اليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث فيه الخلق لفصل القضاء بينهم.
وسمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة فيها وأهل النار فيها.
والآخرة هي النشأة الثانية التي لا موت بعدها.
ويشمل اليوم الآخر عند الإطلاق: الموت وما وراءه.
ويكون معنى الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به اللَّه ﷿ في كتابه، وأخبر به رسوله -ﷺ-، مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار وما أعد اللَّه لأهلهما.
والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، فمن جحده أو شيئًا مما يشتمل عليه مسمى اليوم الآخر مما هو منصوص عليه مقطوع به فهو كافر.
[ ٢ / ١٣٧٣ ]
وقد جاءت نصوص الوحي الكريم بإيجاب الإيمان به، وبالإخبار عنه وعن أحوال الناس فيه، وفي القرآن العظيم آيات كثيرة اهتمت بتقريره، والتنبه إليه، وتأكيد وقوعه بأساليب عديدة وبراهين كثيرة.
وقد ربط اللَّه تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر فقال جلّ ذكره: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ. . .﴾ (^١).
وقال سبحانه في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (^٢).
وقال سبحانه: ﴿. . . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^٥).
كما أخبر اللَّه تعالى أن من أوصاف الكفار عدم إيمانهم باليوم
_________________
(١) الآية ١٧٧ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٤ من سورة البقرة.
(٣) الآيات ٧ - ٩ من سورة آل عمران.
(٤) الآية ٢٥ من سورة آل عمران.
(٥) الآية ٨٧ من سورة النساء.
[ ٢ / ١٣٧٤ ]
الآخر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ (^٢) الآيات.
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ (^٣).
وقد اختص اللَّه تعالى بعلم وقت قيام الساعة وموت كل أحد من الخلق، فإن ذلك من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلّا اللَّه -﷿-، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ (^٥).
والآيات والسور التي تحدثت عن البعث واليوم الآخر وما بعده كثيرة
_________________
(١) الآية ٤ من سورة النمل.
(٢) الآيتان ٣٨، ٣٩ من سورة النساء.
(٣) الآيات ٢٨ - ٣٠ من سورة السجدة.
(٤) الآية ٣٤ من سورة لقمان.
(٥) الآية ١٨٧ من سورة الأعراف.
[ ٢ / ١٣٧٥ ]
جدًا بحيث لا تكاد تمر على صحيفة من صحائف القرآن العظيم إلّا وتجد فيها كلامًا عن اليوم الآخر، وقد جاء ذكر وتفصيل أحوال هذا اليوم أكثر من أي أمر آخر من أمور الغيب.
ومن مظاهر ذلك كثرة الأسماء الوصفية لهذا اليوم العظيم، فمن أسمائه: يوم الدين، ويوم الحساب، والساعة، والقيامة، ويوم الفتح، ويوم الحشر، ويوم التلاق، ويوم الخلود، ويوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم الخروج، ويوم التناد، والطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، والواقعة، والآزفة، والقارعة، وغير ذلك من الأسماء.
ويتضمن الإيمان باليوم الآخر تفصيلًا عدة أمور، أظهرها:
الموت، ويسمى القيامة الصغرى، وحياة البرزخ، فكل من مات قامت قيامته، والموت حتم لازم، وله أجل محدد، ووقت معلوم لا يعلمه إلّا اللَّه وحده، وعند الموت تحضر الملائكة لقبض الروح، وللموت سكرات، يتمنى عندها المحتضر العودة للدنيا فإن كان كافرًا فلعله يسلم، وإن كان عاصيًا فلعله يتوب، ويفرح المؤمن بلقاء اللَّه ويشتاق للقائه بعكس الكافر والفاجر، وإذا نزعت الروح رفعت إلى السماء، ولها أحوال بحسب إيمانها وطاعتها وكفرها، ثم تعاد الروح إلى الميت في قبره، وهو أول منازل الآخرة، وفيه ظلمة وله ضمة لا ينجو منها أحد، وفيه فتنة وسؤال، وفيه عذاب ونعيم، يحصل على البدن والروح معًا.
والروح مخلوقة ليست أزلية، مبدعة من العدم، وهي التي تفارق الجسد حال الموت وتعاد إليه في القبر، وتبعث مع الجسد يوم القيامة وتنعم أو تتعذب معه في الجنة أو النار، وأرواح العباد في البرزخ متفاوتة في منازلها، فأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تكون في خير المنازل وفي أعلى عليين ثم أرواح الشهداء، وهم عند ربهم يرزقون،
[ ٢ / ١٣٧٦ ]
وهي في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، ثم أرواح المؤمنين الصالحين تكون طيورًا تعلق شجر الجنة، وأرواح العصاة تعذب مثل صاحب الكذبة التي تبلغ الآفاق والزناة والزواني والنائم عن الصلاة والمرابي، وكذلك أرواح الكفار تعذب وتخرج منهم كأنتن ريح.
ولا تعارض بحن كون هذه الأرواح في الجنة أو النار وإعادتها إلى البدن في حياة البرزخ، فالأرواح تكون في البدن في الدنيا ويعرج بها إلى السماء وترحل في الزمان والمكان كما في حال النائم.
وعلى ذلك فحالات الروح مع البدن ست حالات:
١ - الحياة الدنيوية منذ الشهر الرابع في بطن أمه.
٢ - تقبضها الملائكة في حالة الوفاة.
٣ - ترفعها الملائكة إلى السماء.
٤ - تعاد إلى الجسد للسؤال.
٥ - تنعم وتعذب في الجنة أو النار، ولها تعلق بالجسد أشبه بحال النائم.
٦ - تعاد في الجسد عودة كاملة يوم البعث.
ففي القبر يقع العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا، فتنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن.
ومن الإيمان باليوم الآخر القطع والجزم بأن الساعة آتية وأنها
[ ٢ / ١٣٧٧ ]
قريبة، وأنه لا يعلم أحد وقتها المعين، ولها أشراط وعلامات، وهي صغرى وكبرى، والصغرى بعضها وقع مثل بعثة الرسول -ﷺ- ووفاته وانشقاق القمر ونار الحجاز التي تضيء وترى من بصرى الشام، وخروج الدجالين المدعين للنبوة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاة في البنيان، وتداعي الأمم على أمة الإسلام.
ومن الصغرى خروج المهدي من آل بيت الرسول -ﷺ- من سلالة فاطمة ﵂ واسمه محمد بن عبد اللَّه، علويٌّ حسني هاشمي، رحمة من اللَّه بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور.
والعلامات الكبرى هي التي تكون الساعة على أثرها وهي متتابعة في وقوعها لا يكاد يفصل بينها فاصل زمني، وتشبه في تتابعها حبات العقد إذا انقطع نظامه، فتكون الملحمة مع الروم ثم فتح القسطنطينية وهي من الصغرى المصاحبة للكبرى، ثم يخرج الأعور الدجال، ثم ينزل عيسى ﵊ ويقتل الدجال، ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن حكم عيسى بالإسلام، ويهلكهم اللَّه في زمنه، ثم تكون الآيات الأخرى وترتيبها غير معلوم من النصوص وهي: خروج الشمس من مغربها والدابة، والدخان، وخسف بالمشرق وآخر بالمغرب وثالث في جزيرة العرب، وآخر الآيات نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
ثم يكون إفناء جميع الأحياء بنفخة الصور الأولى ينفخ فيه إسرافيل ﵇ يوم الجمعة فيصعق من في السماوات والأرض إلّا من شاء اللَّه، وتسمى نفخة الصور الأولى وتسمى الراجفة والصيحة ويمكثون ما شاء اللَّه من الزمان، ثم يكون بعد ذلك النفخة الثانية ويحصل بها البعث وتسمى الرادفة، فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين، يخرجون من الأجداث سراعًا، إلى ربهم ينسلون،
[ ٢ / ١٣٧٨ ]
ويعيدهم اللَّه إلى حياة جديدة أبدية لا موت فيها.
وأولى من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد -ﷺ-، ويبعث اللَّه جميع الخلق أولهم وآخرهم ويحشرهم إليه جميعًا الإنس والجن والملائكة والبهائم، ويحشر الناس حفاة عراة غرلًا إلى أرض المحشر وهي بيضاء عفراء ليس فيها معلم لأحد.
وفي يوم القيامة من الأهوال والعظائم الشيء الكثير، فالأرض تزلزل وتدك، والجبال تنسف والبحار تفجر وتسجر، والسماء تنشق وتمور، والشمس تكور ويذهب نورها، والقمر يخسف والنجوم تنكدر ويذهب ضوؤها وينفرط عقدها، ويقبض اللَّه تعالى الأرض بيده ويطوى السموات بيمينه.
ويكون الكفار في ذلك اليوم في ذلة وهوان ويأس وحسرة، ووجوههم مسودة عليها غبرة ترهقها قترة، ينادون بالويل والثبور، ويتساءلون في فزع وخوف عمن أقامهم من رقدتهم.
وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق ذلك اليوم حتى لا يكون بينها وبينهم إلّا مقدار ميل، وقد أخذهم العرق بحسب أعمالهم.
ويعذب اللَّه بعض من شاء من عصاة المؤمنين كالذي لا يؤدي الزكاة، والمتكبر، وأناس لا يكلمهم اللَّه ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، وغير ذلك من أنواع العذاب.
وأناس من المؤمنين يظلهم اللَّه في ظله، ولا يفزعون حين يفزع الناس ولا يحزنون، وغير ذلك من أنواع النعيم.
وتأتي أمة محمد -ﷺ- لها سيماء خاص من بين الأمم، يأتون غرًا
[ ٢ / ١٣٧٩ ]
محجلين من أثر السجود، ويردون على الحوض الخاص بالنبي -ﷺ- ويشرب منه كل مسلم متبع لهدي الرسول -ﷺ- ويذاد عنه أقوام من هذه الأمة غيروا وبدلوا.
وعندما يجتمع الخلق في الموقف العظيم يشتد عليهم البلاء يأتون إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم ليأتي سبحانه لفصل الحساب وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله، فكل من أتوه يعتذر، حتى يأتوا الرسول الخاتم -ﷺ- فيقوم المقام المحمود، فيستأذن على ربه فيؤذن له، فيقوم بين يديه ويحمده بمحامد عظيمة يلهمه اللَّه إياها، ثم يخر لربه ساجدًا، فيأذن اللَّه له، ويسأله ويدعوه فيستجيب اللَّه له، فيشفع أولًا كي يأتي الحق تعالى للقضاء بين الناس، وهو المقام المحمود الذي يحمده أهل الجمع كلهم، ثم يشفع مرة أخرى في أمته.
وفي ذلك اليوم يكون الحساب والجزاء حيث يجيء اللَّه تعالى معه الملائكة لفصل القضاء بين الخلق، ويؤتى كل عبد كتابه، فالمؤمن يأخذه باليمين ويحاسب حسابًا يسيرًا، والكافر يأخذ كتاله بشماله أو من وراء ظهره ويدعو ثبورًا، ويقتص في ذلك اليوم لجميع المظالم بين الخلق الإنس والجن والحيوان.
وفي ذلك اليوم ينصب الميزان لوزن أعمال العباد، وهو ميزان حقيقي لا يقدر قدره إلّا اللَّه تعالى، وهو دقيق لا حيف فيه ولا تطفيف، وتوزن فيه أعمال الناس وذواتهم وصحائف أعمالهم.
ويكرم اللَّه عبده ورسوله -ﷺ- في ذلك الموقف العظيم بإعطائه حوضًا واسع الأرجاء، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل ورائحته أعبق من رائحة المسك، وكيزانه كنجوم السماء، ويأتيه الماء من نهر الكوثر الذي أعطاه اللَّه نبيه محمد -ﷺ-، وترد عليه أمته، ومن شرب منه لا يظمأ أبدًا.
ويرد عن الحوض أناس من هذه الأمة بسبب ما أحدثوه بعد النبي -ﷺ- من ردة عن دين اللَّه أو بدع محدثة، أو إسراف في الفسوق والجور والظلم.
[ ٢ / ١٣٨٠ ]
وفي ختام ذلك اليوم يحشر العباد إمّا إلى الجنة أو إلى النار، ويطلب من كل أمة أن تتبع الإله الذي كانت تعبد، فالذي كان يعبد الشمس يتبع الشمس، والذي كان يعبد القمر يتبع القمر، والذي كان يعبد الأصنام، أو فرعون وغيرها من الآلهة الباطلة تصور لهم آلهتم ثم تسير أمامهم ويتبعونها إلى أن تتساقط في النار ويتساقط من عبدها وراءها في السعير، ولا يبقى بعد ذلك إلّا المؤمنون والمنافقون الذين كانوا يعيشون مع المؤمنين في الدنيا، فيأتيهم اللَّه جل شأنه، فيقول لهم: ما تنتظرون، فيقولون ننتظر ربنا، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فيخرون له سجدًا إلّا المنافقون فلا يستطيعون، ثم يتبع المؤمنون ربهم، وينصب الصراط على متن جهنم ويعطى المؤمنون أنوارهم على قدر أعمالهم، ويسيرون على الصراط على قدر هذه الأعمال، ويطفأ نور المنافقين، ويقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، ثم يضرب بينهم بسور له باب باطنه في الرحمة وظاهره من قبله العذاب.
والصراط هو: الجسر الذي ينصب على جهنم قنطرة إلى الجنة، وهو دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، ينتهي إليه المؤمنون بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الجسر، ويمرون منه على قدر أعمالهم كالبرق وكالريح وكالطير، ومنهم من يجري ومنهم من يمشي ومنهم من يزحف، والكلاليب تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس في النار.
ويحشر الكفار وآلهتهم التي كانوا يعبدونها إلى النار، يحشرون كقطعان الماشية وينهرون نهرًا غليظًا، ويحشرون إلى النار على وجوههم وهم مغلوبون مقهورون أذلاء خائفون وجلون نادمون، وهؤلاء يلقون في النار ولا يمرون على الصراط.
وعندما يذهب بالكفرة والملحدين والمشركين إلى جهنم، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل المؤمنون الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر، وفي هذا
[ ٢ / ١٣٨١ ]
الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويضرب بينهم بالسور ذي الباب، ولا يمر على الصراط إلّا المؤمنين دون غيرهم من الكفرة والمشركين والملحدين.
والورود على النار حق لا بد من وقوعه وهو على قسمين:
ورود الكفار إلى النار وهو الدخول.
وورود الموحدين أي مرورهم على الصراط على ما جاء وصفه سابقًا، وينتهي الكفار والمشركون والملحدون والمنافقون إلى النار التي خلقها اللَّه مأوىً أبديًا لهؤلاء، حيث يبقون فيها أبد الآبدين، وهي مخلوقة تبقى ولا تبيد، ويقوم بأمر العذاب فيها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وعدتهم تسعة عشر ملكًا، ولا يوجد نص صريح صحيح في تعيين مكان النار هل هي في الأرض أو في السماء.
والنار واسعة الأرجاء بعيدة القعر، ويدخلها أناس كثيرون ويضخم جسد الواحد منهم حتى يكون ضرسه في النار مثل جبل أحد، ومع ذلك يبقى فيها متسع وتقول: هل من مزيد، وهي -عياذًا باللَّه منها- دركات، متفاوتة في شدة حرها وعذابها والمنافقون في الدرك الأسفل منها، ولها سبعة أبواب، وعندما يرد الكفار تفتح أبوابها ثم تغلق عليهم فلا يخرجون منها أبدًا.
ووقودها الناس والحجارة والأصنام والآلهة الباطلة التي كانت تعبد من دون اللَّه تعالى، وأهل النار خالدون فيها ولا يخرج منها إلّا من شاء اللَّه إدخاله فيها من عصاة الموحدين، أمَّا الكفرة والمشركون فهم فيهما خالدون، وحكم كفرة الجن كالإنس.
ودلت النصوص على كثرة من يدخل النار وقلة من يدخل الجنة، وذلك لكثرة الذين كفروا وتمردوا على أمر اللَّه، وأكثر من يدخل النار من عصاة الموحدين النساء.
وفي النار طعام وشراب ولباس لأهلها، وهو الزقوم والحميم والغساق والقطران.
[ ٢ / ١٣٨٢ ]
والجنة هي: الدار التي خلقها اللَّه لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل دائم، يدخلها المؤمنون زمرًا زمرًا معززين مكرمين تستقبلهم الملائكة بالبشرى، ويشفع نبينا محمد -ﷺ- عند ربه في فتح باب الجنة فيشفعه اللَّه تعالى.
وبعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ويهذبون وينقون، ويقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا حتى يدخلون الجنة أطهارًا ليس لأحد عند الآخر مظلمة.
وأول من يدخل الجنة هو رسولنا محمد -ﷺ-، وأول الأمم أمته، وأول من من يدخل من أمته أبو بكر الصديق ﵁، وأول زمرة تدخل الجنة من هذه الأمة على صورة القمر ليلة البدر، وعددهم سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، يدخلون الجنة بغير حساب، وقد أعطى اللَّه رسوله لكل واحدٍ من السبعين ألفًا سبعين ألفًا يدخلون معهم، والفقراء يسبقون الأغنياء في الدخول إلى الجنة بأربعين خريفًا.
ويخرج اللَّه عصاة الموحدين ممن شاء اللَّه تعذيبهم في النار، ويدخلهم الجنة بعد أن يأذن بالشفاعة فيهم، ويسمون عند أهل الجنة بالجهنميين.
وأول من دخل الجنة من الناس قبل يوم القيامة هو أبو البشر آدم ﵊ ودخلها الشهداء وغيرهم مما ثبتت به النصوص.
والجنة خالدة وأهلها خالدون فيها، والجنة لا مثيل لها ولا لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ولها ثمانية أبواب ودرجات بعضها أرفع من بعض وأعلى درجة في الجنة هي الوسيلة فيها مقام نبينا محمد -ﷺ-.
وفي الجنة أنهار وعيون وقصور وخيام ورائحة تشم من مسيرة سبعين عامًا، وليس فيها ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر، بل نور يأتيهم من قبل العرش، وفيها أشجار وثمار كثيرة متنوعة، وفيها دواب وطيور وطعام وشراب وخمر وحُلَل وثياب فاخرة وفرش وخدم وأزواج وحور عين، والتسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة يلهمونه إلهامًا،
[ ٢ / ١٣٨٣ ]
وأفضل ما يعطونه من نعيم هو النظر إلى وجه اللَّه تعالى.
ولا يدخل الجنة إلّا المؤمنون، ويرثون نصيب أهل النار في الجنة، والضعفاء أكثر أهل الجنة، والنساء في الجنة أكثر من الرجال.
وصح أن سيدا كهول أهل الجنة الصديق وعمر -﵄- وسيدا شبابها الحسن والحسين -﵄-، وسيدات نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
وثبت دخول الجنة للعشرة المبشرين ولغيرهم من الصحابة، فهؤلاء يشهد لهم بأعيانهم ولكل من شهد له النص، أمَّا غيرهم ممن لم يشهد له النص من المؤمنين، فيشهد لهم على وجه العموم من غير تخصيص (^١).
_________________
(١) انظر: مراجع هذه المسائل عن اليوم الآخر في:
(٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي بكامله.
(٣) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جـ ٣١٣، جـ ٤/ ٢١٦، ٢٢٠، ٢٢٢، ٢٢٦ - ٢٣٥، ٢٤٨، ٢٥٧، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٧٧، ٢٨١، ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٠٥، ٣١٢، ٢٨١ - ٤٠٤، وجـ ٥/ ٢٤٧، ٣٦٤، ٤٤٦، ٥٢٥، وجـ ٦/ ٣١٧، وجـ ١٧/ ٢٥٣، ٣٠٩، وجـ ١٨/ ٣٠٧، وجـ ٢٤/ ٣٦٥، ٣٧٠، ٣٧١، ٣٧٩.
(٤) فتح الباري ٣/ ٢٣٣، ٢٤٤، ٢٤٦ و٤/ ٢٨١ و٦/ ٣٢٥، ٣٧١، ٤٨٨ و١١/ ٩١، ٣٦٩، ٣٧١ - ٣٨٤، ٣٩٩، ٤٣٧، ٤٥٢، ٤٢٢، ٤٣٨، ٤٦٦، ٤٦٨.
(٥) شرح العقيدة الطحاوية: ص ٢٠٣، ٤٥٠، ٤٤٤، ٤٧٦، ٤٨١.
(٦) لوامع الأنوار البهية ٢/ ١٠، ١٧، ٢٩، ٦٦، ١٦١، ١٨٦، ١٨٩.
(٧) الروح لابن القيم: ص ٤٩، ٥٠، ٥٢.
(٨) التخويف من النار لابن رجب: ص ١٨٧ - ١٨٨، ٨٥، ١٤٨، ٢١٤، ١١٥، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٢.
(٩) اليوم الآخر ١ - القيامة الصغرى جـ ٢ - القيامة الكبرى جـ ٣ الجنة والنار، كلها لعمر الأشقر.
(١٠) عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين: ص ٢٦ - ٣١.
(١١) شرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص ٤٠ - ٥٢.
(١٢) معارج القبول لحافظ الحكمي ٢/ ٨٢ - ٢٦٥.
(١٣) الإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص ٩٤ - ١٥٦.
(١٤) البداية والنهاية ١٣/ ١٨٧ - ١٩٢.
[ ٢ / ١٣٨٤ ]
اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد.
هذا ما ثبتت به النصوص عن هذا الركن العظيم، فمن أنكر ذلك أو شك فيه فقد انحرف عن جادة الحق وتقحم في الجهل والضلال، وارتكس في الباطل.
هذه العقيدة القطعية الثابتة الصحيحة التي يعتقدها أهل الإسلام، نجد أن أتباع الحداثة قد كذبوها وخالفوها وأنكروها إمَّا بالكلية كما هو حال أكثرهم، وإمَّا في بعضها، والتكذيب ببعض كالتكذيب بالكل، وإمَّا بالشك والارتياب في حصولها، والشك تكذيب ومناقضة لليقين الواجب.
ونجد في منثور أقوالهم، وأصول عقائدهم "الحداثة" الجحد الصريح ونفي البعث، والسخرية بالنصوص الشرعية والعقائد اليقينية المتضمنة لإثبات اليوم الآخر وما وراءه.
وهم في هذا كله ينطلقون من أصولهم المادية الإلحادية، التي بنوا عليها أسس فكرتهم ومنطلق توجههم، ووجهة إبداعهم، فلم يتجاوزوا حدود أقوال الدهرية القدماء بل قالوا بقولهم في أبدية الدنيا والدهر، وكرروا مضامين عقائدهم، وبعضهم قال بتناسخ الأرواح، فهم -إذن- لم يتجاوزوا الأسس الإبليسية التي أضل بها من قبلهم، وإن توغلوا في ذلك ونوعوا العبارات، واستخدموا أساليب الأدب واللغة، ولغة الفن والصحافة والإعلام، وخادعوا بالادعاءات العلمية والمزاعم العقلية، وغير ذلك من الأساليب الحداثية المشهورة.
وإذا نظرنا إلى أقوال هؤلاء الجاحدين للبعث أو المشككين فيه فإننا نجدهم عدة أضرب:
الأول: الجاحدون الملحدون، فهؤلاء أنكروا وجود الخالق تعالى، وتبعوا أقوال الفلاسفة الدهريين الطبائعيين الماديين، ومن هؤلاء الشيوعيون والوجوديون.
[ ٢ / ١٣٨٥ ]
فهم ينكرون أصلًا صدور الخلق عن خالق، منكرون للنشأة الأولى والثانية ومنكرون في البداية وجود الخالق ﷾.
ولا يحسن مناقشة هؤلاء في أمر اليوم الآخر وما وراء البعث والمعاد والغيبيات، بل يناقشون في وجود الخالق -سبحانه- ووحدانيته أولًا، ثم ياتي إثبات المعاد بعد ذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر والغيبيات فرع عن الإيمان باللَّه تعالى.
الثاني: الذين يعترفون بوجود الخالق، ولكنهم يكذبون بالبعث والمعاد والنشور والآخرة.
وسلفهم في ذلك كفار الجاهلية الأولى الذين كانوا يعترفون بأن اللَّه خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . . .﴾ (^١)، وهم مع ذلك يقولون كما حكى اللَّه تعالى عنهم: ﴿. . . أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ (^٢).
والمنطق الجاهلي نفسه يردده المنحرفون المحدثون، حيث يدعون أنهم يؤمنون باللَّه، ولكنهم يزعمون أن اللَّه تعالى عاجز عن إحيائهم بعد إماتتهم وبعثهم بعد فناء أجسادهم.
وهذا القسم هو الذي ضرب اللَّه لهم الأمثال، وساق لهم الحجج والبراهين لبيان قدرته على البعث والنشور، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء، وفي مضمون ذلك رد على سائر المكذبين والجاحدين والمنحرفين.
الثالث: الذين يؤمنون بالمعاد على غير الصفة التي جاء بها الشرائع وتحدث بها الوحي، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويؤلون الحق بتأويلات باطلة فاسدة خاطئة، ويزعمون أنهم مهتدون.
_________________
(١) الآية ٢٥ من سورة لقمان.
(٢) الآيتان ٦٧ - ٦٨ من سورة النمل.
[ ٢ / ١٣٨٦ ]
وهذا الصنف هو أخبث الأصناف وأشدها ضررًا؛ لأنهم يتلبسون بالدين، ويستخدمون آلته في محاولة هدمه وتخريبه، تحت مسميات التحرر الفكري، والمسايرة للعصر، والنظرة التنويرية للنصوص، والتجديد للفهم وتجاوز العقليات الجامدة والتفسيرات السلفية الثابتة، وتقويب الإسلام من روح العصر، وعقلنة الدين وعلمنة الشريعة، إلى آخر دعاوى الأدعياء الذين يصدق عليهم قول اللَّه تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^١).
وللمتأمل في أصحاب الضلالات المعاصرين وما هم فيه من تخبط وتيه، أوسع المدى في تفسير ظواهر هذا التخبط، وتحليل أسبابه، وكشف دواعية، من خلال التأمل في نصوص الوحي العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- ما نحن في صدده في هذا الفصل: أن التصور والاعتقاد المبني على إنكار الآخرة والبعث يغطي على العقول، ويغلف الألباب بغلاف المادية الدنيوية القاحلة، ويجعل معتقده يمر على العظات والعبر والدلائل الكونية والتاريخية والاجتماعية مرور الأبلة المعتوه، والغافل المشدوه، وهذه الحقيقة هي المذكورة في قول اللَّه العظم: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ (^٢).
لقد كان كفار مكة وغيرهم يمرون على (قرية قوم لوط وهي سدوم التي أهلكها اللَّه بقلبها وبإمطارها بحجارة من سجيل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ (^٣)، وقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ
_________________
(١) الآية ٤ من سورة المنافقون.
(٢) الآية ٤٠ من سورة الفرقان.
(٣) الآية ١٧٣ من سورة الشعراء.
(٤) الآيتان ١٣٧ - ١٣٨ من سورة الصافات.
[ ٢ / ١٣٨٧ ]
مُقِيمٍ (٧٦)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾) (^٢) (^٣) وقد كانوا يرونها، وكيف لا يرى الإنسالن بلدًا كاملًا وقد دمره اللَّه، وهو يمر عليه ذهابًا وإيابًا غدوة وعشية؟ ولكنهم لم يستنتجوا من رؤيتهم لها العبرة التي ينبغي أدن تستخلص؛ لأدن تصورهم وعقيدتهم المبنية على جحد الآخرة والبعث تمنعهم من الاستنتاج الصحيح وتصدهم عن العبرة الواجبة، وتقف بهم عقولهم الضعيفة الكليلة عند حدود الظاهر والرؤية الحسية البهيمية، كما أخبر اللَّه عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ (^٤).
والمثقفون في الغرب كله بشقيه -إلّا قلة قليلة منهم- مأخوذون بهذه النظرة ومنجذبودن إليهما ودائرودن في فلكها، وكذلك الذين ساروا على نهجهم من تلامذتهم المستغربين من أبناء المسلمين، وإن كانوا على درجات متفاوتة في اعتناقهم لهذه الفلسفة المادية الإلحادية، ولكنهم في الجملة لا يخرجون عن هذا الإطار.
ومن أكبر الأمثلة على ذلك ما نجده في أدبياتهم التي يطلق عليها اسم "الحداثة" والتي تعتبر عندهم -وهي كذلك في الواقع- تعبيرًا أدبيًا عن العلمانية، وواجهة ثقافية لها.
وتظهر معالم هذا الانحراف في جحدهم لليوم الآخر وما وراءه، واعتبار الموت فناءً مطلقًا لا حياة بعده ولا بعث ولا نشور، والقول بأبدية الدنيا إمّا على طريقة الدهريين، وإمّا باعتقاد تناسخ الأرواح، وفي تضاعيف ذلك سخرية باليوم الآخر وما يحصل فيه، وهنا أورد بعض الشواهد على هذه الأمور من كلامهم:
_________________
(١) الآية ٧٦ من سورة الحجر.
(٢) الآية ٧٩ من سورة الحجر.
(٣) تفسير ابن كثير ٥/ ١٥٣.
(٤) الآية ٧ من سورة الروم.
[ ٢ / ١٣٨٨ ]