الغيبيات هي القضايا الاعتقادية التي وردت أخبارها عن طريق السمع، والتي ثبتت بالوحي المعصوم؛ ولذلك تسمى "السمعيات".
وكل ما ثبت مجيء الخبر به عن طريق الشرع من كتاب اللَّه تعالى أو من سنة نبيه محمد -ﷺ- فإنه يجب تصديقه والإيمان به سواء أدركناه بحواسنا وعقولنا أم لم ندركه، وسواء كان من الأخبار الماضية مثل بدء الخلق وأخبار الأنبياء والأمم الهالكة، أو من الأخبار القائمة الآن مثل وجود إبليس والجن والملائكة، أو من الأخبار الآتية مثل اليوم الآخر وما فيه، والعلامات الكبرى للقيامة، وانتصار الإسلام على سائر الملل، ونزول عيسى وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج والدابة والمهدي وغير ذلك.
فهذه وغيرها من الغيبيات الثابتة بالسمع يجب الإيمان به جملة وتفصيلًا، وقد جعل اللَّه الإيمان بها من علامات المؤمنين المتقين حيث قال سبحانه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (^١) الآية.
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (^٢).
_________________
(١) الآيات ١ - ٣ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٩٤ من سورة المائدة.
[ ٣ / ١٥٣٨ ]
وقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ (^١).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (^٢).
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (^٥).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ (^٦).
وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل كلها على أن الإيمان بالغيب قاعدة عظيمة من قواعد الإيمان لا يُمكن للمكلف أن يدخل في دين
_________________
(١) الآيتان ٤٨، ٤٩ من سورة الأنبياء.
(٢) الآية ١٨ من سورة فاطر.
(٣) الآية ١١ من سورة يس.
(٤) الآيات ٣١ - ٣٥ من سورة ق.
(٥) الآية ٢٥ من سورة الحديد.
(٦) الآية ١٢ من سورة الملك.
[ ٣ / ١٥٣٩ ]
الإسلام ما لم يؤمن بها ويقر بكل قضاياها الثابتة.
والإيمان بالغيب باب واسع يدخل تحت عنوان مسائل جليلة ومسائل دقيقة.
فالإيمان باللَّه تعالى ربًا وخالقًا وإلهًا له الصفات الحسنى غيب، بل هو أعظم وأجل قضايا الغيب وكذلك الإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل الذين أخبرنا الوحي بأخبارهم وأخبار أممهم والرسل الذين لم يخبرنا بهم، والإيمان بالوحي ونزوله على الأنبياء سواء في الكتب المنزلة أو غيرها غيب، واليوم الآخر وكل قضاياه غيب، والقدر المكتوب في اللوح المحفوظ غيب، ولا يعرف هذا الغيب إلّا إذا وقع القدر في الواقع، فها هي أركان الإيمان العظيمة تدخل في هذا الباب الواسع الكبير، ولذلك جعل اللَّه الإيمان بالغيب قاعدة للإيمان كله، وأول صفة في صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (^١).
ولكن الإيمان بالغيب لا يقتصر على هذه القضايا الجليلة التي هي قواعد الاعتقاد وأساس الديانة، بل أخبرنا اللَّه تعالى عن أمور غيبية عديدة فصل بشأن بعضها ولم يفصل في شأن البعض الآخر.
ومن أمثلة القضايا الغيبية التي أخبرنا اللَّه تعالى بها: الشيطان والجن، وما يتبع ذلك من قضايا السحر والكهانة والتنجيم، وأخبار عن أمور وقعت في القديم مثل بدء خلق السموات والأرض وبداية الخليقة وكيف تناسلوا وماذا حدث من بعض أبناء آدم، وأخبار ذي القرنين والخضر وأهل الكهف.
وأخبار عن أمور سوف تقع في المستقبل، مثل يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، وخروج المهدي، والملحمة الكبرى بين المسلمين وعباد الصليب، وانتصار المسلمين على اليهود، وأشراط الساعة، وغير ذلك.
_________________
(١) الآيات ١ - ٣ من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٥٤٠ ]
والإيمان بالغيب حق ثابت وحاجة ضرورية للإنسان وقضية فطرية وميزة أصيلة فيه، وسوف أذكر الأوجه الدالة على هذا الحق وهذه الحاجة ثم أذكر الموقف المادي الحداثي والعلماني من هذا:
أولًا: أن الإنسان مكون -حسب أصل الخلقة التي خلقها اللَّه عليها- من مادة وروح، المادة تتمثل في أصله الطيني وتركيبه الجثماني، والروح تتمثل في عنصر الحياة المبثوث في هذا الجثمان، والسارية فيه سريان الماء في الشجر والشذى في الورد.
وفي القسم المادي الطاقات الحسية، الجسمية العضلية، من سمع وبصر ولمس وشم وذوق ولحم ودم وعضل وعصب وعظم، وفي القسم المعنوي طاقاته الروحية والفكرية والنفسية.
وهذان القسمان والعنصران ممتزجان في كيان موحد، ومنهما معًا تنبع جميع الطاقات الحسية والمعنوية، ولكل منهما غذاؤه وداؤه ودواؤه.
فبأجهزة كالجسم يتحرك الإنسان ويحس ويرى ويسمع ويذوق ويعمل، ويأكل ويشرب وينكح، وهو في جنس هذه الأعمال يشابه الحيوان، وهو منذ أن يولد توجد معه وتنمو بنموه متصلة بالحواس والأعصاب واللحم والدم.
وأجهزة البدن هي العظمية والدموية والعصبية والهضمية والتناسلية، أمّا الطاقة المعنوية فإنها منبثة في هذا الجسم المادي ومتصلة به اتصالًا وثيقًا، ولا يدري أحد على وجه التحديد مكانها وماهيتها ولكنه يدرك عملها وآثارها، وبها يدرك المعاني المجردة والتفكير التصوري، ويدرك الكليات والمعنويات والقيم العليا من العدل والحق والخير والجمال، وغير ذلك من الكليات والتجريديات، وهذه الطاقة المعنوية هي التي تميز بها الإنسان عن الحيوان، الذي ليس له مجال سوى المحسوس، أمّا الإنسان فإن المزية الأساسية له هي القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس، وذلك تبع لعنصر الروح وما ينبثق عنها من طاقات معنوية.
هذه القضية -قضية خلق اللَّه للإنسان من روح وطين- تعتبر مفرق الطريق بين الدين والمادية الملحدة.
[ ٣ / ١٥٤١ ]
فالأديان كلها تؤكد أن اللَّه خلق آدم من طين ونفخ فيه من روحه، وهذا ما أكده القرآن العظيم وأثبته في مواضع عديدة، وعلى ذلك فالإنسان مخلوق من عدم، مكرّم عند خالقه الذي أوجد له منهجًا وبين له سبلًا وأوضح له غاية الحياة وغاية وجوده في الحياة، والذي يريد منه أن يتسامى صعودًا إلى مدارج الكمال الاعتقادي والعقلي والنفسي والعملي، في صلة وطيدة بالسماء.
أمَّا المذهب المادي الإلحادي المعاصر فإن أساس عقيدته تقوم على أن الإنسان كائن مستقل بذاته، لا علاقة له بخالق، إذ لا وجود لخالق عندهم أصلًا، بل الطبيعة هي التي تشرف على الحياة في الكون وهي التي تتدخل في عملية النشوء والارتقاء، وهي التي وصلت في نهاية الأمر إلى خلق الإنسان وتكوينه هذا التكوين المتميز وهي التي منحته أعضاء الجسم وغرائز النفس.
وهم بطبيعة هذه المغالطة المضحكة ينكرون أصلًا خلق آدم من روح وطين، ويسمعون إلى إلغاء أي اعتقاد يربط الإنسان بخالقه، وتحطيم أي صلة تصل بين الأرض والسماء، من خلال ما وضعوا من المذاهب والمناهج والنظم التي ترسخ نزع الكرامة الإنسانية وإلغاء النفحة الإلهية عن الإنسان، والسعي بصورة حثيثة في "تحقير" الإنسان، وتصويره في صورة مادية حيوانية، على أساس أنه مجموعة من الغرائز والشهوات لا يُمكن له أن يرتفع عن واقع الأرض المادي، ولا يستطيع أن ينطلق من قيد الغريزة مطلقًا.
لقد بدأت هذه الفرية المادية إثر سلسلة من الصراعات بين الدين النصراني المحرف، والمعطيات العلمية والعقلية انتهت سلسلة هذه الحلقات إلى الباحث الإنجليزي "تشارلزداروين" الذي نشر في عام ١٨٥٩ م/ ١٢٧٥ هـ كتابه "أصل الأنواع" الذي يدور حول فرضية تطور الحياة في الكائنات الحية من دور بسيط إلى دور أرقى ثم أرقى، وتدرجها من العشوائية وعدم الدقة إلى الدقة والتركيب المعقد، كل ذلك تحت إشراف وتوجيه الطبيعة التي فرضت قانون "الانتخاب الطبيعي وبقاء الأنسب"!! وأن الكائنات العضوية
[ ٣ / ١٥٤٢ ]
ما زالت تترقى في هذا السلم، تصارع الحياة والآفات والكوارث فالذي لا يصلح تطرحه الطبيعة وتفنيه، والأفضل تهبه الطبيعة عوامل البقاء ومؤهلات الاستمرار، بل وتضيف له عناصر وصفات جديدة تمكنه من الاستمرار ومواصلة البقاء النوعي، وقد أدت هذه العملية -حسب افتراضية داروين- إلى إيجاد أنواع جديدة راقية مثل القرود الذين تسلسل منهم -وفق قانون الانتخاب الطبيعي- الكائن الأرقى وهو الإنسان (^١)!!.
هذه نظرية داروين باختصار شديد، وهي نظرية افتراضية قائمة على دراسات بيولوجية، وليست نظرية فلسفية، وإن كانت ذات أثر كبير جدًا على نظريات فلسفية غريبة عديدة، كما أن هذه النظرية أبعد ما تكون عن الحقائق العلمية الثابتة، وقد نقضها وبين عوارها كثير من علماء البيولوجيا "علم الأحياء" وغيرهم (^٢)، ومن ذلك قول كريسي موريسون (^٣) في كتابه العلم يدعو للإيمان: (إن القائلين بنظرية التطور "النشوء والارتقاء" لم يكونوا يعلمون شيئًا عن وحدات الوراثة "الجينات" وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقًا، أعني عند الخلية ذلك الكيان الذي يحتوي الجينات ويحملها) (^٤).
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: كتاب التطور عملياته ونتائجه، تأليف: ادوارد أو. دودسن، ترجمة أمين رشيد حمدي وآخرون.
(٢) مثل العالم الإنجليزي "أدين" و"أغاسيز" العالم الأمريكي، و"هرشل" العالم الفلكي المشهور، بل وعلماء الداروينية الجديدة الذين حاولوا ترقيع الثغرات في نظرية داروين مثل "جوليان هكلسي" و"أرثر كيت" و"ليكونت دي نوى" وبينوا هزال النظرية وافتقارها إلى الأدلة والبراهين.
(٣) كريسي موريسون هو: العالم الأمريكي الشهير والرئيس السابق لأكاديمية العلوم في نيويورك ورئيس المعهد الأمريكي لمدينة نيويورك وعضو المجلس التنفيذي للبحوث القومي بأمريكا، وله بحوث ومؤلفات عديدة منها كتاب العلم يدعو للإيمان الذي ألفه للرد على الملحد جوليان هكسلي صاحب الداروينية الحديثة ومؤلف كتاب الإنسان يقوم وحده، والذي فنده موريسون وأحكم الرد عليه بكتابه العلم يدعو للإيمان. انظر: كتاب العلم يدعو للإيمان: ص ٥ وص ١٣.
(٤) العلم يدعو للإيمان: ص ١٤٧.
[ ٣ / ١٥٤٣ ]
ويقول: (ولا بد للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال حسابيًا أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة بمجرد المصادفة على أي أرض في أي وقت، لذلك لا بد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد) (^١).
ويقول: (إن وجود الخالق - تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة، وأن وجود الإنسان على ظهر الأرض، والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنّما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون) (^٢).
ويقول العالم الطبيعي السويسري "أغاسيز" (^٣) في رسالة بعنوان "أصل الإنسان": (إن مذهب داروين خطأ علمي باطل في الواقع وأسلوبه ليس من أساليب العلم بشيء ولا طائل تحته) (^٤).
وقال: (إن النشوء لا يتم إلّا وفقًا لخطة إلهية محكمة وإن الاصطفاء الطبيعي إذا ما حل محل الخلق الإلهي فإن الإنسان يكون قد جرد من روحه وغدى آلة صماء) (^٥).
وقال: (إن التفسير الحرفي لنظرية داروين يفسح المجال لتأليه - سوبرمان - نيتشه - وتمجيد القوى البدنية على أنها الأساس الوحيد للسلوك بين الناس، وإن ثمة فرقًا واضحًا بين تناسل الأنواع وبين خلق الأنواع فالحيوانات تتناسل فتنتج نوعها، أمَّا اللَّه وحده فقادر على خلق نوع جديد. . . إن الفكرة التي يعتنقها الداروينيون عن تناسل نوع جديد بواسطة نوع سابق ليست إلّا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥١.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦.
(٣) أغاسيز هو: عالم سويسري من أشهر علماء الطبيعة في أوروبا وخاصة في علم الأسماك وطبائعها، قال عنه جورج سلستي في كتابه عباقرة العلم: ص ٢٢١ لقد كان أغاسيز أعظم معلم في جيله ومكانه لا يزال شاغرًا حتى اليوم لم يملأه أحد. انظر: كتاب الإنسان والداروينية هامش: ص ١٢٥.
(٤) و(^٥) الإنسان والداروينية: ص ١٢٥.
[ ٣ / ١٥٤٤ ]
افتراضًا اعتباطيًا يتعارض والآراء الفسيولوجي الرصينة) (^١).
ويقول أخصائي علم الأحياء والثبات "رسل تشارلزآرتست" (^٢): (لقد وضعت نظريات عديدة، لكي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين أو من الفيروس أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات، ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به، هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بخذلان وفشل ذريعين، ومع ذلك فإن من ينكر وجود اللَّه لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع بعض الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة يُمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية، وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده، ولكنه إذ يفعل ذلك فإنّما يسلم بأمر أشد إعجازًا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود اللَّه الذي خلق هذه الأشياء ودبرها، إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها، وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق، ولذلك فإنني أومن بوجود اللَّه إيمانًا راسخًا) (^٣).
ويقول أستاذ علم الأحياء الأمريكي "جون وليان كلونس (^٤) ": (إن هذا
_________________
(١) الإنسان والداروينية: ص ١٢٥.
(٢) رسل تشارلز آرتست هو: أخصائي علم الأحياء والنبات، وأستاذ في جامعة فرانكفورت في ألمانيا، وعضو الأكاديمية العلمية في أنديانا، له عدة أبحاث ومؤلفات. انظر: كتاب "اللَّه يتجلى في عصر العلم": ص ٧٣.
(٣) اللَّه يتجلى في عصر العلم: ص ٧٧.
(٤) جون وليان كلوتس، عالم في الوراثة، حاصل على درجة دكتوراه من جامعة بتسبرج، وأستاذ علم الأحياء والفسيولوجيا، وعضو جمعية الدراسات الوراثية، متخصص في الوراثة وعلم البيئة. انظر: كتاب "اللَّه يتجلى في عصر العلم": ص ٤٦.
