وليس من باب المصادفة أن يكون هؤلاء ممن تزعموا هذا المبدأ وسعوا في نشره والدعاية له، فإن تاريخ المسلمين يشهد على أن طوائف المبتدعة وخاصة الباطنية وأهل الرفض والتشيع كانوا في حالات كثيرة في ضفة العدو وطائفته، بالعلن كلما أمكنهم ذلك، وبالسر وهو غالب حالهم.
ومن يراجع تاريخ الحركات الباطنية والرافضية يجد الشواهد الكثيرة على هذا فقد كانوا في صف الكفار التتار في أواخر الدولة العباسية، وكان الوزير الرافضي ابن العلقمي (^١) عينًا للتتار. داخل بغداد، ومعينًا لهم على دخولها وسلبها وتدميرها وقتل الخليفة العباسي سنة ٦٥٦ هـ (^٢).
وكانت حروبهم على المسلمين ومناقضتهم لملة الإسلام مستمرة باللسان والقلم والسنان والتجسس وغير ذلك، ذلك أنه بعد أن وضع اليهودي عبد اللَّه بن سبأ (^٣) وأشياعه من المنافقين والمغفلين من المسلمين بذور الشر والفتنة؛ بدأ ينشر ضلاله بين المسلمين في السر حتى ألّبَ الناس على قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين (^٤)، فوقع السيف في أمة الإسلام، وكان هذا الحدث العظيم مبدأ فتنة بين المسلمين ومقدمات حروب ومشكلات، وإرهاصات لباع كبيرة هزت الأمة الإسلامية وما تزال.
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد، وقيل: محمد بن محمد بن أحمد العلقمي، وزير المستعصم العباسي، شيعي المذهب، راسل هولاكو ليغزو بغداد وكان وزيرًا، وثق فيه المستعصم فألقى إليه زمام الأمور مدة أربعة عشر عامًا، ولما أغار هولاكو على بغداد بمخامرة من ابن العلقمي وخربها سنة ٦٥٦ هـ، أخذ وقتل في قلة وذلة. انظر: الأعلام ٥/ ٣٢١.
(٢) انظر: البداية والنهاية ٧/ ١٦٦، ١٧٣، ٢٣٩، ٢٥٠.
(٣) هو: عبد اللَّه بن سبأ اليهودي، قيل أصله من صنعاء، وقيل غير ذلك، رأس الطائفة السبئية التي كانت تقول بألوهية علي ﵁، أظهر الإسلام ونشر الفتنة بين المسلمين متذرعًا بحب آل البيت، والنقمة على من سواهم من ولاة المسلمين، وكانت له مصائب عظيمة بين المسلمين، توفي سنة ٤٠ هـ. انظر: البداية والنهاية ٧/ ٢٥١، والكامل لابن الأثير ٣/ ٥٧، ٧٢ وغيرها.
(٤) انظر: العبر في خبر من غبر ١/ ٢٦، وتاريخ خليفة بن خياط: ص ١٦٨.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وقد استغل عبد اللَّه بن سبأ هذا الجو المضطرب، وعمل على زيادة الاضطراب والفتنة حتى وقع ما وقع من قتال وأمور دامية، ظهر في أثنائها وعلى إثرها فرق الضلال كالخوارج، والشيعة الذين وضع أساس بنائهم عبد اللَّه بن سبأ اليهودي مستغلًا تعاطف الناس مع أمير المؤمنين علي ﵁ وحبهم له ولآل البيت، فأظهر التعلق بمحبتهم وزعم أن عليًا ﵁ أوصى له بالخلافة من النبي -ﷺ- ونشر ذلك بين الناس فكانت هذه بداية بدعة الوصي والوصاية التي بنى عليها الشيعة أكثر أباطيلهم، ثم غالى حتى زعم أن عليًا كان نبيًا يوحى إليه، ثم غلا حتى ادعى له الألوهية من دون اللَّه ﷿ (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أمّا الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأمّا الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد اللَّه بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر) (^٢).
ولكن ابن سبأ لم يمت إلّا وقد وضع بذور شره، فأخذ مذهب السبئية بعده بنان بن سمعان (^٣) الذي قال بإلهية علي ﵁ ثم من بعده في ابنه محمد ثم في أبي هاشم ابن محمد بن علي بن أبي طالب ثم في نفسه هو، وكتب رسائل يدعو إلى نفسه بهذه الدعوى، وبدعوى النبوة، وأنشأ طائفة تسمى البنانية (^٤)، تقوم على تأليه علي ﵁ ثم تأليه بنان،
_________________
(١) انظر: الفرق بين الفرق: ص ٢٣٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٧٩، وانظر: ١٣/ ٣٠ - ٣٤ من المصدر نفسه.
(٣) هو: بنان بن سمعان ويقال: بيان النهدي من بني تميم، ظهر في العراق بعد المائة وادعى الألوهية لعلي ثم لمحمد بن الحنفية ثم لأبي هاشم وابن الحنفية، ثم من بعده في بيان نفسه، وكتب إلى أبي جعفر الباقر كتابًا يدعوه إلى نفسه، وأنه نبي، قتله خالد بن عبد اللَّه القسري وحرقه بالنار قيل عام ١٢٦ هـ. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٧، ٣، والملل والنحل ١/ ٢٠٣، والتبصير في الدين: ص ١٢٤.
(٤) انظر: الملل والنحل ١/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٦٩١ ]
والقول بالتناسخ، وكان مع بنان في هذه المدة وهذه البدعة المغيرة بن سعد البجلي (^١) الذي كان يزعم أن عليًا -﵁- كان يستطيع أن يحي الموتى، وأن لمعبوده أعضاءً على صورة حروف الهجاء، ثم ظهر من بعدهما وعلى نفس المنوال أبو منصور العجلي الذي تنسب إليه فرقة المنصورية (^٢)، وكان يزعم أنه رفع إلى السماء، وأن اللَّه -﷾- مسح على رأسه، وكان هو وأتباعه من الشيعة ينكرون القيامة، ويزعمون أن عليًا هو الكسف الساقط من السماء، وأن الجنة رجل أمروا بموالاته، وهو إمام الوقت وأن النار رجل أمروا بمعاداته وهو خصم الإمام، وتأولوا المحرمات والفرائض على أسماء رجال، ثم جاء من بعده أستاذ الباطنية وجامع ضلالات من سبق ومضل من لحق أبو الخطاب (^٣) الأسدي الذي تنتسب إليه فرق الخطابية الكافرة، القائلين بألوهية أحد أبناء جعفر الصادق (^٤) وبالتناسخ، وبكون الشريعة ذات ظاهر وباطن، وأن الفرائض أسماء رجالٍ ونساء.
وكان أبو الخطاب الأسدي، أحد شيوخ المفضل بن عمر الجعفي (^٥)،
_________________
(١) هو: المغيرة بن سعد البجلي بالولاء، أبو عبد اللَّه الكوفي الرافضي الكذاب، كان مشبهًا رافضيًا يلعن الصحابة، ويقول بأقوال غاية في الضلال، قتله خالد القسري سنة ١٢٠ هـ. انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ١٦٠، والكامل لابن الأثير ٤/ ٢٣٠.
(٢) هو: أبو منصور العجلي، من بني عبد القيس، كان يسكن الكوفة، لما مات أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، ادعى أبو منصور أن أبا جعفر فوض إليه أمر الإمامية، وأنه جعله وصيًا بعده، ثم ادعى لنفسه النبوة، وأن جبريل ينزل عليه بالوحي، فقتله والي هشام بن عبد الملك، يوسف بن عمر الثقفي. انظر: الفرق بين الفرق: ص ٢٤٣، والملل والنحل ٢/ ١٤، والتبصير في الدين ص ١٢٥. انظر: الفرق بين الفرق: ص ٢٤٣، والملل والنحل ٢/ ١٤، والتبصير: ص ١٢٥.
(٣) هو: محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، كان يقول: إن لكل شيء من العبادات باطنًا، ويزعم أن الأئمة أنبياء ثم آلهة، قتله عيسى بن موسى والي العباسيين في الكوفة سنة ١٤٣ هـ. انظر: الملل والنحل ٢/ ١٦، والتبصير: ص ١٢٦، والفرق بين الفرق: ص ٢٤٧.
(٤) انظر: مصادر الترجمة السابقة.
(٥) هو: أحد الشيعة الدعاة وصفه جعفر الصادق بالكفر، وعده قدماء الشيعة من الغلاة ويعده الشيعة المعاصرون من علمائهم وينافحون عنه، انظر ما قيل عنه في كتاب رجال الشيعة في الميزان: ص ٩٤، وانظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص ٢٥.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
شيخ محمد بن نصير النميري (^١) الذي كون فرقة النصيرية الباطنية، ولما توفي جعفر الصادق (^٢) سنة ١٤٨ هـ رحمه اللَّه تعالى، انقسمت الشيعة بحسب اعتقاداتهم المختلفة في آل البيت، فالغلاة منهم وهم الذين ذكرنا آنفًا قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر (^٣)، وهو الذي تنتسب إليه الاسماعيلية، أمّا الإمامية الرافضة فقالوا: بإمامة أخيه موسى الكاظم (^٤).
وقد بايعت الإسماعيلية على الإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر (^٥) الإمام المكتوم كما يقولون، وفي هذه المدة تركز المذهب الباطني بفلسفاته،
_________________
(١) هو: أحد غلاة الشيعة ومؤسس فرقة النصيرية الكافرة، ومن عقائدهم أن عليًا إله، وأن الأرواح تتناسخ، وأنه يجوز نكاح المحارم، ويعظمون الخمر، ولهم أعياد توافق أعياد النصارى واليهود، وهم أكفر منهم. انظر: رجال الشيعة في الميزان: ص ٩٦، والملل والنحل ٢/ ٢٤.
(٢) هو: جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب يعده الشيعة الاثنا عشرية سادس الأئمة وينتسبون إليه، كان من أجلاء التابعين، أخذ عنه مالك وأبو حنيفة. انظر: وفيات الأعيان ١/ ٣٢٧، ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب، توفي عام ١٤٨ هـ. انظر: صفوة الصفوة ٢/ ٩٤، وحلية الأولياء ٣/ ١٩٢، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٢٥٥.
(٣) هو: إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، إليه تنسب الإسماعيلية، وملوك الدولة الفاطمية، ادعى الشيعة الإسماعيلية أنه أظهر موته تقية من بني العباس، وجعلوه إمامهم، ثم من بعده ابنه محمد الذي يسمونه المكتوم، توفي إسماعيل بن جعفر في حياة والده سنة ١٤٣ هـ. انظر: الأعلام ١/ ٣١١.
(٤) هو: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، سابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان عابدًا زاهدًا عالمًا، بلغ هارون الرشيد أن الناس يبايعونه فأخذه وسجنه ببغداد حتى توفي سنة ١٨٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٧٠، ووفيات الأعيان ٥/ ٣٠٨، وشذرات الذهب ١/ ٢٠٤، والأعلام ٧/ ٣٢١.
(٥) هو: محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، إمام عند الإسماعيلية والقرامطة، يرون أنه قام بالإمامة بعد والده إسماعيل الذي اختفى وسيعود، ويعدون محمد بن إسماعيل أول الأئمة المكتومين، ثم بعده ابنه جعفر بن محمد الحبيب، ويزعم الفاطميون أن عبيد اللَّه الذي أقام بالمغرب دولة العبيديين هو ابن محمد الحبيب. . .، توفي محمد بن إسماعيل سنة ١٩٨ هـ. انظر: الملل والنحل ٢/ ٢٧، وشذرات الذهب ٢/ ١٠٠، والفرق بين الفِرَق: ص ٢٨٢، والأعلام ٦/ ٣٥.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وظهر بفتنته أمام المأمون العباسي، وكان تدبير أمر هذه الدعوة ونشرها واستمالة الناس إليها على يد عبد اللَّه بن ميمون القداح (^١) الذي كان مولى لجعفر بن محمد الصادق.
وعلى يد ميمون بن ديصان (^٢) المجوسي الزنديق المتستر بالتشيع لآل البيت، والذي كان يظهر الرفض ويبطن الكفر المحض.
وعلى يد محمد بن الحسين الملقب بدندان (^٣) المتفلسف المنجم الشعوبي الذي كان يرى أن للكواكب تدبيرًا في الكون وروحانية، وكان يسعى لعودة دولة المجوس ويتنبأ بذلك ويتمنى أن يكون ذلك على يديه.
_________________
(١) هو: عبد اللَّه بن ميمون بن داود المخزومي بالولاء، المعروف بابن القداح، الذي كان مولى لجعفر بن محمد الصادق، يعتبره الإمامية من فقهائهم ورجال أسانيدهم، ومعدود عند الإسماعيلية من دعاتهم، تلقى هذا عن والده ميمون القداح، وأصله من الأهواز، وكان عبد اللَّه هذا يجيد أعمال الشعوذة والحيل والمكر، فلعب بها على عقول الناس، وكان يتستر بالتشيع والعلم، ثم أراد أن يتنبأ فلم يتم له ذلك، فأظهر ما هو عليه من الإباحية وتعطيل الصفات والشريعة، فكبس الناس داره فهرب إلى البصرة ثم إلى الشام إلى أن هلك سنة ١٨٠ هـ فقام بالدعوة بعده ابنه أحمد. انظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٤٩، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ١٤٨، وميزان الاعتدال ٢/ ٥١٢، والفهرست: ص ٢٦٤، والإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير: ص ٨٣ - ٨٥.
(٢) هو: ميمون بن داود بن سعيد القداح أبو شاكر، وفي نسبه وسيرته اضطراب، فقيل: اسم والده ديصان، وقيل: داود، وقيل: غيلان، وتنسبه الإسماعيلية إلى سلمان الفارسي ﵁، وميمون رأس الفرقة الميمونية من الإسماعيلية أتباع أبي الخطاب الأسدي، وأكبر دعاة الإسماعيلية وناشريها، تنقل في البلدان ثم استقر في الشام، وألف ونشر الدعاة، يقال إنه كان مجوسيًا، والذي لا ريب فيه أنه كان زنديقًا يتستر بالتشيع، ومن سلالته خلفاء بني عبيد، أصحاب الدولة العبيدية بالمغرب، والخلفاء الفاطميون، توفي نحو ١٧٠ هـ. انظر: الفهرست: ص ٢٦٤ - ٢٦٨، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ١٤٨، والأعلام ٧/ ٣٤١، والإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير: ص ٨٣ - ٨٥، ٩٢، ١٧٤ - ١٧٧.
(٣) هو: محمد بن الحسين الملقب بدندان وقيل: زيدان، كان واسع المال عالي الهمة عظيم الحيلة التقى بميمون بن القداح وابنه، واتفقوا على نشر دين الإسماعيلية، فمات هذا قبلهما واتسق الأمر لابن القداح. انظر: الفهرست: ص ٢٦٧، والكامل لابن الأثير ٦/ ١٢٦، والإسماعيلية لإحسان إلهي ظهير: ص ٩٢.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
وقد اجتمع الثلاثة في سجن في العراق، وهناك وضعوا قواعد الملة الإسماعيلية، ولما خرجوا بدأوا بنشر دعوتهم في جبال الأكراد، وبلاد المغرب وفي أهل البحرين، ثم في أهل اليمين، وقد تمكنت الدعوة الباطنية من الانتشار حتى دخل في دعوتهم بعض كبار الدولة آنذاك، ومن خواص الخليفة العباسي، وهو القائد المسمى بالأفشين (^١).
وفي هذه المدة كانت فتنة الباطنية وقوتهم تتمثل في الفرقة الخرمية بقيادة الباطني بابك الخرمي (^٢) الذي قام بحرب المسلمين وقتالهم وكانت منه أمور عظيمة في النكاية بالمسلمين.
ثم قامت ثورة الزنج بقيادة صاحبها الباطني علي بن محمد (^٣)، وتفرع المذهب الباطني الخبيث إلى مذاهب عديدة أشهرها: القرامطة (^٤)،
_________________
(١) هو: حيدر بن كاوس أحد قادة المعتصم كان شجاعًا قويًا، مال إلى دعوة الإسماعيلية في السر، وكان يداهن بابك الخرمي في السر، ويقاتله علنًا ثم قبض عليه لينفي انتسابه إلى الإسماعيلية، سجنه المعتصم ومنعه من الطعام حتى مات عام ٢٢٦ هـ فصلبه المعتصم إلى جانب بابك الخرمي. انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٩٣، والعبر ١/ ٣١١، وشذرات الذهب ٢/ ٥٨.
(٢) هو: بابك الخرمي، أحد زعماء الباطنية ورأس الفرقة الخرمية، قوي النفس شديد البطش صعب المراس، قاتل المأمون وانتصر عليه في عدة مواقع، ثم قضى عليه المعتصم بالأفشين سنة ٢٢٣ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٤٧، والعبر ١/ ٢٩٨، ٣٠٢، وشذرات الذهب ٢/ ٤٨.
(٣) هو: علي بن محمد الباطني، ظهر في أيام المهتدي العباسي سنة ٢٥٥ وعجز عن قتاله الخلفاء وكانت منه مصائب وكوراث على المسلمين وتملك بضع عشرة سنة كان خلالها يبث الشر والرعب والفتن والقتل والسفك بين المسلمين، حتى ظفر به الموفق باللَّه أيام المعتمد فقتله سنة ٢٧٠ هـ. انظر: الكامل لابن الأثير ٧/ ٢٠٥، وما بعدها وسير أعلام النبلاء ١٥/ ١٤٣.
(٤) القرامطة: فرقة من فرق الباطنية وفرع من فروع الإسماعيلية تنتسب إلى الباطني حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط الذي تظاهر بالزهد والورع والتقشف وأبطن الدعوة إلى مذهبه الباطني وقام بثورته سنة ٢٧٨، وتقوم دعوة القرامطة على التأويل الباطني، وجحد الشريعة، وتحريف الاعتقاد، وإباحة النساء وسائر المحرمات، وقد قاموا بأعمال شنيعة ضد المسلمين مثل قتل الحجاج بمكة وهدم الكعبة وسرقة الحجر الأسود. انظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص ١٣٥ - ١٦٨، وكتاب الباطني الإسماعيلي المعاصر عارف تامر القرامطة أصلهم، نشأتهم، تاريخهم، حروبهم. وانظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ص ٣٩٥.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
والدروز (^١) وإخوان الصفا (^٢)،. . . . . . . .
_________________
(١) الدروز: فرقة باطنية تؤله الإسماعيلي الفاطمي المسمى الحاكم بأمر اللَّه، أخذت جُلَّ عقائدها من الإسماعيلية الباطنية، وتنتسب إلى تشتكين الدرزي المؤسس الثاني لعقيدة الدروز مع حمزة بن علي الزوزني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، وقد أسرع تشتكين في إعلان ألوهية الحاكم فأثار الناس عليه، وأغضب حمزة ففر إلى الشام، ودعا إلى مذهبه فظهرت الفرقة الدرزية المنتسبة إليه، وهم يلعنونه لخروجه عن تعاليم حمزة الذي دبر لقتله سنة ٤١١ هـ. وهم متأثرون بالباطنية اليونانية وبالدهريين وبالبوذية وببعض فرق فلاسفة الفرس والهند والفراعنة القدامى، يتسترون بعقائدهم ولا يتلقى الدرزي عقيدته ولا يبوحون بها إلّا إذا بلغ سن الأربعين وهو سن التكليف عندهم، يعيشون في لبنان وسورية وفلسطين، ويمثلهم في لبنان الحزب الاشتراكي التقدمي برئاسة وليد جنبلاط، وفي فلسطين هم أشر على المسلمين من اليهود، ويعملون في الأمن والجيش اليهوديين. ويعد حمزة عندهم بمثابة النبي -ﷺ- عند المسلمين، ويعتقدون إضافة إلى تأليه الحاكم والقول بغيبته وأنه سيرجع، وينكرون الأنبياء والرسل ويسمونهم الأبالسة، ويعتقدون أن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها، ويقول بتناسخ الأرواح وينكرون المعاد وينكرون القرآن. انظر: الموسوعة الميسرة: ص ٢٢٣ - ٢٢٧، وكتاب الحركات الباطنية للخطيب: ص ١٩٧ - ٣١٧، وكتاب عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب.
(٢) إخوان الصفا: عصابة من الباطنيين اجتمعوا فصنعوا بضعًا وخمسين رسالة في الفلسفة والتشيع والباطنية وغيرها، ويقال: أن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد أحد أئمة الإسماعيلية هو الذي ألفها، ولكن اختلاف أسلوبها يدل على صحة القول الأول، وتعتبر رسائل إخوان الصفا رسائل مقدسة -عندهم- تصل في قدسيتها إلى مرتبة القرآن العظيم، بل يعتبرون القرآن كتاب العامة ورسائل إخوان الصفا كتاب الأئمة، وطائفة الإسماعيلية بجميع فروعها تعظم هذه الرسائل، وتحتوي هذه الرسائل على الآراء الخفية للفاطميين والحشاشين والقرامطة والدروز، وهي خليط من العقائد والفلسفات شأن عقائد الإسماعيلية، ولذلك يجد الناظر في رسائل إخوان الصفا أقوال وعقائد الباطنيين والنصيريين والإسماعيليين والمعتزلة والمجوس والفيثاغوريين والافلوطنيين والوثنيين، وتوجد فيها أقوال هؤلاء جنبًا إلى جنب مع أقوال الأنبياء، وتمتلئ هذه الرسائل بالضلالات والخرافات والانحرافات ومنها: أنهم لا يؤمنون بختبم النبوة، ويرون أن الإنسان كلما ترقى في الدرجات وتوفرت فيه خصال أصبح نبيًا مرسلًا، ويرون أن الكتب المنزله لها ظاهر وباطن، ونادوا بوحدة الأديان، ولهم تسامح واضح مع النصرانية وعقائدها فيؤمنون بالصلب، وأن اللَّه أبًا تعالى اللَّه وتقدس، =
[ ٢ / ٦٩٦ ]
والنصيرية (^١)، وقامت لهم دولة العبيدية، ولما تحطمت هيبة الحكم
_________________
(١) =ولا يؤمنون بالثواب والعقاب في الجنة والنار، ويؤلون كل أمور الغيب تأويلات باطنية فلسفية تؤول إلى القول بالتناسخ، وعلى كل حال فإخوان الصفا ورسائلهم حلقة من سلسلة الحركات الباطنية الساعية لهدم الدين وإحياء الوثنية والكفر. انظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص ١٦٩ - ١٧٧، ١٧٩ - ١٩٥.
(٢) النصيرية: ويسمون بالعلويين وهي تسمية أطلقها عليهم الفرنسيون حين استعمروا سوريا تمويهًا وتغطية لحقيقتهم، وهم حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث الهجري، وهم من غلاة الشيعة ولا تصح نسبتهم إلى الإسلام، أسس هذه الفرقة محمد بن نصير البصري النميري المتوفى سنة ٢٧٠ هـ، حيث ادعى النبوة، وغلا في أئمة الشيعة ونسبهم إلى الألوهية، وأظهر معتقدات النصيرية تأليه علي ﵁، وأن الإله ظهر في صورته إيناسًا لخلقه وعبيده، ويحبون ابن ملجم قاتل علي ﵁ ويترضون عنه ويزعمون أنه خلص اللاهوت من الناسوت، يعتقد بعضهم أن عليًا سكن القمر بعد تخلصه من الجسد، ويعتقدون أن عليًا قد خلق محمدًا -ﷺ- وأن محمدًا خلق سلمان الفارسي إلى آخر سلسلتهم الخرافية. أباح ابن نصير نكاح المحارم، وأحل لهم اللواط بين الرجال، ولهم ليلة يختلطون فيها ويواقع فيها الرجال النساء، يعظمون الخمر ويسمونها النور، لا يصلون الجمعة، أمّا الصلوات الخمس فيصلونها على طريقة غير طريقة المسلمين حيث تختلف في عدد ركعاتها وليس فيها سجود ولا يتمسكون بالطهارة وليس لهم مساجد عامة، ولهم قداسات تشبه النصارى، ولا يعترفون بالحج بل يعتبرونه كفرًا وعبادة أصنام، ولا يعترفون بالزكاة، أمّا الصيام فهو الامتناع عن معاشرة النساء طيلة شهر رمضان، ويقولون بالباطن والظاهر في النصوص والعقيدة، ويدعون أنهم وحدهم الذين يعلمون باطن الأسرار، ويؤولون أحكام الدين وشعائره تأويلات باطنية، وقد اتفق أهل الإسلام على أن هؤلاء ليسوا من المسلمين، ولا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين بل هم أكفر من اليهود والنصارى وأكفر من كثير من المشركين. ولهم أعياد كثيرة توافق أعياد الفرس الوثنيين مثل عيد النيروز ويحتفلون بأعياد النصارى، وعيد الأضحى عندهم في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، ويوم "لام" وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، ويقصدون به مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فرحًا بمقتله. عقائدهم مستمدة من الوثنية القديمة وعباد الكواكب وتأثروا بفلسفة الأفلاطونية الحديثة، واستمدوا عقيدتهم من مذاهب الفلاسفة، وأخذوا عن النصرانية التثليث والقُدَّاسات وإباحة الخمور، ونقلوا فكرة الحلول والتناسخ عن المعتقدات الوثنية في الهند وآسيا الشرقية، ومعتقداتهم الشيعية مما قالت به الرافضة عامة والسبئية خاصة، =
[ ٢ / ٦٩٧ ]
الإسلامي، واندثر سلطان الأمة، برزت رؤوس هؤلاء لتعتلي منابر الفكر والأدب والثقافة والصحافة بتأييد من أشياعهم الأوروبيين، الذين وجدوا في الطائفيين بغيتهم لما في عقائدهم من ضلال، وما في قلوبهم من أحقاد متوارثة على المسلمين ودينهم وعقيدتهم وتاريخهم ورموزهم.
فأخذوهم وقربوهم وصنعوهم على أعينهم، وجعلوهم وسيلتهم الثانية في الغزو الفكري والاعتقادي والسلوكي، بعد نصارى العرب.
ولما جاء هؤلاء الطائفيون بكل خلفياتهم الاعتقادية الضالة، والتاريخية الحاقدة، ووجدوا العون من الأوربيين الغازين، والجهل الراسخ بين أبناء المسلمين، والشتات والفرقة والضعف المعنوي والحسي، وجدوا في هذه الأجواء بغيتهم فشرعوا يبثون سمومهم، ويرسخون باطلهم، وينشرون بلاءهم بين أبناء المسلمين.
وكانت إحدى أبرز اللافتات التي ولجوا من خلالها لا فتة الأدب الحديث والفكر المعاصر والتحرر الفكري.
لكنهم في الحقيقة لم يتحرروا من عقائدهم الباطنية والرافضية بل اجتهدوا في ترسيخ مفاهيمها ومصطلحاتها، ورسومها، وأضافوا إلى ذلك أخلاطًا أخرى من عقائد الوثنيات المختلفة ومن عقائد النصارى واليهود.
ولا غرو أن يكونوا كذلك، وقد مضى معنا في هوامش التعريف بأشهر الفرق الباطنية أنهم -أصلًا- في عقائدهم الباطنية قد مزجوا بين أنواع الخرافة والضلال من اليونان إلى الهند إلى المجوس والفرس إلى الديانات المحرفة.
وحين نتأمل نتأج الأسماء الطائفية من الحداثيين نجد أنهم حرصوا على توظيف عقائدهم الطائفية في أسلوب دعوي دعائي واضح، والأغرب
_________________
(١) = ينتشرون في سورية في اللاذقية وجبال النصيريين، وفي تركيا، وفي أجزاء من ألبانيا وفارس وتركستان ولبنان وفلسطين. انظر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: ص ٣١٩ - ٤٣١، والموسوعة الميسرة: ص ٥١١ - ٥١٦.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
في حومة الصراع الفكري -والأظهر كذلك- أن نشطاء هذا الصراع هم من النصارى، ثم من الطائفيين المنتسبين إلى الإسلام زورًا وكذبًا.
ثم يراد لهذه الظاهرة أن تمر دون ذكر أو تأمل أو مراجعة، تحت شعارات خادعة، وضعت فكانت لها الهيبة في قلوب ضعفاء الإيمان والعقول من المسلمين، مثل شعارات الحرية الثقافية، والمرونة الفكرية، والتقدمية، والتحديث والعصرانية، وأكذوبة الأدب العالمي، وأسطورة التجديد المطلق، وغير ذلك من الشعارات التي اتخذت مسوغًا لكل تخريب اعتقادي وفكري وسلوكي وعملي.
وبإيجاز فإن الحداثة العربية لا تجحد أن من أعلامها ودعاتها جملة من الباطنيين والرافضة: فمن النصيريين علي أحمد سعيد النصيري المسمي نفسه "أدونيس" وزوجته خالدة سعيد النصيرية، ومن الرافضة عبد الوهاب البياتي ومظفر النواب ومهدي عامل وحسين مروة ومحمد علي شمس الدين وشوقي بزيع، ومن الدروز توفيق زياد، وغيرهم (^١).
وسوف نورد -إن شاء اللَّه- من النصوص عن بعض هؤلاء ما يؤكد أنهم اتخذوا الحداثة سلمًا لتمرير وتسويق بضائعهم الفكرية الكاسدة.
القسم الثالث: حداثيون شعوبيون، والشعوبية مذهب قديم مشتق من لفظ الشعب، ونسبته غير قياسية إلى "الشعوب"، وسموا بذلك لأنهم ينتصرون للشعوب الأخرى على قبائل العرب، وهم جماعة من الناس لا يرون للعرب فضلًا على غيرهم، وهم على قسمين:
الأول: من يرى تسوية العرب بغيرهم، وأن لا تفاضل بين الأجناس والشعوب.
الثاني: من يذهب إلى استنقاص العرب، والحط من قدرهم،
_________________
(١) ومنهم سليمان بن العيسى، وبدوي الجبل واسمه محمد سليمان الأحمد وشقيقه أحمد سليمان الأحمد، وهؤلاء نصيرية.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
والتصغير لشأنهم، والبحث عن مثالبهم وعيوبهم (^١).
ومن الشيعة الرافضة محمد مهدي الجواهري، وأحمد الصافي النجفي ومحسن الموسوي ومحمد صالح عبد الرضا وعبد الأمير معلة وكلهم من العراق، ومن الرافضة كذلك محمد العلي وابنه رياض، وأحمد الشويخات وحنان الشيخ.
ومن الأحزاب القومية التي اتخذت الحداثة منهجًا وأسلوبًا حزب البعث العربي الإشتراكي وكان من مؤسيسه، ومن أبرز رجالاته جملة من النصيريين هم زكي الأرسوزي وصلاح جديد ومحمد عمران وإبراهيم ماخوس وسليمان العيسى، وجملة أخرى من الدروز هم شبلي العيسمي، حمود الشوفي، منصور الأطرش، سليم حاطوم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-: (. . . والذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم، وأن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول اللَّه -ﷺ- أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسًا، وأفضلهم نسبًا.
وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم لمجرد كون النبي -ﷺ- منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول اللَّه -ﷺ- أنه أفضل نسبًا ونفسًا، وإلّا لزم الدور) (^٢).
وقال: (وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل للعرب، والشعوب للعجم، ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب.
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط ١/ ٩٠، فصل الشين - باب الراء، ولسان العرب ١/ ٥٠٠، والبيان والتبيين للجاحظ ٣/ ٥ وما بعدها، والعقد الفريد لابن عبد ربه ٣/ ٤٠٣ وما بعدها.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
والغالب أن مثل هذا الكلام لايصدر إلّا عن نوع نفاق إمّا في الاعتقاد، وإمّا في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك. . .) (^١).
والدليل على فضل جنس العرب على غيرهم قوله -ﷺ-: (أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه تعالى خلق الخلق، فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خبرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم ببتًا، وأنا خيركم نفسًا) (^٢).
وقد فسر شيخ الإسلام المراد بهذا الحديث وبين أنه (يحتمل شيئين:
أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم. . .، ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم، ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشًا بيوتًا فكانت بنو هاشم أفضل البيوت.
ويحتمل أنه أراد بالخلق: بني آدم، فكان في خيرهم: أي في ولد إبراهيم، أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو في بني عدنان، ثم جعل بني إسماعيل، أو بني عدنان قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة وهم قريش، وعلى كل تقدير فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم وقد بيَّن -ﷺ-: أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم ثم لقريش ثم للعرب. . .) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣٧٢.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٢١٠ عن العباس، والترمذي في المناقب، باب: فضل النبي -ﷺ- ٥/ ٥٨٤ حديثان عن العباس أيضًا رقم أحدهما ٣٦٠٨ والآخر ٣٦٠٨، ونحوه في المستدرك عن ابن عمر ٤/ ٨٦، وقد ذكره الألباني في مشكاة المصابيح ٣/ ١٦٠٤ وقال: حديث صحيح، وذكره في صحيح الجامع رقم ١٤٧٢ - ١/ ٣٠٩.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
[ ٢ / ٧٠١ ]
ثم أضاف -﵀- قائلًا: (فإن اللَّه تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشًا على سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص) (^١).
ثم ذكر -﵀- بعد ذلك حكم بغض العرب ومحبتهم وبين: (. . . أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان. . .) (^٢).
وبعد كلام طويل ذكر سبب تفضيل جنس العرب، فقال -﵀-: (وسبب هذا الفضل -واللَّه أعلم- ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل: إمّا بالعلم النافع، وإمّا بالعمل الصالح.
والعلم له مبدأ وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام وهو: قوة المنطق، الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني، جمعًا وفرقًا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع، ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان فهم -مثلًا- بعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي التي لا يستراب فيها.
وأمّا العمل: فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخبر معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٨١.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣٨٥.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
شريعة موروثة عن نبي، ولا هم -أيضًا- مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة، كالطب والحساب ونحوها، إنّما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب.
فلما بعث اللَّه محمدًا -ﷺ- بالهدى الذي ما جعل اللَّه في الأرض ولا يجعل أمرًا أجل منه وأعظم قدرًا، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية، والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم، زالت تلك الريون عن قلوبهم، استنارت بهدى اللَّه الذي أنزل على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم، بتلك الفطرة الجيدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل اللَّه أليهم، بمنزلة أرض جيدة في نفسها، لكن معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاة والعوسج، وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله. . .) (^١).
ثم بعد كلام طويل ذكر ما يجب على من يذكر الفضائل، والمراد بتفضيل العرب أو غيرهم ممن وردت نصوص بتفضيلهم، فقال: (. . . إن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل إذ يعرف الخير، ويتحراه جهده، ليس غرضه الفخر على أحد، ولا الغمص من أحد، فقد روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي (^٢) ﵁، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنه أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (^٣).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٢) صحابي سكن البصرة وعاش إلى حدود سنة خمسين. انظر: تقريب التهذيب ٢/ ٩٠.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٣/ ٢١٩٧، وأبو داود كتاب الأدب باب في التواضع ٥/ ٢٠٣.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
فنهى اللَّه سبحانه على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة على الخلق وهي الفخر والبغي؛ لأن المستطيل أن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا، فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة، مثل أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه والنظر إلى ذلك فإنه مخطيء في هذا؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما قدمناه، فرب حبشي أفضل عند اللَّه من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب نقصه وخروجه عن الفضل، فضلًا عن أن يستعلي بهذا ويستطيل.
وإن كان من الطائفة الأخرى، مثل العجم، أو غير قريش، أو غير بني هاشم، فليعلم أن تصديقه لرسول اللَّه -ﷺ- فيما أخبر وطاعته فيما أمر، ومحبة ما أحبه اللَّه، والتشبه بمن فضل اللَّه، والقيام بالدين الحق، الذي بعث اللَّه به محمدًا، يوجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة المفضلة وهذا هو الفضل الحقيقي) (^١).
هكذا الكلام السديد الذي كتبه شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه، فيه رد على كلتا الطائفتين المنحرفتين: على الشعوبيين الذين يبغضون العرب ويذمونهم، وعلى القوميين العروبيين الذين يفتخرون بجنسهم وعرقهم وأنسابهم.
فأفضلية جنس العرب على جنس سائر الأمم مما يعتقده أهل السنة والجماعة، ولكن هذا شيء والافتخار بالجنس والعرق شيء آخر، وهو من أمور الجاهلية التي أبطلها الإسلام، ونهى عنها رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلّا بالتقوى. . . " (^٢) الحديث.
وقال -ﷺ- إن اللَّه ﷿ أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/ ٤١١، وذكر نحوه في مجمع الزوائد ٨/ ٨٤ وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
بآبائها، الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤمن تقي، وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على اللَّه من الجعلان التي تدفع النتن بأفواهها" (^١).
وجماع القول في هذه القضية ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عليه -﵀ في الفتاوى-: (وجمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم كما أن جنس قريش خير من غيرهم، وجنس بني هاشم خير من غيرهم، وقد ثبت في الصحيح عنه -ﷺ- أنه قال: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خبارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (^٢).
لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد، فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش وفي غير بني هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم) (^٣).
إلى أن قال: (لم يخص العرب بحكم شرعي، بل ولا خص بعض أصحابه بحكم دون سائر أمته، ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم، وكذلك السابقون الأولون لم يخصهم بحكم، ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما اختصوا به من العمل، وذلك لا يتعلق بالنسب.
والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية، ولكن خص قريشًا بأن الإمامة فيهم، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم. . .) (^٤).
والمقصود أن الشعوبية التي رفع رياتها المنحرفون من الفرس
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب التفاخر بالأحساب ٥/ ٣٣٩، والترمذي في كتاب المناقب، باب: فضل الشام واليمن ٥/ ٧٣٤، وأحمد في مسنده ٢/ ١٦٣.
(٢) أخرجه البخاري في عدة مواضع منها كتاب المناقب، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ٣/ ١٢٨٨، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: الأرواح جنود مجندة ٣/ ٢٠٣١.
(٣) و(^٤) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٩ - ٣٠.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
والعرب (^١)، تقوم على نظرية غير الإسلام في هذه الناحية، وأهم معالم الشعوبية ما يلي:
١ - بغض العرب، والاستخفاف بهم، والتحقير من شأنهم.
٢ - تقوم الشعوبية على جوانب فكرية وسياسية وأدبية تستهدف الكيد للعرب ومنعهم من تحقيق ازدهارهم.
٣ - تلغي الشعوبية معيار العقيدة والدين أو تقلل من شأنها وتعتمد على معيار العرق واللغة والوطن.
٤ - تستهدف الشعوبية تشويه تاريخ العرب وتصغير شأنهم وإنكار أي دور حضاري لهم.
٥ - تستنقص الشعوبية من قدر اللغة العربية وتهون من شأنها وتسعى في إضعافها وتدميرها، وتلصق بها شتى التهم كالتخلف والبربرية، والجفاء والضعف الشاعري والجمود، والمبالغات، وغير ذلك.
٦ - محور الخطاب الشعوبي أن العرب قبائل لا تربطها رابط وليس لها في الحضارة والتقدم نصيب، وأنهم مجرد حالة من الهمجية والتخلف في حين أن الشعوب الأخرى أصحاب حضارات راسخة.
وانظر هذه المسألة في ١٥/ ٤٣١ و٢٧/ ٤٧٢، وجامع الرسائل بتحقيق محمد رشاد سالم المجموعة الأولى ٢٨٧ - ٢٩٠، ومنهاج السنة ٤/ ٦٠٠، وسلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ١٩٢ - ١٩٧.
٧ - الدعوة إلى إحلال العادات والتقاليد والإعراف الاجتماعية والثقافية واللغوية الفارسية والرومية محل العربية.
٨ - اتخاذ الشعوبية طريقًا لمضادة الإسلام ومحاربة أهله.
٩ - إحياء تراث الملل والنحل للشعوب غير العربية التي كانت قبل الإسلام.
_________________
(١) انظر ما قيل عن دور بعض العرب في رفع راية الشعوبية في البيان والتبيين ١/ ٥ هامش رقم ١، والشعوبية الجديدة: ص ١٩٠ - ١٩٣.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
١٠ - تحوير معنى النصوص والمفاهيم الإسلامية، وتاويلها تاويلًا يخرجها عن مفاهيمها الحقيقية إلى أخرى بعيدة عن الإسلام.
هذه أهم سمات الشعوبية، ولكن هل كانت مجرد مذهب اعتقادي فكري بدأ في العصر الأموي واشتد في العصر العباسي ثم انتهى بعد أن مضت عليه السنون؟.
إن المتأمل في كتابات المستغربين العلمانيين والحداثيين يرى أنهم الامتداد الحقيقي للفكرة الشعوبية، والصورة الأكثر خبثًا أيضًا؛ ذلك أنهم -أو أكثرهم- أضاف إلى شعوبيته وبغضه للعرب أمة وجنسًا ولغة، بغضه للدين وإلحاده المكشوف وشركه باللَّه تعالى، وغير ذلك من أنواع الانحراف الاعتقادي والخلقي والعملي.
والدارس لتاريخ الصراع الفكري الحديث بين الإسلام وغيره يستطيع أن يكتشف أن دعاة التغريب الأوائل كانوا ينطوون على عقيدة شعوبية تخريبية، ولا مجال هنا لاستعراض خبايا هذه الطليعة المستغربة، ويكفي أن نستدل بواحد من أظهر مشاهيرها، وهو طه حسين، الذي شحن كتاباته بالتحامل على العرب والإسلام وخاصة كتابيه في الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر (^١).
ثم توالدت هذه العقيدة الشعوبية إلى أن وصلت إلى الحداثيين الذين تشبعوا بأفكار وعقائد الغرب وذابوا في مذاهبه واندمجوا في فلسفته، فصاروا لسانه الناطق عنه، ولواءه المنشور في بلاد العرب والمسلمين، ومن الطبيعي أن يكون المتشرب لعقيدة مّا، لسانها المعبر عنها وحسامها المدافع عنها.
والحداثيون يعترفون -بافتخار أحيانًا وبانتقاد في أحيان قليلة- أنهم يعيشون التبعية للغرب فكرًا وسلوكًا وممارسة.
_________________
(١) انظر: كتاب الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث د/ محمد الكتاني ٢/ ١٠٩٤، ١٠٩٧.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
يقول الماركسي اللبناني حسين مروة (^١): (لقد كنا في لبنان مصابين بانتشار ألوان من الأدب والفن الانحلاليين وكان معظم أدبائنا وفنانينا متأثرين بالمؤسسات الأجنبية والمدارس الفرنسية في الأدب والفن والفلسفة، من رومنطيقية وسوريالية وانطباعية ووجودية، يقلدونها جميعًا، ويتعصبون لها، ويقفون بوجه الحركة الواقعية في الأدب والفن) (^٢).
ففي هذا النص اعتراف كامل بتبعية أولئك للغرب، إلّا أن الطريف والمؤلم في الوقت ذاته أنه ينتقد عليهم وقوفهم ضد الحركة الواقعية في الأدب، وهي ليست سوى وجه آخر للتبعية، لكنها تبعية للكتلة الشرقية من أوروبا: الكتلة الشيوعية الماركسية اللينينية التي كان حسين مروة من أنشط دعاتها الحزبيين والفكريين، وكانت مجلة الثقافة الوطنية المنبر الثقافي والأدبي الذي امتطاه دعاة الشيوعية يبثون أفكارهم من خلاله (^٣).
ومن شواهد اعترافات الحداثيين بالتبعية بل، وتأصيلهم لذلك ما ذكره
_________________
(١) حسين مروة، كاتب وباحث وناقد وسياسي لبناني شيعي الأصل شيوعي الملة ماركسي التنظيم، قام بأدوار كبيرة في نشر الماركسية والحداثة، ولد سنة ١٣٣٢ هـ/ ١٩٠٨ م، وتعلم في المدارس الشيعية في النجف، ثم تحول إلى الماركسية وانتخب في ١٣٨٣ هـ/ ١٩٦٤ م عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني، له مؤلفات عديدة مليئة بمحاولات هدم الإسلام، والتنقص من عقائده وشرائعه وأصوله، وأشهرها النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ودراسات في الإسلام بالاشتراك مع محمود أمين العالم ومحمد دكروب وسمير سعد، قتل غيلة في ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م وعمره ٧٩ عامًا، وقرر الحداثيون جعل يوم موته ١٧ شباط من كل عام "يوم المثقف العربي"، وقد رثاه الحداثيون المحليون وبكوه بمرارة. انظر: شخصيات وأدوار ص ٢٥٥ - ٢٥٦، وحوار مع فكر حسين مروة لمجموعة من الكتاب ٣٤١ - ٣٤٣، والحداثة في ميزان الإسلام: ص ١٠٦.
(٢) مجلة الثقافة الوطنية العدد ٦٢ في ١٥ تموز ١٩٥٤ م/ ١٣٧٣ هـ: ص ٤.
(٣) صدرت مجلة الثقافة الوطنية عام ١٣٧٢ هـ/ ١٩٥٣ م ودعت لمؤتمر الكتاب العرب من ٩ - ١١ أيلول ١٩٥٤ م/ ١٣٧٣ هـ في دمشق، وهو المؤتمر الذي انبثق عنه رابطة الكتاب العرب، وقد لعبت مجلة الثقافة الوطنية دورًا بارزًا في احتضان التيار اليساري واهتمت بترجمة أعمال لوركا وأراغون وناظم حكمت وايلوار وغيين ونيرواد، ونشر الدراسات التعريفية والدعائية لهم. انظر: الحداثة الأولى: ص ٤٥.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
محمد جمال باروت عن تبعية عصابة شعر حيث قال: (. . . حركة مجلة شعر قد دمجت فعليًا بين المثال الإحيائي النهضوي والمثال الغربي، بعيدًا عن أية مثنوية حضارية، وبهذا المعنى قادت الأطروحة النهضوية مشروع شعر إلى المثال الغربي، كإعادة اتصال به، أو كتكرار لما كان في البدء، ويعبر عن ذلك أدونيس في معالجة لقضية المثنوية الحضارية، أمّا يسميه "قضية التعارض: شرق/ غرب" "ففي الأصل لا غرب لا شرق في الأصل الإنسان سائلًا باحثًا، بدأ السؤال والبحث وجودًا ومصيرًا في حوض المتوسط الشرقي ومن ضمنه سومر/ بال ثم أصبح نضامًا فكريًا، ومشروع أجوبة متكاملة في أثينا، من هذا الحوض كذلك جاءت الرؤيا الدينية: اليهودية وبعدها المسيحية مشروع أجوبة أخرى، وهيمن الجواب المسيحي وغزا ما وراء المتوسط "الغرب"، ثم جاء الإسلام بأجوبته التي تحتضن ماتقدمها وتكملها، أوروبا نفسها تسمية مشرقية فينيقية، أي: أنها اكتشاف أو ابتكار مشرقي، أليس اسمها هو نفسه، اسم الآلهة الفينقية "أوروب" كما تقول الأسطورة أي كما يقول الخيال/ الواقع") (^١).
فقضية الارتماء الغربي قضية عادية مسلّم بها، لكن أدونيس يبحث عن تسويغ تاريخي بفذلكة متهافتة، تقوم على أساس فكرة الحضارة المتوسطية، وهي أوروبا المستوردة في فكر وشعر الحداثة، وهي الجذور التي تريد عصابة شعر ترسيخ عقائدها الوثنية والنصرانية باسم أنها كانت نابعة من الشرق على حد تعبير أدونيس في قوله: (الإبداعات الكبرى في الغرب، سواء كانت دينية أو فنية أو فلسفية -تجاوزًا للتقنية- شرقية الينانيع، أنها نوع من شرقنة الغرب) (^٢).
يقول باروت بعد هذا النص: (هكذا تأسست أطروحة المعاصرة ليس بوصفها اقتلاعًا بل بوصفها نهضة وعودة إلى الجذور، وستعبر اطروحة
_________________
(١) الحداثة الأولى لمحمد جمال باروت: ص ١٤، والنص المنقول من كلام أدونيس من كتابه فاتحة لنهايات القرن: ص ٣٢٩.
(٢) فاتحة لنهايات القرن: ص ٢٣٠.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
"الحضارة المتوسطية" عن ذلك تمامًا، فيوسف الخال يشير من انكلترا إلى البحر المتوسط "بحرنا العظيم الخالد" كما يصف "خطوات الملك" لشوقي أبو شقرا بأنها "إنتاج لبناني متوسطي" كما يرى أدونيس في شعر يوسف الخال عودة العربي إلى نقائه الأول "عودة توحدنا بقوى تراثنا الحية الحرة. . . هذه القوى هي عقدة الوصل التي تعيد ربطنا كعرب بتاريخ المغامرة الإنسانية، تصل ما انقطع بيننا وبين اليونان، وما قبل اليونان عبر المسيحية -بيننا وبين التراث المتوسطي- خميرة الحضارة الإنسانية ومهدها") (^١).
إن هذا النص والذي قبله يبدوان للوهلة الأولى أنهما يمثلان نظرة تاريخية خاصة بصاحبها، وموضوعية معرفية تحتوي على إنصاف، إلا أنها في حقيقة الأمر ينطويان على مبدأ تسويقي لا يخلو من طرافة مضحكة فحواها: إن الحداثة المستوردة ليست سوى بضاعتنا التي ردت الينا، فهي -حسب رأي باروت- نهضة تقوم على جذور تاريخية هي الحضارة المتوسطية، فلا وجه للانزعاج منها، ووصفها بأنها غزو فكري غربي، ولا مجال لاعتبارها غريبة على هويتنا وثقافتنا ومجتمعاتنا، فيا لها من حقائق مزورة وتخيلات تكتسي -بالزور- ثوب الحقيقة!!!
إن أصدق تعبير عن هذه التبعية ما قاله باروت عن ذوبان عصبة شعر في الغرب: (التي وجدت في النموذج الثقافي - الشعري الغربي كمال التعبير عنها، لقد هضمت نخبة "شعر" محتويات هذه الحساسية ثقافيًا وروحيًا وجماليًا، وأعادت إنتاجها شعريًا) (^٢).
وهذا القول شهادة حقيقية على مقدار التبعية في مجلة شعر وأتباعها وهي شهادة يُمكن تعميمها على كل أتباع الحداثة الذين تبنوا ما يسمى بالنهضة الحديثة وهي في الحقيقة ارتكاس وانتكاس وتبعية باعتراف الحداثيين أنفسهم، كما قال أحدهم: (كانت النهضة تعلن عن تكون نظرة جديدة للحياة والعالم والإنسان. . . بهذا المعنى يُمكن فهم اقتراح "الشعر المنثور"
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ١٥ وما بين الأقواس الداخلية من أقوال يوسف الخال وأدونيس.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٦.
[ ٢ / ٧١٠ ]
في العقد الأول من القرن، عبر صلته الوثيقة بهاجس النهضة، ومحتواها العصري، صحيح أن هذا الاقتراح كان يستمد معاييره من الغرب. . . من هنا كانت النهضة المحكومة بوعي يرى في الغرب روح العصر) (^١).
وفي اعترافات صارخة بالتبعية الكاملة يقول أحد الحداثيين: (. . . يؤثر كثيرون "من الشعراء" عدم الكتابة إلّا انعكاسًا كليًا لمرأة الحداثة الغربية، وإذ نعترف بأن الغرب اليوم يقدم لنا غالبية عناصر الحداثة الأدبية الشعرية، فإن الانقياد والإمحاء الكلي أمام نماذجه يحرماننا من تكوين لغتنا الشعرية الخاصة) (^٢).
ونحوه قول الآخر: (لقد كان التحديث -ويا لسذاجتنا نحن التقدميين- شعارًا شافًا، وأحيانًا شفافًا لإنجاز التبعية الكاملة للغرب) (^٣).
وفي حقيقة الأمر أن هذه الأقوال ليست سوى قطرة صغيرة من بحر الاعترافات الواضحة بالتبعية، والنماذج الصارخة لها، وليس بإمكاني أن أورد هنا كل ما جمعته في هذا الصدد (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٨٥.
(٢) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م: ص ٢١٥ نقلًا عن مجلة الناقد حزيران يونيو ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٤٥ من مقال لأنطوان أبو زيد.
(٣) المصدر السابق ٢ صيف ١٩٩٠ م: ص ٢٢ من مقال بعنوان بين الحداثة والتحديث لسعد اللَّه ونوس.
(٤) انظر اعترافاتهم بالتبعية ونَماذج لممارساتهم لها، وأمثلة واضحة على الارتماء والامحاء في الغرب وفكره في الكتب والمجلات التالية:
(٥) الحداثة الأولى لباروت: ص ١٣، ١٤ - ١٧، ٢٢، ٢٣، ٢٥ - ٣٣، ٣٤، ٣٧، ٣٨، ٤٥، ٦٠، ٦٦، ٨٩، ٩٠، ٩٤، ١١٠، ١١١، ١١٦ - ١١٧، ١١٨، ١٢٨، ١٤١، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٧، ١٩٥، ٢٠٨، ٢١٨.
(٦) زمن الشعر لأدونيس: ص ٧٥، ٩٦ - ٩٩، ١٠٠، ١٠٧، ١١١، ١٢٤، ١٠٩، ١٣٣، ١٥٠، ١٥٢، ٢٣٥، ٢٦٧، ٢٩٢، ٣٠٩.
(٧) اتجاهات الشعر العربي المعاصر لإحسان عباس: ص ٢٦، ٢٧، ٣٥، ٥١، ٦٠، ١٠٧، ١٢٨، ١٣٠، ١٦٢.
(٨) الأدب ومذاهبه لمحمد مندور: ص ٣ - ٥، ٢٤، ٣١، ٣٥، ٤٢. =
[ ٢ / ٧١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥ - قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ١٥، ١٧، ٦٨، ١٥٠، ١٥٣ - ١٥٩، ١٦٦، ١٦٧، ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٧، ٢٢٠، ٣٦٨. والمصدر نفسه ٢ صيف ١٩٩٠ م: ص ١٤، ١٦، ٢٢، ٣٢، ٩٩، ١٠١، ١١٩ - ١٢٠، ١٥١، ١٧٥، ٢١١، ١٧٦، ١٧٨، ١٩٠، ١٩١، ١٩٢ - ١٩٤، ١٩٨، ٢٠٩، ٢١٢، ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٦٢، ٢٨٥، ٢٩١، ٢٩٩. والمصدر نفسه ٤ خريف ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ٢٥، ٢٦، ٦٧، ٦٩، ٧٤، ٧٥، ٩٧، ١٥٨، ١٧١، ١٧٢، ٢٩٤.
(٢) الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر لعبد الحميد جيدة: ص ٣١، ١١٠، ١٣٣ - ١٦٥.
(٣) في النقد الحديث لنصرت عبد الرحمن: ص ٦٣ - ٦٤، ٨٩، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٩، ١١٣، ١١٤ - ١١٥، ١١٧، ١١٨ - ١٢٢، ١٤٣، ١٤٥ - ١٤٩، ١٥٣، ١٧١، ١٧٥، ١٧٨، ١٨٣، ١٨٤، ١٩٠، ١٩٩ - ٢٠٠، ٢٠٥، ٢٠٦.
(٤) نقد الحداثة لحامد أبو أحمد: ص ١١، ٢٢، ٢٤، ٣٣، ٤٣، ٤٧، ٤٨، ٥٢، ٥٣ - ٥٦، ٧٤ - ٧٥، ٧٨، ١٠٢، ١١٠، ١٢٢.
(٥) مجلة الناقد - العدد العدد الأول: ص ٥٧، والعدد الثامن: ص ٢٤، ٢٥، ٢٧، ٣٢ - ٣٣، والعدد التاسع: ص ١٧، ١٩، ٦٣، والعدد العاشر: ص ٢٠ - ٢٣، والعدد الثالث عشر: ص ٣٣، ٥٤، ٥٩ - ٦١، ٨٢، والعدد الثامن عشر: ص ١٣، ١٤، ٦١ - ٦٣.
(٦) الحداثة في الشعر العربي المعاصر بيانها ومظاهرها لمحمد حمود: ص ٥٢، ٥٣، ٥٨، ٣٥٢.
(٧) أفق الحداثة وحداثة النمط لسامي مهدي: ص ٦، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٣٥، ٤٣، ٥٣، ٦٦، ١٣٧ - ١٤٦، ١٥٦ - ١٧٠، ١٧٠ - ١٧٤، ١٨٦، ١٨٨، ١٩٠.
(٨) حداثة السؤال لمحمد بنيس: ص ٢٠ - ٢١، ٣٧، ٣٩، ٤٠، ١١٩، ٢٠٧، ٢١٣.
(٩) رأيهم في الإسلام: ص ١٨، ٥٣، ٩٦، ١٠٣، ١١٢، ١٤٧، ١٥٥، ١٥٦، ١٦١، ١٦٥، ١٦٦، ١٧١، ١٩٧.
(١٠) الإسلام والحداثة: ص ١٩٧، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٥٤، ٣٦٩.
(١١) أدونيس مننحلًا لكاظم جهاد: ص ٩٠، ١٥٧، ١٦٦، ١٧٢.
(١٢) أسئلة الشعر لمنير العكش: ص ٣٢، ١٥٥، ١٦٠، ١٦٢، ١٩٨، ٢٠٣.
(١٣) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ٢١١، ٢٣١، ٢٧٠، ٢٧٢، ٢٧٨، ٢٩٩ - ٣٠٠، ٢١٠، ٢١١، ٣١٢، ٣١٩، ٣٥٦. =
[ ٢ / ٧١٢ ]
لكن المقصود هنا أن هذه التبعية أضافت إلى شرور الحداثة الاعتقادية والسلوكية شرًا آخر يتمثل في اعتناق الشعوبية ومعاداة العرب، إذ من الضروري أن يكون المنتمي إلى فكر الغرب وعقائده ومذاهبه وفلسفاته،
_________________
(١) = ١٨ - ديوان السياب أأ أ، ١٩١، ٣٣٣، ٣٥٦، ٣٥٧، ٥٦٣ - ٥٩١، ٦٢٧.
(٢) ديوان نازك الملائكة جـ ١/ ٦٤٠، ٦٦٠، ٦٦٨، ١٠، جـ ٢/ ٤٧٣، ٥٠٣، ٥٤٠، ٥٦٣.
(٣) ديوان البياتي فيه شواهد كثيرة جدًا واكتفي ببعضها ١/ ١٣٩، ٢٠٣، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٤٨، ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٩، ٣٣٤، ٣٤١، ٣٤٣، ٣٥٠، ٣٧٣، ٣٨٧ - ٣٧٩، ٤١٧، ٤٥٩، ٤٣٣، ٤٨٢، وجـ ٢/ ١٥١، ١٦٢ - ١٦٣، ١٨٢، ٢١٣، ٢٦٣ - ٢٦٧، ٣٠٨، ٣١٩، ٣٤٣، ٣٤١، ٣٢٩، ٣٤٨، ٤٢٢، ٣٤٠.
(٤) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٢٢٨ - ٢٣٠، ٢٣١، ٧٠٠.
(٥) الأعمال الشعرية للخال: ص ١٩٧، ٢٢٧ - ٢٣١، ٢٣٢ - ٢٣٥، ٢٢٦ - ٢٣٩.
(٦) المجموعات الشعرية لتوفيق الصايغ: ص ٥٧، ٦٠، ٦٨، ١٠٣، ٣٧٥.
(٧) ديوان سعدي يوسف: ص ٦٥، ١٠٨، ٢٢٧، ٣٠٢، ٣٣٠، ١٢٥، ١٣٢، ١٣٦، ٤٨٩، ٣٥٣ - ٣٥٥، ٣٥٩، ٤٩٠ - ٤٩١، ٤٩٣.
(٨) الأعمال الشعرية لنزار قباني: ١/ ٢٥٥، ٣٣١، ٣٣٢، ٣/ ٨٥.
(٩) ديوان محمود درويش: ص ٤٤، ٦٨ - ٧٠، ٢٦١.
(١٠) الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص ٨ - ١٠، ١٢، ١٤، ١٥، ١٦، ١٨ - ٢٢، ٢٨، ٣٠، ٦٢، ٨٠، ٨٢، ١٢٧ - ١٢٨، ٣٤٤، ٦٥٢، ٦٦٠ - ٦٦٣ وغيرها كثير.
(١١) ديوان سميح القاسم: ص ١٢٥ - ١٢٦، ١٨٣، ٢٤١، ٢٦٥ - ٢٦٩، ٢٧١، ٣٧٢، ٣٧٦، ٢٨١ - ٢٩٤ وغيرها كثير.
(١٢) ديوان توفيق زياد: ص ٣، ٥ - ١٠، ١٣ - ١٨، ٩١ - ٩٤، ٩٩ - ١٠٠، ٢٠٢ - ٢٠٤، ٥٦٣ - ٦٢٢، وغيرها كثير.
(١٣) ديوان المقالح: ص ١٢، ٦٥، ٧١، ٧٢، ١٣٩ - ١٤٢ - ١٤٥ - ١٤٦، ٣٦٧، ٤٩٢، ٥١٣، ٥٩٢.
(١٤) الآثار الكاملة للماغوط: ص ٢٩٣.
(١٥) ديوان محمد الفيتوري ١/ ١٢ - ١٣، ٢٥١، ٢٦٣، ٣٤٥ - ٣٤٩، ١٥٤.
(١٦) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان ١/ ٣١، ١٤٧.
(١٧) ديوان دحبور: ص ١٦ - ١٧، ٦٤.
(١٨) كتاب معهم حيث هم ندوة فكرية: ص ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٦٠، ٤٢، ١٢٩.=
[ ٢ / ٧١٣ ]
منطويًا على ما انطوى عليه الغرب من بغض للعرب أصل الإسلام ومعدنه.
وليس هذا من باب اللازم العقلي والواقعي فحسب، وإن كان لازمًا لا فكاك منه، بل هو إضافة إلى ذلك من الأمور التي يصرح بها الحداثيون في معرض انغماسهم في التبعية للغرب، وهو ملمح واضح غاية الوضوح.
وتظهر شعوبيتهم جلية في معرض هجومهم على اللغة العربية ومناداتهم بتدميرها وتفجيرها أو تغييرها، واستبدالها بالأحرف اللاتينية أو بالعامية المحكية، وهذا كثير عند الحداثيين، بل إنه من سماتهم الأساسية حتى عند المعتدلين منهم والذين مازالوا يعترفون بحق اللغة العربية في الحياة!!، أمّا المنادون بإبادتها بالكلية فلا ريب أنهم قد قطعوا شوطًا كبيرًا في الارتماء الشعوبي بمضادتهم وبغضهم للغة القرآن العظيم لغة العرب، أو بمناداتهم بتغيير دلالات الألفاظ وعلاقاتها ببعضها، أو الدعوة إلى إلغاء النحو والإعراب واللغة المعجمية للألفاظ، أو بالعبث باللغة وألفاظها (^١).
_________________
(١) = ٣٦ - شعرنا الحديث إلى أين لغالي شكري: ص ٨ - ٩، ٢١، ١٣٩.
(٢) ذكريات الجبل الضائع له: ص ٤٢، ٥٧، ٦٣، ٦٤، ٢٤٨.
(٣) فتافيت شاعر لجهاد فاضل: ص ١١٧، ١٢٤، ١٢٥.
(٤) توفيق صائغ سيرة شاعر ومنفي لمحمود شريح: ص ٣٨، ٣٩، ٤٧، ٤٨، ٥٩، ٨٨، ١٤٣، ١٥٠.
(٥) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٣٥، ٦٣ - ٦٤، ٦٧ - ٦٨، ٢٦٢، ٢٧١، ٢٧٨، وغيرها كثير.
(٦) بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص ٩، ١١، ١٥، ٢٢، ٣٨ - ٤٣، ٤٨، ٥٩، ٩٠ - ٩١، ٩٨ - ١٠٥، ١٢٨، ١٣٦، وغيرها كثير.
(٧) انظر: شواهد كل ما ذُكر عن موقفهم عن اللغة فيما يلي:
(٨) الحداثة الأولى لباروت: ص ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٩، ٢١٦، ٢٤٢.
(٩) زمن الشعر لأدونيس: ص ١٧، ٢٠، ٤٠، ٧٨، ٩٥، ١١٣، ١١٤، ١٣١، ١٣٢، ١٣٣، ١٦٣، ١٦٤، ٢١٣، ٢٦٥.
(١٠) اتجاهات الشعر العربي لإحسان عباس: ص ١١١، ١١٢، ١١٣.
(١١) قضايا وشهادات ٣/ ٨٥، ٩٣ - ١٤٠، ١٥٠، ١٦٤، ١٦٧، ١٨٦، وجـ ٢/ ٤٦ - ٦٥، ٧٩، ٨٥، ١٤٤، ٢٢٢، ٢٢٣، ٣٩٤، ٣٩٧.
(١٢) نقد الحداثة: ص ١٠٢، ١٠٧. =
[ ٢ / ٧١٤ ]
ولولا أن المقام لايتسع لذكر الشواهد على عداوتهم للغة وحربهم لها لذكرت من ذلك أشياء كثيرة، تدل بجلاء على شعوبية الحداثيين وبغضهم للغة العرب، رغم دعاواهم العريضة في أنهم بمشروعهم الحداثي يخدمون اللغة ويسعون لتطويرها وانعاشها على حد تعبيرهم، غير أن في أقوالهم وتصريحاتهم
_________________
(١) = ٦ - مجلة الناقد ١/ ٦٥، ٨/ ٢٧، ٢٩، ٩/ ٣٨ - ٣٩، ٤٨، ٤٢/ ١٣، ١٨/ ١٣، ١٤.
(٢) الحداثة في الشعر العربي المعاصر: ص ٣٥١.
(٣) أفق الحداثة لسامي مهدي: ص ٤٣، ٤٤، ٦٢، ٤٨، ٦٥، ٧١.
(٤) حداثة السؤال: ص ٢٣ - ٢٤، ٢٩.
(٥) رأيهم في الإسلام: ص ٣٥، ١٠٧، ١٩٣، ١٩٤، ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٩.
(٦) الإسلام والحداثة: ص ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٦٨.
(٧) الصوفية السوريالية لأدونيس: ص ٢٥ - ٢٦، ٣٠.
(٨) أسئلة الشعر لمنير العكش: ص ١٢، ٣٧، ١٢٩، ١٤٨ - ١٥٠، ١٥٢، ١٥٦، ١٨٨، ٢٠٣، ٢١٧.
(٩) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ١٩٣، ١٩٤ - ١٩٥، ٢٠٦، ٢٦٧، ٣١٣، ٣١٥، ٣٤١، ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٨٧ - ٣٨٨.
(١٠) ديوان نازك ٨/ ٢ - ١١، ١٣، ١٨ - ١٩، ٢٠.
(١١) ديوان البياتي ٢/ ١٠٥، ١١٣، ٣٤٨، ٣٥٣، ٤٣٤، ٤٤٥، ٢٥٢
(١٢) الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص ١١٩.
(١٣) المجموعات الشعرية للصايغ: ص ١١٣، ١١٧، ١٥٥، ١٦٥، ١٦٧، ١٧٤، ١٨٢، ٢٣٦، ٢٨٥، ٣١٨، ٣١٩، ٣٢٤، ٣٩٤.
(١٤) خواتم لأنسي الحاج: ص ١٧، ١٤، ١٣٨.
(١٥) الأعمال الشعرية لنزار قباني: ٣/ ٧١، ٢٢١، ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٤٧، ٣٥١، ٣٤٩، ٣٩٨ - ٤٠١.
(١٦) ديوان محمود درويش: ص ١٠٨، ٦١٠.
(١٧) الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص ٢٦٦، ٥٠٢، ٥٦٨ - ٥٧٠.
(١٨) ذكريات الجيل الضائع لغالي شكري: ص ٩٠.
(١٩) فتافيت شاعر لجهاد فاضل: ص ٢٦.
(٢٠) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة لأدونيس: ص ٢٠٥، ٢٣٣، ٢٤٣، ٢٨٢ - ٢٨٣، ٢٩٢، ٢٩٧، ٣١٥.
(٢١) بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص ١٠٢، ١٠٧، ١٠٩، ١١٠ - ١١٤، ١١٥.
[ ٢ / ٧١٥ ]
وممارساتهم ما يؤكد أنهم احترفوا التدمير والتفجير والإبادة لهذه اللغة الكريمة (^١).
ومن هذين الموقفين: "أعني تبعيتهم للغرب وحربهم للغة العرب" يتبين لنا أن الحداثي شعوبي بكل ما تحويه هذه النسبة من دلالات، وما تتضمنه من معاني، وأقول قولًا مجملًا: أنه ما من حداثي نصراني أو نصيري إلّا وهو ينطوي على عقيدة شعوبية.
أمّا الحداثيون المشاد بهم في المدائح الحداثية المتبادلة من أصحاب الأعراق غير العربية، فإن عداوتهم للعرب واللغة العربية أشد وأنكى، وأقرب مثال على ذلك الجزائري البربري الملحد كاتب ياسين (^٢)، الذي يقول: (ترى هل أن "الإسلام العربي" هو جزء من شخصيتنا أم لا؟، أنا أقوال لا، ومجرد النفي هذا ينطوي على إرادة القضاء على تلك التصورات فبالنسبة إلى المرأة الجزائرية يشكل الإسلام العربي طوقًا لا يحتمل، كما يشكل التعريب لكونه سلاحًا سياسيًا ووسيلة تلاعب بالعواطف بالنسبة إلينا في الجزائر، جرحًا داميًا نازفًا وآفة، ومن هنا القول: إن كل ما يتعلق بالإسلام العربي يتطلب توضيحًا بغية الحد من الأضرار التي يلحقها بنا) (^٣).
(اليوم وأكثر من كل يوم يقتضي الحذر من الأوهام والادعاءات العقائدية الدعائية من أجل العروبة، من هنا تمردي على القول بأن الجزائر عربية. . .، ليست الفصحى لغة القرآن بل اللغة التي ابتدعنا. . لا وجود لعرق عربي برأيي؛ لذا يجب أن ننفض غبار الغموض، القاتل والمتأتي من تفاعل وتزاوج اللغة والدين: الدين العربي الإسلامي، كلنا مأخوذ وبنسب متفاوتة بهذا المعتقد، والفلسطينيون ضحاياه الأول، لدى التوقف عند العروبة
_________________
(١) انظر: الشواهد المشار إليها في الهامش السابق.
(٢) كاتب ياسين، بربري جزائري شيوعي ملحد، يبغض الإسلام والعرب بغضًا شديدًا، ينتمي للماركسية، وللمجموعة الفرنكفونية، يعتبر الإسلام واللغة العربية احتلالًا حصل ضد الجزائر، ويرى أنه لا خلاص إلّا بإزاحتهما من الوجود، لما هلك بكاه الحداثيون المحليون ورثوه بحزن. انظر: رأيهم في الإسلام ص ١٩١.
(٣) رأيهم في الإسلام: ص ١٩٣.
[ ٢ / ٧١٦ ]
والتعريب، يجب أن نتساءل أولًا عما إذا كنا دومًا عربًا؟، كلا بكل تأكيد، وإذا كان هذا من الحقائق المسلم بها والبديهية. . .
لقد فرض علينا الإسلام دينًا، وذلك في بلد يقول بالاشتراكية نظامًا، وهو أمر على جانب كبير من الخطورة. . .، أضحيت شخصيًا موضع حملات صحفية، وصفتني بعدو العرب والدين والضاد، فهل من الممكن أن يكون المرء عدو اللغة، هذا مع العلم أنني توقفت عن الكتابة بالفرنسية وانصرفت إلى التأليف بالعربية واللغة الشعبية.
في الواقع أنني ضد الفصحى. . . إن استمعت لإحدى النشرات التلفزيونية لقلت إنه معيب في الواقع استعمال لغة بليدة جافة متعبة، تعتمد الجمل الطويلة بحيث تخالها بلا نهاية. . .) (^١).
(لدينا كل الدافع لمحاربة العروبة الإسلامية؛ لأنها هي التي مع دخول الإسلام إلى الجزائر، قضت على الثقافة واللغة الجزائرتين، وحتى يمنع بعض المدرسون (^٢) تلامذتهم التكلم باللغة المسماة لغة البربر، علمًا أنها لغة البلاد الأصيلة) (^٣).
فهذا نموذج صارخ اجترأ صاحبه على كشف مكنونه، في حين تخفى الآخرون خلف سجف العبارات والجمل الرمزية، والتحليلات اللغوية والتاريخية، وغير ذلك.
وما قرره كاتب ياسين في كلامه السابق تعبير عن رأي أساتذته من الفرنسيين وهو بذلك يقوم بإكمال الدور الاستعماري الذي أسسته قوات الاحتلال الفرنسي، وغير غريب على من ارتضع حب فرنسا وأهواءها وعقائدها أن يكون عدوًا -بكل هذه الكمية من الحقد- على الإسلام والعرب واللغة العربية.
وعلى الرغم من هذه المجاهرة بعداوة العرب واللغة العربية إلّا أننا نجد أن الحداثيين في جزيرة العرب وفي غيرها، من القوميين وغيرهم
_________________
(١) المصدر نفسه: ص ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) هكذا والصواب المدرسين.
(٣) رأيهم في الإسلام: ص ١٩٦.
[ ٢ / ٧١٧ ]
يمتدحون هذا الساقط ويشيدون به، ويدافعون عن مواقفه، ويقدمون عند موته المراثي الصحفية الطويلة!!.
وهذا يتضمن إقرارًا ضمنيًا منهم بما يعتقده ويقوله كاتب ياسين، وموافقة إجمالية على عقيدته المعادية للإسلام وللعربية والعرب.
ومن الصنف نفسه: الحداثي الجزائري البربري نبيل فارس (^١) الذي صرح بأن بلدان المغرب العربي تعرضت لغزو عربي إسلامي، وأن الإسلام ليس إلّا ظاهرة تاريخية وأن دخوله إلى المغرب كان دخولًا عسكريًا استعماريًا وأن العرب عجزوا عن الوقوف على ظاهرة البربر وفهم تاريخهم على حد تعبيره الشعوبي (^٢).
ومن أعلام الحداثة في البلدان الإسلامية من الشعوب غير العربية، وله حظوة كبيرة عند الحداثيين العرب وخاصة أصحاب الاتجاه الماركسي واليساري، الحداثي التركي ناظم حكمت (^٣) الذي لا تكاد تجد حداثيًا من أتباع ما كان يسمى الكتلة الشرقية إلّا وهو يذكره بتعظيم وإجلال تتجاوز حدود المدح والإعجاب، وبخاصة ما كتبه عنه عبد الوهاب البياتي (^٤).
ناظم حكمت اليهودي الأصل والشيوعي الاعتقاد، ممتليء إلى مشاشه ببغض الإسلام والمسلمين والعرب والقرآن واللغة العربية، وهو مع كل ذلك علم من أعلام هذا الفكر المريض، ورأس من رؤوس التخلف الحداثي.
هؤلاء من أعراق غير عربية، أمّا الذين ينتمون إلى العرب وهم في الوقت نفسه ينطوون على عقائد الشعوبية فكثيرون.
_________________
(١) ولد في عام ١٣٥٨ هـ/ ١٩٤٠ م، درس في الجامعات الفرنسية، وهو جزائري بربري يعادي الإسلام ويعتبره غزوًا دينيًا ولغويًا لبلاد المغرب، ويعد الإسلام في المغرب ظاهرة تاريخية رافقت فتوحات عسكرية واستعمار. انظر: رأيهم في الإسلام: ص ١٨٣ - ١٨٩.
(٢) انظر: رأيهم في الإسلام: ص ١٨٤ - ١٨٧.
(٣) هو: ناظم حكمت، حداثي تركي، شيوعي متعصب للماركسية، وهو يهودي من يهود بولونيا، استقر في مدينة سراي بوسنة التركية، وهناك ادعى الإسلام، وتزوج إحدى نساء المدينة تمامًا كما فعل يهود الدونمة أو يهود سالونيك. انظر: الشعوبية الجديدة: ص ٢٠٥.
(٤) انظر: كتابه (تجربتي الشعرية): ص ٩٩ - ١١٠، وديوانه ١/ ٤٨٢، ٤٨٧ و٢/ ٣٥٨ - ٣٦١.
[ ٢ / ٧١٨ ]
وغني عن الذكر أن نصارى العرب كانوا أشد الحداثيين ولوعًا بالشعوبية، وانتماءًا لها، ولن أذكر في هذا المقام سوى شهادة ناقد حداثي، نظر إلى هذه الظاهرة بنظرة تحليلية تاريخية تؤكد ارتباط النصارى الحداثيين بالنموذج الغربي ثقافة وحضارة وانتماءًا.
