزهون عن الآثام والخطايا، ولا يتصفون بشيء من الصفات المادية التي يتصف بها البشر، إلّا أن اللَّه أعطاهم القدرة على أن يتمثلوا في صور البشر كما في حديث جبريل الشهير، وأنه جاء على هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة حتى جلس إلى النبي -ﷺ- فسأل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. . . " (^٢) الحديث.
وقد جاء في القرآن العظيم أن جبريل ﵇ تمثل لمريم ﵍ في صورة بشر سوي، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ (^٣).
ومن صفاتهم الخلقية التي أخبرنا اللَّه تعالى بها أن لهم أجنحة، وأنهم يتفاوتون في أعدادها، كما قال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة -﵂- في كتاب الزهد والرقائق، باب: في أحاديث متفرقة ٣/ ٢٢٩٤، وأحمد في المسند ٦/ ١٥٣، ١٦٨، وذكره في مجمع الزوائد ٨/ ١٣٤ مختصرًا وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الآيتان ١٦، ١٧ من سورة مريم.
(٤) الآية ١ من سورة فاطر.
[ ٢ / ٩٧٩ ]
وجاء في الصحيحين أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى جبريل ﵇ وله ستمائة جناح (^١).
وما أخبرنا اللَّه تعالى به من أخبار خلقة هؤلاء الأبرار نؤمن به كما جاء ولا نسأل عن كيفية ذلك، ولا نسأل عن غيره؛ لأنه لو كان في التفصيل نفع للعباد لأخبر به اللَّه -جلَّ وعلا-.
أمّا علاقتهم باللَّه تعالى فهم خلق من خلقه، وعباد من عباده، عملهم هو العبودية الخالصة والطاعة التامة والاستسلام المطلق للَّه -جلَّ وعلا-، ولا ينتسبون إلى اللَّه تعالى بغير كونهم خلقًا طائعين، ومن اعتقد غير ذلك فقد كفر؛ فهم ليسوا آلهة، ولا ذرية للَّه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وهم ليسوا بناتٍ، كما يدعي الكافرون.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ (^٢). ومع ذلك فلا يجوز ووصفهم بالذكورة؛ لأنهم من عالم الغيب، ولم يرد في الأدلة ما يثبت ذلك فوجب التوقف، وإنّما الذي ورد أن اللَّه نفى عنهم صفة الأنوثة، ردًا على الكافرين كما قال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (^٣).
وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين. . . ٣/ ١١٨١، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى ١/ ١٥٨.
(٢) الآيات ٢٦ - ٢٨ من سورة الأنبياء.
(٣) الآية ٤٠ من سورة الإسراء.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ (^١).
وفال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ (^٢).
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ (^٣).
ومن صفاتهم أنهم لا يحتاجون إلى طعام البشر وشرابهم، فقد أخبرنا اللَّه تعالى أن الملائكة جاؤوا إلى إبراهيم في صورة بشر فقدم الطعام فلم تمتد أيديهم إليه فأوجس منهم خيفة فكشفوا له عن حقيقتهم فزال خوفه واستغرابه، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ (^٥).
ومن صفاتهم أنهم يقومون بعبادة اللَّه وإنفاد أوامره بلا ملل ولا تعب، ولا يدركهم الكل كما يدرك البشر، قال تعالى في وصفهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (^٦) أي: لا يضعفون، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^٧) أي: لا يملون.
_________________
(١) الآيات ١٤٩ - ١٥٧ من سورة الصافات.
(٢) الآية ١٩ من سورة الزخرف.
(٣) الآية ٢٧ من سورة النجم.
(٤) الآيات ٢٤ - ٢٨ من سورة الذاريات.
(٥) الآية ٧٠ من سورة هود.
(٦) الآية ٢٠ من سورة الأنبياء.
(٧) الآية ٣٨ من سورة فصلت.
[ ٢ / ٩٨١ ]
ومنازل الملإئكة ومساكنهم في السماء، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (^١)، وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ (^٢)، وينزلون إلى الأرض وغيرها لتنفيذ أمر اللَّه ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (^٣).
وعدد الملائكة كثير لا يحصيه إلّا اللَّه، وأخبرنا اللَّه بأسماء بعضهم وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ومنكر ونكير وهاروت وماروت.
والملائكة يموتون كما أخبر اللَّه العظيم بذلك في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ (^٤)، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٥) هذا موتهم عند نفخة الصعق نفخة الصور الأول، أمّا أنهم يموتون قبل هذه النفخة؟ فهذا ما لا نعلمه ولا يصح الخوض فيه لعدم وجود نص يثبت ذلك أو ينفيه.
وبما أنهم عباد للَّه مخلوقون من العدم فإن من الشرك باللَّه أن يتوجه إليهم بأي نوع من أنواع العبادة من الدعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة، أو أن يعتقد أن لهم من أمر الكون والحياة ما لم يعطهم اللَّه ويأذن لهم به.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (^٦).
_________________
(١) الآية ٥ من سورة الشورى.
(٢) الآية ٣٨ من سورة فصلت.
(٣) الآية ٦٤ من سورة مريم.
(٤) الآية ٦٨ من سورة الزمر.
(٥) الآية ٨٨ من سورة القصص.
(٦) الآيتان ٤٠ - ٤١ من سورة سبأ.
[ ٢ / ٩٨٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ (^١).
وعبادة الملائكة للَّه تعالى لا تقتصر على تسبيحهم وسجودهم وتمجيدهم الدائم للَّه -﷾-، بل وتشتمل على تنفيذ أوامره -﷾- في كل أمر يؤمرون به مما يتعلق بالكون والإنسان وسائر المخلوقات.
فإن أمور الكون والحياة والإنسان والسموات والأرض وما فيهن، وكل ما يحدث من حركات إرادية وغير إرادية وقوانين وسنن هم موكلون بها بأمر من اللَّه وإرادة منه -جلَّ وعلا- كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ (^٢)، وقال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ (^٣) والمراد بهم الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام.
وقال﷾- عنهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ (^٤). وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٥)، وهم الملائكة ﵈.
وهناك أدلة عديدة على اختصاص بعض الملائكة ببعض المخلوقات فمنهم من وكل بالشمس والقمر، ومنهم من وكل بالجبال، وآخرون موكلون بالسحاب، وآخرون بالمطر، وآخرون بأمر النطفة حتى ينفخ فيها الروح، وآخرون بالموت، ولكل عبد من عباد اللَّه ملائكة -من أمر اللَّه- يحفظونه، ووكل بكل مخلوق وكل حادث ملائكة.
_________________
(١) الآية ٨٠ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ٥ من سورة النازعات.
(٣) الآية ٤ من سورة الذاريات.
(٤) الآيتان ٢٦ - ٢٧ من سورة الأنبياء.
(٥) الآية ١١ من سورة الرعد.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
وما في الكون من نواميس وسنن وأسباب يرتبط بعضها ببعض هي مخلوقة للَّه تعالى مسخرة بأمره، والملائكة موكلة بها أيضًا، وبرعايتها مثلما ترعى المخلوقات الأخرى.
ومن الملائكة ﵈ من وكل بأمور الإنسان الإرادية، من هداية للبشر ودلالة على طريق الخير والسعادة، وإعانة على ذلك، وإبعاد عن طريق الشر والضلال، وأعظم هؤلاء جبريل ﵊ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ (^١)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ (^٢)، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ (^٣).
وهؤلاء الموكلون بأمر الإنسان وأعماله الإرادية يصحبونه ويلازمونه لإسعاده وهدايته وإلهامه الحق والخير والدعاء له والاستغفار له، وحضور مجالس الذكر وتشجيع أهل العلم (^٤).
ومن أعمالهم العظيمة تثبيت العبد على العمل الصالح وخاصة الجهاد في سبيل اللَّه كما أخبر تعالى في قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ (^٥).
