الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان وأصل من أصول الإيمان ولا يعتبر المكلف مسلمًا إلّا بإيمانه بالقضاء والقدر، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب -﵁- في سؤال جبريل -﵇- للنبي -ﷺ- ومنه أنه سأله عن الإيمان فقال -﵊-: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت" (^١).
ومن النصوص المخبرة عن قدر اللَّه أو الآمرة بالإيمان به قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (^٣)، وقوله جلَّ ذِكره-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ (^٤) وقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^٥)، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ
_________________
(١) جزء من حديث طويل سبق تخريجه، وهذا لفظ مسلم.
(٢) الآية ٤٩ من سورة القمر.
(٣) الآية ٢ من سورة الفرقان.
(٤) الآيات ١ - ٣ من سورة الأعلى.
(٥) الآية ٣٨ من سورة الأحزاب.
[ ٢ / ١٤٥٢ ]
لَنَا (٥١)﴾ (^١)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ. . .﴾ (^٢)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (^٣).
وفي صحيح مسلم -﵀- عن طاووس (^٤) -﵀- قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز (^٥). وفي مسلم وغيره عن أبي هريرة -﵁- قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللَّه -ﷺ- في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (^٦) ") (^٧).
وتنوعت عبارات العلماء في تعريف القضاء والقدر، فمنهم من حعلهما شيئًا واحدًا، ومنهم من عرف كلًا منهما بتعريف يخصه، فجعلوا القضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال، أي أن القضاء علم اللَّه بما سيكون من جميع المخلوقات وكتابة ذلك في اللوح المحفوظ وفق مشيئته، والقدر
_________________
(١) الآية ٥١ من سورة التوبة.
(٢) الآيتان ٢٢، ٢٣ من سورة الحديد.
(٣) الآية ١١ من سورة التغابن.
(٤) هو: الإمام التابعي طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الجندي، أحد الأعلام علمًا وأدبًا وعملًا، أخذ عن جماعة من الصحابة وأخذ عنه جماعة، توفي ﵀ سنة ١٠٦ هـ. انظر: العبر في خبر من غبر ١/ ٩٩، وتهذيب التهذيب ٨/ ٥.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر ٣/ ٢٠٤٥، ومالك في الموطأ كتاب القدر، باب: النهي عن القول بالقدر ٢/ ٨٩٩، وأحمد في المسند ٢/ ١١٠.
(٦) الآيتان ٤٨، ٤٩ من سورة القمر.
(٧) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر ٣/ ٢٠٤٦، والترمذي في كتاب القدر، باب: ٤/ ٤٥٩، وابن ماجه في المقدمة، باب: في القدر ١/ ٣٢.
[ ٢ / ١٤٥٣ ]
وجودها متفرقة في أوقاتها التي حددها اللَّه لها أزلًا.
ومن العلماء من يرى أن القضاء هو إيجاد اللَّه للأشياء فيما لا يزال، والقدر علمه بصفاتها وتحديده لها بحدها الذي ستوجد عليه.
ومنهم من عرف القدر بتعريف شامل فقال: (تقدير اللَّه تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته) (^١).
إذن فهناك من جعل القضاء هو العلم السابق الذي حكم اللَّه به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وفق الأمر المقضي السابق.
وهناك من عكس فجعل القدر هو الحكم السابق والقضاء هو الخلق.
وهناك من جعل القضاء والقدر كالإسلام والإيمان إن اجتمعا افترقا وإن افترقا اجتمعا، أي: أنهما متباينان في حال الاجتماع لكل منهما معنى يخصه، ومترادفان إذا تفرقا، فإذا قيل هذا قدر اللَّه فهو شامل للقضاء، وإذا ذكرا جميعًا فالتقدير ما قدره اللَّه تعالى في الأزل أن يكون في خلقه والقضاء هو ما قضى به تعالى في خلقه من وجود وعدم وتغير وغير ذلك (^٢).
وهناك من جمع بينهما في مفهوم واحد متكامل، جاء هذا فيما نقله صاحب جامع الأصول حيث قال: (وجماع القول في هذا: إنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه) (^٣).
وعلى أية حال فإنه يتضح أن القضاء والقدر، وعلى أي من الاتجاهين في تعريفهما يتضمن ما يلي:
الأول: الإيمان بعلمه -تعالى- الشامل المحيط، وأنه -جلَّ وعلا- علم بكل شيء جملة وتفصيلًا أزلًا وأبدًا، سواء كان ذلك ما يتعلق بأفعاله أو
_________________
(١) شرح أصول الإيمان لابن تيمية: ص ٥٣.
(٢) انظر هذا القول في شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٣) جامع الأصول لابن الأثير ١٠/ ١٠٤، وهذا القول نقله عن الخطابي -رحمه اللَّه تعالى-.
[ ٢ / ١٤٥٤ ]
بأفعال عباده، وعلمه تعالى محيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
قال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ (^١).
وقال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (^٢).
وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٣).
الثاني: الإيمان بكتاب اللَّه تعالى الذي لم يفرط فيه من شيء، وأن علمه -سبحانه- بأعمال الخلق وأوصافهم وكل ما يتعلق بهم كتبه في اللوح المحفوظ، فكل ما هو كائن، مكتوب في إمام مبين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (^٤)، وقال -﷿-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٥)، وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (^٦)، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ (^٧).
الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن جميع الكائنات لا تكون إلّا بمشيئته تعالى، سواء كان مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل خلقه، ومشيئة اللَّه وقدرته تجتمعان فيما كان
_________________
(١) الآية ٣ من سورة سبأ.
(٢) الآية ٢٢ من سورة الحشر.
(٣) الآية ١٢ من سورة الطلاق.
(٤) الآية ٧٠ من سورة الحج.
(٥) الآية ٣٨ من سورة الأنعام.
(٦) الآية ١٢ من سورة يس.
(٧) الآيتان ٥٢ - ٥٣ من سورة القمر.
[ ٢ / ١٤٥٥ ]
وما سيكون، ويفترقان فيما لم يكن ولا هو كائن، فما شاء اللَّه -تعالى- كونه فهو كائن بقدرته لا محالة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (^١).
وما لَمْ يشأ اللَّه تعالى لم يكن لعدم مشيئة اللَّه -جلَّ وعلا- إياه، وليس لعدم قدرته عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (^٢)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (^٣)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (^٤).
فالسبب في عدم وجود الشيء هو عدم مشيئة اللَّه تعالى إيجاده، لا أنه عجز عنه، جَلَّ اللَّه وتقدس عن ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (^٥).
الرابع: الإيمان بأن اللَّه خالق كل شيء، وأن جميع الكائنات مخلوقة للَّه تعالى بذواتها وصفاتها وحركاتها، فهو سبحانه خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلّا واللَّه ﷾ خالقها وخالق حركتها وسكونها، لا خالق غيره ولا رب سواه، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (^٦)، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (^٧) وأخبر عن نبيه إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (^٨).
_________________
(١) الآية ٨٢ من سورة يس.
(٢) الآية ٣٥ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ١١٨ من سورة هود.
(٤) الآية ٩٩ من سورة يونس.
(٥) الآية ٤٤ من سورة فاطر.
(٦) الآية ٦٢ من سورة الزمر.
(٧) الآية ٢ من سورة الفرقان.
(٨) الآية ٩٦ من سورة الصافات.
[ ٢ / ١٤٥٦ ]
وهذه القضايا الأربع تسمى مراتب القدر، وأركان القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إلّا بالإيمان بها، فمن أقر بها جميعًا فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن أنقص منها فقد اختل إيمانه بهذا الركن من أركان الإيمان، أو انتقض بحسب نوع البدعة أو الجحود.
وأفعال العباد مخلوقة مقدرة، مكتوبة معلومة للَّه تعالى، وهذا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرته عليها، وقد ثبت ذلك بأدلة الشرع والواقع.
أمَّا الشرع فقد أثبت اللَّه تعالى للخلق مشيئة وقدرة كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ (^١)، وقال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (^٣)، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٤).
أمَّا الواقع فإن كل عاقل يعلم أن له قدرة ومشيئة، بهما يكون الفعل والترك، وبهما يكون التفريق بين الفعل الإرادي كالمشي والكلام والنظر، والفعل غير الإرادي كالارتعاش والسقوط من علٍ أو سقوط شيء عليه.
ومشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة اللَّه تعالى وقدرته لقوله -جلَّ وعلا-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (^٥) فلا يكون في ملك اللَّه تعالى شيء بدون علمه ومشيئته جلَّ وَعَلَا.
والإيمان بالقدر لا يسوّغ لأحد من الكفار أو الفجار أن يتخذه حجة على ترك المأمورات أو فعل المنهيات، لأسباب عديدة منها:
_________________
(١) الآية ٣٩ من سورة النبأ.
(٢) الآية ٢٢٣ من سورة البقرة.
(٣) الآية ١٦ من سورة التغابن.
(٤) الآية ٢٨٦ من سورة البقرة.
(٥) الآيتان ٢٨، ٢٩ من سورة التكوير.
[ ٢ / ١٤٥٧ ]
١ - أن كل أحد من العقلاء يعلم بداهة الفرق بين العمل الاختياري والإجباري، فالاختياري يستطيع التخلص منه، وكل فاعل يحس أنه يفعل الشيء أو يتركه بدون أي شعور بإكراه، وذلك دليل إرادته واختياره.
٢ - أن اللَّه تعالى وجه إلى المكلفين أوامر ونواهي، ولو لم يكن للمكلف اختيار وقدرة، لكان الأمر والنهي الموجه إليه من التكليف بما لا يستطاع، وهو أمر تأباه حكمة اللَّه ورحمته.
٣ - أن اللَّه مدح الطائع ووعده بالثواب، وذم العاصي وأوعده بالعقاب، ولولا أن الفعل يقع بإرادة العبد واختياره لكان مدح الطائع وإثابته عبثًا وذم العاصي وعقابه ظلمًا، واللَّه تعالى منزه عن العبث والظلم.
٤ - أن اللَّه تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان طريق الخير والأمر به وإيضاح طريق الشر والنهي عنه، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره لما كان هناك فائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.
٥ - أن اللَّه تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلّا ما يستطيع، كما قال -جلَّ ذكره-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١)، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٢) ولو كان العبد مجبرًا على الفعل لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل.
٦ - أن العاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن اللَّه تعالى قدّرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر اللَّه تعالى إلّا بعد وقوع القدر ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (^٣) فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج بها حين اعتذر بها؟ إذ قدر اللَّه تعالى سر مكتوم لا يُعلم إلّا بعد
_________________
(١) الآية ١٦ من سورة التغابن.
(٢) الآية ٢٨٦ من سورة البقرة.
(٣) الآية ٣٤ من سورة لقمان.
[ ٢ / ١٤٥٨ ]
وقوع المقدور، وإرادة العبذ لما يفعله سابقه على فعله، فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر اللَّه.
٧ - يقال للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدرًا أن اللَّه تعالى قد كتبها لك؟.
فالإنسان له قدرة وإرادة واختيار ومشيئة وتمييز بين الخير والشر والحق والباطل والحسن والقبيح، ولا يؤاخذه اللَّه إذا انعدمت قدرته أو زال اختياره.
إذن فالعمل الذي يعمله الإنسان من خير أو شر هو من قدر اللَّه تعالى وهو بإرادة الإنسان واختياره، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (^١).
ولما أخبر النبي -ﷺ- أن اللَّه كتب مصير كل نفس من الجنة والنار، قال أحد الصحابة أفلا نترك العمل اتكالًا على ما في القدر، قال الرسول -ﷺ-: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، ثم تلا قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (^٢) " (^٣).
وقد اتفقت جميع الكتب السماوية والسنة النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال، بل يوجب الاجتهاد والجد والحرص على عمل الصالحات، وقد ذكر اللَّه تعالى احتجاج المشركين بقدر اللَّه ومشيئته على شركهم، ورد عليهم وأبطل حجتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ
_________________
(١) الآية ١٠٥ من سورة التوبة.
(٢) الآيات ٥ - ١٠ من سورة الليل.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ ٤/ ١٨٩٠، ومسلم في كتاب القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ٣/ ٢٠٣٩، وأبو داود في السنة، باب: في القدر ٥/ ٦٨.
[ ٢ / ١٤٥٩ ]
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (^١).
وهذه الآية تتضمن الرد على احتجاج المشركين من عدة أوجه منها:
١ - أنهم أشركوا أي اختاروا طريق الشرك والضلال وتنكبوا طريق، الهداية والحق، ومن كان هذا اختياره فالعدل أن ينال جزاءه الموافق لفعله، فكيف يصح له أن يحتج بالقدر؟.
٢ - أن احتجاجهم بالقدر على شركهم وتشريعهم غير شرع اللَّه في التحليل والتحريم احتجاج باطل زائف؛ وذلك لأنهم لا يعلمون ما هو قدرُ اللَّه تعالى قبل صدور تلك الأفعال منهم، إذ أن قدره ومشيئته الكونية غيب لا يعلمها قبل وقوعها إلّا هو ﷾، فكيف يصح أن يحتجوا بحجة لا يعلمونها قبل إقدامهم على هذا الأفعال الشنيعة؟ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (^٢).
٣ - هل يصح أن يقدم الإنسان على القتل أو السرقة ويتوجه إلى ذلك قائلًا: كتب اللَّه عليّ ذلك فأنا ذاهب لأقتل أو أسرق؟ هل اطلع على قدر اللَّه حتى يعلم ما كتب اللَّه عليه في اللوح المحفوظ؟ وهو مخاطب ومأمور بترك القتل والسرقة.
٤ - ولماذا لا يقبلون هداية اللَّه ودلالاته ويقبلون على طاعته مقدرين أن اللَّه تعالى قد كتب عليهم الطاعة؟ إذ لا فرق هنا بين المعصية والطاعة، من حيث الجهل بقدر اللَّه قبل وقوع الفعل من العبد.
إذًا فليس مع هؤلاء وأشباههم من حجة ولا علم ولا برهان، بل يتبعون الظن وما تهواه الأنفس وللَّه الحجة البالغة.
_________________
(١) الآيتان ١٤٨، ١٤٩ من سورة الأنعام.
(٢) الآية ١٤٨ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ١٤٦٠ ]
وإرادة اللَّه تعالى تنقسم إلى قسمين: كونية وشرعية، فالكونية هي التي بمعنى المشيئة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (^١) فما شاء اللَّه كونه فهو كائن بقدرته لا محالة.
والشرعية هي التي بمعنى المحبة كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُ﴾ (^٢) فالكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا للَّه تعالى، وأمَّا الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا للَّه ولا يلزم وقوعه.
والشر لا ينسب إلى اللَّه تعالى؛ لأنه الرحمن الحكيم، كما قال النبي -ﷺ-: "والشر ليس إليك" (^٣) فلكمال رحمته وحكمته لا ينسب الشر إلى قضائه تعالى إذ ليس فيه شر أبدًا.
وإنّما يكون الشر في مقضياته كما جاء في دعاء النبي -ﷺ-: "وقني شر ما قضيت" (^٤)، فأضاف الشر إلى ما قضاه سبحانه، ومع هذا فإن الشر في المقضيات ليس شرًا خالصًا محضًا بل هو شر في محله من وجه خير من وجه، أو شر في محله خير في محل آخر (^٥).
_________________
(١) الآية ٨٢ من سورة يس.
(٢) الآية ٢٧ من سورة النساء.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه ١/ ٥٣٤، والترمذي في كتاب الدعوات باب رقم ٣٢، ٥/ ٣٤٢٢، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء ١/ ٤٨١.
(٤) أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القنوت في الوتر ١/ ٣٢٨، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: القنوت في الوتر ٢/ ١٣٣، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في القنوت في الوتر ١/ ٣٧٢، والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: الدعاء في الوتر ٣/ ٢٤٨.
(٥) انظر تفصيل هذه القضايا في: معارج القبول ٢/ ٢٦٦ - ٣٢٦، وشرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين: ص ٥١ - ٥٦، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص ٣٢ - ٣٨، وشرح أصول الإيمان له: ص ٥٣ - ٦٠، وشرح العقيدة الواسطية له ٢/ ١٨٧ - ٢٠٨، والقضاء والقدر لعمر الأشقر، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص ١٥٧ - ١٨٠، وشرح الواسطية لمحمد خليل هراس وعبد الرزاق عفيفي: ص ١٥١ - ١٦٠، =
[ ٢ / ١٤٦١ ]
وخلاصة القول: إن عقيدة القضاء والقدر جزء أصيل من عقيدة المسلم، وهذه العقيدة في صورتها الصحيحة التي جاء بها الكتاب العظيم والسنة المطهرة وسار عليها السلف الصالح؛ تمثل محور توازن وشمول في حس المسلم؛ ذلك أنها مرتبطة بعقيدة المسلم في اللَّه تعالى الإله الخالق المتصف بصفات الكمال -جلَّ وعلا- ومن أصول هذه العقيدة أنه لا يُمكن أن يقع في ملك اللَّه ما لم يقدره اللَّه.
وعقيدة القدر كما هي عند المسلم الحق نقطة توازن مهمة، فهو يشعر بعظمة اللَّه وقدرته على كل شيء، ويؤمن بأنه لا يجري شيء إلّا بمشيئته سبحانه، ولكنه مع هذا الشعور والإيمان لا ينزوي في سلبية وتقاعس عن العمل والإبداع والإنجاز، كما أن شعوره بقدرته على العمل والإنجاز وحريته في الاختيار، ورؤيته نتاج عمله الفكري أو الجسمي، لا ينتهي به إلى تأليه نفسه وطغيان ذاته، واستكباره عن ربه بما يرى من فاعلية وإنتاج، كما أنه في إيمانه بهيمنة اللَّه على كل شيء وكينونة كل شيء بأمره ومشيئته لا ينتهي به إلى نسيان الأسباب وإهمالها، واطراح السنن الإلهية التي أودعها في الكون والحياة والإنسان، وفي الوقت نفسه حين يشعر باستمرار هذه السنن وانتظامها لا يصل به هذا الشعور إلى نسيان قدر اللَّه تعالى أو تجاهله اعتمادًا على الأسباب أو اتكالًا على السنن الكونية، على اعتبار أنها قوانين حتمية لا بد أن يصل فيها السبب إلى النتيجة على كل حال، بل المسلم الحق يعمل بالأسباب معتمد القلب على اللَّه رب الأسباب.
وقد انحرفت طوائف من الناس في القدر، منهم من هو من أهل القبلة، ولكن ضلّ وابتدع بنفي القدر أو بالجبر أو بالزعم أن الأمر أنف، أو بنفي خلق اللَّه لأفعال العباد، أو بنسبة الأفعال الإرادية إلى القدر دون المقدر، أو بتسويغ المعاصي احتجاجًا بالقدر، وترك العمل والكسب اتكالًا على القدر، وغير ذلك من أفواع الضلال الذي وقعت فيه طوائف من أهل الإسلام.
_________________
(١) = ولوامع الأنوار البهية ١/ ٣٤٥ - ٣٦٣، وفتح الباري ١/ ١١٨، ١١/ ١٤٩، ٤٧٧، وجامع الأصول لابن الأثير ١٠/ ١٠٤، وشفاء العليل لابن القيم الجوزية.
[ ٢ / ١٤٦٢ ]
كما أن أممًا ومللًا غير ملة الإسلام وقع أهلها في ضلالات كبيرة في القدر وانحرافات هائلة في فهم معنى القدر ولوازمه في الحياة العملية، وأظهر هذه الانحرافات:
١ - السلبية العاجزة، والتراخي عن العمل والإنتاج والإبداع وعمارة الحياة بما يلزم لها، وذلك بترك الأسباب جملة، والزهد في العمل والإبداع والابتكار والاكتشاف، وكانت الهندوكية والبوذية والرهبانية النصرانية نَماذج لهذا النوع من الانحراف.
٢ - الافتتان بالأسباب الظاهرة، والاتكال على قوانين الحياة ونواميس الكون التي خلقها اللَّه، والشعور الطاغي بالإنسان وعمله وإنتاجه، بل تأليه الإنسان والإنتاج والإبداع والاعتقاد بأن الإنسان يصنع قدره بنفسه.
وهذا النوع من الانحراف هو أبرز علامات الجاهلية المعاصرة، وقد أخذ المستعبدون للفكر الغربي من علمانيين وحداثيين هذا الأصل الجاهلي الخطير وساروا عليه في كليات أفكارهم ونتاجهم أو في كثير من فروعها وجزئياتها.
وبهذا يصح لنا أن نقول بأن ما يمارسه هؤلاء من استنساخ وتقليد، ونقل ليس إلا عبودية المنهزم الذليل للغرب الظافر المستعبد، وتقليد الواهن الهزيل، على طريقة القرود!.
وأصحاب الأدب العربي الحديث ضلالهم في هذا الباب من هذا القبيل وهو أبشع وأشنع؛ لأنهم قد أسسوا بنيانهم على شفا جرف هار فانهار بهم في أودية الإلحاد والشرك والكفر، فكان ما جاء عنهم في هذا الباب من ثمار هذه الشجرة المادية الخبيثة.
وأظهر انحرافاتهم في باب القدر ما يلي:
١ - نفي وجود القدر، ونفي قدرة اللَّه تعالى، وجعل القدر خرافة وكذبًا.
[ ٢ / ١٤٦٣ ]
٢ - ذم القدر والاعتراض عليه، وجعل الإيمان سببًا للتخلف والتحجر والمهانة والسذاجة.
٣ - التهكم والسخرية والاستخفاف بالقدر وبالمؤمنين به.
٤ - نسبة التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى، وزعم القدرة على تغيير مجرى القدر المكتوب.
٥ - نسبة الشر إلى اللَّه -﷿-.
٦ - تسويغ الرذائل والانحرافات بالقدر.
٧ - نسبة الأعمال الإرادية إلى القدر.
• • •