يقول محمد جمال باروت: (إن حركة مجلة شعر إذ ترى في المعاصرة الغربية نموذجها الثقافي الشعري، بصفة متوسطية خطاب الهوية، وبصفة أن سورية ليست أمة شرقية وليس لها نفسية شرقية بل هي أمة متوسطية ولها نفسية التمدن الحديث الذي وضعت قواعده الأساسية في سورية، فإن متوسطية خطاب الهوية في سورية، لتبرير اندماجه الحضاري بالغرب لم تكن وليدة أنطون سعادة. . . بل إنه يُمكن تتبع جذورها في الفكر العربي في عصر النهضة، لدى المثقفين البرجوازيين المسيحيين، الذين حلموا بسورية الجغرافية الطبيعية المستقلة من جبال طوروس إلى صحراء سيناء، في إطار مجتمع علماني يقوم على الاقتصاد الحر والنظام البرلماني، وتدق فيه أجراس الكنائس بحرية في الستجق اللباني، وتحميه وتنميه أوروبا الليبرالية إلّا أن الارتباط الحضاري بالغرب إذ غذاه كون الحضارة حضارة مسيحية، والشعور بالاقتلاع داخل المجتمع العثماني الإسلامي، وارتباط العروبة بالإسلام، فإنه كان يستجيب لمتطلبات نمو البورجوازية المسيحية الناشئة التي قادت عملية "التحديث" والتي رأى مثقفوها في الغرب الليبرالي العلماني نموذجهم الحضاري. . . إن فكرة الوطن السوري في أواسط القرن التاسع عشر لدى المثقفين البورجوازيين المسيحيين يُمكن تتجعها لدى بطرس البستاني (^١) الذي كان يقول: إن
_________________
(١) هو: بطرس بن بولس البستاني، من نصارى لبنان أديب ومصنف، واشتغل بالكتابة في الصحافة يعد عند القوميين والحداثيين من أكبر رواد الفكر الأدبي في لبنان وهو صاحب دائرة المعارف العربية، أجاد عدة لغات، وعمل ترجمانًا للقنصلية الأمريكية في لبنان واستعان به المراسلون الأمريكيون على إدارة الأعمال في مطابعهم وعلى ترجمة التوراة من العبرية إلى العربية، وإنشاء عدة صحف مع أبنائه وآخرين من أل البستاني، يلقبونه بالمعلم، توفي في بيروت سنة ١٣٠٠ هـ/ ١٨٨٣ م. انظر: الأعلام ٢/ ٥٨، والصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٣٧.
[ ٢ / ٧١٩ ]
الامبراطورية هي وطننا لكن بلادنا هي سورية، كما أنشأ بعض الشبان المسيحيين من حلقة البستاني عام ١٨٧٥ م جمعية سرية دعت أبناء سورية إلى الاتحاد وطالبت بحكم ذاتي موحد لسورية ولبنان، إلّا أن التميز الحضاري لكيان اسمه "سورية" عن الحضارة العربية الإسلامية، في أوساط المثقفين البورجوازبين المسيحيين، خريجي الإرساليات، الذين حلموا بسيطرة الثقافة الفرنسية قدتم تحت تأثير الأب اليسوعي "هنري لامنس (^١) " أحد مؤرخي الإسلام الكبار (^٢)، والأستاذ في الجامعة اليسوعية في بيروت "الذي كان شديد الإيمان بكيان اسمه سورية وقد ظهر نفوره من الإسلام والقومية العربية بوضوح في كتاباته، حيث ميز أشد التمييز بين السوريين والعرب".
وسيوضح الأديبان المسيحيان اللبنانيان شكري غانم (^٣) وجورج سمنة (^٤) فكرة سورية حيث كانا يؤمنان بأن الأمة السورية بالرغم من وحدتها الطبيعية التي منحتها إياها الجغرافية، لم تتمتع قط بعد بوحدة اجتماعية سياسية؛ لذلك ناديا بدولة سورية قومية علمانية، يأخذ فيها لبنان مركزه كأحد ولاياتها.
ويشير ألبرت حوراني (^٥) في مرجعه الأصيل "الفكر العربي في عصر النهضة" أن المثقفين البورجوازيين المسيحيين "كانوا يعتبرون لبنان بلدًا متوسطًا متصلًا بالمسيحية الغربية. . . ".
كما يؤكد د/ هشام شرابي (^٦) "يجب التأكيد على أن الطائفيين
_________________
(١) هنري لامنس اليسوعي، مستشرق بلجيكي المولد فرنسي الجنسية، من علماء الرهبان اليسوعيين، تلقى علم اللاهوت في إنكلترا وكان أستاذًا للأسفار القديمة في كلية رومة، واستقر في بيروت ليكون أستاذًا في بغض الإسلام والعرب، تولى إدارة جريدة البشير مدة، ودرس في الكلية اليسوعية، وصنف كتبًا عن العرب والإسلام بالفرنسية مليئة بالحقد والبغض، وكذلك كتبه بالعربية، مات في بيروت عام ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م. انظر: الأعلام ٨/ ٩٩.
(٢) عبارات مبالغ فيها وهي معتادة من المنهزمين أمام الأسماء والمذاهب والفلسفات الغربية.
(٣) و(^٤) و(^٥) لم أجد لهم ترجمة.
(٤) هشام شرابي، أستاذ تاريخ الفكر الأوروبي في جامعة جورج تاون الأمريكية، ورئيس =
[ ٢ / ٧٢٠ ]
المسيحيين اعتبروا العروبة والفكرة الإسلامية -اللتين اعتبرتا مترادفتين تقريبًا- معاديتين للمسيحية ليس دينيًا فحسب بل حضاريًا، فاتجهت الطائفية المسيحية صوب المتوسط وأوروبا وأدارت ظهرها للصحراء والإسلام" وسيعلن دعاة القومية السورية -آنذاك قبل سعادة- ومعظمهم من المثقفين البورجوازيين المسيحيين "أن السوريين ليسوا عربًا، بل ليس هناك من أمة عربية، وكل ما في الأمر أن هناك قومية عربية مزعومة خلقها الأمير فيصل والعملاء الإنكليز الهنود، وقد أوضح جورج سمنة الناطق باسم هذا الفريق خطة إنشاء جمهورية سورية علمانية ديموقراطية اتحادية تحت حكم فرنسا") (^١).
ثم يشير باروت إلى تقلص فكرة سورية الكبرى إلى حدود القومية اللبنانية إثر رفض المثقفين المسلمين الطرح النصراني السابق، فيقول: (. . . ستتقلص القومية السورية إلى حدود القومية اللبنانية، لدى عدد من الشعراء اللبنانيين المسيحيين وفي مقدمتهم شارل قرم وميشال شيحا (^٢) وسعيد عقل (^٣) الذين قالوا بوجود أمة لبنانية قائمة بذاتها، برزت في التاريخ للمرة الأولى في عهد الفينيقيين، واتخذت تدريجيًا شكلها الحالي، وبهذا المعنى أعيد خطاب الهوية إلى مرجع متوسطي "فينيقي في المعنى الضيق " ليبرر ارتباط السنجق اللبناني اقتصاديًا واجتماعيًا، حضاريًا وثقافيًا
_________________
(١) = تحرير مجلة الدراسات الفلسفية الناطقة بالإنجليزية، درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وحصل على الدكتوراه في تاريخ الثقافة من جامعة شيكاغو، له مجموعة مؤلفات منها مقدمة لدراسة المجتمع العربي البنية البطريركية، صاحب اتجاه علماني لبرالي وثيق الصلة بالأمريكان، شديد الدعوة للعلمانية والحداثة وسحق النظام الأبوي، الذي يعني إبادة كل مرجعية ومن ذلك أنه يرى أن الحقيقة لا تأتي من الوحي الإلهي. انظر: الإسلام والحداثة: ص ٣٦٧ - ٣٨٢، ٤١٩.
(٢) الحداثة الأولى لمحمد جمال باروت: ص ٢٤ - ٢٦، والنصوص التي بين الأقواس لألبرت حوراني في كتابه الفكر العربي في عصر النهضة: ص ٣٢٩، ٣٢٧، ٣٣٠، ٣٤٥، ولهشام شرابي في كتابه المثقفون والغرب: ص ١٢٤ - ١٢٥.
(٣) لم أجد لهم ترجمة.
(٤) سبقت ترجمته.
[ ٢ / ٧٢١ ]
بالنموذج الغربي، ولقد عبر ذلك عن تحول البورجوازية المسيحية الطائفية إلى بورجوازية كولونيالية (^١).
فقد نظر ميشال شيحا (^٢) (إلى أن لبنان جزء لا يتجزأ من العالم المحيط بالبحر المتوسط ذلك البحر المختار الذي جعلته العناية الإلهية، ضروريًا لتقدم الخليقة، وأن سكان شواطئه يشعرون بأواصر القربى حيثما التقوا). . . إن علمانية وليبرالية وعقلانية المثقفين البورجوازيين المسيحيين في مطلع عصر النهضة تنكسر هنا وتتحول إلى نقيضها على يد ميشال شيحا، الذي استعاض عن سورية بالسنجق اللبناني وعن العلمانية بالتنظير للانعزال الطائفي، وحفاظ كل طائفة على استقلالها الديني، وعن اللبرالية العقلانية (^٣)، بليبرالية التعايش الطائفي، وفي ذلك كله، رأى شيحا الغرب كدوحة كبرى لثقافة السنجق اللبناني) (^٤).
ثم يعود باروت إلى ذكر مجلة شعر مقصد المقدمة السابقة، فيقول: (بهذا المعنى تبدو "الأطروحة المتوسطية" في "حركة مجلة شعر" حلقة متمايزة من حلقات هذه الأطروحة في الفكر العربي في عصر النهضة، ولقد تعرف شعراء "حركة مجلة شعر" الأساسيين عليها من خلال تعرفهم على سعادة، وانخراطهم في مشروعية النهضوي "في مرحلة معينة على الأقل" رغم أنهم وظفوها في سياق مختلف، سياق التماهي بالنموذج الغربي كعودة إلى الجذور الحضارية، أي: إلى الأصول المتوسطية الواحدة لسورية والغرب، وبذلك تستعيد "حركة مجلة شعر" النموذج الغربي كاستعادة لأصولها المحلية) (^٥).
ولا ريب أن مجلة شعر كانت في نشأتها وطرحها الثقافي تمثل هذا
_________________
(١) الكولونيالية حركة استعمارية استيطانية تقوم على فكرة لها رباط ديني أو قومي. انظر: الموسوعة السياسية ٥/ ٢٥٥، أمّا البورجوازية فقد سبق الحديث عنها: ص ٩٥.
(٢) هذه تسمية ادعائية تشابه الادعاءات العلمانية الكثيرة.
(٣) الحداثة الأولى لباروت: ص ٢٧ - ٢٨.
(٤) و(^٥) الحداثة الأولى لباروت: ص ٢٨.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
التيار النصراني بكافة طروحاته الطائفية النصرانية (^١) المشتملة على فكرة سورية الكبرى عند أنطون سعادة أو فكرة لبنان الفينيقي عند سعيد عقل وأضرابه، وقد كان لأنطون سعادة أكبر الأثر في ترسيخ هذه المفاهيم عند كافة الفئات بل إنه كما قال باروت: (. . . إن خطاب الهوية الذي بلوره، كان أيضًا خطابًا قوميًا بورجوازيًا علمانيًا قامت "مبادئه الإصلاحية (^٢) " على فصل الدين عن الدولة، ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، وإلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد على أساس العلاقات الإنتاجية البورجوازية. . . .
تكون داخل مشروع سعادة اتجاه ليبرالي وجودي واسع من القمة إلى القاعدة، كان من متزعميه الشاعر يوسف الخال صاحب دار مجلة شعر ورئيس تحريرها، وقد أراد هذا الاتجاه أن يعبر عن سياسة الحزب في حقل الثقافة والفنون الجميلة. . .
. . . نمت داخل مشروع سعادة انكفاءات ميتافيزيقية مسيحية متطرفة تتناقض مع علمانية سعادة (^٣)، كما كان من محبذي سعادة، وذوي الصلة المباشرة به الدكتور شارل مالك (^٤)، أستاذ الفلسفة في الجامعة الأمريكية والمعروف بنزعته الغيبية والرجعية (^٥) والانعزالية والكولونيالية، وقد احتضن
_________________
(١) انظر: وصف ذلك في مقال بعنوان الإسقاط الشعوبي بين الرمل والبحر لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري جريدة الجزيرة عدد ٤٨٢٦ في ٣/ ٤/ ١٤٠٦ هـ.
(٢) في الحقيقة أنها مبادئ فساد وافساد، ولكن العلمانيين على مذهب فرعون القائل: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.
(٣) هذا من التلبيس والتناقض حيث أثبت سابقًا أن سعادة سبب هذه العصبية النصرانية التي عمت لبنان، وما علمانية سعادة إلّا وسيلة لتمرير عقائده وأفكاره، مثله في ذلك مثل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث.
(٤) شارل مالك مفكر وكاتب لبناني نصراني متعصب لنصرانيته، درس الفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان من المؤيدين الأشداء لمجلة شعر وعصابتها. انظر: الحداثة الأولى: ص ٣٢.
(٥) هذا مفهوم علماني إلحادي يتلخص عند أصحابه في أن الإيمان بالغيب رجعية، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذبًا.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
شارل مالك مجلة شعر وشارك أكثر من مرة في خميسها في الآن ذاته. . .
إننا نشير إلى ذلك لكي نبين علاقة الاتصال والتمايز بين حركة مجلة شعر وبين أطروحات سعادة إذ أن أغلب العاملين في حركة مجلة شعر كما أقر بذلك يوسف الخال كانوا من القوميين الاجتماعيين وعلى رأس الشعراء والكتاب يوسف الخال وخليل حاوي وأدونيس وعصام محفوظ وفؤاد رفقه ومحمد الماغوط، والنقاد: خالدة سعيد وعادل ظاهر وأسعد رزوق وحليم بركات، ومراسلين كعادل ظاهر في أمريكا.
وهذا يبين الاختلاطات المتناقضة في تجربة ووعي النخبة الرئيسية التي قادت حركة مجلة شعر، بكل ما في هذه التجربة والوعي من اختلاطات ليبرالية ووجودية وميتافيزيقية وقومية ومسيحية ونتشوية، وسنرى هذه الاختلاطات داخل المثل الجمالية الكبرى لحركة مجلة شعر وداخل النص الشعري نفسه) (^١).
وهكذا يتبين لنا من خلال هذه الشهادة التي قدمها الحداثي محمد جمال باروت والتي تتضمن ما سبقت الإشارة إليه من أن نصارى الحداثة إضافة إلى انحرافاتهم الاعتقادية الصارخة هم كذلك شعوبيون يعادون العرب واللغة العربية، ويرون أنفسهم مجرد متكلمين بلغة لا قيمة لها عندهم، ومستوطنين أرضًا لا منزلة لها إلّا إذا كانت امتدادًا للغرب فكرًا وعقيدة وحضارة.
ولا يداري هؤلاء عداوتهم ولا يتسترون بها بل يعلنون تأييدهم للشعوبيين ويمتدحون مواقفهم، فها هو يوسف الخال عندما وجه إليه سؤال عن أن حركة شعر تحتوي على أقليات طائفية أثرت في صبغتها الفنية والسياسية -على حد قول السائل الذي لم يتعرض للناحية الاعتقادية لكونه حداثيًا- وأن المجلة والحركة اتخذت طابعًا شعوبيًا أجاب الخال قائلًا: (هذا الاتهام له ما يقابله في التاريخ العربي، وقد عبر عنه في وقت مضى بالشعوبية ويُمكن
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ٣٠ - ٣٢.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
تحديد الشعوبية بأنها خروج على التقاليد الرسمية المتبعة في الحياة والفكر وتحت ستارها في الماضي وتحت صيغها المختلفة حديثًا يحاولون خنق كل تجديد، وكل تحرر، وكل خروج عن السياق العام المألوف، وبكلمة أخرى صارت الشعوبية صنوًا للتمرد، أمّا فيما يختص بمجلة شعر فقد وجه إليها هذا الاتهام؛ لأنها كانت كذلك، وإذا صادف أن طغى عليها الانتماء إلى طوائف معينة، وهي ما أسميتها أنت بالأقليات، أو كان بعض الذين قاموا عليها، كانوا فيما مضى، أو لا يزالون إلى الآن، يدينون بالولاء للحزب القومي الاجتماعي فهذا من قبيل المصادفة. . .
مما يستوقف النظر أن معظم الحركات التجديدية والإبداعية في التاريخ العربي جرت على أيدي من يسمونهم بالشعوبيين، وعلينا أن نسجل هنا واقعًا، وهو أن كل تجديد وإبداع في كل تراث، إنّما يأتي من خارجه. . .) (^١).
مع العلم بأن هذه العقائد الشعوبية التي حمل لواءها نصارى لبنان لم تكن مقصورة عليهم بل هي ممتدة إلى كل نصارى العرب بمن فيهم الذين حملوا لواء القومية العربية ودعوا إليها وناضلوا من أجلها.
مع أن المتبادر إلى الذهن أن القومي يتبنى بشكل أساسي محبة العرب واللغة العربية وينشر أمجادها ويتغنى بفضائلها، غير أنه ثبت أن القوميين العرب وخاصة النصارى منهم كانوا أشد شعوبية وألد عداوة للعرب ولغتهم ودينهم.
وقد شاركهم في هذه الشعوبية الطائفيون الآخرون من النصيريين والدروز، فكونوا جبهة موحدة ضد الإسلام والعرب واللغة العربية والقرآن والسنة، ولكن هذه المرة باسم القومية العربية وباسم العروبة (^٢).
_________________
(١) أسئلة الشعر: ص ١٥٧ - ١٥٨.
(٢) انظر: تصديق هذا في كتاب: الشعوبية الجديدة لمحمد مصطفى رمضان -﵀-، وحزب البعث تاريخه وعقائده لسعيد بن ناصر الغامدي، وفيه موقف ميشيل عفلق =
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وقد كان نصارى مصر على المنهج الشعوبي ذاته وعلى المنوال الاعتقادي المنحرف المضاد للإسلام والعرب فها هو سلامة موسى (^١) لا ينفي عن مصر صفة العروبة فحسب بل وينفي أن تكون شرقية فيقول: (إطلاق اسم الشرق على مصر خطأ فاحش، فقد عشنا نحن نحو ألف سنة، ونحن جزء من الدولة الرومانية، فلا نحن ولا العرب أمة شرقية. . . وإذا كنا نحب السير مع أوروبا فليس ذلك لأننا والأوروبيين من دم واحد وأصل واحد فقط، بل لأن ثقافتنا تتصل بثقافتهم من عهد مدرسة الاسكندرية ومجمع أثينا) (^٢).
وهذا السعي النصراني لفصل أمة العرب وتمزيقها وجعلها بمثابة اللقيط المنسوب إلى غير أهله، والدعيّ الذي لا يعرف أصله ونسبه، امتد حتى وصل إلى بعض أبناء المسلمين المتأثرين بالنصارى والمتتلمذين على أيديهم والمتشبعين بأفكارهم وعقائدهم، فلم يقتصر الشر والضلال الاعتقادي على منشئيه ومروجيه، بل انتشر كما أرادوا أو كما أراد لهم أشياعهم من الغربيين، حتى شاع الداء في أبناء المسلمين فاستسلم بعضهم لهذه الدعوات وانخرط في سباق لإثبات الجدارة، فكان في عداوته للدين والعرب والعربية أخبث وأبشع من أساتذته.
_________________
(١) =النصراني السوري المؤسس لحزب البعث من الدين والعرب وفيه أسماء كبار شخصيات حزب البعث من النصارى: عفلق وجبران مجدلاني وطارق حنا عزيز، ومن النصيريين زكي الأرسوزي وصلاح جديد ومحمد عمران وحافظ أسد وابراهيم ماخوس وسليمان العيسى، ومن الدروز شبلي العيسمي وحمود الشوفي ومنصور الأطرش وسليم حاطوم. انظر: حزب البعث تاريخه وعقائده ص ١٠١ - ١٠٢.
(٢) سلامة موسى كاتب مصري نصراني، ولد سنة ١٣٠٤ هـ/ ١٨٨٧ م، وتوفي سنة ١٣٧٨ هـ/ ١٩٥٨ م، مشهور بنزعته التغريبية وميولاته النصرانية ودعواته للفكر الوضعي المادي، ومعاداته للإسلام والفكر العربي واللغة العربية، ورحل في العشرين من عمره إلى باريس ثم إلى لندن ثم عاد إلى مصر يحمل جراثيم العقائد الغربية المنحرفة فأسس لذلك مجلة المستقبل، وتولى رثاسة تحرير مجلة الهلال لمدة ست سنوات ثم أسس المجلة الجديدة، ألف عددًا من الكتب المقالية. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ١٢٧٩، والمرشد لتراجم الكتاب والأدباء ص ٦٣.
(٣) اليوم والغد لسلامة موسى: ص ٢٣٤.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
ومن أمثلة ذلك طه حسين الذي ضج بالعداوة للدين الإسلامي وللعرب إلى حد جعله يقول في كتابه "مستقبل الثقافة": (إن العقل المصري منذ عصوره الأولى، عقل إن تأثر بشيء، فإنّما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط) (^١).
وكان هذا القول إجابة على سؤاله القائل: (هل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟) (^٢).
وهو الذي سبق له أن أعلن (أن المصريين خضعوا لضروب من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان ومن العرب والترك والفرنسيين على حد سواء) (^٣).
وقد كان توفيق الحكيم (^٤) ينزع إلى هذا المنزع ويفصل في حقد وكراهية بين مصر والعرب، ويربط مصر بالفراعنة وغيرهم، ففي مقالة له في مجلة الرسالة بعنوان "إلى الدكتور طه حسين" يقول: (إن اختلاطنا بالروح
_________________
(١) مستقبل الثقافة في مصر: ص ١٦.
(٢) المصدر السابق: ص ١٣.
(٣) أعلن ذلك في جريدة كوكب الشرق عام ١٣٥٢ هـ/ ١٩٣٣ م. انظر: الصراع بين القديم والجديد لمحمد الكتاني ٢/ ١١٢٨.
(٤) توفيق الحكيم، ولد في مصر سنة ١٣١٥ هـ/ ١٨٩٨ م، درس الحقوق ورحل إلى باريس لمتابعة دراسته القانونية، وهناك امتلأ ماعونه بالمضامين الغربية، وعاد إلى مصر ليعمل في إحدى المحاكم متنقلًا بين عدة مدن، ثم شرع في العمل في وزارة المعارف ثم تفرغ للكتابة عام ١٣٦٢ هـ/١٩٤٣ م، وعين مندوبًا في اليونسكو، توفي في ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م، من أكابر المتأثرين بالغرب، والداعين إلى أنماطه وأفكاره، اصطدم بالأزهر لسخريته بالدين وأهله عام ١٣٤٦ هـ/١٩٢٨ م، وفي عام ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م رد عليه مفكرون وعلماء لسخريته باللَّه تعالى، يرى أن تحكيم شرع اللَّه عودة إلى العصر الحجري، وأن التقدم لا يحصل إلّا باحتذاء طريقة الغرب وأفكارهم، يعتبره اليهود صديقًا لدولتهم الصهيونية. انظر: المرشد لتراجم الكتاب والأدباء ص ٤٢، والصراع بين القديم والحديث ٢/ ١٢٤٤، ورأيهم في الإسلام ص ١٠١، وكتاب الحكيم في حديثه مع اللَّه ومدرسة المتمردين على الشريعة لعبد العظيم المطعني.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا أن لنا روحًا خاصة بنا تنبض بنبضات ضعيفة، تثقل تحت ثقل تلك الروح الغالبة، وأن أول واجب عليكم استخراج أحد العنصرين من الآخر، حتى إذا ما تم تمييز الروحين كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما، لابد أن نعرف إذن ما المصري وما العربي؟) (^١).
وفي ضوء هذه التصورات التي شكلتها أقلام النصارى العرب وغير العرب وأتباعهم من أبناء المسلمين نجد أن دعوات التجديد والتحديث في الأدب التي لهج بها الكثيرون في البلاد العربية قامت على أساس من معاداة الإسلام أولًا ثم معاداة العربية ثانيًا، باعتبار أن الإسلام والعرب ولغتهم وجهان لعملة واحدة.
ولو ذهبت استعرض كل أوجه وأمثلة الشعوبية في الأدب العربي الحديث لطال المقام.
ويكفي أن نستدل بحركات الإحياء الوثني الفينيقي والفرعوني والمتوسطي والآشوري والسومري والنصراني على أن دعوات التجديد تلك امتطت هذه الدعوى العريضة من أجل الهجوم على الإسلام وعلى العرب أصل الإسلام ومعدنه، وعلى اللغة العربية لغة القرآن والسنة والعلم الشرعي.
وأبرز هؤلاء وأشهرهم الباطني علي أحمد سعيد أسبر "أدونيس" الذي وصف نفسه وامتدحها تحت قناع الاسم الذي اخترعه "مهيار الدمشقي": (أما مهيار الذي سمى نفسه به مضافًا إليه "الدمشقي" أحيانًا كثيرة، فهو مهيار الديلمي الشاعر الفارسي الشعوبي، الذي ينير اسمه أعذب الذكريات لدى أدونيس فلكثرة إعجاب أدونيس به سمى نفسه مهيار، وللتفريق بينهما أضاف "الدمشقي" وهي كلمة ترمز إلى تلك المرحلة السورية للفتح العربي، والتي شهدت وجود شخصيات فكرية معروفة مثل يوحنا الدمشقي وسواه، وكل ذلك أمور لها دلالتها عند أدونيس وعند القارئ معًا) (^٢).
_________________
(١) مجلة الرسالة عدد ١٠ عام ١٣٥٢ هـ/ ١٩٣٣ م: ص ٥. انظر: الصراع بين القديم والجديد ٢/ ٦٧٣.
(٢) قضايا الشعر المعاصر: ص ١٣٩.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
ويَمتليء كتاب أدونيس الثابت والمتحول، والذي هو تلمود الحداثة العربية، يمتليء بمعاداة العرب واللغة العربية والإسلام.
بل قد أكد فيه أنه لا إبداع مع العروبة وتراث العرب؛ لأن العرب شعب ليس حيًا في الحاضر وليس له مكان في المستقبل؛ لأنه شعب محاصر بين فعلين يرث أو يقتبس (^١)، ومن أمثلة شعوبيته وباطنيته أيضًا امتداحه وهيامه بالثورة الرافضة في إيران ولئن (كان مهيار الديلمي شعوبيًا، لكن كان أيضًا شاعرًا، أمّا مهيار الدمشقي فأمر آخر:
أفق ثورة والطغاة شتات.
كيف أروي لايران حبي
والذي في زفيري
والذي في شهيقي تعجز عن قوله الكلمات
سأغني لكم لكي تتحول في صبواتي
نار عصف، تطوف حول الخليج
وأقول المدى والنشيج
أرضي العربية، ها رعدها يتعالى
صاعدًا خالقًا وحريقًا
يرسم المشرق الجديد ويستشرف
الطريقا
شعب إيران يكتب للشرق فاتحة
الممكنات
شعب إيران يكتب للغرب
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٤٤.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وجهك يا غرب ينهار
وجهك يا غرب مات
شعب إيران شرق تأصل في أرضنا
ونبي
إنه رفضنا المؤسس ميثاقنا العربي) (^١).
ويكفي أن نطل إطلالة صغيرة على شعر البياتي ومحمود درويش ونزار قباني كنماذج حداثية معاصرة تدل على مدى تغلغل الشعوبية في فكر ونتاج الحداثيين حتى الذين يزعمون أنهم متعصبون للعروبة ومتشددون في شأن العنصر العربي واللغة العربية.
فأمّا البياتي فقد ارتمى في أحضان الشيوعية يقيس كل شيء بمعاييرها ممتدحًا أحط تصرفاتها وأبشع أعمالها ساخرًا من العرب ومدنهم مدن الرماد -حسب تعبيره- مدن الشرق أو مزابل الشرق الذي هو علامة للبؤس، ثم يمتدح مجد فقراء فقراء الأرض في فيتنام!! فيقول:
(رأيت في مزابل الشرق وفي أسواقه الملوك
والعور والأبواق والديوك
مخصية تصيح
رأيت فلك نوح
وأممًا مغلوبة تنوح
وشعراء عدد الذباب
عادوا بتيجان من الورق
من رحلة الضياع والقلق
_________________
(١) قضايا الشعر المعاصر: ص ١٤٤ - ١٤٥.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وحالمين يحرثون البحر
مثل طلوع الفجر
رأيت شهر زاد
جارية في مدن الرماد
تباع في المزاد
رأيت بؤس الشرق
ونجمة الميلاد في دمشق
رأيت مجد فقراء الأرض في الفيتنام) (^١).
وفي سياق آخر يصف الشرق بأنه مستنقع، وذلك في قوله: (فأنا عبدةُ عبدِ "الأسود - الأبيض" في مستنقع الشرق الكريه) (^٢).
وفي موضع آخر يمتدح فيه زملاءه من الشيوعيين المغاربة ويعرج على كوبا ولوركا، ويصف بلاد المغرب العربي بأوصاف التخلف ويجعل ذلك مرتبطًا بالإسلام المعبر عنه بالولي والأضرحة والطلاسم والنذور وحجاب المرأة وجبال النوم، فيقول:
(تشرق شمس اللَّه في عينيك إذ تغرب في قوارب
الصد على شواطئ المغرب
حيث فقراء الأطلس المنتظرون معجزات القمر الولي
في الأضرحة - الطلاسم - الذبائح - النذور، حيث
النسوة المكفنات بسواد الخرق - الأطمار
حيث الشاعر الأندلسي يرتدي عباءة الريح
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ١٨٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢١٣.
[ ٢ / ٧٣١ ]
يطير حاملًا قيثاره فوق جبال النوم) (^١).
وفي مقطع يمتدح نفسه بمضمون خرافة يونانية اسمها سارق النار يقول تحت عنوان "سيرة ذاتية لسارق النار":
(اللغة الصلعاء كانت تضع البيان والبديع
فوق رأسها باروكة
وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك) (^٢).
وقد مر معنا آنفًا أن من أصول العقائد الشعوبية مهاجمة اللغة العربية وذمها، وها هو البياتي رمز العروبيين وفخر القوميين، يصف لغة العرب بهذه الأوصاف التي لا يجترئ أن يقولها في لغة الروس أو الأسبان!!، ونحو ذلك قوله:
(ونحن ما زلنا على صهوات خيل الريح
موتى هامدين
عميًا نزيد ونستزيد
ونموت في "حتى"
وفي أنساب خيل الفاتحين) (^٣).
وفي مقطع يتحدث عن الهزائم العربية الراهنة ويربطها بتاريخ المسلمين في سخرية وتهجم، وفي سخط على اللغة العربية ورموزها من الشعراء والمؤلفين، فيقول بعد ذكر الهزائم:
(ذكروا بالطواويس التي باضت
على الأوتاد
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٣٤٠.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٥٣.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ١٠٥.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
في أعراس هارون الرشيد
وبعار الشرق منبوذًا
يفتي عربات الفاتحين
وبأحزان الجواري والعبيد
وبوجه البحتري الجاحظ العينين
في أعقاب دينار
وفي أعتاب سلطان جديد
آه من صمت القواميس المريب
ومقامات الحريري
على هامش مخطوط قديم
ذكرتني بكلاب الزمهرير
تنبح الموتى
بصحراء الجليد
وبشمس العالم السوداء "كافور"
وخصيان المماليك
وضحكات جرير) (^١).
أمّا محمود درويش بطل النضال الثوري العربي!!، فيقول تحت عنوان "الورد والقاموس":
(لابد لي أن أرفض الموت
وإن كانت أساطيري تموت
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ١١٣ - ١١٤.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
أنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، وعن شعر جديد
آه. . هل أدركت قبل اليوم
أن الحرف في القاموس، ياحبي بليد
كيف تحيا كل هذه الكلمات!
كيف تنمو؟. . كيف تكبر؟
نحن ما زلنا نغذيها دموع الذكريات
واستعارات وسكر) (^١).
وهكذا يربط درويش بشعوبية قاحلة بين الموت والقديم باعتبار القديم موتًا، ثم ينقض على الحرف العربي وقاموس اللغة العربية ليصب خبايا شعوبية تلقاها مع ما تلقى من بغض الإسلام وأهله، الذي يرمزون له بالرمل والمرايا والنخل، وهي رموز تواضعوا عليها حتى لا تكاد تجد واحدًا من مشاهيرهم إلّا وهو يستخدم هذه الرموز في معرض الهجاء المبتذل الذي يوجهونه إلى الإسلام وقرون الهجرة الأولى وتاريخ المسلمين ولغة العرب في منظومة كبيرة متداخلة من الضلال والانحراف.
يقول محمود درويش في تهكم وسخرية واضحة:
(والرمل جسم الشجر الآتي
غيوم تشبه البلدان
لون واحد للبحر والنوم
وللعشاق وجه واحد
وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري
سنرمي ألف نهر في مجاري الماء
_________________
(١) ديوان محمود درويش: ص ١٨٠.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا
سيد الأيام
والنخلة أم اللغة الفصحى
أرى، فيما أرى، مملكة الرمل على الرمل
ولن يبتسم القتلى لأعياد الطبول
ووداعًا للمسافات) (^١).
أمّا نزار قباني فقد تفنن في إبراز الوجه الكالح لشعوبيته، وتنوعت ألفاظ بغضه وهجائه للعرب، من منطلق بغض أصيل في نفسه، وحقد دفين، وموقف اعتقادي يخدمه ويستخدمه لإيصال رسالته الموكل بحملها من قبل أساتذته الذين تلقى عنهم متون وحواشي لهذه الأمة وتاريخها وحضارتها.
وقائمة الهجاء عند نزار قائمة طويلة متنوعة مبتكرة مترعة بالتدمير والإحباط والعدمية، إلى حد جعله يبعد عن العرب أي فضيلة ويلحق بهم أي رذيلة تخطر على باله.
وليس هجومه مقصورًا على أوضاع العرب الحالية، بل يمتد إلى لغة العرب والنحو والبلاغة، وإلى المثل والقيم والتاريخ وسائر المقومات والخصائص، مما يؤكد تمام التأكيد أن الشعوبية ما زالت موجودة في سائر جوانبها ومناشطها المظلمة، السياسية والأدبية والفكرية.
وليس من المناسب أن نجمع كل أقوال نزار قباني التي تهجم فيها على العرب ولغتهم، ولكن نأخذ بعض النماذج للدلالة على المراد، يقول قباني:
(أنعى لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة
والكتب القديمة
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦١٠.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
أنعى لكم
كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة
ومفردات القهر والهجاء والشتيمة
أنعى لكم، أنعى لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة) (^١).
ولا يدري العاقل مما يعجب أمن هجومه على اللغة والتراث الذي يرمز له باللغة القديمة، أم من الألفاظ البذيئة التي يلصقها بلغة العرب، والتي هي من نتاج فكره السوقي، ولا ضير عنده ما دام هذا كله يقود إلى طموحه الشعوبي في إبادة كل فضل للعرب.
وفي مقطع آخر يصب شتائمه الحاقدة على الدين الممثل عنده في خطباء الجمعة، ثم على اللغة العربية وأحرفها التي جعلها رمزًا لحربه وتدميره وهجومه كأبشع ما يكون الهجوم الشعوبي، يقول:
(لو أعطى السلطة في وطني
لقلعت نهار الجمعة أسنان الخطباء
وقطعت أصابع من صبغوا بالكلمة أحذية الخلفاء
وجلدت جميع المنتفعين بدينار
أو صحن حساء
وجلدت الهمزة في لغتي
وجلدت الياء
وذبحت السين وسوف
وتاء التأنيث البلهاء
_________________
(١) الأعمال السياسية الكاملة ٣/ ٧١.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
والزخرف والخط والكوفي
وكل ألاعيب البلغاء
وكنست غبار فصاحتنا
وجميع قصائدنا العصماء) (^١).
وفي الحقيقة أن الجدير بقلع الأسنان، بل والعنق، من اجترأ على اللَّه وعلى شريعته ودينه ورسوله، ومن وقف خطيبًا وشاعرًا يدعو إلى الزنا والرذيلة والانحراف، ويجعل من المرأة مجرد جسد، ومستودع لنزاواته وخبائث قوله وعمله.
والجدير بقطع الأصابع ليس الذين مدحوا خلفاء وسلاطين المسلمين بل الذين مدحوا أئمة الكفر وأعلام الباطل ومذاهب الإلحاد والرذيلة والشر.
فأقل ما يقال في ميزان العقل والدين في حق من مدح خليفة أن مسلمًا مدح مسلمًا آخر، سواء أراد الدنيا أو غيرها بهذا المدح، أمّا من يمتدح الكافرين ويثني على الملحدين ويحسن مذاهب الملحدين كحال نزار وأضرابه الحداثيين، فهذا قد اتخذهم أولياء من دون المسلمين، وقال اللَّه -جلَّ وعلا-: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (^٢).
ولا يفتر نزار من هجومه وشتائمه الموجه إلى اللغة ليس لأنها لغة العرب الذين يكن بغضهم في قلبه ويتفؤه بشتائمهم على لسانه؛ بل لأنها إضافة إلى ذلك لغة الدين القويم ولغة القرآن العظيم، ولذلك قرن بين اللغة والبعثة في إحدى المقاطع الهجائية جاعلًا اللغة إبرة مورفين، وهي عبارة
_________________
(١) الأعمال السياسية الكاملة ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٢) الآيتان ٨٠ - ٨١ من سورة المائدة.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
محوّرة من المبدأ الشيوعي الإلحادي القائل: "الدين أفيون الشعوبي"، وفي هذا المقطع يتضح للقارئ بجلاء أن نزار تأخذه حمية الجاهلية وتجيش نفسه بمكنوناتها الخبيثة في سباب مقذع للغة العربية لأجل أنها لغة الدين منذ البعثة النبوية في القرن السابع حسب قوله، ولأجل أنها لغة شيخ الجامع الذي يتلو القرآن ويعلم الناس الهدى الذي أوحاه اللَّه إلى نبينا محمد -ﷺ-، فيقول:
(اللفظة جسد مهتدئ
ضاجعه الكاتب والصحفي
وضاجعه
شيخ الجامع
اللغة إبرة مورفين
يحقنها الحاكم للجمهور
من القرن السابع
اللفظة في بلدي امرأة
تحترف الفحش من القرن السابع) (^١).
ولقول:
(أرفضكم جميعكم
وأختم الحوار
لم يبق عندي لغة
أضرمت في معاجمي
وفي ثيابي النار) (^٢).
_________________
(١) الأعمال السياسية الكاملة ٣/ ٣٠٠.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٠٣.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
ويجعل تعلم العربية مضغًا وترديدًا لا قيمة له، فيقول:
(وتمضع مرة آخرى
حروف النصب والجر التي كنا مضغناها) (^١).
ونحوه قوله:
(وما زلنا نجادل بعضنا بعضًا
عن المصروف والممنوع من صرف) (^٢).
ويقول:
(سقطت في الوحول كل الفصاحات
ومات الخليل والفراء) (^٣).
هذا بعض نيله من اللغة العربية، أمّا نيله من العرب أجمعين فقد كتب عنه الناقد الحداثي جهاد فاضل في كتابه فتافيت شاعر وابتدأ بمجموعته "قصائد مغضوب عليها" وبين أن عددها في الديوان أربع وعشرون قصيدة وهي في الواقع قصيدة واحدة ذات موضوع واحد هو هجاء العرب وتدميرهم والحكم بإعدامهم (^٤)، ثم يورد جملة من كلماته الهجائية للعرب، ويعلق عليها، قال قباني:
(إياك أن تقرأ حرفًا من كتابات العرب
فحربهم إشاعة وسيفهم خشب
وعشقهم خيانة ووعدهم كذب
إياك أن تسمع حرفًا من خطابات العرب
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٣٤٧.
(٢) المصدر السابق: ٣/ ٣٥١.
(٣) الأعمال السياسية الكاملة ٣/ ٣٩٨.
(٤) انظر: فتافيت شاعر: ص ١٣.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
فكلها نحو وصرف وأدب
ليس في معاجم الأقوام
قوم اسمهم عرب) ص ٧٣.
وبعد أن يصف العرب بأنهم قبائل جبانة وأمة مفككة يضيف إلى هذا الوصف أوصافًا أخرى:
من عهد فرعون إلى أيامنا:
هناك دومًا حاكم بأمره
وأمة تبول فوق نفسها كالماشية ص ٩١.
وفي لفظة أخرى تصبح بلاد العرب أي بلاده وبلادنا "بلاد الجنون والصداع والسعال والبلهارسيا" ص ٩٦.
أي: أن الشاعر هنا وهو شاعر عربي لا سائح أو رحالة أو مستشرق أوروبي أو غربي يعيرنا بأن بلاد العرب مستشفى أمراض عقلية وصحية مقززة للنفس وقذرة.
ثم تصبح الصورة أشد إقذاعًا وقسوة فيتحدث باسم المواطنين العرب:
(نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة ومن طنجة لعدن) (^١).
وبعد أن ساق جهاد فاضل جملة من أقوال نزار المترعة بالشتائم للعرب والتنقص الذميم لهم، قال: (وهو يعرض هذه الصورة بشكل هجاء شعوبي مقذع لا مثيل له في عنفه وقسوته، حتى تراث الشعوبية القديم لا يتضمن في هجاء المقومات العربية ما بلغه نزار في ديوانه هذا، ولكن جوهر الحملة القديمة والمستحدثة واحد: هجوم على الصفات العربية المعروفة من كرم وصرف ونحو وأدب، وهجوم على إنسانية الإنسان العربي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٣ - ١٥.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وكونها بالفطرة غير قابلة للعلاج والشفاء، وهو لا يقدم بالطبع أي حل لأنه لم يحسب حسابًا للحلول، فذهنه وعقله منصرفان للتدمير لا لسواه. . .
إنه شعر سادي، عدمي، تدبيري، شعوبي، معبأ بأحقاد غير العرب على العرب، شعر له نسب واحد في تراثنا الشعري هو تراث الشعوبية.
قام الخطاب الشعوبي في تراثنا العربي الإسلامي على التقليل من شأن العرب لغة وتراثًا ومقومات، كما قام على الاستهزاء بقيمهم ومثلهم والتشكيك بدورهم التاريخي.
إن ما فعلته الشعوبية القديمة هو نفس ما يفعله نزار اليوم: دفع العرب عن كل فضيلة وإلحاق كل رذيلة بهم) (^١).
ثم أجرى معه جهاد فاضل مقابلة مطولة وجه إليه فيها تهمة الشعوبية، وكشفه أمام نفسه والناس، فحار وحاد وحاول تغيير المقابلة بما يوافق حرارته القومية حسب قوله، فلما نشرت المقابلة هاجم الذي أجرى معه المقابلة وهو جهاد فاضل، وعيره بأنه جوزيف فاضل، والخواجه جوزيف، ولكنه غير اسمه إلى جهاد ركوبًا لموجة الجهاد والمجاهدين؛ ولأن عدة الشغل تستلزم هذا التغيير (^٢).
والذي يجدر ذكره هنا أنه في معرض رده على جهاد فاضل بين أن الشعر الذي استُشهد به على شعوبية نزار مما سبق ذكره وغيره، هذا الشعر قرأه وسمعه مئات الألوف من العرب في الأمسيات الشعرية وعلى أشرطة الفيديو وصفقوا له ووجدوه صمام الأمان لأحزانهم ومراراتهم وانفجاراتهم الداخلية (^٣).
وهذا الذي ذكره نزار قباني عن نفسه وشعره صحيح للأسف؛ ذلك أن الأمة قد مسخت عقولها أجهزة الأعلام الخادعة، حتى جعلت الشيطان في
_________________
(١) انظر: فتافيت شاعر: ص ١٩.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٢٤ - ٥٠.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٥١.
[ ٢ / ٧٤١ ]
منزلة الملك، والقديس في منزلة إبليس، وجعلت الخواء الفكري والعقلي أساسًا لتسيير الإفكار والعقائد الضالة والمنحرفة من غير نكير، بل بإجلال وتصفيق كما استشهد قباني، وهذا يدل على عمق المسخ والتجهيل الذي أصيبت به الأمة، وإلّا فأين العقول وأين الإباء وأين الحمية في أقوام يصرخ فوق رؤوسهم هذا الجاهل بأنهم ماشية تبول على نفسها، ومجانين في مصحة الأمراض العقلية وسفهاء، وكذابون وغادرون ومع ذلك يصفقون له ويشجعون ويمتدحونه؟!!.
ويتخذ الشعوبي المعاصر، الحداثة ستارًا لإيصال شعوبيته وقد وصف ذلك جهاد فاضل فقال: (حتى فكرة الحداثة التي يرفعها الشعوبي الحديث، ويركز عليها كستار يخفي به كراهيته للثقافة العربية الإسلامية، وهو ستار أو شعار ليس بريئًا عادة، حتى فكرة الحداثة هذه -مع ما يستتبعها من أخطار- استخدمها الشعوبي القديم من أجل إرباك العقائد وتشويه المفاهيم الإسلامية، والدعوة المبطنة إلى إحلال مفاهيم أخرى -أجنبية على الغالب- محلها، فباسم الحداثة والعقل والمنطق عملت الشعوبية على تحوير معنى النصوص والمفاهيم الإسلامية، فأولتها عما يخرج بهذه النصوص والمفاهيم من معانيها الإسلامية إلى مفاهيم غريبة بعيدة عن الإسلام.
وكما يعلن الشعوبي الحديث أنه يؤسس حداثته على الثقافة الأجنبية كان الكاتب الشعوبي القديم يتشدق بالثقافة الأعجمية، ويمجد كل ما هو خارج نطاق الثقافة العربية الإسلامية، ويتهكم من هذه الثقافة ويسخر بأصولها) (^١).
وبعد هذا الإجمال والشرح الوجيز ننتقل إلى ذكر الشواهد على التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة.