الإيمان بأسماء اللَّه وصفاته أحد أركان الإيمان باللَّه تعالى، وأحد أقسام توحيد اللَّه تعالى.
وأركان الإيمان باللَّه تعالى هي: الإيمان بوجود اللَّه وربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته -جلَّ وعلا- وأقسام توحيد اللَّه ثلاثة هي: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ولتوحيد الأسماء والصفات منزلة عالية في دين اللَّه ومكانة عظيمة، ولا يصح إيمان الإنسان ولا تستقيم عبادته حتى يكون على علم ويقين بأسماء اللَّه تعالى وصفاته، ليؤمن على بصيرة ويعبد اللَّه على الوجه الصحيح، ومن أجل هذه المنزلة وهذه المكانة اهتم علماء الإسلام بتوضيح حقائق وقواعد هذا التوحيد، وبينوا درجته وأقسامه وأحكامه، وأحكام المخالفين للحق الثابت فيه بالأدلة.
وأهم قواعد الإيمان بهذا التوحيد ما يلي:
أولًا: أسماء اللَّه تعالى كلها حسنى غاية الحسن، كاملة نهاية الكمال، كما أخبر -جل وعلا- عن نفسه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^١)
_________________
(١) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وكمالها في ذاتها وفيما تتصمنه من صفات، كمال لا نقص فيها يوجه من الوجوه، والحسن في أسماء اللَّه تعالى باعتبار كل اسم على انفراده، باعتبار جمعه إلى غيره.
وأسماء اللَّه تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني.
وإثبات أسماء اللَّه تعالى يتضمن ثلاثة أمور، أحدها: ثبوت ذلك الاسم للَّه -﷿-. والثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها للَّه -﷿-. والثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
وتدل أسماء اللَّه تعالى على ذات اللَّه وصفاته دلالة مطابقة وتضمن والتزام.
ولا يصح إثبات اسم للَّه تعالى إلّا بما أثبته الوحي المعصوم، وتسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حق اللَّه تعالى وعدوانٌ وظلمٌ وضلالٌ.
والإلحاد في أسماء اللَّه تعالى هو الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع:
الأول: إنكار شيء من أسمائه تعالى أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، وهذا فعل أهل التعطيل.
الثاني: جعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبه.
الثالث: أن يسمي اللَّه تعالى بما لم يسمه به نفسه.
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز واللات من الإله.
الخامس: أن يسمي المخلوقين بأسماء اللَّه الخاصة به -جلَّ وعلا- مثل اللَّه والرحمن.
كل هذا من الإلحاد في أسمائه تعالى، وقد قال -جلَّ وعلا-:
[ ١ / ٥٣٧ ]
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (^١).
ثانيًا: للَّه تعالى صفات ثابتة على الحقيقة، وهي كمال كلها لا نقص فيها بوجه من الوجوه مطلقًا، ودل على ذلك العقل والنقل والفطرة.
وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق اللَّه تعالى مثل النوم والنسيان والجهل والعمى والموت والصاحبة والولد ونحو ذلك.
ومن وصف اللَّه بالنقص فهو كافر كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ (^٣).
وقد نزه اللَّه نفسه عما يصفه به أهل الكفر والإلحاد من النقائص فقال -سبحانه-: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (^٤).
وأفعال اللَّه تعالى لا منتهى لها وكذلك أقواله -جلَّ وعلا- كما أخبر عن نفسه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ (^٥).
وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فنصف اللَّه بما وصف به نفسه مثل المجيء والإتيان والأخذ والإمساك ولا نسميه بها فلا نقول: الجائي والآتي والآخذ والممسك.
_________________
(١) الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.
(٢) الآية ٦٤ من سورة المائدة.
(٣) الآية ١٨١ من آل عمران.
(٤) الآيات ١٨٠ - ١٨٢ من سورة الصافات.
(٥) الآية ٢٧ من سورة لقمان.
[ ١ / ٥٣٨ ]
وصفات اللَّه الثبوتية هي التي أثبتها الباري -﷿- لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ- يجب فيها ثلاثة أمور:
الأول: إثباتها كما جاءت حقيقة على الوجه اللائق باللَّه تعالى.
الثاني: نفي التشبيه، فلا يشبهه أحد في صفاته -جلَّ وعلا-.
الثالث: قطع الكيف، وهو أن لا يسأل عن اللَّه تعالى بكيف، ولا يقال: كيفية سمعه كذا، أو استوائه، أو وجهه.
ولا يعني ذلك أن صفات اللَّه لا كيفية لها، بل لها كيفية ولكننا لا نعرفها فنفوض علم كيفية الصفات إليه.
والصفات السلبية ما نفاها اللَّه تعالى عن نفسه أو على لسان رسوله -ﷺ-، وكل ما نفاه فهو نقص يجب تنزيه اللَّه عنه -جلَّ وعلا-، ويجب في النفي أمران:
الأول: نفيها عنه -﷾-.
الثاني: إثبات ضدها على الوجه الأكمل؛ لأن النفي المحض ليس بمدح إلّا إذا تضمن ما يدل على الكمال، والنفي المحض قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالًا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
ومن الصفات المنفية عن اللَّه تعالى مما جاء في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (^١)، فيجب نفي الموت عن اللَّه تعالى وإثبات كمال حياته، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٢)، فيجب نفي الظلم عنه -جلَّ وعلا- لثبوت كمال عدله تعالى.
ويلزم إثبات صفات اللَّه تعالى من غير تمثيل ولا تكييف، فالإثبات ضده التعطيل ونفي الصفات، والتمثيل هو اعتقاد مماثل للَّه تعالى في صفاته من صفات المخلوقين.
_________________
(١) الآية ٥٨ من سورة الفرقان.
(٢) الآية ٤٩ من سورة الكهف.
[ ١ / ٥٣٩ ]
والتشبيه مثل التمثيل وإن كان التمثيل أشمل.
أمّا التكييف فهو أن يعتقد أن كيفية صفات اللَّه كذا من غير أن يقيدها بمماثل، أو يسأل عن صفاته بكيف، وهذا كل باطل، فكل كيفية تقدرها الأذان لصفات اللَّه تعالى فإنها باطل وكذب وضلال، واللَّه أعلى وأعظم وأجل من كل ذلك.
ويجب اعتقاد أن صفات اللَّه توقيفية فلا نثبت له من الصفات إلّا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، إمّا تصريحًا بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، وإمّا تضمن الاسم لها مثل الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع.
وإمّا التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش، والانتقام من المجرمين كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (^٢).
ومن الإلحاد في صفات اللَّه تعالى وصفه تعالى بما لم يصف به نفسه أو إضافة شيء ينزه اللَّه عنه أو نفي صفات اللَّه الثابتة له، أو السخرية بأسمائه وصفاته أو وصف غير اللَّه بالأوصاف الخاصة باللَّه تعالى.
كل ذلك انحراف وضلال وإلحاد في صفاته -جلَّ وعلا- (^٣).
وإذا نظرنا إلى الأدب المعاصر، وأدب الحداثة خاصة فإننا نجد أنهم قد انغمسوا في أخبث وأبشع أنواع الضلال في أسماء اللَّه وصفاته.
بل نجد أنهم اتخذوا من الإيمان باللَّه تعالى هدفًا أوليًا لحربهم الشرسة على الإسلام والمسلمين، فإنهم لم يكتفوا بجحد وجود اللَّه تعالى وربوبيته، ولا بجحد ألوهيته والشرك فيها، حتى وصلوا إلى التعدي الصريح على ذات اللَّه تعالى في أسمائه وصفاته، ويتمثل ذلك في عدة أوجه هي:
_________________
(١) الآية ٥ من سورة طه.
(٢) الآية ٢٢ من سورة السجدة.
(٣) انظر: القواعد المثلى في صفات اللَّه وأسمائه الحسنى للشيخ محمد بن صالح العثيمين: ص ٥ - ٢٩.
[ ١ / ٥٤٠ ]