ومن أعمالهم الكبيرة التي لها أثر على الإنسان في الدنيا والآخرة ما وكل إليهم من كتابة أعمال الإنسان وإحصائها كما أخبر -جلَّ وعلا- في
_________________
(١) الآيات ١٩٢ - ١٩٤ من سورة الشعراء.
(٢) الآية ١٠٢ من سورة النحل.
(٣) الآيات ١٩ - ٢١ من سورة التكوير.
(٤) في كل ذلك أحاديث عديدة عن النبي -ﷺ-.
(٥) الآية ١٢ من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٩٨٤ ]
قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٢)، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ (^٣).
ومن أوصافهم إضافة إلى ما ذكر، عظم سرعتهم، ومن أدلة ذلك أن السائل كان يأتي إلى الرسول -ﷺ- فلا يكاد يفرغ من سؤاله حتى يأتي جبريل ﵇ بالجواب من اللَّه العلي العظيم.
والملائكة عندهم علم وفير علمهم اللَّه إياه، وهم منظمون غاية التنظيم في عبادتهم، وقد حثنا نبينا محمد -ﷺ- على الاقتداء بهم في ذلك فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال: "يكملون الصف الأول فالأول يتراصون في الصف" (^٤)، وثبت أنهم يأتون يوم القيامة صفوفًا منتظمة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^٥).
والملائكة مطبوعون على طاعة اللَّه، وليس لهم القدرة على العصيان، فتركهم للمعصية وفعلهم للطاعة جبلة لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم.
ومن عباداتهم التي جاء خبرها في الوحي المعصوم: التسبيح، قال
_________________
(١) الآيات ١٠ - ١٢ من سورة الانفطار.
(٢) الآيات ١٦ - ١٨ من سورة ق.
(٣) الآية ٨٠ من سورة الزخرف.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة ١/ ٣٢٢، والنسائي في كتاب الإمامة، باب: حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها ٢/ ٩٢، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: إقامة الصفوف ١/ ٣١٧.
(٥) الآية ٢٢ من سورة الفجر.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (^١)، وكذلك عموم الملائكة تسبح كما أخبر تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (^٢)، وتسبيحهم دائم لا ينقطع، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (^٣) ولكثرة تسبيحهم قالوا كما أخبر عنهم اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ (^٤).
ومن عبادتهم: الصلاة، وقد مرّ حديث الاصطفاف في الصلاة، وفي القرآن قوله تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ (^٥).
ومن عبادتهم: الخوف والخشية من اللَّه تعالى كما أخبر عنهم -جلَّ وعلا-: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (^٦).
ومن أعمالهم: تبليغ الوحي عن اللَّه تعالى للأنبياء والمرسلين، وليس كل من جاءه ملك فهو رسول أو نبي، فقد جاء جبريل إلى مريم -﵍- وإلى أم إسماعيل -﵉- لما نفد الماء والطعام منها.
ومن أعمالهم: إضافة إلى كتابة السيئات والحسنات، أنهم يدعون العباد إلى فعل الخير، وقد يرسل اللَّه بعض ملائكته لابتلاء بني آدم واختبارهم كما في قصة الأبرص والأقرع والأعمى ومجيء الملك إليهم (^٧).
ومن الملائكة من هو مكلف بنزع روح الإنسان كما قال تعالى: ﴿قُلْ
_________________
(١) الآية ٧ من سورة غافر.
(٢) الآية ٥ من سورة الشورى.
(٣) الآية ٢٠ من سورة الأنبياء.
(٤) الآيتان ١٦٥، ١٦٦ من سورة الصافات.
(٥) الآية ١٦٥ من سورة الصافات.
(٦) الآية ٢٨ من سورة الأنبياء.
(٧) أخرجها البخاري في كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل ٣/ ١٢٧٦، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق في أوله ٣/ ٢٢٧٥.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ (^١) وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ (^٢).
وإذا جاء الموت ونزل بالعبد المؤمن فإن الملائكة تنزل وتبشره وتثبته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ (^٣).