[ ٣ / ١٥٤٥ ]
العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور المعقدة التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يُمكن نسبتها إلى قدر أعمى، ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا باللَّه ومن إيماننا بوجوده) (^١).
ويقول "ديل سوارتزن دروبر (^٢) " أخصائي فيزياء التربة، بعد أن ساق جملة من العجائب العلمية في التربة: (فمما لا شك فيه أن هنالك حكمة وتصميمًا وراء كل شيء سواء في السماء التي فوقنا أو الأرض التي من تحتنا، إن إنكار وجود المصمم والمبدع الأعظم يشبه في تجافيه مع العقل والمنطق ما يحدث عندما يبصر الإنسان حقلًا رائعًا يموج بنباتات القمح الصفراء الجميلة ثم ينكر في نفس الوقت وجود الفلاح الذي زرعه والذي يسكن في البيت الذي يقوم بجوار الحقل) (^٣).
وفي كتاب تاريخ الفكر الأوروبي الحديث يقول مؤلفه عن كتاب أصل الأنواع وفرضية داروين، وهو لا يخفي إعجابه بداروين ونظريته: (وقد أثار هذا الكتاب امتعاض الكثيرين، ولم يمتعض منه فقط رجال الاكليروس أو بعض العجائز، إذ وجدوه يدحض ما جاء في سفر التكوين جملة وتفصيلًا بل امتعض منه أيضًا أشد العقول مضاءً في ذلك العصر، وآخرون غيرهم كانوا أبعد ما يكونون عن الورع والتقوى، فلقد كتب جورج برنارد شو يقول: "إذا كان بالإمكان التدليل على أن الكون أنتج بواسطة اصطفاء طبيعي كهذا "البقاء للأصلح" فعندئذٍ لا يستطيع سوى الحمقى "والأنذال احتمال العيش فيه" زد على ذلك أن العالم الألماني فون بير رفضى النظرية التي تجعل الإنسان
_________________
(١) اللَّه يتجلى في عصر العلم: ص ٤٦.
(٢) ديل سوارتزن دروبر، أخصائي فيزياء التربة، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أيوا، وأستاذ مساعد في جامعة كلفورنيا وعضو جمعية علم التربة في أمريكا، وأخصائي في تركيب التربة وحركة الماء بها. انظر: كتاب "اللَّه يتجلى في عصر العلم": ص ١١٦.
(٣) اللَّه يتجلى في عصر العلم: ص ١٢٠.
[ ٣ / ١٥٤٦ ]
"نتاجًا للمادة" وتهبط به إلى مستوى الحيوان، بينما كتب أستاذ الجيولوجيا في جامعة كمبريدج آدم سيد غويك يقول: "إن التسليم بالداروينية سيهبط بالجنس البشري إلى درك من الانحطاط لا مثيل له في التاريخ الإنساني" وأخذ البعض يتساءل عما إذا لم يكن داروين شوفيهاور (^١) آخر، حيث أن نظريته تعلم البشر أن الصدفة وحدها والإرادة العمياء هما اللتان تحكمان العالم. . . فالفكرة المنطوية عليها الداروينية، والقائلة بأن الإنسان ليس ابن اللَّه الفريد (^٢) من نوعه، وليس له روح أو نفس، بل إنه متحدر من أيميبة "حيوان وحيد الخلية" وارتقى من خلال سلسلة من حيوانات أخرى، كانت فكرة تبعت أبدًا على الارتياح، وكذلك أيضًا حال الفكرة الموحية بأن الحياة هي صراع مجرد من كل قيمة أخلاقية، وأن الطبيعة دامية الناب والمخلب ومملؤة بالألم والموت، والتضحية بما لا يعد ولا يحصى من الأفراد على مذبح النوع، زد على ذلك إيحاء داروين أن الكون لا يزيد عن كونه صدفةً وحظًا.
ومع أن داروين أو ما في كتابه ببعض إيماءة لتهدئة سخط رجال الدين، غير أنه لم يكن بالإنسان المتدين، كما أن تدينه تناقص شيئًا فشيئًا، مع مرور الزمن، وقد شرح في كتاب "سيرته الذاتية" كيف أنه رفض، قرابة عام ١٨٤٠ م الدين المسيحي ثم تخلى كليًا عن الإيمان بوجود اللَّه، الأمر الذي يبدو جليًا في آخر صفحتين من كتاب أصل الأنواع، ولا ريب أن داروين كان يدين، كنصيره الشهير، توماس هكسلي، باللاأدرية) (^٣).
ثم يقول: (. . . إن العالم الطبيعي الأمريكي والأستاذ في جامعة هارفرد لويس أجاسيسز لم يسلم بنظرية داروين وقد كرس بقية عمره لدحض
_________________
(١) هكذا والصواب: شوبنهاور.
(٢) هذا القول حسب عقائد النصرانية المعرفة، واللَّه تعالى منزه عن الوالد والولد -جلَّ وعلا وتقدَّس- ويدلنا هذا اللفظ على أن أرضية الخرافة الدينية النصرانية هي التي هيأت للأفكار المادية الإلحادية سوق الانتشار السريع التي جرفت في طريقها كل الدين، وأبدلت مكانه دينًا آخر يقوم على تأليه المادة أو الطبيعة أو الإنسان.
(٣) تاريخ الفكر الأدبي لرونالد سترومبرج ٣/ ١٧٧ - ١٧٨، طبعة مؤسسة عكاظ.
[ ٣ / ١٥٤٧ ]
لتلك النظرية الفظيعة كما وصفها، زد على ذلك أن المفكر الحر والناقد للدين المسيحي التقليدي العالم الفكتوري صموئيل بتلر الذي بدأ حياته الفكرية معجبًا بداروين ونظريته، سرعان ما ارتد على داروين ونعته بالمخادع الذي عرض على الناس تفاسير مغلوطة) (^١).
ولست بصدد جمع جميع أقوال المتخصصين في العلوم التجريبية الذين ردوا على خرافة "النشوء والارتقاء" فهناك كتب تخصصت في ذلك وكشفتا بالتفصيل خطل هذه النظرية وضعفها، ولكن المراد إيراد بعض الشواهد من أقوال علماء الطبيعة الذين بينوا تفاهة هذه النظرية، ومقدار ما فيها من تلبيس وتدليس على البشر، وما تضمنه من إيحاءات مادية جاهلية حيوانية متخلفة.
ومع كل ذلك فإن قصة النشوء الذاتي التي اخترعها "داروين" سادت في الفكر الغربي منذ القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الآن، وأضحت شهادة عصرية صارخة على مقدار الانغماس في الخيالات، لقد أصبحت هذه الأسطورة محورًا لفلسفات عديدة، بل أضحت هي الأساس لمجمل الفكر والسلوك الغربي المعاصر.
لقد أدت نظرية داروين إلى رسوخ الإلحاد الذي كان قد نشاء وانتشرت بذروة منذ الثورة الفرنسية المنادية بحرية الاعتقاد، ومع ذلك بقي الإلحاد محدود الانتشار إزاء العقيدة النصرانية التي كانت حتى ذلك الوقت محتفظة بقوتها ومركزها القوي بين عامة الناس وخاصتهم في الجامعات والمعاهد، ولما نشر داروين كتابه أصل الأنواع عام ١٢٧٥ هـ/ ١٨٥٩ م هز بنيان الحياة الغربية المتصدع في أساسه، ونشبت معركة شرسة بين الدين ممثلًا في الكنيسة المزعزعة المريضة الضعيفة، والعلم التجريبي ومدارسه، وانتهت المعركة إلى انهيار العقيدة الدينية جملة وتفصيلًا وانتشار الإلحاد
_________________
(١) المصدر السابق ولكن من الطبعة الجديدة المجموعة في مجلد واحد: ص ٢١٩ - ٤٢٠، أمَّا في الطبعة القديمة المفرقة في أجزاء ففي ٤/ ١٨٠ وهناك فرق طفيف بين الطبعتين يوضح المعنى؛ ولذلك نقلت من الطبعة الجديدة.
[ ٣ / ١٥٤٨ ]
بصورة مرضية هائلة شرسة، وتهشمت النصرانية في عقر دارها وتحطمت سيطرتها، واستحال الوضع إلى إلحاد صريح أو شك غامر، أو تحير مضطرب، وقد حف بهذه النظرية من وسائل الدعوة والترويج ما جعل لها شعبية هائلة بين الناس الذين تلقفوها لتكون دينًا جديدًا بدلًا من الدين النصراني المحطم.
وقد دون مؤلف تاريخ الفكر الأرووبي الحديث بعض آثار نظرية داروين في شتى المجالات، ومن ذلك أنها كانت تكذيبًا للدين المسيحي "النصراني" وخاصة في سفر التكوين (^١) الذي يتضمن أن البشر تناسلت من آدم ﵇، الذي خلقه اللَّه تعالى من طين.
وذلك أن مهاجمة داروين للدين كانت بعد أن تهيأت له الأرضية القابلة لذلك (إن الضربات التي سددها لايل وداروين للدين، إنّما سدداها إلى جسم رضه المؤرخون الوضعيون والنقاد الدينيون الرض الشديد) (^٢).
(الداروينية قد هدمت جميع القيم باستئصالها القصد والغاية في الكون) (^٣).
(ويحدثنا الكاتب الفكتوري ونوود زيد في أحد كتبه عن انتحار شاب بسبب تأثره بـ "ملتوس وداروين" وقد جلد ذاك الشاب كتابيهما بجلد كئيب الألوان وسمى كتاب ملتوس "مبحث في السكان" بكتاب الشك، وكتاب "أصل الأنواع" كتاب اليأس) (^٤).
ثم يضيف بعد ذلك قائلًا: (تطورت المناظرات حول نظرية النشوء
_________________
(١) انظر: كتاب "العلم يدعو للإيمان"، وكتاب "الإنسان والداروينية"، وكتاب "اللَّه يتجلى في عصر العلم"، وكتاب "مذهب النشوء والارتقاء في مواجهة الدين"، وكتاب "أصل الإنسان وسر الوجود"، وكتاب "خلق لا تطور: الإنسان ابن آدم وليس ابن قرد" لفريق من العلماء، وكتاب "مصرع الداروينية".
(٢) انظر: تاريخ الفكر الأوروبي: ص ٤١٩ طبعة دار القارئ العربي.
(٣) و(^٤) المصدر السابق: ص ٤١٩ من الطبعة نفسها.
[ ٣ / ١٥٤٩ ]
والارتقاء وتشعبت إلى عدد لا يحصى من الفروع، وأدلى كل بدلوه) (^١).
ويقول في موضع لاحق شارحًا المستوى المادي الذي وصلت إليه النظرية بل المستوى الحيواني: (. . . الداروينية كانت أحدية، وقد وصفها أعداؤها بالمادية، ولم تكن تقبل أبدًا بالتسليم بثنائية من عقل وجسد ولا الفصل بين العالم الطبيعي والعالم الذهني، فالحيوان البشري هو كائن حي كأي كائن متعض (^٢) آخر، ويستجيب إلى بيئته، وهو باستجابته هذه يعمل على تشكيل جزء منها، وهكذا أصبح الإنسان بعد داروين جزءًا من النظام الطبيعي البيولوجي، الأمر الذي لم يكن متعارفًا عليه من قبل) (^٣).
أي أنه أصبح بهذه النظرية حيوانًا بشريًا -على حد تعبيره- وكيانًا ماديًا بحتًا وكائنًا عضويًا لا روح له ولا معنويات.
ثم يستطرد في ذكر آثار نظرية النشوء والارتقاء ويبين أنها أدت إلى القول بحتمية التطور والتقدم، وهي المقولة التي يرددها جميع الماديين وجميع المتأثرين بالفلسفات المادية، من الحداثيين والعلمانيين.
يقول المؤلف: (أمّا إذا كان البعض قد انتهى من نظرية النشوء والارتقاء إلى استنتاجات مأساوية أو متشائمة، فإن معظم الناس قد جعلوها متكاملة مع الإيمان بالتقدم، فوفقًا لداروين هناك تقدم دائم ومحتوم أنه تقدم نوع أو جنس، حتى ولو كان على حساب أفراد) (^٤).
ومن الملاحظ أن نظرية التطور المطلقة التي تبنتها بعد ذلك عدة مذاهب فلسفية واجتماعية وأدبية أخذت أصلًا من داروين، ويُمكن تفصيل أسباب ونتائج هذه القضية وما فيها من أخطاء علمية ومعرفية، وما ترتب عليها من نتائج عملية مأساوية في مجالات الفكر والأخلاق والنظم، لولا أن
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤١٩ من الطبعة نفسها.
(٢) هكذا في كلتا الطبعتين.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٢١ - ٤٢٢ من الطبعة نفسها.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٢٢.
[ ٣ / ١٥٥٠ ]
المقام هنا ليس مقام الحديث عن ذلك، وفي كتاب "التطور والثبات في حياة البشر" (^١) غنية وكفاية لمن أراد معرفة الحق من الباطل في قضية المتحول والمتحرك والمتطور وقضية الثابت والأصل.
ويصف مؤلف تاريخ الفكر الأوروبي الحديث المدى الواسع الذي امتدت إليه نظرية داروين فيقول: (والحق أن الأفكار التي تنطوي عليها الداروينية أكثر من أن تدون، فالآراء الارتقائية قد نفذت إلى عقلنا نفوذًا عميقًا، وإلى كل ميدان من ميادين حياتنا الفكرية، وأصبحت قاعدة مألوفة لدراسة الظاهرة في مجرى تطورها، زد على ذلك أن الاهتمام بالارتقاء قد خرج من الدوائر الأكاديمية (دخل حتى ميادين التجارة والصناعة. . . نذكر أن جون ديوي في تقويمه الشهير لتأثير داروين في الفلسفة، والوارد في كتابه "أثر داروين في الفلسفية" والصادر عام ١٩٠٩ م وقد عزا إلى داروين تنصيب مبدأ التحول أو الانتقال ملكًا على عرش العلوم) (^٢).
من هنا نرى أنه ليس من التجاوز وصف الحياة الغربية في شتى صورها وانحائها بأنها ثمرة من ثمار النظرية المادية الحيوانية المسماة نظرية النشوء والارتقاء، والناظر في النتاج والنشاط الغربي اليوم يجد هذه الحقيقة شاخصة، ولاسيما في النتاج الفكري والأدبي والفني، وفي الحياة النفسية والمسيرة الاجتماعية، بل ويظهر ذلك جليًا في السياسات الغربية خاصة إزاء غيرهم من الشعوب.
إذا كان الغرب ينظر إلى العقل على أساس من نظرية داروين، فماذا يُرجى يعد ذلك من هؤلاء البشر؟ يقول مؤلف كتاب تاريخ الفكر الأوروبي: (أمَّا من الناحية الفلسفية فلقد عملت الداروينية على إضعاف الثقة بالمذهب المثالي أو العقلي، ففلاسفة شباب كـ"جون ديوي" هجروا هيجل إلى فلسفة فيها المزيد من النظرة الطبيعية فلقد بدا لهم أن من المتوجب أن يكون العقل نتاجًا للارتقاء والأفكار حصادًا للاصطفاء الطبيعي. . . فالغريزة أو الإرادة أو
_________________
(١) لمؤلفه الشيخ محمد قطب.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٢٣ طبعة دار القارئ العربي.
[ ٣ / ١٥٥١ ]
قوة الحياة قد تنبض في الكون، ولكن الذهن هو أداتها والعقل هو ملمح البقاء وسيماؤه، وقد وردت على لسان أحد أبطال مسرحية جورج برناردشو النظرية الحديثية القائلة: "أنا موجود ولذلك أفكر، وليس أنا أفكر ولذلك أنا موجود" وهنا ظهر سبب جديد لإساءة الظن في العقل، فالعقل هو ثمرة من ثمار الطبيعية وهو يعني الفهم، فأمّا إذا كنت أؤمن باللَّه، أو أقول أن الكون كون منتظم، فالسبب في ذلك يعود إلى تنازع البقاء الذي أوجد هذه الملامح لعقلي، أما إذا جنح بي الهوى إلى الزعم بأن إيماني هذا هو مطلق في حقيقته، فعندئذٍ سأتذكر أن عقلي بالذات هو من نتاج الارتقاء، لذلك فهو في جوهره أداة بقاء، شأنه في ذلك شأن ذيل القرد أو رقبة الزرافة، تلك هي بعض الأفكار التي تنطوي عليها الداروينية) (^١).
هذا توصيف من رجل لا يُمكن أن يوصف بأنه عدو للداروينية، وبه يتبين لنا أين وصلت الداروينية بالإنسان حين جعلت ميزته الأساسية مجرد نتاج للطبيعة كذيل القرد وعنق الزرافة سواء بسواء.
وقد استطرد المؤلف في ذكر آثار الداروينية على علم الاجتماع في الغرب تحت عنوان "الداروينية الاجتماعية" (^٢) وبين المدى البعيد الذي تغلغلت فيه الداروينية في المجتمعات الغربية، إلى حد أنها أنتجت أنواعًا من السياسات العنصرية مثل النازية (^٣).
وخلاصة القول: أن نظرية داروين نزعت الكرامة الإنسانية عن الإنسان، بعد نفي النفحة الإلهية عن خلقه ونشأته، وبذلك انهارت جميع الضوابط والتقاليد والأصول التي كانت أوروبا تعيش عليها حقبًا طويلة من الزمن، بغض النظر عن صواب، أو خطأ تلك التقاليد والضوابط، إلّا أنها كانت في النهاية معقلًا ومثابة تمنع الفوضى وتبقى للإنسان شيئًا من إنسانيته، وأقرب هذه الأمور أن التصور النصراني -على انحرافه وضلاله- كان يقول
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٢٢.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٤٢٦.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٤٢٩.
[ ٣ / ١٥٥٢ ]
أن هناك إلهًا هو الذي خلق الكون والحياة وخلق الإنسان، وأن للإنسان خاصة دوره الكبير في هذه الحياة، وأن اللَّه خلقه وكرمه وفضله على كل كائنات الأرض، وأعطاه صفات وميزات ليست لغيره من المخلوقات منها النطق والتفكير والتأمل والروح وسائر المعنويات، وكانت هذه القضية ثابتة عندهم، رغم ما في فروعها من ضلالات وخرافات جاءت من التحريف لدين المسيح ﵇.
وعلى الرغم الصراع الطويل والبغضاء المتزايدة بين العلم والكنيسة إلّا أن جماهير الناس كانوا في صف الدين والكنيسة والأخلاق والتقاليد، فلما جاء داروين وكان جسد الكنيسة مرضوضًا قد نالت من قواه سهام الحروب الطويلة، جاء داروين ونشر نظريته فزلزل العقيدة النصرانية المبنية على خرافات عديدة، وضعضع الأفكار من أساسها، ومزق القيم والأخلاق، ووجدت الجماهير أن هذه النظرية تفكها من أسر الكنيسة ورجال الدين وتخلصهم من نيرها المرهق وسلطانها الجائر، وأيًا كانت طبيعة هذا الصراع ودوافعه، فإنه يعتبر تحولًا كبيرًا في حياة الغرب، الذي أصبح له الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على غيره، مما أدى إلى انتشار نظرية داروين ومقتضياتها وإيحائتها في العالم كله، وتركت في حياة الناس نتائج خطيرة بالغة الخطورة، وكان أظهر نتائجها:
١ - زعزعة الإيمان باللَّه تعالى وجودًا وألوهية.
٢ - نفي خلق اللَّه تعالى للكون والإنسان.
٣ - نفي قضية الغاية والقصد من وجود الخلق عامة والإنسان خاصة.
٤ - نفي إنسانية الإنسان ورفعته وسموه وروحانيته والقول بأنه حيوان كسائر الحيوانات.
٥ - نفي ثبات أي عقيدة أو فكرة أو نظام أو خلق، والقول بالتطور المطلق والصيرورة الدائمة.
٦ - زعزعة كل شيء كان راكزًا من قبل وتحطيم كل ما كان راسخًا مكينًا.
[ ٣ / ١٥٥٣ ]
وبهذا تزلزلت فكرة الدين والأخلاق ومعايير العدل والخير والحق، وخاصة تلك الشفافية الروحانية التي ترفع الإنسان عن مستوى الحيوان البهيم، إذ أصبح عندهم مجرد حيوان لا كرامة له ولا رفعة فيه ولا روحانية، ولا مجال في كيانه ووعيه لشيء وراء الطاقات الحسية.
ولئن كان للغرب ظروفه الخاصة به في صراعه مع الكنيسة وخروجه على استبدادها وفظاظتها ووحشيتها وخرافتها، فما العذر لأبناء المسلمين في قبول هذه الخرافة؟.
الواقع يقول أن السبب هو وقوعهم في دائرة العبودية للغرب المنتصر ماديًا، وفي إطار تقليد المغلوب للغالب.
مع أننا معشر المسلمين نملك عقيدة خاصة يدل على صحتها ما لا يحصى من أدلة العقل والحس والفطرة، ولدينا تاريخنا الخاص وحضارتنا التي لم تكن يومًا ما ضد العلم والتطور والتقدم، بل كانت معه من حيث التصور ومن حيث التطبيق والممارسة.
وواضح تمام الوضوح أن الحداثيين والعلمانيين قد أخذوا عن الغرب خرافة النشوء والارتقاء وطبقوها في ممارساتهم الأدبية والسياسية والفكرية، وتبنوا في محاكاة عمياء مقتضيات هذه الفرضية الباطلة، ومن ذلك نفيهم للغيبيات وسخريتهم بأخبارها الثابتة في الوحي المعصوم واستهزاؤهم بمن يؤمن بها إلى غير ذلك من أنواع الضلال والانحراف.
وفي الجملة فإن نظرية داروين وإيحاءتها ومقتضياتها وفروعها تعتبر أصلًا من أصول الحداثة والعلمانية وأساسًا لأفكار وأعمال أصحابها، الذين أفنوا حياتهم في تقديس الغرب وعبادته من دون اللَّه الملك الحق المبين (^١).
ثانيًا: بناء على أصل الخلقة الربانية للإنسان من حيث كونه جسدًا وروحًا، فإن فيه جانبًا حسيًا وآخر معنويًا.
_________________
(١) انظر ما يتعلق بالروح والجسد وموقف الغرب المعاصر منها في: الإنسان بين المادية والإسلام: ص ٢٤ - ٢٦.
[ ٣ / ١٥٥٤ ]
فالجانب الحسي مرتبط بالجسد وحاجاته ومقوماته من حواس وأعصاب، وبه ينال رغباته من طعام وشراب ونكاح ولباس، ومن خلاله يشاهد ويسمع ويمشي ويبطش ويذوق.
والجانب المعنوي مرتبط بالروح التي لا يدري أحد على وجه التحديد مكانها أو ماهيتها، وهذا الجانب المعنوي هو الذي تفرد به الإنسان عن الحيوان الذي لا يستطيع إدراك الكليات والمعنويات والأمور التجريدية، ولا يستطيع إدراك القيم العليا كالعدل والحق والخير والجمال، بل هذه خصيصة من خصائص الإنسان.
وحيث أن قسطًا كبيرًا من هذا الجانب ينضوي تحت إطار الغيبيات، فقد جنحت الجاهلية الحديثة إلى إهمال هذا الجانب في الإنسان وإعلاء الجانب الحسي المشترك بين الإنسان والحيوان، جريًا على نظرية داروين.
إن الجانب المعنوي في الإنسان هو الذي يغطي ميادين الاعتقاد والفكر والفن والقيسم، ويشتمل على أرفع جوانب الإنسان وأخصها به من بين سائر المخلوقات.
وإذا نظرنا إلى هذه الميادين وماذا عملت فيها الجاهلية المعاصرة وجدنا أن: العقيدة وما يتفرع عنها من أعمال عبادية وفضائل سلوكية وأخلاق عملية قد هوجمت من قبل الماديين، وأضحت مجالًا للتندر والسخرية، بل أصبح لزامًا على كل من أراد البحث العلمي الدقيق أن يتخلص من كل إيمان باللَّه تعالى، على حد تعليمات داروين الذي قرر فيها: إن أي تفسير لشأن من شؤون الحياة يعتمد على وجود خالق له إرادة في الخلق يكون ذلك بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت (^١).
أمَّا الفن الذي شاع في العالم الحديث وسخرت له الإمكانيات الضخمة فقد انحدر إلى الحسية المادية بدعوى "الواقعية" واقعية المادة
_________________
(١) نقل هذا القول عنه الأستاذ محمد قطب في الإنسان بين المادية والإسلام هامش: ص ٢١.
[ ٣ / ١٥٥٥ ]
وواقعية الحيوان، وأفقد الإنسان تحليقه وشفافيته وروحانيته ونشدانه للجمال المعنوي والآفاق الرفيعة الرقراقة.
أمّا القيم فقد داسوها تحت أقدام الراقصات ودفنوها في البارات وبيوت الدعارة، وقضوا عليها بالفلسفات النفعية، والأفكار المادية القائلة بنسبية الأخلاق وعدم ثباتها.
وهكذا نرى أن الجانب المعنوي والطاقة المعنوية التي تميز الإنسان عن الحيوان طمست في هذه الجاهلية المعاصرة، التي حصرت الإنسان في محيط ما تدركه الحواس، والتي قررت بشتى مذاهبها ومدارسها المادية: إن حقيقة العالم تنحصر في ماديته، وهكذا وقف الغرب ومقلدوه عند الحواس ومدركاتها وأنكر الروح والغيب، وأنكر قبل ذلك وجود اللَّه تعالى وكل ما يترتب على الإيمان به سبحانه، لقد وصلوا إلى درك سحيق من الارتكاس والهوان والحيوانية في كل شيء، في الأخلاق وفي السياسة وفي كل مناشط ومناحي الحياة (^١).
نعم يسلم الماديون بامتياز الإنسان بالعقل على الحيوان، ولكنهم لا يسلمون مطلقًا بامتيازه بالروح، ومع تسليمهم بتميز الإنسان العقلي إلّا أنهم يرون أن العقل في حد ذاته (ثمرة من ثمار الطبيعة، ونتاج لعملية الارتقاء شأنه في ذلك شأن ذيل القرد أو رقبة الزرافة) (^٢).
وقد تلقى المقلدون من أبناء المسلمين هذا الاتجاه المادي الذي ينفي أو يتناسى الجانب المعنوي في الإنسان وسلكوا مسالك أساتذتهم في تطبيق ذلك في مجال الأدب والفكر والفن، وفي مجال الحياة العامة في الأخلاق والعلاقات الاجتماعية والتطبيقات السياسية، وفي مجال الدراسات النفسية والاجتماعية، وأصبحوا بذلك رسل هذه الجاهلية
_________________
(١) انظر ما يتعلق بالحسية والمعنوية: منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب ١/ ١٥١ - ١٥٨، ودراسات في النفس الإنسانية له: ص ٩٧ - ١١١.
(٢) تاريخ الفكر الأوروبي: ص ٤٢٢ طبعة دار القارئ العربي.
[ ٣ / ١٥٥٦ ]
الرعناء، وسدنة هذه الأوثان الخرقاء، ولكن تحت مظلات من حرية الفكر والمثاقفة وتوسيع المدارك، والحوار الحضاري والعقلانية وغير ذلك من الشعارات البراقة الواهنة وهن بيت العنكبوت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (^١).
ثالثًا: الواقع والخيال، حقيقتان فطريتان في داخل نفس الإنسان متصلتان بقضية الروح والجسد وقضية الحسي والمعنوي.
فطاقة الواقع في الإنسان مرتبطة بالجانب الحسي المرتبط أصلًا بالجسد، وتتصل بواقع الحياة المحسوس فتعمل فيه وتحقق إنتاجًا واقعيًا ملموسًا.
وطاقة الخيال ذات اتصال وثيق بالجانب المعنوي والغيبي في الإنسان، ومجال الخيال يعمل في تصور ما وراء الحواس، ويقوم على التفكير التصوري التجريدي، وبين الواقع والخيال تواصل وتشابك داخل النفس الإنسانية بصورة لا يدركها أحد إلّا اللَّه تعالى.
وترتبط طاقة الخيال بالجانب العاطفي الشاعري الوجداني وتتصل بالقيم والعواطف والأحاسيس ولكنها لا تنفصل تمام الانفصال عن الواقع (^٢).
وإذا نظرنا إلى المذاهب الأرضية المعاصرة وموقفها من قضية الخيال والواقع، وجدنا أنها جنحت إما إلى خيالية مفرطة هائمة في الأوهام والأحلام، وإمّا إلى واقعية جافة حيوانية مادية حسية.
وأظهر الأمثلة على هذين الانحرافين: "المذهب الرومانسي، والمذهب الواقعي"، فالرومانسية أو الرومانتيكية تقوم على التمرد على الواقع وضوابط
_________________
(١) الآيات ٤١ - ٤٣ من سورة العنكبوت.
(٢) انظر: دراسات في النفس الإنسانية: ص ١١١ - ١١٩، ومنهج التربية الإسلامية ١/ ١٤٨ - ١٥٠.
[ ٣ / ١٥٥٧ ]
العقل، ورفض ربط الأدب بالمبادئ الخلقية وربطه بالعاطفة والوجدان وإعلاء المشاعر الذاتية والذوق الفردي، وتعظيم شأن الخيال وإطلاق حريته في ارتياد الآفاق التي يريدها، والهروب من الواقع ومشكلاته، والافتتان بالعوالم الغريبة والأحلام والتعلق بالحزن والتلذذ بالألم ونشر الإحساس بالكآبة، وغير ذلك من أصناف الجنوح الفكري والعاطفي (^١) القائم على إهمال واقع الحياة والناس والهيام في الأحلام والأوهام.
أمَّا الواقعية فإنها مرتبطة منذ نشأتها بالفلسفات الوضعية والتجريبية والمادية الجدلية، التي تشترك جميعها في رفض الغيبيات والاقتصار على ظواهر العالم المحسوسة، وجعل الطبيعة إلهًا وجعل الوجود الحقيقي هو الوجود المادي وليس وراءه أي وجود آخر.
والواقعية تتنكب الأحلام عمدًا، وتلتصق بالواقع المادي الصغير المحدود الذي تدركه الحواس، ويرفض معتنقوها أية تصورات ترتبط بالعقائد السماوية؛ لأنهم يرفضون العقائد السماوية ذاتها، ويعتبرونها تخلفًا ورجعية، ويجعلون الإلحاد والمادية تقدمًا وتنورًا.
وينشرون هذه المضامين الجاهلية في قصصهم وقصائدهم ومسرحياتهم وسائر كتاباتهم.
وأظهر المدارس الواقعية تطبيقًا لهذه المعاني "الواقعية الاشتراكية" (^٢).
وإن كانت المدارس الواقعية الأخرى لم تخل من هذه الضلالات المادية باعتبار نشأتها في ظل الفلسفات المادية الوضعية والتجريبية والجدلية، وباعتبار نشأة روادها في الجو المادي المحموم الذي أشاعته نظرية داروين.
ومن أشهر هذه المدارس "الواقعية الانتقادية" (^٣) التي تقوم على
_________________
(١) انظر: مذاهب الأدب الغربي: ص ٤٢ - ٥١.
(٢) ومن أشهر أدباء الواقعية الاشتراكية مكسيم جوركي، وشولوخوف، وماياكوفسكي وحمزانوف، وناظم حكمت، ولوركا ونيرودا، وجورج لوكاش.
(٣) من أشهر أدباء الواقعية الانتقادية بلزاك وخاصة في روايته الملهاة الإنسانية، وشارلز ديكنز، وتولستوي، ودستويوفسكي وأبسن وأرنست همنغواي.
[ ٣ / ١٥٥٨ ]
الاهتمام بقضايا المجتمع ومشكلاته وتركز على جوانب الفساد والشر والجريمة ولكن من منظور مادي و"الواقعية الطبيعية" (^١) التي توافق الانتقادية في جميع مبادئها وتزيد عليها في تأثرها الشديد بالفرضيات المسماة بالنظريات العلمية، ودعوتها إلى تطبيقها في المجالات الإنسانية وإظهارها في العمل الأدبي، وتنظر هذه الواقعية إلى الإنسان باعتباره حيوانًا تسيره غرائزه وحاجاته العضوية، وترى أن سلوكه وفكره ومشاعره هي نتيجة حتمية لبنيته العضوية وحالته الجسمية (^٢).
وصفوة القول: إن (العالم اليوم يعاني موجة من "الواقعية" البغيضة وقد جاءت بعد موجة مغالية في "الرومانتيكية" المغرقة في الخيال! كلاهما انحراف! كانت الرومانتيكية تهمل واقع الأرض وتهتم في الأحلام، والواقعية اليوم تتنكب الأحلام عمدًا وتجنح إلى الواقع الصغير المحدود الذي تدركه الحواس، ويمارسه الناس وهم واقعون تحت ضغط الضرورة، لا منفلتين منها ولا مترفعين عليها. . واقع المادة وواقع الحيوان!.
إن الواقع الصغير الذي رسمت حدوده الداروينية القديمة لينتهي بالحياة عند المطالب القريبة التي تحتمها الضرورة، ولا يرتفع عن ذلك ولا يحلم بما هو أجمل أو أكمل أو أفضل، ومن ثم يظل مستواه يهبط، ويظل محيطه يضيق، حتى يصل في النهاية إلى جعل الإنسان آلة حيوانية، يتصرف كما تتصرف الآلة، وينطلق كما ينطلق الحيوان؛ لأنه يعيش بجناح واحد. . . جناح الواقع، ويقص جناحه الآخر. . . جناح الخيال) (^٣).
لقد غرق الماديون المعاصرون في الواقعية، بل في أخبث أو حال
_________________
(١) من أشهر أدباء الواقعية الطبيعية أميل زولا رائد هذا الاتجاه وهو صاحب الرواية الشهيرة الحيوان البشري، التي طبق فيها نظرية داروين، وفلوبير صاحب رواية مدام بوفاري.
(٢) انظر ما يتعلق بالواقعية ومدارسها وشخصياتها والرؤية الإسلامية نحوها في مذاهب الأدب الغربي لعبد الباسط بدر: ص ٥٢ - ٦٣.
(٣) منهج التربية الإسلامية ١/ ١٤٨ - ١٤٩.
[ ٣ / ١٥٥٩ ]
الواقعية من شذوذ وجنس وصراع حيواني ونهم وجشع دنيوي هابط، وهربوا من الخيال المحلق والروح الرقراقة، والأطياف الشفافة التي تميز الإنسان عن الحيوان لقد أصبحوا واقعيين، نعم، ولكن على مستوى الحيوان، وكان بإمكانهم أن يكون واقعيين على مستوى الإنسان، ولكن فرارهم من كل ماله علاقة بالغيب والروح والطاقات المعنوية المنبثقة من النفس جعلهم يرتكسون في هذا الخوض الآسن.
(الواقع حقيقة ما في ذلك شك، ولكن الارتفاع فوق الواقع حقيقة كذلك. . . إنه حقيقة "الإنسانية") (^١).
(وقد كانت أوروبا غبية بلهاء وهي تنحي من حسابها تلك المشاعر الصافية والومضات النفسية الوضيئة بحجة "الواقعية"! أو قل -إن شئت- أنها كانت تتحدث عن واقعها هي لا عن واقع البشرية!.
إن الواقعية لا تكون واقعة حقة وهي تغفل من الحساب جزءًا من الواقع وتنظر إليه كانه غير موجود. . . أوروبا التي تسيطر اليوم على العالم تأبى إلّا أن تغفل الواقع الأكبر لتعيش في حدود الواقع الصغير.
في ظل هذه الواقعية المشوهة التي تنكر قدرة الإنسان على الارتفاع فوق الواقع نبتت نظريات داروين وماركس وفرويد والبراجماتزم) (^٢).
(والفنون الحديثة تنحو هذا المنحى الأحمق، لكي تكون فنونًا واقعية! الفنانون والنقاد المحدثون يسخرون من الفنون القديمة التي كانت تبرز الجانب الأبيض من الإنسان كأنما كله فضيلة! ويدعون في مقابل ذلك إلى تسجيل الإنسان بحسب واقعه، يعني تسجيل الجانب الأسود من طبيعته وكأنّما كله رذيلة!. . . وفي ظل هذه العقيدة راح الفنانون الغربيون يمزقون الإنسان مزقًا ويمرغونها في الوحل، نزوات الجسد، نوازع الفطرة، صراع الحيوان، خسة الطبع، التواء المشاعر، هذه هي الدراسة الحديثة للإنسان
_________________
(١) في النفس والمجتمع: ص ١٠٩.
(٢) المصدر السابق: ص ١١٠.
[ ٣ / ١٥٦٠ ]
كما ينعكس من كثير من ألوان الفن الحديث. . .) (^١).
(. . . الواقعية الأوروبية تقول لك: دع عنك أحلام الخيال والمثل العليا، ولنكن واقعيين، أين التضحية التي ترسمها قصص البطولة وترويها الأساطير؟ أين الشجاعة المثالية والوفاء النبيل؟ أين مغالبة الأهواء، والارتفاع على الضرورة؟ أليست هذه كلها أساطير "استغفلتنا" بها الأجيال السابقة في قصص أبطالها وأنبيائها؟ فلنكن نحن واقعيين، فلنأخذ الإنسان بحقيقته الواقعة، خليط من النوازع الفطرية والنزوات الجائحة، والحياة كلها صراع هذه النزوات وارتطامها بعضها ببعض، يغلب الأقوى ويسقط الأضعف، لا عبرة بصاحب الحق، فالحق هو القوة.
تعال إلى هؤلاء الأنبياء والقديسين والأبطال والمصلحين، هلم نمرق نفوسهم على المشرحة، وننظر خلالها في "الميكروسكوب" ها هو ذا العفن الذي كانت تخفيه الأساطير، انظر إلى هذه النفس البيضاء السامقة التي يشع منها النور، تفحصها جيدًا، ألا ترى نقطة "الضعف البشري" الكامنة فيها؟، ألا ترى هذا التصرف المنحرف من تصرفاتها؟ ثبت نظرك هناك، وسلط هناك كل ما تملك من أنوار!.
وهكذا يعيدون دراسة الشخصيات التاريخية بهذا الهدف وتحت هذا الضوء! يبرزون ما فيها من نقط الضعف ويجسمون ما فيها من البقع تحت "الميكرسكوب" ويغفلون -عامدين أو غير عامدين- كل ما فيها من بياض وخير، في سبيل نقطة أو نقط ليست لامعة البياض.
إنها الواقعية. . . الحمقاء!.
أي كسب للبشرية في تجريح عظمائها وتلويثهم وتشويه صورهم بحجة الواقعية؟ إنها -فيما أرى- لوثة هذا الجيل، عجز عن الرفعة فراح يحطم المثل الرفيعة من بني الإنسان، وينزلهم إلى الوحل الذي غرق فيه هذا الجيل.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١٢.
[ ٣ / ١٥٦١ ]
إن وجود النظافة حجة على القذرين، ووجود المرتفعين حجة على الهابطين، فليهبط الجميع وليتسخ الجميع، حتى يتساوى هؤلاء وهؤلاء، وتبطل التهمة ويبرأ المتهمون!. . . فهذه الواقعية الحمقاء إذن لا نتيجة لها إلّا الهبوط الدائم إلى عالم الضرورة، وتضييق دائرة "الواقع" حتى يصبح واقع الحيوان) (^١).
وهكذا رأينا من خلال الأوجة الثلاثة: جسد الإنسان وروحه أولًا، وما ترتب على ذلك ثانيًا وثالثًا من اشتماله على جانب حسي وآخر معنوي وعلى طاقة واقعية وأخرى خيالية، رأينا أن الإيمان بالغيب طاقة موجودة داخل الكيان البشري، طاقة فطرية في كل إنسان، وإن حاولت المادية الغربية أن تجحد ذلك أو تتناساه.
الواقع ليس كذلك، فكل إنسان عنده غيب لابد أن يؤمن به، وقد يهتدي في إيمانه بالغيب وقد يضل، وقد يزيد إيمانه بالغيب الحقيقي أو الوهمي وقد ينقص، فليست طاقة الإيمان بالغيب مترتبة على وجود دلائل الإيمان الحسية أو غير الحسية؛ لأنها طاقة أصيلة في كيان الإنسان، تجعله يؤمن بأشياء لا تدركها حواسه، ولا يدركها عقله كذلك إلّا في حدود.
ولنأخذ على ذلك مثالًا بداروين الذي بنى نظريته على الانتخاب الطبيعي وهو انتخاب تقوم به الطبيعة -حسب خرافته-، ثم قرر بأن الطبيعة تقفز قفزات مفاجئة وأن الاصفطاء الطبيعي فعل يقع ويقوم بدور من الأدوار (^٢).
فما الطبيعة التي تغفل هذه الأفعال الدقيقة، وتقوم بهذه الأدوار المحكمة؟ لقد هرب داروين وأتباعه من الإيمان باللَّه إلى الإيمان بالطبيعة، نسوا في غمرة فرضيتهم أن الطبيعة ذاتها غيب، وإلّا فما هي على وجه التحديد؟ وكيف تعمل؟ وكيف تنتخب وتصطفي؟ وما كنه الطاقة التي تشتمل
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١٣ - ١١٥.
(٢) انظر: تاريخ الفكر الأوروبي: ص ٤١٥.
[ ٣ / ١٥٦٢ ]
عليها هذه الطبيعة؟ وما كنه القوانين الطبيعية؟ وكيف نشأت؟ وكيف استطاعت أن تسيطر على الكون والحياة والإنسان وتصل إلى هذه النتائج المبهرة؟.
كل ذلك غيب آمن به داروين وأتباعه، غيب يرون أن له قوة التأثير والفاعلية والاصطفاء والتغيير، بل زعموا أن له قوة الاستمرار والقدرة الدائمة على التطوير والتغيير والصيرورة الدائمة المستمرة!!.
كل ذلك غيب، ولكنه غيب منحرف، غيب لا يدركون حقيقته ولكن يدركون -أو يتوهمون- إدراك آثاره.
هربوا -بزعمهم- من الغيبيات فوقعوا في غيبيات أخرى؛ لأنه لا يُمكن للإنسان الانفكاك مطلقًا عن الإيمان بغيبٍ مَّا (^١).
وهذه الماركسية الإلحادية التي لا تعترف برب ولا دين ولا روح، يقرر أصحابها ما قرره غيرهم من تأثير الطبيعة وفاعليتها بل ويزيدون على ذلك قضية صراع الطبقات، والتفسير المادي للتاريخ، وهو تفسير يجعل للقوى المادية والاقتصادية السلطان الأكبر على نشاط الإنسان ومسيرة الإنسانية.
لقد اخترعوا آلهة جديدة يدينون لها ويخضعون لسلطانها ويعتقدون في قدرتها الحاسمة وإرادتها الخارقة، وفعلها الذي لا يرد، من خلال ما يسمونه بالحتميات المادية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
(وهكذا تظن أوروبا أنها تهرب من "الغيبيات" فتلاحقها الغيبيات في مهربها، ولكن في صورة ضالة تناسب ما هي عليه من ضلال وانحراف) (^٢)؛ لأن قضية الإيمان بالغيب قضية فطرية راسخة في نفس الإنسان.
وبهذه الطاقة الفطرية يؤمن المسلم بوجود اللَّه وربوبيته ويعبده ويتبع أمره ويصدق خبره، ويوقن بأن ما جاء عنه من أخبار غائبة عن الحواس هي
_________________
(١) انظر هذا المعنى في: دراسات في النفس الإنسانية: ص ١٠٩ - ١١٠.
(٢) المصدر السابق: ص ١١٠.
[ ٣ / ١٥٦٣ ]
أخبار صدق سواء ما مضى منها أو ما هو قائم الآن أو ما سوف يأتي، ويحصل ذلك -فقط- حين تتفتح بصيرة الإنسان للإيمان باللَّه تعالى.
(ويصرف النظر عن الاتجاه المادي الحالي في الغرب، الذي يريد أن يقصر الإنسان على ما تدركه حواسه فحسب -أي على الجانب المادي الحيواني منه- فإن البشرية في أعصرها كلها قد آمنت بوجود كائنات خفية لا تدركها الحواس، وتصوَّرَتْها في صور شتى بما تملي لها طاقة الخيال.
ويكفي أن نثبت أن هذا الاتجاه المادي ذاته لم يستطع أن يقتلع من كيان الإنسان إيمانه بما لا تدركه الحواس، فقد لجأ إلى بين من ألوان الغيب يسد به الفراغ الناشيء من الإيمان باللَّه (^١)، حين آمن بالطبيعة أو غيرها من القوى الغيبية التي تحكم الكون) (^٢).
أمّا البلة المقلدون للغرب فإنهم لا في العير ولا في النفير، إنّما سمعوا قولًا قاله أسيادهم فرددوه وأشربت قلوهم أهواء وشبهات سرت إليهم في غفلة منهم عن دينهم، وغيبوبة من عقولهم، فأذعنوا وانقادوا واتبعوا أمر إله الغرب المادي، وما أمره برشيد!!.
وسوف نرى في بقية هذا الفصل خطوات التقليد والمحاكاة التي مارسها أتباع الأدب الحداثي في كتاباتهم المستنسخة من الغرب، في هذه القضية الكبيرة: قضية الغيبيات.
وتتجلى انحرافاتهم في هذه القضية في عدة أوجه:
الأول: جحد الغيبيات الحقيقية الثابتة التي جاء بها الإسلام.
الثاني: جعل الإيمان بالغيبيات الحقيقية تخلفًا ورجعية.
الثالث: السخرية بالغيبيات الحقيقة وبالمؤمنين بها.
_________________
(١) لعل كلمة "ترك" أسقطت من السياق، وبإضافتها يستقيم المعنى على هذه النحو "الفراغ الناشيء من ترك الإيمان باللَّه".
(٢) المصدر السابق: ص ١١٠.
[ ٣ / ١٥٦٤ ]
الرابع: الإيمان بغيبيات تناسب أهواءهم وضلالاتهم.
• • •