أن العبث بالمفاهم والألفاظ والمصطلحات وتدنيسها بالسخرية والاستهزاء وانتهاكها بالاستخفاف، وتشويشها بالتدليس والتلبيس خطة "جاهلية" يمارسها الجاهليون المعاصرون، كما مارسها أسلافهم الأقدمون.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (^٤).
فهذا هو حال أهل الضلال والجاهلية والكفر والانحراف في صراعهم المستديم مع الحق، وفي حربهم المستمرة ضد الهدى والنور، صراع يقوم على محاولة ترسيخ الظلام وتقوية الانحراف، وتأييد الجاهلية وإقامة صروح المادية الحيوانية؛ من أجل هبوط دائم بالإنسان، ومحق مستمر لإنسانيته، وإبادة تامة لكل سبب يُمكن أن يرتقي به على حظوظ الدنيا وحاجات الجسد ومتطلبات الحيوان!!.
إن حجة المادي الجاهلي القديم أو الحديث حجة داحضة كما
_________________
(١) الآية ٢١٢ من سورة البقرة.
(٢) الآيات ٢٩ - ٣٣ من سورة المطففين.
(٣) الآيتان ٦، ٧ من سورة الحجر.
(٤) الآية ٥٢ من سورة الذاريات.
[ ٣ / ١٦٥٤ ]
وصف اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ (^١).
وهم قد يلمسون اندحاض حجتهم وزيف باطلهم، ولكنهم يتمسكون بالباطل ويصرون على محاربة الحق، فلا يجدون وسيلة لذلك إلّا العبث والسخرية والاستهزاء لعلهم بذلك يصلون إلى مقاصدهم من خلال هذا اللغو ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ (^٢).
خطة قديمة حديثة، يمارسها هؤلاء الصغار في فرح وسرور بالخطة الصبيانية، التي طالما علقوا عليها الآمال، وخادعوا بها أنفسهم تحت شعارات ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.
لقد سلك أولئك وهؤلاء الطريق نفسه، مسلك الجاهلية الغارقة في الوحول، يحاولون بأسلوب العبث والاستخفاف أن يخدروا ضحاياهم بالكلام الفارغ، وأن يجذبوهم إلى حمأة الشر بزخارف الباطل، وأن يغطوا على عقولهم بهذه الأساليب التي تعمل في العقل الذي يتعاطاها عمل المخدر.
ويسير جدًا على القوم أن ينكروا جميع البراهين القاطعة ويجحدوا كل الأدلة الصادقة، في سياق تلاعب بالألفاظ والمفاهيم، وعبث يبعثر ويهدم.
وفي الجملة لا يعرف في معارك الصراع بين الحق والباطل، أعنف ولا أبلغ في الإجرام من هذا الاستعمار المادي، والاستعمار الحداثي العلماني، فأي إنسان -سويِّ الإنسانية- يقبل أن يكون كما قال أدونيس (فالحق أننا نعلن فوضانا وخيانتنا في ذلك العالم المحتفظ بالجيف المقدسة، ولا نكتفي بل نقنع الجيوش بالخيانة. . . فنحن هدامون، وكل منا قائد اللوعة والرماد
_________________
(١) الآيتان ١٦، ١٧ من سورة الشورى.
(٢) الآية ٢٦ من سورة فصلت.
[ ٣ / ١٦٥٥ ]
كل منا الهلع، الضرب، الوجود حولنا، وجودكم، كريه عدو، لن نتقبله، لن نصادقه. . . هكذا نعلن أنفسنا غواة وخائنين، الهاوية تأتي معنا، تعرف ذلك، سنعمقها سنوسعها، سنضع لها أجنحة من الريح والضوء) (^١).
ليس في ميسور هؤلاء السماسرة إلّا أن ينهلوا من مستنقع الفوضى والعبث ثم يفاخرون بعد ذلك بعملهم المنحط!!.
لقد استقال أتباع هذه العبثية والفوضية من كل قيمة يُمكن أن يركن إليها، من عقيدة أو فكرة أو نظام أو فطرة أو خلق، فعلى أي رأي من الآراء أو قيمة من القيم أو ضابط من الضوابط يُمكن أن يعول عليه دعاة الفوضى والهدم؟.
وحاصل هذا المدرك أن العبث بالمفاهيم والألفاظ، والفوضى في المعاني والمصطلحات، من أوسع أبواب تجار الحداثة والعلمنة، يخرجون من هذا الباب ما في طوياتهم من شر وإجرام، وفساد وضلال.