كما أنها تنزل على الكفار والمجرمين فتنزع أرواحهم بشدة وتضرب وجوههم وأدبارهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (^٤)، وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ (^٥).
ومن أعمالهم: أن منهم من وكل بسؤال الميت في القبر، وينعمون كل مؤمن ويعذبون كل مجرم كافر أو منافق إلى يوم القيامة.
وهم يحبون المؤمنين، ويسددون المؤمن الصالح، ويصلون على المؤمنين، أي: يدعون لهم ويستغفرون لهم، وخاصة معلم الناس الخير، والذي يأتي المسجد للصلاة، والذين يصلون في الصف الأول، والذين يمكثون في مصلاهم بعد الصلاة، والذين يسدون الفرج بين الصفوف،
_________________
(١) الآية ١١ من سورة السجدة.
(٢) الآية ٦١ من سورة الأنعام.
(٣) الآيتان ٣٠، ٣١ من سورة فصلت.
(٤) الآية ٩٣ من سورة الأنعام.
(٥) الآية ٥٠ من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٩٨٧ ]
والذين يتسحرون، والذين يصلون على النبي -ﷺ-، والذين يعودون المرضى، ويؤمنون على دعاء المؤمنين، ويستغفرون لهم، ويشهدون مجالس العلم وحلق الذكر، ويحفونه أهلها بأجنحتهم، ويسجلون الذين يؤمون الجمع الأول فالأول، ويتنزلون عندما يقرأ المؤمن القرآن، ويبلغون الرسول عن أمته السلام، ويبشرون المؤمنين بالخير والرزق والذرية كما بشروا إبراهيم ﵇، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في حروبهم، ومنهم من وكل بحماية النبي -ﷺ- على الخصوص، ومنهم من يشهد جنازة بعض الصالحين، ويظللون الشهيد بأجنحتهم، ومنهم من وكل بحماية مكة والمدينة من الدجال، وينزل مع عيسى ﵇ آخر الزمان ملكان، ويرسلهم اللَّه بعذاب الكفار مثل إهلاك قوم لوط، ويلعنون الكافرين، والمرأة التي لا تستجيب لزوجها، ومن أشار إلى أخيه بحديدة، ومن سبّ أصحاب النبي -ﷺ-، ومن يحول دون تنفيذ حد من حدود اللَّه، فكيف بالذي يحول دون تنفيذ الشريعة كلها؟، ويلعنون الذي يؤوي محدثًا.
أمّا رؤيتهم على حقيقة خلقتهم التي خلقهم اللَّه عليها فلا يستطيع ذلك الناس، لعجز أبصارهم عن ذلك، وقد رأى النبي -ﷺ- جبريل -﵇- في صورته التي خلقه اللَّه عليها مرتين.
أمّا إذا تمثلت الملائكة في صورة بشر فتمكن رؤيتهم، وقد طلب الكفار رؤية الملائكة في معرض تكذيبهم بالنبي -ﷺ-، فأخبرهم اللَّه أن اليوم الذي يرون فيه الملائكة هو يوم عذاب وغم عليهم، وذلك يكون عندما ينزل بهم الموت فينكشف الغطاء ويرون ملائكة العذاب، ويكون عندما يحل بهم العذاب يوم القيامة فتدفعهم الملائكة إلى نار جهنم دفعًا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ (^١).
_________________
(١) الآيتان ٢١ - ٢٢ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ٩٨٨ ]
هذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، أهل الحق والعلم والإيمان، وكل جملة من الجمل التي ذكرتها عليها دليل صحيح (^١).
والآن إلى موقف أرباب أدب "الحداثة" وفكرها من هذا الركن العظيم: الإيمان بالملائكة الكرام ﵈.
والناظر في مؤلفاتهم وإنتاجهم يرى أنهم انحرفوا في هذا الأصل مثلما انحرفوا في غيره من أصول الإيمان، ويتمثل انحرافهم في هذا الأصل في ثلاثة أوجه، هي: