الألوهية: لفظ مشتق من الإله وهو المألوه الذي يَوْلَهُ إليه الخلق في حوائجهم ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم، والأَلَهُ والألوهة والألوهية هي العبادة (^١).
وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة، ولفظ الجلالة "اللَّه" أصله إِلَاه على فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مألوه أي معبود (^٢).
وتوحيد الألوهية هو: إفراد اللَّه بالعبادة والطاعة بأن لا يتخذ الإنسان مع اللَّه أحدًا يعبده ويخضع لحكمه وشرعه، فلا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له فهو المعبود الحق وما سواه باطل، وهو الذي يجب إفراده بالعبادة قولًا وفعلًا وقصدًا.
ويسمى هذا التوحيد: توحيد القصد والطلب، وتوحيد الإرادة، وتوحيد العبادة.
وهذا النوع من التوحيد هو الذي بعث اللَّه به الرسل، وأنزلت به الكتب مع أخويه توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ولكن أعظم اهتمام
_________________
(١) و(^٢) انظر: لسان العرب ١٣/ ٤٦٨، ٤٤٩.
[ ١ / ٢٨٧ ]
الأنبياء كان بتوحيد الألوهية، ليخلص الناس عبادتهم وتوجههم للَّه تعالى، بحيث لا يصرفون شيئًا من ذلك لغير اللَّه، لأي أحد من المخلوقين مهما كانت منزلته، ولا يخضعون لأي شرع غير شرع اللَّه، ولا لأي حكم غير حكم اللَّه، فمن أخل بهذا التوحيد فهو كافر مشرك، وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، بل من أتى ناقضًا واحدًا من نواقض توحيد الألوهية فهو كافر وإن أتى بكل أنواع العبادة الأخرى.
وتوحيد اللَّه -﷿- وإفراده وحده بالعبادة قولًا وفعلًا وإرادة هو أعظم الأصول، وأوجب الفروض، وهو أول الأمر وآخره، ولم يبعث اللَّه الرسل إلّا للدعوة إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^١)، وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^٢).
وهذا التوحيد هو الذي من أجله خلق الإنس والجن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٣) وبسببه تباينوا فكان منهم أهل النجاة وهم المؤمنون الموحدون، وأهل الهلاك وهم الكافرون والمنافقون، وهو الذي سيسأل عنه الخلق يوم القيامة قبل غيره.
وهذا التوحيد هو معنى "لا إله إلّا اللَّه"، وأهله هم حزب اللَّه، وأهل رحمته ورضوانه وجنته، ومنكروه أو منتقصوه هم أعداء اللَّه وأهل غضبه ومقته، وهو محور الدين كله وأساس كل شيء فيه، فإن صح صح كل شيء وإن فسد فسد كل شيء (^٤).
وأنواع التوحيد الأخرى يتضمنها توحيد الألوهية وليس العكس فقد يقر المكلف بتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية ولكنه لا يعبد اللَّه فهذا
_________________
(١) الآية ٢٥ من سورة الأنبياء.
(٢) الآية ٣٦ من سورة النحل.
(٣) الآية ٥٦ من سورة الذاريات.
(٤) انظر: طريق الهجرتين لابن القيم: ص ٣٠٥.
[ ١ / ٢٨٨ ]
ليس له في الإسلام نصيب، فإن توحيد العبد للَّه في ربوبيته لا يعني أنه يوحده في ألوهيته، فقد يقر بربوبية اللَّه وأنه الخالق المالك المتصرف، ولا يعبد اللَّه -﷿- (^١).
وأيضًا (فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا، قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾) (^٢) (^٣).
وكذلك توحيد اللَّه في أسمائه وصفاته لا يتضمن أنواع التوحيد الأخرى ولكن العبد الذي يفرد اللَّه بالعبادة لا يتصور أنه لا يؤمن به ربًا خالقًا مالكًا مدبرًا أو أنه لا يعتقد كماله في أسمائه وصفاته؛ لأن إخلاص العبادة لا يكون لغير الرب الخالق، ولا يكون لمن فيه نقص أو عيب (^٤).
وعلى كل حال (فإن توحيد الإثبات (^٥) هو أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد الذي هو توحيد الإلهية لتلازم التوحيدين، فإنه لا يكون إلهًا مستحقًا للعبادة إلّا من كان خالقًا رازقًا مالكًا متصرفًا مدبرًا لجميع الأمور حيًا قيومًا سميعًا بصيرًا عليمًا حكيمًا موصوفًا بكل كمال منزهًا عن كل نقص، غنيًا عما سواه مفتقرًا إليه كل ما عداه، فاعلًا مختارًا لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا تخفى عليه خافية، وهذه صفات اللَّه -﷿- لا تنبغي إلّا له ولا يشركه فيها غيره، فكذلك لا يستحق العبادة إلّا هو ولا تجوز لغيره، فحيث كان متفردًا بالخلق والإنشاء والبدء والإعادة لا يشركه في ذلك أحد وجب إفراده بالعبادة دون من سواه لا يشرك معه في عبادته أحد كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا
_________________
(١) انظر: الإيمان للدكتور محمد نعيم ياسين: ص ١٥.
(٢) الآية ١٩١ من سورة الأعراف.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية: ص ٢٨.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٢٨، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص ١٥.
(٥) المراد به توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾) (^١) (^٢).
هذا وإن توحيد الألوهية يشتمل على العبادة الكاملة الشاملة للَّه تعالى وهي التلقي من اللَّه تعالى في كل شأن من شؤون الحياة، وكما نتلقى من اللَّه تعالى أمور العبادات المحضة التي هي شعائر التعبد من صلاة وصيام وحج وزكاة، كذلك نتلقى منه أمور الشرائع والنظم التي تحكم أمور حياتنا: (. . . واعتبار شيء من القوانين للحكم بها ولو في أقل قليل لا شك أنه عدم رضا بحكم اللَّه ورسوله، ونسبة حكم اللَّه ورسوله إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال وكفاية الناس في حل مشاكلهم، واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملة، والأمر كبير وليس من الأمور الاجتهادية، وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة اللَّه وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن يكون اللَّه هو المعبود وحده لاشريك له، وأن يكون رسوله -ﷺ- هو المتبع المحكم ما جاء به فقط، ولا جردت سيوف الجهاد إلّا من أجل ذلك والقيام به فعلًا وتركًا وتحكيمًا عند التنازع) (^٣).
هذه هي حقيقة العبادة وحقيقة توحيد الألوهية، وما غرق الناس في هذا الزمان في أعظم ولا أظهر من الشرك في هذا التوحيد بمعناه الشامل لأحكام الشعائر والشرائع، حتى لقد أضحى الشرك في الأحكام والنظم من أيسر وأسهل الأمور عند كثير من أبناء المسلمين ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه.
مع أن اللَّه تعالى عدّ التوجه إلى غيره في أمور الأحكام والشرائع شركًا
_________________
(١) الآيتان ٢١، ٢٢ من سورة البقرة.
(٢) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي ١/ ٢٨٦. وانظر: مائتي سؤال وجواب في العقيدة، وتسمى أعلام السنة المنشورة: ص ١٩، وعلم التوحيد للدكتور عبد العزيز الربيعة: ص ٨٤.
(٣) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ١٢/ ٢٥١.
[ ١ / ٢٩٠ ]
فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^١).
وأكد ﷾ أنه لا يصح إيمان الإنسان ولا يستقيم حتى يتحاكم إلى شريعة اللَّه المنزلة ويقبل بها دون تبرم أو صدود، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^٢).
ولهذا كله يجب على المسلمين في هذا العصر الذي شاعت فيه أنواع الشرك الأكبر أن يجتهدوا في بيان هذا المعنى الذي سادت مساوئ الانحراف فيه في مجالات عدة من الحكم والنظم والفنون والثقافات وغيرها ليعيدوا الناس إلى عبادة اللَّه الواحد الأحد ويخلعوا عبادة وطاعة كل ما سواه.
هذا وبعد بيان هذه الحقيقة القرآنية والعاصمة الإيمانية لابد هنا من ذكر بعض نواقض هذا التوحيد مما له صلة بموضوع البحث، وهي نواقض للإسلام، فمن تلبس بواحد منها فليس له في الإسلام نصيب:
الأول: الشرك في عبادة اللَّه تعالى:
فمن توجه بالعبادة إلى غير اللَّه بالصلاة أو الصيام أو النسك أو الدعاء، أو قال بأن غير اللَّه معبودٌ له، فهو مشرك خارج عن الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (^٣) (^٤).
الثاني: من نفى ألوهية اللَّه تعالى أو نفى بعض خصائص ألوهيته ﷾، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥).
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ
_________________
(١) الآية ٢١ من سورة الشورى.
(٢) الآية ٦٥ من سورة النساء.
(٣) الآية ٧٢ من سورة المائدة.
(٤) انظر: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - القسم الأول: ص ٣٨٥.
(٥) الآية ١٦٢ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٢٩١ ]
بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ (^١)، وقد أخبر اللَّه عن هذا الصنف المنكر المستكبر فقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ (^٢).
الثالث: من نفى حق العبادة للَّه وحده دون سواه:
قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ (^٣).
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (^٤).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٥).
الرابع: من ألّه غير اللَّه أو وصف سوى اللَّه بالألوهية مقرًا بذلك قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ (^٦)، وقال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا
_________________
(١) الآيات ٣٣ - ٣٥ من سورة الصافات.
(٢) الآيات ١ - ٧ من سورة ص.
(٣) الآيتان ٧٠ - ٧١ من سورة الأعراف.
(٤) سورة الكافرون.
(٥) الآية ٦٠ من سورة غافر.
(٦) الآية ٥١ من سورة النحل.
[ ١ / ٢٩٢ ]
بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (^١).
الخامس: شرك الطاعة والاتباع:
وهو التوجه إلى غير اللَّه بالطاعة يأخذ منه ما يحل وما يحرم وما يجوز وما لا يجوز ما يبان وما لا يباح.
وهذا الضرب من الشرك هو الذي يعم وجه البسيطة اليوم، فبلاد الكفر حوت ألوان هذا الشرك وغيره، ففيها شكر الطاعة والاتباع في التحليل والتحريم والمنع والإباحة بغير ما أنزل اللَّه، واتخذ أهلها الأرباب والآلهة الباطلة من دون اللَّه، وفي بلاد المسلمين وقع من أهلها في هذا الضرب من الشرك كل من رضي بشريعة غير شريعة اللَّه، أو اتبع منهجًا غير منهج الإسلام، أو اتخذ طريقة في الحياة العامة أو في النظم والدساتير غير طريقة محمد -ﷺ- وأصحابه.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٢)، وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (^٣).
السادس: شرك الولاء والمحبة:
وهو قريب من سابقه، وذلك أن أن ولاء المسلم ومحبته يجب أن تكون للَّه ولرسوله ولشريعته وللمؤمنين، وإن من مقتضيات كلمة التوحيد أن يكون المسلم متوجهًا بالولاء محبة ونصرة للَّه ولما يحبه، ومن نواقض التوحيد أن يتوجه بالولاء والمحبة للكفار والمشركين والملاحدة، ولمناهجهم
_________________
(١) الآيات ٢١ - ٢٥ من سورة الأنبياء.
(٢) الآية ٢١ من سورة الشورى.
(٣) الآية ٣١ من سورة التوبة.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وأديانهم ومذاهبهم الضالة وأفكارهم الباطلة، ذلك بأن التوحيد وهو الأمر الجليل العظيم ليس مجرد كلمة تنطقها الألسن بل هو أمر شامل وقضية كلية وقاعدة عامة، ينضوي تحت هذه الكلمة كل عمل الإنسان وكل فكره وكل مشاعره.
ولا يتم التوحيد على حقيقته حتى تكون كل أعمال الإنسان وكل أفكاره ومشاعره متوافقة مع شهادة التوحيد، مستقيمة على منهاجها، متوجهة كلها إلى اللَّه وحده متلقية عن شريعته وحدها.
وقد تقع من الإنسان الزلة والهفوة والمعصية والخطأ العملي أو العلمي، وذلك له أحكامه الدنيوية والأخروية في دين الإسلام، أمّا أن يقام منهج للحياة في النظم أو في الفكر أو في السلوك أو في العلاقات على أسس مخالفة لأمر اللَّه أو مناقضة لشرع اللَّه، فذلك هو الشرك الذي لا يغفره اللَّه، ولو ظل الإنسان ينطق بكلمة التوحيد ليلًا ونهارًا.
ومن أدلة هذا النوع من الشرك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (^٣).
السابع: من لم يكفر المشركين والملاحدة والنصارى واليهود
_________________
(١) الآيات ٥٥ - ٥٧ من سورة المائدة.
(٢) الآية ٥١ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٢٢ من سورة المجادلة.
[ ١ / ٢٩٤ ]
والشيوعيين والعلمانيين، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فهذا كافر بلا ريب (^١)، وأكفر منه من امتدح الكفر والإلحاد والشرك والنفاق وأهلها.
الثامن: من اعتقد أن غير هدي اللَّه ورسوله أكمل من هديهما، أو أن حكم غيرهما أحسن من حكمهما، كالذي يفضل حكم الطواغيت أو مناهج الكفر الاعتقادية أو السياسية أو الفكرية (^٢).
التاسع: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول -ﷺ- فقد كفر، ولو نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاهما (^٣).
العاشر: من استهزأ بشيء من دين الرسول -ﷺ- أو ثواب اللَّه أو عقابه أو أخباره أو شريعته فقد كفر (^٤)، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (^٥).
الحادي عشر: مظاهرة المشركين والكافرين والملاحدة ومعاونتهم على المسلمين بالقول أو الفعل أو الامتداح أو الدفاع عنهم وتحسين باطلهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٦).
الثاني عشر: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد -ﷺ-، أو أن ما يعتقده أو يكتبه أو يعمله لا ينضوي تحت حكم الشريعة، وأنه حرٌ فيما يعتقد أو يعمل وليس لدين اللَّه عليه سلطة أو هيمنة،
_________________
(١) انظر: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - القسم الأول العقيدة: ص ٣٨٥.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٣٨٦.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٣٨٦.
(٤) انظر: المصدر السابق ص: ٣٨٦.
(٥) الآيتان ٦٥، ٦٦ من سورة التوبة.
(٦) الآية ٥١ من سورة المائدة.
[ ١ / ٢٩٥ ]
أو أن معايير الحلال والحرام والحسن والقبح والصواب والخطأ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لا يخضع لها، ويسعه أن يخرج عليها في أقواله وأعماله فهذا كافر.
الثالث عشر: الإعراض عن دين اللَّه لا يتعلمه ولا يعمل به (^١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾ (^٢).
هذه أظهر نواقض توحيد الألوهية، ولا فرق فيها بين الهازل والجاد، والآمن والخائف إلّا المكره، وكلها من أعظم الأمور خطرًا، وأكثرها وقوعًا (^٣)، وخاصة في المجال الذي يتطرق له هذا البحث وهو أدب وفكر الحداثة، فإن الناظر في كتب ومجلات "الحداثة" يجدها تنضح بهذه الأمور صراحة أو من خلف حجب العبارات الموهمة والرموز الغامضة.
فعندهم التوجه بالعبادة القلبية والعملية والفكرية لغير اللَّه، ولديهم الانتساب العباديّ لغير اللَّه صراحة، وهم في الوقت ذاته يتبجحون بنفي ألوهية اللَّه تعالى أو نفي بعض خصائص الألوهية، وينفون حق العبادة للَّه وحده دون سواه، ويؤلهون غير اللَّه، ويتوجهون لغيره بالطاعة والاتباع، ويأخذون من كل المناهج والشرائع والعقائد والنظم والأفكار إلّا الإسلام، فهم عنه معرضون وله محاربون ومنه نافرون.
ولاؤهم ومحبتهم للكفر وأهله وعقائده وضلالاته، وعداوتهم وبغضهم للإسلام وأهله وعقيدته وشريعته، يفاخرون بالكفر ويمتدحون الإلحاد، ويقررون أن غير هدي اللَّه ورسوله أهدى وأكمل، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، فكل ما له علاقة
_________________
(١) انظر: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - القسم الأول العقيدة: ص ٣٨٧.
(٢) الآية ٢٢ من سورة السجدة.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة ٣/ ٣٤٢.
[ ١ / ٢٩٦ ]
بالإسلام وتاريخه فهو مبغوض مكروه عندهم يستهزئون باللَّه ورسوله وكتابه وشريعته وعقيدته صراحة بلا مواربة، يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل، ويظاهرون أهل الكفر والإلحاد ويمتدحون أديانهم وأفكارهم وفلسفاتهم ويدافعون عنها، ويحسنون كل باطل وضلال، ويقبحون كل هدي وخير ورشاد، وإذا قيل لهم في ذلك قولًا واعظًا أو مجادلًا قالوا: الأدب والفن لا يخضعان لموازين الحلال والحرام، هذا عند من يقر علنًا بأن في الإسلام حلالًا وحرامًا، أمّا من ينفي الإسلام كله ويرفض أن يكون هناك حلال وحرام فلا ريب أنه في شطط من كفره وإلحاده أشد وأعتى من سابقه.
وإذا تكلموا عن الإسلام كتابًا وسنة وشريعة وعقيدة قالوا: التراث، ثم سووا بين الحق الصراح في الكتاب والسنة والباطل واللغو من الأشعار والأقوال، وتناولوا الجميع على أساس أنه موروث إنساني يقبل الأخذ والرد، فهم عن دين اللَّه معرضون وعن شريعته مستكبرون لا يتعلمون الدين ولا يعملون به، هذا حالهم وهذه صفتهم، وفيما يأتي من نصوص وأقوال مأخوذة من كتاباتهم ما يثبت هذه الدعوى، فأول وأخبث أنواع باطلهم فيما يتعلق بتوحيد الألوهية هو: