عناية اللَّه تعالى بعباده وهدايتهم إلى طريق الرشاد والخير من أوضح وأجلى الأمور، فقد أعطاهم العقول ليعرفوا بها سبل الهداية، وفطرهم على الإيمان وقبوله، وأرسل لهم الرسل الكرام مبشرين ومنذرين، هادين ومعلمين، وأنزل معهم الكتب زيادة في الهداية والدلالة، وشرع في كل كتاب أنزله ما يناسب أحوال المنزل عليهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (^١).
والإيمان بالكتب المنزلة ركن من أركان الإيمان باللَّه تعالى، ولا يصح إيمان الإنسان إذا جحد ذلك.
والمراد بالكتب المنزلة هي التي أنزلها اللَّه تعالى على رسله رحمة للخلق وهداية لهم، ليتمكنوا من تحصيل السعادة في الدنيا والآخرة.
وقد أمر اللَّه بالإيمان بالكتب المنزلة على رسله، المطهرة من كل باطل وزور، فقال -جلَّ وعلا-: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ
_________________
(١) الآية ٤٨ من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ (^٢).
وقال﷾-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ (^٣).
وقال-جلَّ وعلا-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (^٤).
والإيمان بالكتب يتضمن عدة أمور:
الأول: التصديق الجازم بأنها كلها منزلة من عند اللَّه -﷿- على رسله إلى عباده، بالحق المبين والهدي المستبين.
الثاني: الجزم بأنها كلام اللَّه -﷿- لا كلام غيره، وأن اللَّه تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع من وراء حجاب بدون واسطة، ومنها ما يسمعه الملك من اللَّه ويأمره بتبليغه إلى الرسول، كما أخبر اللَّه العظيم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (^٥)، وقال
_________________
(١) الآية ١٣٦ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٨٤ من سورة آل عمران.
(٣) الآية ١٣٦ من سورة النساء.
(٤) الآية ٢٥ من سورة الحديد.
(٥) الآية ٥١ من سورة الشورى.
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (^٣).
ومن الكتب ما خطه اللَّه بيده ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (^٤).
الثالث: الإيمان الإجمالي بأن اللَّه أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله، ولم يسمها لنا، ولا يجوز أن ننسب كتابًا إلى اللَّه تعالى سوى ما نسبه إلى نفسه مما أخبرنا به عن طريق رسوله -ﷺ-، قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ (^٥).
الرابع: الإيمان التفصيلي بالكتب التي سماها اللَّه في القرآن، أنها منزلة من عند اللَّه تعالى، والكتب التي أخبرنا اللَّه بها هي:
أ) - التوراة: التي أنزلت على موسى ﵊، كما أخبر تعالى في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (^٦) الآية.
_________________
(١) الآية ٢ من سورة النحل.
(٢) الآية ١٦٤ من سورة النساء.
(٣) الآية ١٤٣ من سورة الأعراف.
(٤) الآية ١٤٥ من سورة الأعراف.
(٥) الآية ٢١٣ من سورة البقرة.
(٦) الآية ٤٤ من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
ب) - الإنجيل: الذي أنزل على عيسى بن مريم ﵊، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ (^١).
جـ) - الزبور: الذي أوتيه داود -﵊-، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (^٢).
د) - صحف إبراهيم وموسى -عليهما الصلاة والسلام-: التي أخبر اللَّه عنها في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ (^٣).
وقوله سبحانه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ (^٤).
هـ) - القرآن العظيم: الذي أنزل على محمد -ﷺ-، وهو الكتاب الخاتم المصدق لما بين يديه من الكتاب والمهيمن عليه، فنسخ اللَّه به جميع الكتب وتكفل بحفظه.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٥) الآية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ (^٦).
_________________
(١) الآية ٤٦ من سورة المائدة.
(٢) الآية ١٦٣ من سورة النساء، والآية ٥٥ من سورة الإسراء.
(٣) الآيات ١٤ - ١٩ من سورة الأعلى.
(٤) الآيتان ٣٦، ٣٧ من سورة النجم.
(٥) الآية ٤٨ من سورة المائدة.
(٦) الآية ٢٣ من سورة الإنسان.
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (^١) الآية.
الخامس: الإيمان بكل ما فيها من الشرائع، وأنه كان واجبًا على الأمم الذين أنزلت هذه الكتب عليهم، وأن كل من كذب بشيء منها أو أبى الانقياد لها مع تعلق خطابه به يكفر بذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (^٢).
السادس: أن هذه الكتب يصدق بعضها بعضًا، كما قال تعالى في الإنجيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (^٣)، وقال في القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^٤)، وأن هذه الكتب جميعها تدعو إلى الإيمان باللَّه تعالى، وإلى التوحيد الخالص، وخلع الأنداد والشركاء، أمّا الشرائع فقد تختلف من كتاب إلى آخر.
السابع: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
الثامن: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا التسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، ولا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلّا ما صح منها وأقره القرآن العظيم.
التاسع: الإيمان بأن نسخ الكتب بعضها ببعض حق، كما نسخت بعض شرائع التوراة بالإنجيل، كما قال اللَّه تعالى عن عيسى ﵊: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي
_________________
(١) الآية ٧ من سورة الشورى.
(٢) الآية ٤٠ من سورة الأعراف.
(٣) الآية ٤٦ من سورة المائدة.
(٤) الآية ٤٨ من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٠٥١ ]
إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. . .﴾ (^١) -إلى قوله تعالى-: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ (^٢).
وكما نسخت كثير من شرائع التوراة والإنجيل بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (^٣).
وأن نسخ القرآن بعض آياته ببعض حق كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ (^٥).
العاشر: الإيمان بأن القرآن الموجود اليوم عند المسلمين كله ألفاظه وحروفه ومعانيه من عند اللَّه تعالى وأنه منزل غير مخلوق، أنزله اللَّه على نبيه محمد خاتم النبيين: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (^٦) فكان ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^٧).
_________________
(١) الآيتان ٤٨ - ٤٩ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ٥٠ من سورة آل عمران.
(٣) الآيات ١٥٦ - ١٥٨ من سورة الأعراف.
(٤) الآية ١٠٦ من سورة البقرة.
(٥) الآية ١٠١ من سورة النحل.
(٦) الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
(٧) الآية ٤٨ من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
نسخ اللَّه به جميع الكتب السابقة، وتكفل بحفظه عن عبث العابثين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (^١)؛ لأنه سيبقى حجة على جميع الخلق إلى يوم الدين، أمّا الكتب السابقة فإنها مؤقتة بأمد ينتهي بنزول ما ينسخها، ويبين ما حصل فيها من تحريف وتغير؛ ولهذا لم يتكفل اللَّه بحفظها، وإنّما أوكل حفظها إلى الأمم التي أنزلت عليهم كما أخبر تعالى عن التوراة بأنها ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (^٢)؛ ولهذا لم تكن تلك الكتب معصومة من اللَّه تعالى فوقع فيها التحريف والزيادة والنقص، كما أخبر بذلك اللَّه في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (^٣).
وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (^٥).
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ (^٦).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
_________________
(١) الآية ٩ من سورة الحجر.
(٢) الآية ٤٤ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٤٦ من سورة النساء.
(٤) الآية ٧٩ من سورة البقرة.
(٥) الآية ٩١ من سورة الأنعام.
(٦) الآية ٧٨ من آل عمران.
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (^١).
وقد خص اللَّه القرآن العظيم بأمور تميز بها عن جميع ما تقدم من الكتب السابقة أهمها:
أ) - أنه جاء مؤيدًا ومصدقًا لما جاء في الكتب السابقة من توحيد اللَّه وعبادته ووجوب طاعته، وجمع كل ما في الكتب السابقة من حسنات وفضائل.
ب) - أنه جاء مهيمنًا على الكتب السابقة ورقيبًا عليها، يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^٢) الآية.
جـ) - أن القرآن جاء بشريعة خاتمة لجميع الشرائع، فيها كل ما يلزم لسعادة البشر في الدنيا والآخرة، وأحكامه نهائية خالدة ثابتة، صالحة لكل زمان ومكان.
د) - إن القرآن أنزله اللَّه على رسوله -ﷺ- للناس كافة وليس خاصًا بقوم معينين كما كانت الكتب السابقة التي كان الخطاب في كل واحد منها إلى أمة خاصة دون سائر الأمم.
هـ) - إن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تعهد اللَّه بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (^٣).
وأدلة كونه محفوظًا كما نزل كثيرة لا تحصى، كلها تدل على أنه لا يوجد على وجه الأرض كتاب تصلح نسبته إلى اللَّه تعالى سوى القرآن العظيم، أمّا الكتب السابقة فقد ضاعت نسخها الأصلية ولم يبق في أيدي الناس إلّا ترجماتها التي اختلط فيها كلام اللَّه بكلام الناس من تفسير وتاريخ
_________________
(١) الآية ١٥ من سورة المائدة.
(٢) الآية ٤٨ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٩ من سورة الحجر.
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
وسير الأنبياء وتلامذتهم، فلا مقدرة على تمييز كلام اللَّه عن كلام البشر، ومن أدلة وقوع التحريف في التوراة والإنجيل تعدد نسخها، واختلافها فيما نقلته من أمور وأحكام وآراء وتواريخ، وما تضمنته من العقائد الباطلة، عن اللَّه تعالى مثل التثليث وزعم الصاحبة والولد له تعالى، وعن الأنبياء الكرام من نسبة الرذيلة إليهم والقدح فيهم وفي شرفهم وفي أعراضهم، والإتيان بما ينافي عصمتهم.
ولذلك كان الإيمان بهذه الكتب إنّما هو بالتصديق أنها في أصلها منزلة من عند اللَّه، أمّا واقعها فإنها قد أصابها التحريف والتبديل كما أخبر تعالى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (^١) الآية، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ (^٢).
أمّا القرآن العظيم فإنه لا يزال محفوظًا بسوره وآياته وكلماته وحروفه وحركاته وفواصله وآياته، كما تلاه جبريل على رسوله -ﷺ- وكما تلاه رسول اللَّه -ﷺ- على صحابته رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
ولذلك وجب الإيمان بأن القرآن العظيم كلام اللَّه تكلم به حقيقة بحرف وصوت، وأنه يجب أتباع أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره، ورفض كل ما يخالفه، ولابد من تحليل حلاله وتحريم حرامه والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابه، والوقوف عند حدوده، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ورد تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والنصيحة له ظاهرًا وباطنًا، والجزم بأنه منزل غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة من صفات اللَّه تعالى، وليست صفات اللَّه
_________________
(١) الآية ٤٦ من سورة النساء.
(٢) الآيتان ١٤، ١٥ من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
مخلوقة، بل اللَّه تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير.
هذا مجمل قول أهل السنة والجماعة في الكتب المنزلة السابقة، وفي القرآن العظيم (^١).
أمّا الوحي: فإن اللَّه تعالى خص الأنبياء دون سائر البشر بوحيه إليهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (^٣).
والوحي من عند اللَّه تعالى وليس من ذات النبي -ﷺ- كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٤).
فالوحي من اللَّه تعالى، وما على الرسول إلّا الإبلاغ به، وتنفيذ أمر اللَّه، والوحي الثابت بالنقل عن النبي -ﷺ- عن اللَّه تعالى، له قداسة ومنزلة عالية، ويجب اتباعه، ويحرم إخضاعه للأهواء والتأويلات والتفسيرات المنحرفة.
ومن قال بأن الوحي كلام بشر ونتاج إنسان، أو أنه أسطورة، أو أنه مضاد للعقل والعلم فقد كفر باللَّه وخرج من ملة الإسلام.
وإذا ذهبنا إلى الأدب العربي المعاصر ودعاة التحديث العلماني لرؤية
_________________
(١) انظر: معارج القبول ٢/ ٧٤ - ٧٨، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص ٨٣ - ٩٣، وشرح أصول الإيمان لابن عثيمين: ص ٣٢ - ٣٣، وعقيدة أهل السنة والجماعة له: ص ١٩ - ٢١.
(٢) الآية ٦ من سورة فصلت.
(٣) الآية ١٦٣ من سورة النساء.
(٤) الآية ٥٢ من سورة الشورى.
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
ما ثَمَّ من انحرافات في هذا الركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالكتب المنزلة، فإننا نجد أنهم قد ضلوا في ذلك ضلالًا بعيدًا، شأنهم في ذلك شأن انحرافاتهم الأخرى في أركان الإيمان الأخرى، فهم لا يعطون الكتب الدينية والوحي المنسوب إلى اللَّه تعالى أي احترام، سواء كانت نسبتها إلى اللَّه تعالى حقيقية كالقرآن وصحيح السنة أو فيها ما لا يصح نسبته إلى اللَّه مثل التوراة والإنجيل، بل يجعلون هذه الكتب أقل منزلة واحترامًا من الدساتير والمذاهب والمناهج التي يؤلفها بشر، بل اخترعوا مناهج سموها عقلية وتاريخية ونقدية وموضوعية، وجعلوها مهيمنة على نصوص الوحي.
ولقد جنى أهل الدين النصراني واليهودي على التوراة والإنجيل جناية عظيمة حيث جعلوها عرضة للتلاعب بما يفعلونه في هذه الكتب المنسوبة في أصلها إلى السماء، فلا يفتأ الناس هناك يرون على هذه الكتب عبارات تعلو غلاف هذه الكتب مثل "مزيدة ومعدلة ومنقحة" وهي عبارات يكتبها مؤلفوا الكتب على كتبهم بعد إضافة أبواب أو فصول أو مباحث أو فقرات، وهي عبارات تسبق أو تقفى بجملة حقوقية قانونية وهي "حقوق الطبع محفوظة".
وهكذا صنع أهل الكتاب بكتابهم حيث أجروا وما زالوا يجرون تعديلات وإضافات عند ابتغاء إصدار نسخة جديدة منه!!.
وقد أدى ذلك إلى اجتراء الملاحدة والماديين على الكتب السماوية، والوحي، وعلى اللَّه تعالى وملائكته ورسله.
وعندما أخذ المستغربون من أبناء المسلمين ما أخذوا عن أساتذتهم الغربيين من انحرافات وأباطيل كان من ضمن ذلك انحرافاتهم في الكتب المنزلة عامة، والقرآن العظيم خاصة، ولا يبرح هؤلاء يمارسون سياسة الاسترضاء لأسيادهم حتى أقدموا على التطاول الصريح على مقام الوحي المعصوم، وجعل القرآن والسنة مكانًا لألاعيب الشبهات التي عبثت بعقولهم المستطرقة.
وإذا نظرنا إلى ما كتبه أعداء الوحي من العرب فإننا نجد أنهم لم
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
يخرجوا عن ما كتبه الغربيون من يهود ونصارى عن التوراة والإنجيل، ذلك أنهم لما نظروا إلى ما في هذه الكتب من اختلاف وتناقض وما فيها من اختلاق منسوب إلى اللَّه وأنبيائه، اتضح لهم مناقضتها للواقع المادي المجرب، ووقوعها في محالات العقول، وكانت أوروبا قد قطعت شوطًا كبيرًا في الأخذ بالماديات والركون إلى الفلسفات الشكية واللاأدرية، والإلحادية، فنتج من ذلك أن اتجه مجموعة من فلاسفة الغرب لدراسة التوراة والإنجيل على ضوء هذه المذاهب والفلسفات، فأسسوا بذلك مدارس تهتم بنقد نصوص الوحي هاجراء الدراسات النقدية والتاريخية عليها.
وهنا سوف أذكر أشهر هؤلاء الذين أثروا بأفكارهم في عقائد أبناء المسلمين فأخذوا مناهجهم وترجموها وطبقوها على الوحي المعصوم المقطوع بصحته: على القرآن العظيم وصحيح السنة المشرفة، فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا، وأول دلائل ضلالهم أنهم لم يفرقوا بين الكتب السابقة التي دخلها التحريف والكذب، والكتاب الخاتم المهيمن الذي لم يدخله تحريف أو تبديل، وثاني دلائل ضلالهم أن في الكتب السابقة من محالات العقول ومناقضة حقائق التجربة -بسبب التحريف الذي دخلها- ما قد يبرر دراستها والتأكد من حقيقتها، أمّا القرآن العظيم فليس فيه ما تحيله العقول، وإن كان فيه ما تحار فيه العقول، وليس فيه ما يناقض حقائق العلوم التطبيقية، بل فيه ما يطابق هذه الحقائق مما أطلق عليه في هذا الزمان "الإعجاز العلمي في القرآن والسنة" وفيه من المطابقات والموافقات ما يلجم لسان كل شاك وملحد، ويزيد إيمان كل مسلم.
أمّا أشهر فلاسفة الغرب الذين تصدوا لدراسة ما يسمونه "ظاهرة الوحي" والذين هم أساتذة المحاكين لهم من أبناء المسلمين، فهم على أثارهم مقتدون، وأولهم وأشهرهم: