الإيمان برسل اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول عقائد أهل الإسلام، وفيه عدة قضايا:
الأولى: إن اضطرار العباد إلى الرسل وما جاؤوا به من الحق أعظم من اضطرارهم إلى الماء والهواء؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلّا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلّا من جهتهم، ولا ينال رضا اللَّه ألبتة إلّا على أيديهم، فالخير والحق والفضيلة والطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلّا هديهم وما جاؤوا به.
وأي ضرورة وحاجة فُرضت إلّا وضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، والرسالة ضرورية للعباد، ولابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟.
والمتأمل في أحوال الدنيا والناس يجد أن الدنيا مظلمة إلّا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك الناس، والفرد من الناس ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات،
[ ٢ / ١١٩٣ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (^١)، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه اللَّه بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات.
وقد سمى اللَّه رسالته إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٢).
وضرب اللَّه مثلًا للوحي الذي أنزله حياة للقلوب بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التي يحصل بها النور، وذلك في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ (^٣)، فشبه سبحانه الرسالة وعلم الأنبياء ﵈ بالماء المنزل من السماء؛ لأنه حياة القلوب كما أن بالماء حياة الأبدان، وشبه القلوب بالأودية؛ لأنها محل العلم كما أن الأودية محل الماء.
فالمؤمن هو الذي قبل الهدى والحق والخير الذي جاءت به الرسل من عند اللَّه تعالى فعاش على نور وسعادة بقدر ما أخذ من هذا الهدى، وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حي إلّا حياة الأجساد التي يشارك فيها الإنسان البهائم.
وقد أرسل اللَّه الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعًا بالدعوة
_________________
(١) الآية ١٢٢ من سورة الأنعام.
(٢) الآية ٥٢ من سورة الشورى.
(٣) الآية ١٧ من سورة الرعد.
[ ٢ / ١١٩٤ ]
إلى اللَّه وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه، وتوضيح الأصول التي عليها مدار الخلق والأمر، وهي ثلاثة:
الأول: ويتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام اللَّه في أعداء اللَّه وأوليائه وهي القصص التي قصها اللَّه على عباده والأمثال التي ضربها لهم، والأصل الثاني: يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه اللَّه وما يكرهه، والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب، وعلى هذه الأصول مدار السعادة والفلاح، ولا سبيل إلى معرفتها إلّا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك الحاجة إلى الطب ومن يداويه ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه.
وهذه الأصول وغيرها مما يترتب عليها من العلوم والأعمال مما جاء به الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام الناس في حاجة إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم والأعمال، بل أعظم عن حاجتهم إلى النَّفَس والطعام والشراب؛ لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه، وأمّا يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت، فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول -ﷺ- والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلّا بالعبور على هذا الجسر (^١).
الثاني: أن العقل لا يستغني عن الرسالة بحال من الأحوال ولا يُمكن له أن يعرف تفاصيل الحق والخير والسعادة إلّا بهدي اللَّه الذي بعث به رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.
_________________
(١) القضية الأولى هذه مأخوذة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مع تصرف يسير، من كتبهم: مجموع الفتاوى ٩/ ٩٣ - ٩٦، وزاد المعاد ١/ ١٥، ومفتاح دار السعادة ٢/ ٢.
[ ٢ / ١١٩٥ ]
وقد غرق عالم اليوم في غرور كبير، وفي استكبار عظيم، حين زعم فلاسفته وقادته أنه يُمكن الاستغناء عن الرسل والرسالات بالعقول والتجارب ومعطيات الحس التي هي من وهب اللَّه وعطائه، فوضعوا القوانين والنظم والمناهج التي تحل الحرام وتحرم الحلال، وتجيز الظلم والفاحشة، وتحتال على الحق وتحارب الخير والفضيلة، وتساوي بين البر والفجور والإصلاح والإفساد، والضار والنافع والحسن والقبيح، بل تدعو إلى الفساد وتفتح أبوابه، بل تدعو إلى الفساد وتفتح أبوابه، وتدافع عن الأضرار وتمهد طرقها، وتزين القبيح وتسهل وسائله، ومن تأمل في فلسفات القوم وأخلاقهم وأعمالهم علم كم فيها من الشر والفساد والضلال والانحراف، وكم ترتب عليها من الشقوة والبلاء والارتكاس، وعلم تمام العلم أن القوم وإن زعموا تعلقهم بالمعقول إلّا أنهم قد أتوا بما هو مناقض للفطرة ومخالف للمصلحة، وفي تناقضات أقوالهم وأحوالهم ما يدل على كلال عقولهم وفساد أذهانهم، وما من عقل ينحرف عن منهج اللَّه ويبتعد عن الوحي المعصوم إلّا ويصاب بالتناقض والتهافت والوهن.
وأعظم دليل على ذلك ما نراه من استفحال أمراض الأهواء الفلسفية وتعاظم الأسقام الخلقية، وتكاثر الجراثيم المعرفية، مع قلة إحساس أعضاء هذه المجتمعات بهذه الأمراض التي تفتك في بنيانهم وتوشك أن تودي بهم.
كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن العقل لا يستغني عن النبوات، وأنه متى استرشد يهديها اهتدى واستقر واستنار وأنار، ومتى أعرض واستكبر عن الوحي انتكس وانهار وانحرف وضل وأصيب بالعاهات وكدورات الأهواء والرعونات.
الثالث: أن ثبوت النبوة وثبوت الوحي إلى الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من أعظم الحقائق وأظهر الأمور، ودلائله كثيرة منها:
١ - أن كل واحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام اتصف بأحسن الصفات وتحلى بأجمل النعوت، فهم أكمل الخلق علمًا وعملًا وأصدقهم وأكملهم خلقًا، وقد اختصوا بفضائل لا يلحقهم فيها أحد، ومن تأمل
[ ٢ / ١١٩٦ ]
أحوالهم وأعمالهم وسيرهم -﵊- وجدهم جميعًا متصفين بسمو الفطرة وصحة العقل والصدق في القول والأمانة في التعامل، وسلامة الحواس والبدن مما تنبوا عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة، وقوة الروح، والشجاعة المقرونة بالحلم، والعلم والكرم والعفة وحسن الخلق، والترفع عن الدنايا والسلامة من النواقص الخلقية، مع لطف في الخُلُق، وعطف على الخَلْق، ورحمة وتواضع، وزكاء نفوس ورجحان أذهان وبعد عن الظلم والكذب والعدوان، والفواحش والمنكرات وغير ذلك من الأخلاق العظيمة التي اتصفوا بها، وهي تدل غاية الدلالة على صدق أصحابها، وأمانتهم، وصحة ما جاؤوا به.
وإنّما لزمت هذه الصفات الجليلة للرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه لو انحطت أخلاقهم وتضاءلت صفاتهم وضعفت قواهم الخلقية، لما كانوا أهلًا لتلقي الوحي والهدى من اللَّه، ولأصبحوا عاجزين عن تبليغ جميع ما عهد به اللَّه إليهم لتبليغه، بل لما كانوا جديرين بهذا الاختصاص الإلهي الذي يفوق كل اختصاص وهو: اختصاصهم بالوحي والكشف لهم عن أسرار علم اللَّه التي أوحيت إليهم (^١).
والناظر في أخلاق وأحوال الأنبياء مقارنة بأحوال وأخلاق غيرهم من الكذابين الذين ادعوا النبوة، أو السحرة والكهان، أو الفلاسفة، أو المنظرين للأخلاق أو المؤصلين للنظم الأرضية؛ يجد الفرق الهائل العظيم بين أخلاقهم وأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولنأخذ أمثلة من كبار فلاسفة وأخلاقيي الحضارة الغربية، فهذا فولتير إمام التنوير -كما يسمونه- عاشر ابنة أخته واستولدها، وروسو إمام آخر للتنوير وصاحب النظريات التربوية أودع أولاده الملجأ، وأندريه جيد معروف بالشذوذ الجنسي، مفعول فيه، ونتشه الذي عاش في نزوات وتخبطات عقلية انتهت به إلى الجنون، وبودلير إمام الحداثة ورافع رايتها مصاب بعقدة أوديب -كما يقولون- أي بعشقه لأمه، وسارتر زعيم الوجودية عاش حياته مع عشيقته الوجودية بوفوار
_________________
(١) انظر: الإيمان لعبد المجيد الزنداني: ص ١٦٨.
[ ٢ / ١١٩٧ ]
حياة سفاح ودعارة، والقارئ لرواية "ضياع في سوهو" (^١) أو كتاب "سقوط الحضارة" يجد الشواهد الكثيرة على هذا، أمّا ما كتبه هؤلاء وغيرهم عن معاشراتهم الجنسية ومعاقرتهم للخمر والمخدرات وأنواع المنكرات فأكثر مما يحصى.
٢ - أن الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام قد اتفقت فى عوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد اللَّه -﷿- بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله.
واتفقت دعواتهم على الأمر بالصدق والأمانة والصلة والرحمة والإحسان وغيرها من مكارم الأخلاق، والنهي عن الكذب والخيانة والظلم والعدوان وغيرها من رذائل الأخلاق.
ولا يُمكن أن يتواطأ مجموعة من الناس مختلفة أزمانهم وبلدانهم وأحوال أقوامهم على أشياء معينة لا تختلف، إلّا إذا كان المصدر واحدًا ولو كانوا كاذبين -أجلهم اللَّه ورفع قدرهم- لما اتفقوا على هذه الأمور، وها نحن نرى أحوال الفلاسفة الذين يبحثون عن السعادة للإنسان ونقرأ أقوالهم من عهد اليونان إلى الآن، فنجد بينهم من التناقض والتباين والتضاد الشيء الكثير؛ لأنهم يصدرون عن أهواء نفوسهم ويتأثرون بأوضاع مجتمعاتهم، فتأتي أفكارهم متنوعة متباينة.
٣ - أن الرسل عليهم صلوات اللَّه وسلامه كانوا ألزم الناس لما يدعون إليه، وأثبتهم على ما أمروا به غيرهم، من التوحيد ولزوم طاعة اللَّه والفضائل والأخلاق، وظلوا على ذلك إلى آخر أعمارهم في ثبات وصدق ومطابقة بين ما يدعون إليه وما يعملونه، وقد قال اللَّه لنبيه محمد -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ (^٢)، والمتكلف لا يُمكنه الثبات على الخصال التي يدعو إليها طوال عمره.
_________________
(١) ضياع في سوهو وسقوط الحضارة كتابان لكولن ولسون.
(٢) الآية ٨٦ من سورة ص.
[ ٢ / ١١٩٨ ]
فالمطابقة التامة بين القول والفعل من أعظم خصائص الأنبياء ولا يكاد يتفق ذلك لأحد من الخلق، وهذا من دلائل نبوتهم.
٤ - أن المدعي للنبوة لابد أن يظهر صدقه أو كذبه في:
أ - نفس ما يأمر به.
ب - فيما يخبر به.
جـ - فيما يفعله.
فإذا نظرنا في أحوال الرسل الكرام وجدنا أمرهم بالحق والخير والهدى والرشاد والفلاح.
ووجدنا أخبارهم صادقة مطابقة للواقع، سواء أخبار ما مضى أو أخبار ما يأتي بعدهم.
ووجدنا أفعالهم أفعال صلاح ورشد وهدى.
وكل ذلك لأنهم صادقون، والصدق يهدي إلى البر (^١).
أمّا غيرهم من مدعي النبوة كذبًا، أو من فلاسفة الأمم وحكمائها فإن نجد في أمرهم من الباطل والفساد والشر ما يدل على سوء مسالكهم وخبث طرائقهم وأحوالهم، ونجد فيما يخبرون به من الكذب والتناقض الشيء الكثير، كما نجد في أفعالهم من الفساد والعدوان والانحراف ما يشهد على ضلالهم، وكل ذلك لأنهم ابتعدوا عن هدى اللَّه فتلبسوا بالكذب، والكذب يهدي إلى الفجور.
وهذه الأمور تدرك بالعقل والملاحظة، حتى أن الناس تميز في الصناعات والمقالات بين الصادق والكاذب المدعي، ويُمكنهم التعرف على أحوال الرجل من حب وبغض وفرح وحزن، ويظهر ذلك على وجهه،
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية: ص ٩٩ - ١٠١.
[ ٢ / ١١٩٩ ]
فكيف تخفى أحوال الرسول الذي يجيء بالعلوم الباهرة والأخبار الخافية، ويقوم بالأعمال الظاهرة للعيان (^١)؟.
٥ - أن الرسل ﵈ أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أعدائهم، ثم وقع ذلك حقيقة فنصر اللَّه رسله وأهلك عدوهم كما حصل لفرعون وقوم نوح وقوم صالح (^٢) وغيرهم وهذا من دلائل نبوتهم؛ لأنه لا يُمكن أن يتفق ذلك لأحد من البشر مهما كان ذكاؤه، ومهما كانت معارفه.
٦ - أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن الذي جاؤوا به هو عين المصلحة والرحمة والهدى والخير، وفيه من دلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم؛ ما يبين أنه لا يصدر إلّا عن راحم برٍّ صادق يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق (^٣).
٧ - إضافة إلى كل ما سبق من الدلائل والآيات الدالة على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد أعطاهم اللَّه من المعجزات الباهرات ما يظهر صدقهم ويوضح تأييد اللَّه لهم، ويلجم عدوهم، كعصا موسى ﵇ ويده البيضاء، وصنيع عيسى ﵇ في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكتحول النار العظيمة المحرقة إلى برد وسلام على إبراهيم -ﷺ-، ومثل ناقة صالح، ومثل الإسراء والمعراج للنبي محمد -ﷺ-، ونبع الماء من أصابعه وتكثير الطعام، وأعظم من ذلك المعجزة الخالدة: القرآن العظيم الذي تحدى اللَّه به فصحاء العرب، وتحدى كل المخلوقات في القدرة على محوه أو إزالته أو تحريفه.
الرابع: مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في الرسل عليهم الصلاة والسلام:
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٠٢.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٠٨.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٠٩.
[ ٢ / ١٢٠٠ ]
١ - الإيمان بأن اللَّه بعث إلى خلقه رسلًا ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (^١)، وهو أصل من أصول الإيمان والركن الرابع من أركانه.
٢ - الرسل جمع رسول بمعنى مرسل، أي: مبعوث بإبلاغ شيء، والمراد هنا من أوحي إليه من البشر وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، فالرسالة أمر زائد على النبوة فكل رسول نبي ولا عكس، والتفريق الصحيح بين الفئتين الكريمتين: إن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، وقد ذكر النبي -ﷺ- أن عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي وعدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولًا (^٢).
٣ - الإيمان بمن سمى اللَّه تعالى في كتابه من الرسل والأنبياء وعدتهم خمسة وعشرون نبيًا ورسولًا وهم: آدم وهود وصالح وشعيب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس واليسع ويونس ولوط ونوح ومحمد صلى اللَّه عليهم وسلم تسليمًا كثيرًا.
والإيمان بأن هناك أنبياء ورسل لم يقصصهم اللَّه علينا، وهؤلاء نؤمن بهم جملة، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (^٣)، وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (^٤).
ولم تخل أمة من رسول يبعثه اللَّه تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ
_________________
(١) الآية ١٦٥ من سورة النساء.
(٢) حديث أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٢٦٥، ٢٦٦ من حديث طويل، وهو في مشكاة المصابيح ٣/ ١٢٢ وقال الشيخ الألباني في تحقيقه للمشكاة: إسناده صحيح.
(٣) الآية ١٦٤ من سورة النساء.
(٤) الآية ٧٨ من سورة غافر.
[ ٢ / ١٢٠١ ]
أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ (^١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢)، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ (^٣).
٤ - لا يجوز إثبات النبوة لأحد إلّا بدليل صحيح، والنبوة منحة من اللَّه تعالى، واصطفاء، ولا تنال بالرغبة أو المجاهدة والرياضة النفسية.
٥ - الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل؛ لأنهم حملة رسالة واحدة ودعاة دين واحد، ومرسلهم واحد، فهم وحدة يبشر المتقدم منهم بالمتأخر، ويصدق المتأخر المتقدم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا. . .﴾ (^٤).
وقال سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (^٥).
وقد أثنى اللَّه تعالى على رسوله وعلى المؤمنين الذين اتبعوه، لإيمانهم باللَّه ورسله وعدم تفريقهم بين ابرسل، فقال -جلَّ وعلا-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. . . (٢٨٥)﴾ (^٦).
_________________
(١) الآية ٤٧ من سورة يونس.
(٢) الآية ٣٦ من سورة النحل.
(٣) الآية ٢٤ من سورة فاطر.
(٤) الآيتان ١٥٠، ١٥١ من سورة النساء.
(٥) الآية ١٣٦ من سورة البقرة.
(٦) الآية ٢٨٥ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٢٠٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (^١).
٦ - الرسل سفراء اللَّه إلى عباده، وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عبادة اللَّه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (^٢) والبلاع يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها اللَّه من غير نقصان ولا زيادة، فإذا كان الوحي به ليس نصًا يتلى فيكون البلاغ ببيان الأوامر والنواهي والمعاني والعلوم التي أوحاها اللَّه من غير تبديل ولا تغيير، ويكون بيان الرسل بالقول والفعل والإقرار.
ومن وظائفهم الدعوة إلى اللَّه وبذل الجهد في ذلك ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٣).
ومن وظائفهم التبشير والإنذار، الدنيوي والأخروي، تبشير بالسعادة في الدنيا للطائعين، وفي الآخرة بالفوز العظيم، وإنذار بالشقاوة في الدنيا للكافرين والفاسقين، وفي الآخرة بنار الجحيم، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (^٤).
ومن أعمالهم إصلاح النفوس وتزكيتها وتقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائغة، وإقامة الحجة على الخلق، وسياسة الأمة وقيادتها في كل شأن من شؤون حياتها.
٧ - والوحي من اللَّه تعالى للرسل يكون بالإعلام الخفي السريع مهما
_________________
(١) الآية ١٥٢ من سورة النساء.
(٢) الآية ٣٩ من سورة الأحزاب.
(٣) الآية ٣٦ من سورة النحل.
(٤) الآية ٤٨ من سورة الأنعام، والآية ٥٦ من سورة الكهف.
[ ٢ / ١٢٠٣ ]
اختلفت أسبابه، ويكون بالتكليم من اللَّه تعالى، ويكون بالإلقاء في روع النبي الموحي إليه، ويكون بالرؤيا يراها، ويكون بواسطة الملك.
٨ - والرسل عليهم الصلاة والسلام بشر من البشر، يأكلون ويتزوجون وينامون ويمرضون أمراضًا لا تستبشع ولا تخل بالعقل، وقد يتعرضون للابتلاء كالسجن والمطاردة والقتل وهم أشد الناس بلاء.
٩ - الرسل ليس فيهم شيء من خصائص الربوبية أو الألوهية، وليسوا ملائكة بل بشرًا من أكمل البشر خلقًا وخلقًا، وخير أقوامهم نسبًا وحسبًا، وأصحاب عقول راجحة وذكاء وفصاحة.
١٠ - الرسل أكثر الناس تحقيقًا للعبودية للَّه تعالى وأعظمهم طاعة له.
١١ - ولم يكن الرسل إلّا رجالًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (^١) فلم يبعث اللَّه رسولًا من النساء.
وكانت الرسالة في الرجال دون النساء؛ لأن الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة ومخاطبة الناس ومقابلتهم والتنقل في الأرض، ومواجهة المكذبين ومحاججتهم ومخاصمتهم، والجهاد في سبيل اللَّه وكل هذا من أعمال الرجال دون النساء.
والرسالة تقتضي قوامة الرسول على من يتبعه، ولو كانت الموكلة بذلك المرأة لم يتم لها ذلك على الوجه الأكمل ولا استنكف الرجال أن يكونوا تبعًا لها إضافة إلى ما في الذكورة من كمال وقوة وقدرة، وما في الأنوثة في من ضعف ولين، وما يطرأ على المرأة من حيض ونفاس وحضانة ولد وحقوق زوج، وهذه كلها مانعة من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها.
١٢ - ومع كون الرسل عليهم الصلاة والسلام بشرًا إلّا أنهم تفردوا عن البشر بأمور منها: الوحي، والعصمة، وتنام أعينهم ولا تنام قلوبهم،
_________________
(١) الآية ٧ من سورة الأنبياء.
[ ٢ / ١٢٠٤ ]
ويخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة، ويقبرون حيث يموتون، ولا تأكل الأرض أجسادهم، وأحياء في قبورهم.
١٣ - عصمة الرسل حق يجب الإيمان به، ويراد بالعصمة ما يلي:
أ- الرسل معصومون في تحمل الرسالة فلا ينسون شيئًا مما أوحاه اللَّه إليهم إلّا شيئًا قد نسخ.
ب - الرسل معصومون في التبليغ فلا يكتمون شيئًا مما أوحاه اللَّه إليهم؛ لأن الكتمان خيانة وهم منزهون عنها.
جـ - الأمور البشرية الجبلية قد تقع من الأنبياء وهي لا تنافي العصمة، فإبراهيم أوجس في نفسه خيفة، وموسى لم يصبر على تصرفات الخضر الغريبة رغم تذكير الخضر له بالصبر الذي قطعه على نفسه، وغضب موسى غضبًا شديدًا وأخذ برأس أخيه ولحيته وألقى الألواح عندما وجد قومه يعبدون العجل، وعهد اللَّه إلى آدم فنسي ونسيت ذريته، وجحد فجحدت ذريته، ونسي النبي -ﷺ- في صلاة الظهر فصلى ركعتين ثم لما ذكر بذلك أتم ما بقي وسجد للسهو، ثم قال -ﷺ-: "إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني" (^١)، ونسيانه ﵊ في غير البلاغ في غير أمور التشريع.
وقد يجتهد الرسل في أمور تعرض لهم ويحكمون وفق ما يبدو لهم فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحق، ومن ذلك عدم إصابة نبي اللَّه داود في الحكم وإصابة ابنه سليمان في تلك المسألة، ويقول النبي -ﷺ-: "إنّما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنّما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان، ١/ ١٥٦، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة ١/ ٤٠٠.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب: من أقام البينة بعد اليمين ٢/ ٩٥٢، =
[ ٢ / ١٢٠٥ ]
د- الرسل معصومون من فعل الكبائر والمحرمات وقبائح الذنوب، وقد كذب اليهود والنصارى وافتروا أعظم الفرى إذ نسبوا إلى أنبياء اللَّه الزنى والسرقة والمخادعة والقتل غيلة وصناعة الأصنام وعبادتها، وغير ذلك من افتراءاتهم التي لم تقع، ولا يُمكن أن تقع من أحد من الأنبياء بحال من الأحوال بل هم معصومون من ذلك.
هـ- الرسل ليسوا معصومين من الصغائر، بل يُمكن أن تقع منهم ولكن اللَّه ينبه رسله إلى ما وقع منهم من مخالفات ويوفقهم إلى التوبة منها مباشرة من غير تأخير.
ومن أمثلة ذلك: معصية آدم بأكله من الشجرة، وقال اللَّه فى ذلك: ﴿. . . وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ (^١)، ومناشدة نوح ربه في شأن ابنه، ومسارعة داود في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني، وقال اللَّه لنبينا محمد -ﷺ-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (^٢)، وقال له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ (^٣) الآيات، وعاتبه في قبول الفدية في أسرى بدر فقال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ (^٤).
وخلاصة القول: إنه قد اتفق سلف الأمة على أن اللَّه -﷿- عصم أنبياءه من مقارفة كبائر الذنوب، واتفقوا على حفظ اللَّه لهم من الصغائر مما كان طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة.
كما اتفقوا في أنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم
_________________
(١) = وكتاب الحيل، باب: إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت ٦/ ٢٥٥٥، ومسلم في كتاب الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ٢/ ١٣٣٧.
(٢) الآيتان ١٢١، ١٢٢ من سورة طه.
(٣) الآية ١ من سورة التحريم.
(٤) الآيتان ١، ٢ من سورة عبس.
(٥) الآية ٦٨ من سورة الأنفال.
[ ٢ / ١٢٠٦ ]
أيضًا قصد الشيء يريدون به وجه اللَّه تعالى والتقرب به فيقع على خلاف مراد اللَّه الشرعي، إلّا أنه سبحانه لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا بل ينبههم على ذلك، وهذا هو معنى ما ورد من النصوص في توبة الأنبياء واستغفارهم وملام اللَّه لهم، وهذا معنى العصمة عند السلف أي إنهم لا يقرون على الذنوب التي تقع من غير قصد، أو تقع خلاف مراد اللَّه وهم يريدون وجه اللَّه تعالى، وقد تاب اللَّه على أنبيائه وغفر لهم، وقبل توبتهم ورفع درجتهم، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.
١٤ - ولا تكون العصمة لغير الأنبياء والمرسلين مهما كانت الدرجة والمنزلة.
١٥ - ومن الإيمان بالرسل: وجوب تكريمهم وتوقيرهم وإجلالهم جميعًا واعتقاد فضلهم على من سواهم من الصديقين والشهداء والصالحين والأولياء، ونبي واحد خير من جميع الأولياء.
١٦ - والرسل أفضل من الأنبياء، وبعض الرسل أفضل من بعض، وأفضل من الجميع خمسة هم أولو العزم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم صلوات اللَّه وسلامه، وأفضلهم جميعًا نبينا محمد -ﷺ-.
١٧ - ويجب الإيمان بأن محمدًا -ﷺ- هو أفضل الأنبياء والمرسلين وخاتمهم، وشريعته ناسخة لجميع الشرائع، ودينه هو الدين الذي لا يقبل اللَّه بعد بعثته دينًا سواه، وقد بشر الرسل من قبل بالنبي -ﷺ- وأخبروا بمجيئه، وهو سيد ولد آدم والشافع يوم القيامة وقد اتخذه اللَّه خليلًا، وخصه اللَّه دون غيره من الأنبياء بخصائص منها أنه أرسل إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا يبعث اللَّه بعده رسولًا، أمّا نزول عيسى آخر الزمان فهو حق وصدق ولكنه لا ينزل ليحكم بشريعة التوراة والإنجيل، بل يحكم بالقرآن، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويؤذن بالصلاة (^١).
_________________
(١) انظر في هذا كله: كتاب الرسل والرسالات لعمر الأشقر، ثم معارج القبول ٢/ ٧٨ - ٨٢، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص ٦٠ - ٨٢، وشرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص ٣٤ - ٣٩، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص ٢١ - ٢٥. وانظر في =
[ ٢ / ١٢٠٧ ]