وهي نتيجة حتمية للمقدمة الإلحادية الكفرية، التي جعلوها أساسًا للحداثة والعلمنة وما يسمونه الإبداع والتطوير، وهي جحد ألوهية اللَّه الواحد الأحد، فمن يجحد أن اللَّه هو الإله الحق المعبود دون سواه فلا ريب أنه سيجحد حقه تعالى في أن يعبده الخلق الذين أوجدهم من عدم ويميتهم ثم يحييهم، وسيسخر بالعبادة ومظاهرها.
وهو دأب أسلافهم من الكفار الأقدمين، فهم على آثارهم مقتدون، كما أخبر اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ (^٤)، ﴿ذَلِكَ
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩٥ ونحوه ص ٢٠٩.
(٢) المصدر السابق: ص ١٩٨.
(٣) المصدر السابق: ص ١٩٩.
(٤) الآية ٥٦ من سورة الكهف.
[ ١ / ٣٤٢ ]
جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ (^١).
وأوجه انحرافهم في هذا الباب عديدة تبدأ من جحد حق العبودية للَّه تعالى، وقد مر في هذا الفصل عدة شواهد على ذلك:
من أمثال جحد نصر حامد أبو زيد للعبودية، ونفي أدن تكون العلاقة بين اللَّه تعالى والإنسان علاقة إله معبود بعبد مربوب (^٢).
إلى حد زعمه بكل جرأة وتبجح أن مفهوم العبودية كما ورد في النصوص الشرعية وكما فهمته الأمة الإسلامية في كل عهودها؛ هو مفهوم مصادم للإسلام ذاته، وأن السير في هذا الاتجاه حركة ارتدادية وعملية إخفاء متعمدة لدلالة النصوص (^٣)، أي أن الأمة كلها منذ مبعث الرسول -ﷺ- حتى اليوم عاشت في لجج الارتداد والخياة -حسب تعبيره- حتى جاء هذا المنقذ!! ليظهر الحق ويوضح الحقيقة!!.
وبتتبع كلام هذا المفتتن نجد غايته من هذه السفسطات الزائفة تتمثل في إبعاد الإنسان عن الدين، وخلع ألوهية اللَّه تعالى عن حياة الناس، وجعل الإنسان عبدًا لنفسه وأهوائه، تحت شعارات العقلانية والعلمية والحياة العصرية وغير ذلك من الترهات ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ (^٤).
ألم يجعلوا العبادة للَّه وحده، تخلفًا والوثنية والكفر تقدمًا؟.
ها هو أحدهم يقول:
(بين سطور إسفار العبادات
دوران ولفّ
_________________
(١) الآية ١٠٦ من سورة الكهف.
(٢) انظر: قضايا وشهادات ٢/ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٤٠١.
(٤) الآية ١٢ من سورة غافر.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ولا تقدم) (^١).
وها هو الآخر يجعل من الإيمان باللَّه تعالى نقيضًا للعقلانية -الإله المعاصر الذي عبدوه من دون اللَّه- فيقول: (وما دام الإيمان الذي عمر صدور هؤلاء المهتدين الجدد يقدم نفسه كنقيض لكل عقلانية، ولكل تاريخية، وفي غضون ذلك سيكون الواقع قد تعفن أكثر فأكثر) (^٢).
ولو تأملنا هذا الكلام على بساط العقلانية التي يرددونها دائمًا، لقالت حقائق العقول أن الإنسان اقترب من ربه ودان له كلما كانت حياته الفردية والاجتماعية أفضل وأرقى وأحسن، وكلما ابتعد عن ربه كلما ارتكس وانتكس وشقيّ وتعس، وما التحلل الاجتماعيّ والفساد الخلقيّ والانحراف العقديّ الضارب بأطنابه في الحياة المادية الغربية وفروعها إلّا أكبر دليل على التعفن والانحطاط الذي وصل إليه الإنسان، عندما ترك الدين وترك العبادة واستكبر على اللَّه فحاطت به سيئاته ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (^٣).
وقد اقتبس الحداثيون أسوأ ما في الغرب من أمور، وجلبوا إلى أوطان المسلمين أشر ما عند الكافرين، والعقائد الضالة والأخلاق الفاسدة.
يقول البياتي:
(كان لنا فجر وكانت لنا … آلهة تمنحنا ودها
يا طالما غنيت في حبها … وكنت في حبي لها عبدها
حتى إذا ما الأمس ولّى مضى الـ … ـساقي وخلى في فمي قيدها
يا طيفها! نوافذي أغلقت … وأطفئت أنوارها بعدها) (^٤)
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٠٧.
(٢) قضايا وشهادات ٤ خريف ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ٣٢ من مقال لسعد اللَّه ونوس بعنوان "الثقافة الوطنية والوعي التاريخي".
(٣) الآية ١٢٤ من سورة طه.
(٤) ديوان البياتي ٢/ ١٨٠.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وسواء قرئت هذه الأبيات على أنها جحد وتمرد على الماضي الإسلاميّ الذي يقوم على عبودية اللَّه، أو قرئت على أنه يخاطب معشوقته التي جعل منها آلهة وجعل من نفسه عبدًا لها، فكلا الأمرين يدل على عمق الانحراف الاعتقاديّ، وظهور التبعية للغرب الماديّ.
ومن هذا النمط قول توفيق صايغ:
(إله الصلوات الطوال البعيد
انتشلني لدياره
جعلها دياري) (^١).
وقول أمل دنقل:
(حين أخلع عني ثياب السماء
فأنا أتقدس -في صرخة الجوع- فوق الفراش الخشن) (^٢).
ويقرنون بين عبادة اللَّه وحب اللَّه تعالى والتسكع والسرقة كما في قول أحدهم:
(عاد المتثائب للمقهى
ولحب اللَّه.
عاد العاطل للسرقة) (^٣).
ويسخرون بالدعاء الذي هو العبادة، ويصفون عفو اللَّه بالسمّ كما قال أحمد دحبور: (أسأل اللَّه ألا يسمم بالعفو حزني) (^٤).
ويجعلون الكفر والإلحاد وترك الدين والعبادة حرية تفكير واعتقاد،
_________________
(١) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٢٩١.
(٢) الأعمال الشعرية لأمل ونقل: ص ٢٧٢.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان جـ ٢ لابد من التفاصيل: ص ٩٤.
(٤) ديوان أحمد دحبور: ص ٥٢٠.
[ ١ / ٣٤٥ ]
كما يقول الطاهر بن جلون (^١) في رواية ليلة القدر: (. . . أحب القرآن كشعر رائع، وأمقت الذين يستغلونه في تشويشات ويحدون من حرية التفكير، إنهم منافقون. . . أنا أعرفهم جيدًا، لقد تعاملت معهم من قبل، إنهم يستندون إلى الدين للسحق والهيمنة، وأنا أستند حاليًا إلى الحق في حرية التفكير وحرية الاعتقاد أو عدمه هذا لا يعني سوى ضميري. . .) (^٢).
ويقول في موضع آخر على لسان إحدى شخصيات روايته: (إنني في قطيعة مع العالم، أو على الأقل مع ماضيّ الشخصيّ لقد اقتلعت كل شيء، إنني مقتلعة عن طواعية، وأحاول أن أكون سعيدة، أي أن أعيش حسب إمكانياتي، بجسدي الخاص، لقد اقتلعت الجذور والأقنعة، أنا تيه لا تمسكه ديانة، أسير لا مبالية وأعبر الأساطير.
- هذا ما يدعى بالحرية
- نعم التجرد من كل شيء، وعدم امتلاك أي شيء لكي لا يملكني شيء، حرة، أي مستعدة، سابقة على العقبات، وربما سابقة على الزمن. . .
- ليس للإنسان شيء في الأصل، هذا صحيح، وينبغي ألا يكون له شيء في النهاية. . .) (^٣).
وعندما يتحدث عن الإسلام والمجتمع المسلم الذي التزم به يقول: (مجتمع قائم على النفاق وأساطير ديانة حُوِّل اتجاهها وأفرغت من روحانيتها. . .) (^٤).
_________________
(١) الطاهر بن جلون، من مواليد فاس في المغرب سنة ١٣٦٤ هـ/ ١٩٤٤ م، يقيم في باريس، روائيّ وناقد وشاعر حداثيّ، ودكتور في علم النفس، شديد العداء للإسلام قويّ الولاء للغرب، وهو من أعلام الفرنكفونية منح جائزة غونكور الفرنسية على روايته ليلة القدر، وهي أكبر جائزة أدبية تمنح في فرنسا. انظر: مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير ١٩٨٩ م: ص ٦٦.
(٢) ليلة القدر: ص ٦٠.
(٣) ليلة القدر: ص ٦٣.
(٤) المصدر السابق: ١٠٦ - ١٠٧.
[ ١ / ٣٤٦ ]
ليس بعد هذا الكلام أي إيضاح في عمق وفضاعة الانحراف العقديّ في الأدب الحديث.
وأساس فلسفتهم في جحد حق العبودية للَّه تعالى ما قاله علاء حامد في روايته مسافة في عقل رجل: (. . . الإنسان ليس سوى نظرية مادية بحتة، وجد بالصدفة ويموت بالصدفة، ويموت يصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة فلا إله ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا جن أزرق أو أحمر، ولا ملائكة بيضاء أو خضراء تهفهف بأجنحتها، والرسل ليسو سوى مجموعة من الدجالين، والأديان صيغ بشرية ذكية، والإنسان ابن الطبيعة، خالق نفسه، هو الأوحد الأقوى والأفضل والجبار والمتكبر، وبالتالي فقد وجد بالصدفة وسيفنى جنسه البشريّ أيضًا بالصدفة. . .) (^١).
هذا الكلام التافه والمنطق الرخيص هو في الحقيقة محور فكرتهم في نواحي انحرافاتهم العديدة، غير أن هذا صرّح وغيره لمح ورمز.
قال اللَّه تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ (^٣).
لقد أغرق هؤلاء في جحودهم واستكبارهم وعنادهم حتى جعلوا التحرر من العبادة للَّه تعالى والتحرر من الدين والشرائع أساسًا للإبداع والتحديث والتقدم والرقي!!.
فأدونيس في حديثه عن نفسه ومنهجه الحداثيّ ومشاريعه الإبداعية
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ١٢٥.
(٢) الآية ١٤٦ من سورة الأعراف.
(٣) الآية ٣٥ من سورة غافر.
[ ١ / ٣٤٧ ]
يقول: (أنا المتوثن والهدم عبادتي) (^١)، وقد سبق نقل كلام أحد منظريهم في الثناء على تعدد الأوثان عند اليونان (^٢)، واعتبار ذلك أساسًا للتعددية الفكرية الحديثة وللحرية، أمّا التوحيد - عنده فجمود وتخلف وتحكم وعوائق وأغلال (٢)، ثم خلص إلى أن مطلب الحداثة هو تحرير الإنسان من الوحدانية وإعادته إلى الوثنية، فقال ما نصه: (. . . فالوحدانيه تتناقض كل التناقض مع الحرية، إن وحدانيتها تحول دون تحقيق وعودها فلا حرية مع الوحدانية. . . لذلك نجد النهضة الأوروبية حاولت إعادة الصيغة الوثنية التعددية، فقد وجدت فيها التعبير الاكمل لحرية الإنسان فكرًا وجسدًا، وهنا تبدأ الحداثة الثانية وبدايتها كانت على شكل مساومة بينها وبين الوحدانية، ولم تظهر بشكل واضح إلّا بعد أكثر من قرنين من النهضة الأوروبية التي تشكل البداية فقط) (^٣).
إذن هذه الحداثة، وهذا أول طريقها المظلم وبداية حملتها الصليبية والصهيونية الإلحادية لاختراق دار الإسلام، باسم التحديث والتجديد هذه المرة، وفي أزياء العقلانية والتطوير والتاريخية والعصرية.
وما هي في الحقيقة إلّا حلقة في سلسلة طويلة من الحرب للإسلام وأهله، وشعبة من شعب الكفر والنفاق يراد لها أن تلقى بظل يحومها على ربوع الإيمان والتوحيد في قلوب المؤمنين، لتوجد مكان التوحيد وثنية باسم التعددية، ومكان اليقين شكًا باسم النقاش والحوار، ومكان الشريعة جاهلية باسم العقلانية، تارة بالكفر البواح في الأمكنة التي يتاح لهم فيها المجاهرة به، وتارات بالمخبوء والمستتر تحت الألفاظ والرموز الغامضة فى الأمكنة التي لا يتمكنون فيها من البوح والتصريح.
وعلى كل حال فقد أضحى التحرر من العبادة للَّه ومن الإيمان به ومن
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ٢/ ٦٤٢.
(٢) انظر: مجلة الناقد، عدد ٨: ص ٣٢ - ٣٤، وقد سبق نقل ذلك في ص ١٩٨ - ٢٠٠ من هذا الكتاب.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٣.
[ ١ / ٣٤٨ ]
التوحيد ومن الشريعة أساسًا من أهم أسس الإبداع عند أصحاب الحداثة.
ويُمكن القول بكل صراحة: إن منظري ومروجي الحداثة يعلنون بكل جرأة، بأن الكفر باللَّه ودينه هو أساس الإبداع، ولنستمع إلى قول سادن صنم الحداثة، الباطنيّ أدونيس في هذا المجال، وذلك في أثناء حديثه عن الخروج عن ما أسماه بالمشكلية القديمة للحضارة العربية، المتمثلة حسب زعمه في الوحي والدين والقديم، والتي يراها متناقضة مع ثنائية مقابلة لها، فالوحي مع العقل، والدين مع الفلسفة، والقديم مع الحديث، ويرى أن هذه الثنائية التفاضلية التعليمية أدت إلى دوران الفكر العربي والشعر في إطار مغلق وضيق، بين ثنائيّ تقويميّ: حق وباطل، وخير وشر، وإيمانيّ وإلحاديّ، وأصوليّ وخارجيّ وعربيّ وشعوبيّ، وقديم ومحدث (^١).
ثم خلص من ذلك إلى أن هذا المناخ من الهيمنة أدى إلى ثورة مؤداها أنه (لم يعد المطلق الإلهيّ وحده مركزًا، بل صار الإنسان شريكًا له، ذلك هو الجانب الصوفيّ والعقلانيّ الإلحاديّ، لكن على مستوى آخر من هذه الثورة. . . أصبح العالم تفجرًا مستمرًا صوب تكامل مستمر، ولم يعد المطلق الإلهيّ وراء العالم أو قبله وحسب، وإنّما أصبح أمامه أيضًا، لم يعد يجيء من الماضي وحده، وإنّما أخذ ينبثق في الحاضر ويجيء من المستقبل أيضًا، ولم يعد المطلق الإلهيّ في هذا المنظور جوابًا لا سؤال بعده، وإنّما أصبح سؤالًا، والعالم، إذن، لم يخلق كاملًا، دفعة واحدة وإلى الأبد، وإنّما صار كل شيء فيه للخلق المستمر. . . هكذا لا يعود علم الجمال، بالنسبة إليه علم جمال النموذج أو الأصل أو الثابت، بل علم جمال المتغير، المتحول، المتجدد، ويصبح الإبداع ممارسة الشاعر، الأولى، من أجل تأسيس وجوده في أفق البحث السؤال، لم يعد الشاعر، بتعبير آخر، يكتفي بمحاكاة العالم، وإنّما أصبح يمارس هو نفسه خلق العالم، وبدلًا من أن يردنا علم جمال الثابت إلى العالم البديع الفائق، الكامل الصنع، أخذ يردنا علم جمال المتحول إلى القصيدة البديعية الصنع، كصورة جديدة عن
_________________
(١) انظر ذلك في الثابت والمتحول جـ ٣ صدمة الحداثة: ص ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ١ / ٣٤٩ ]
العالم من صور ممكنة لا نهاية لها) (^١).
هذه هي أسس الإبداع الحداثيّ وأصول فكرة التحول والتجديد والصيرورة الدائمة.
أمّا القصيدة البديعة التي يعنيها أدونيس في كلامه السابق، فهي من جنس أقواله الإلحادية الخبيثة:
(سقط الخالق في تابوته
سقط المخلوق في تابوته
والنساء ارتحن في مقصورة) (^٢).
(أحرق ميراثي، أقول أرضي
بكر، ولا قبور في شبابي
أعبر فوق اللَّه والشيطان
دربي أنا أبعد من دروب
الإله والشيطان) (^٣).
هذا بعض تجديده وبعض وممارسته لعلم جمال المتحول، وهو الإطار والصورة الجديدة للعالم الذي يريده أدونيس، وهو اختياره الذي عبر عنه بقوله:
("من أنت" من تختار يا مهيار؟
إني اتجهت، اللَّه أو هاوية الشيطان
هاوية نذهب أو هاوية تجيء
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٢٨٣، وهذا النص وإن كان في الربوبية إلا أنه يتضمن جحد حق العبودية للَّه ﷾.
(٣) المصدر السابق ١/ ٢٨٩.
[ ١ / ٣٥٠ ]
والعالم اختيار
- لا اللَّه اختار ولا الشيطان
كلاهما جدار
كلاهما يُغلق لي عينيّ
هل أبدل الجدار بالجدار
وحيرتي حيرة من يضيء
حيرة من يعرف كل شيء) (^١).
وبعد هذا الكفر البواح لك أن تسأل، هل يوجد من الحداثيين الذين ينتسبون إلى الإسلام من يعجب بأدونيس ويحبه ويدافع عنه؟
وللإجابة على هذا نأخذ كلام أحد الحداثيين المصِرِّين على أن الحداثة لا تناقض الإسلام، ونرى موقفه من أدونيس صاحب هذه الأقوال الشنيعة.
ففي مقابلة في جريدة الشرق الأوسط مع عبد اللَّه الغذامي (^٢) سئل: (كيف ترى مستقبل الحداثة الفنية التي يتبناها التيار التجريبيّ بريادة أدونيس؟، وهل يُمكنها أن تفرض نفسها كاتجاه أساسيّ في حركة الشعر العربيّ الحديث ولماذا؟) (^٣).
أجاب الغذامي قائلًا: (يبدو لي أن مسألة أدونيس والأدونيسية مسألة
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢٨٨.
(٢) هو: عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه الغذامي، ولد عام ١٣٦٥ هـ في عنيزة، حصل على الماجستير والدكتوراه من بريطانيا جامعة أكستر عام ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨، عمل أستاذًا في جامعة الملك عبد العزيز في جدة ثم انتقل إلى جامعة الملك سعود في الرياض، من الحداثيين الدعاة، يتبنى المنهج البنيويّ وينافح عنه ويفخر بأنه أول من أدخله إلى البلاد، وأنه لا يناقض الإسلام!! حصل على جائزة مكتب التربية العربيّ لدول الخليج عام ١٤٠٥ هـ عن كتاب الخطيئة والتكفير، الذي أثبت الأستاذ أحمد الشيبانيّ ﵀ في ملحق الأربعاء أنواع انتحالاته فيه، كما أثبت الانحراف العقديّ للبنيوية وعموم الألسنية، معجب بالملحد النصرانيّ أدونيس. انظر: دليل الكتاب والكاتبات: ص ٢١٠.
(٣) جريدة الشرق الأوسط ١٤/ ٧/ ١٩٨٧ الموافق ١٨/ ١١/ ١٤٠٧ هـ.
[ ١ / ٣٥١ ]
في غاية الحساسية، وقد يكون أدونيس شاعرًا متمكنًا ومثقفًا واسع الاطلاع، واطلاعه هنا منبثق من معرفته الوثيقة بالثقافة العربية التقليدية مثل ما هو وثيق المعرفة بالثقافة الغربية الفرنسية والإنجليزية، فمن هنا تأتي تجربة أدونيس وكأنها مكونة من عجينة غريبة الأطوار لكنها واثقة من نفسها -إلى أن يقول: - أدونيس من الصعب دمجه داخل السياق الشعريّ العربيّ فهو سيظل مدرسة متفردة، صحيح أنها مدرسة متميزة ورائعة لكن خروجها على السياق العربيّ خروج كبير جدًا، لا يُمكن السياقات التالية لها من الصمود والبقاء داخل جسد القصيدة العربية) (^١).
ويعجب أي مسلم من هذا الإطراء البغيض لهذا الرمز الإلحاديّ المكشوف!! وهذه الادعاءات التبجيلية والارتماء المعتم أمام سادن أصنام الحداثة.
ويبدو أن المادح مثل الممدوح في معرفته بالإسلام وتاريخه وحضارته، ولذلك وهبه صبغة أنه صاحب معرفة وثيقة بالثقافة العربية، علمًا بأن ثقافة أدونيس العربية ليست سوى ثقافة الانحراف بدءًا من الطائفية النصيرية التي نشأ وتربى على عقائدها الضالة وانحرافاتها (^٢)، وانتهاءً بثقافة الإلحاد التي أشاد بها وامتدحها في كتابه الثابت والمتحول (^٣)، وفي منثور كلامه في هذا الكتاب وغيره.
ويمارس هذا المادح أسلوب التعمية بالتعميم الإطرائيّ حين يصف أدونيس بأنه شاعر متمكن ومثقف واسع الإطلاع.
_________________
(١) جريدة الثرق الأوسط ١٤/ ٧/ ١٩٨٧ الموافق ١٨/ ١١/ ١٤٠٧ هـ.
(٢) انظر شواهد ذلك وأدلته في كتاب إحسان عباس اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر: ص ١٢٦ وص ١١٠، وكتاب أدونيس منتحلًا: ص ٢٣ - ٢٤، وكتاب قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ١٥٠، وإثبات البياتي لهذا في: ص ٢١٤ - ٢١٥. وانظر: عودته إلى منبعه الباطنيّ وامتداحه لهذا الاتجاه في الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٩١، ٩٢، ٩٦، ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤، ٦٤، ٦٦، ٧٠.
(٣) انظر: الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول - الفصل الثاني بعنوان المنهج التجريبيّ وإبطال النبوة: ص ٧١ - ٨٧.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقد التقيت به في لقاء خصص للحوار بين اتجاه الحداثة واتجاه الإسلام في الرياض عام ١٤٠٨ هـ وكان مما ذكرته له هذا القول في الثناء على أدونيس واعطائه شهادة التزكية الثقافية العريضة هذه، فأجاب بإصرار على أن أدونيس مثقف واسع الثقافة وأنه يجب أن نعترف له بهذا الوصف ونحو ذلك من الانجرار في هذا المجرى التبجيليّ التبريريّ الامتداحيّ، وما علم أن أستاذ أدونيس رئيس حزبه "إبليس" أعلم من أدونيس وأوسع ثقافة منه وأكثر اطلاعًا، وكذلك أتباعه الدجالون العتاة على مر التاريخ كانوا على هذه المثابة، ومع ذلك فإن ذلك لم يعم أبصار أولي البصائر وأهل الألباب أهل العلم والإيمان والتصديق والإيقان، فما سمعنا منهم من يمدح ويثني على سعة ثقافة إبليس وكثرة اطلاعه، بل نسمع ذلك حتى من الذين أغرقوا غاية الإغراق في اتباعه وطاعته.
ثم متى أصبحت الثقافة الواسعة مجالًا لامتداح رجل يعلن الكفر والإلحاد، ويفاخر بالوثنية والباطنية، إلّا إذا كان المراد من هذا الامتداح تضليل البسطاء ومخادعة ضعفاء العقول وترويج باطل يتستر خلف هذه الشعارات البراقة الكاذبة.
ولو أن هذا المادح اعتُديَ عليه في نفسه أو ماله أو أهله ثم جاء من يثني على ثقافة من قام بالاعتداء، أو على أصله ونسبه وحسبه، أو وصفه بأنه صاحب مدرسة متفردة متميزة رائعة، لما قبل مثل هذه الشهادة ولردها وأنكر على صاحبها غاية الإنكار.
فكيف يليق بالمسلمين أن يأتي من أبنائهم وممن يدعي الانتماء لدينهم -وربّما كان من المحافظين على بعض الشعائر الظاهرة- فيلقى المدائح المضللة والألقاب الخادعة لرجل يعلن بصواحة أنه يقتل اللَّه "تعالى اللَّه عما يقول"، وتضج كتاباته بالكفر والشرك والإلحاد دون أن يشير أدنى إشارة إلى هذا الانحراف الضخم والتردي الهائل، هذا إن صح أن تذكر هذه الانحرافات مع ذلك التبجيل والمدح، فكيف وقد غطى سوأة الإلحاد بألقاب الثقافة والمدرسة المتميزة والاطلاع الواسع والمدرسة الرائعة؟!.
[ ١ / ٣٥٣ ]
إنه أمر الأهواء منذ القديم، تهوي بأصحابها في تخوم التبعية، وتجعله يستقبل الكفر والإلحاد بلا أنفة أو حمية إيمانية.
وما من شيء عبث بهذه الأذهان المستعبدة سوى هذه الأهواء الجارفة، التي تمتد رذيلتها إلى شعاب كثيرة في الأفكار والأعمال، منها هذه المدائح الفارغة التي تطل علينا كل يوم من ملحق ثقافيّ أو كتاب أدبيّ.
وقد يتصدى لهذا المادح آخر من شكله يمتدحه وهكذا في سلسلة من المدائح والاعتناء والاحتفاء المقصود.
خذ حداثيًا آخر يمتدح الغذامي وأدونيس وآخرين فيقول في رسالة موجهة إلى الغذامي: (إني أرشحك أن تكون جبيننا المرفوع أمام المبدعين الآخرين، ووجهنا المضيء في كل احتفال مبهج بالكلمة والإيقاع، كما عبد العزيز المقالح في اليمن، وعز الدين إسحاق في مصر، وماجدة السامرائيّ في العراق، وكما أدونيس في الوطن العربيّ كله أجدني أبتهج بك) (^١).
وأعمال الامتداح هذه على ما فيها من الفجاجة والمعابة هي -في اعتبار هؤلاء- حق خالص لا ينازعهم فيها منازع، ولطالما سعوا بالثلب على الشعراء الأقدمين، في سفاهة وبذاءة، من أجل أنهم امتدحوا ملوك المسلمين وسلاطينهم وأمراءهم وخلفاءهم، أمّا هم فقد ارتكسوا في مدح الشيوعية ورموزها ومبادئها، والغرب ومبادئه، والإلحاد وسخافاته، والانحرافات الخلقية وأصحابها.
فإذا تأمل العاقل هذه التناقضات الهجينة وجد أن هذا الدخول الجريء المستبشع، وهذا المركب الخبيث الذي ركبوه، هو الذي جرهم إلى أشباههم وأهل ملتهم من الحداثيين والعلمانيين، فانبعثوا في ولاء تام لبعضهم حاملين ألوية الضلال والإضلال.
وإذا كانوا قد قرروا أن الإيمان والتوحيد هو أساس التخلف، وأن
_________________
(١) مجلة اليمامة، عدد ٩٤٠، في ٢٨/ ٥/ ١٤٠٧ هـ.
[ ١ / ٣٥٤ ]
الكفر والوثنية هي أصل التعددية والحرية الثقافية والإبداعية، فإنهم ما فتئوا يكررون هذا المعنى في عبارات عديدة منها قول أحدهم: (ثالث الأساسيات الثقافية الموروثة هو افتقاد الحرية، فكما أن الإنسان لا يمتلك من أمره شيئًا أمام القوة المهيمنة للنموذج/ للماضي/ للَّه/ لقوى اللاوعي الغامض/ للقدر، فهو أيضًا لا يمتلك من أمره شيئًا أمام رموز هذه الجواهر على الأرض، الحاكم أو الرئيس أو الملك أو النظام، فكل هذه الرموز تمثل العلاقات المعطاة مسبقًا) (^١).
وهو المعنى ذاته الذي قرره أدونيس في كتابه زمن الشعر في قوله: (ومن هنا يبدو مقياس الشعر الثوريّ العربيّ في مدى رفضه الموروث أنه الشعر الذي يعلن موت كل ما يميت الإنسان، وهو في ذلك لا يقتل الآلهة وحسب، وإنّما يقتل كذلك كل من يحاول أن يحتل كرسيها أو يأخذ دورها سواء كان سلطانًا أو نظامًا أو إيديولوجية) (^٢).
وهذه الثورة الحداثية تستهدف أول ما تستهدف دين اللَّه تعالى، وتعزز أول ما تعزز إلحادًا في ثوب تحديث، وانحرافًا رداء إبداع، وهي الثورة المحطمة لكل المقومات الأساسية في حياة المسلمين.
وهذا ما قام بتوصيفه إحسان عباس في معرض حديثه عن مضامين الثورة الحداثية حيث قال: (. . . الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب وتفكيك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان -دون أي شيء آخر- تعني فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن نحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات، هل الشاعر من حزب الشيطان؟ لو كان الأمر كذلك لكان يدخل حربًا خاسرة، ولكنه من حزب الإنسان، وهذا يعني أن الإنسان هو القيمة الوحيدة في هذا
_________________
(١) بحثًا عن الحداثة: ص ٦٧.
(٢) زمن الشعر: ص ١١٣.
[ ١ / ٣٥٥ ]
الكون، وهو لا يحاول أن يدخل حربًا بين طرفين، وإنّما يكتفي بالجحود) (^١).
هذا التحليل من أستاذ حداثيّ متمكن في التنظر والنقد لهذا الاتجاه، وهو تحليل يظهر بجلاء أن مارسخ في نفوس وعقول هؤلاء مصبوغ صبغة شديدة بالكفر والإلحاد، وأن الحداثة ملة مباينة لملة الإسلام مباينة تبلغ حد الرفض والمناقضة.
وثقافة هذه منازعها وتلك هي أهدافها، لابد أن تكون في صف آخر غير صف الحق والخير والعدل والفضيلة المتمثلة في دين اللَّه القويم الأبلج.
وما التحدي للسماء وعدم قشعريرة نفس إحسان عباس، وسائر الحداثيين الذين وصفهم، من هذا التحدي إلّا مظهر من مظاهر هذه الردة الحداثية.
وما تأليه الإنسان وجعله القيمة الوحيدة في هذا الكون إلّا شعبة من شعب التحدي للسماء والدين والإله العظيم -جلَّ وعلا- وما إشاحة الوجه عن كل ما وراء الغيب إلّا شعبة أخرى من شعب هذه الملة الإلحادية الجاحدة.
غير أن إحسان عباس يأبى على الذين يحتالون بالتفسيرات والتأويلات والتوجيهات ليجمعوا بين الحداثة والإسلام، يأبى عليهم هذا ويستنكر صنيعهم، حتى ولو قال أعداء الحداثة بأن هذا من حزب الشيطان فهو لا يأبه أو لا ينبغي له أن يأبه؛ لأنه من حزب الإنسان الذي أصبح إلهًا من دون اللَّه مستغنيًا عن كل ما سواه.
هذه الثورة الحداثية في وصف إحسان عباس، وهو الذي يعد من المعتدلين في هذا التيار!!!.
وعندما أتحدث عن الحداثة فإنه يجب ألا يغيب عن الأذهان أن ما تعنيه الحداثة وتتضمنه هو عين ما تعنيه العلمانية وتحتويه، وقد أفصح عن
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربيّ المعاصر: ص ١٥٨.
[ ١ / ٣٥٦ ]
هذه الحقيقة غير واحد من طواغيت الحداثة، منهم خالدة سعيد التي قالت: (. . . تبدو العلمنة كمبدأ، بعدًا من أبعاد الحداثة، دون أن يعني ذلك صيغة محددة بعينها، وفي إطار الحداثة علينا أن نقرأ المفكرين العلمانيين، القوميين منهم والماركسيين، وقد أسهم هؤلاء المفكرون، بدورهم في إذكاء تيارات الحداثة العربية وتعميقها) (^١).
ويعبر عبد الرحمن المنيف عن هذه العلاقة بقوله: (. . . نجد أول معثى من معاني الحداثة: الجديد في مواجهة القديم، والجديد لا يقتصر على الفكر والأدب، وإنّما ينسحب أيضًا على البنى الاقتصادية والاجتماعية، وإلى قيم جديدة مختلفة عما هو قائم وسائد، وإلى علاقات تلائم هذه القيم، كل ذلك مع تطور لا يلبث يتسع ويتزايد في العلوم والتكنولوجيا والمعارف الإنسانية، إضافة إلى تنمية القوى المنتجة وتنامي الوعي، وعلمانية في الفكر والسلوك، لأن مركز الثقل أخذ ينتقل من السماء إلى الأرض. . .) (^٢).
وأهم وجه من أوجه تطابق الحداثة والعلمنة أنها -كما سبق- تتجرد من التأله والتعبد للَّه وتنعطف نحو الإنسان والأرض (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان، وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج نظام إلهيّ أبديّ، بل وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا، ومن هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم تغيرًا جذريًا فلا شيء محرم على العقل.
فعوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع، وجد الإنسان نفسه، شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت مضى مقياس كل شيء، إذ أن العصر الحديث عصر علمانيّ بدأ حين
_________________
(١) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ٦٥.
(٢) المصدر السابق ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢١٠.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وعى الإنسان قدرته، وأخذ يعرب عن وجهة نظره الفردية المستقلة إلى نفسه واللَّه والكون، لقد تأتى له أن يشك، وفي شكه عزم على الاكتشاف لنفسه وبنفسه، وتعني العلمانية، الزمانية، العقلانية، -عميقًا- على مستوى الإنسان ما يسمه الخال بالإنسان الحر الذي هو قبل أي شيء آخر الفرد، وبمعنى آخر تعني العلمانية/ العقلانية على مستوى الإنسان الفردية بالمعنى الليبراليّ للكلمة. . .، تصبح الحداثة في هذا السياق وبما هي نظرة إلى الوجود أو عقلية، حسب تعابير الخال. . . نظامًا معرفيًا يجد مرجعه في النزعة الإنسانية الطبيعية أو العلمية. . .) (^١).
وهذا الكلام خليط من كلام يوسف الخال ومحمد جمال باروت وهو الذي قام بالصياغة مقتبسًا أقوال الخال من مقال له بعنوان نحو أدب عربيّ حديث ونشر في مجلة أدب - المجلد الثاني، العدد الأول شتاء ١٩٦٣ م/ ١٣٨٢ ص: ص ٩ - ١٠.
والمقصود أن الحداثة تقوم على جحد حق العبودية للَّه تعالى، وترى أن التحرر من العبادة هو أساس الإبداع والحداثة.
أمّا السخرية والتهكم بالطرق التي توصل إلى اللَّه تعالى فلازم لا ينفك عن هذا الأصل، بل هو واقعهم الحقيقيّ، وقد سبق نقل كثير من كلامهم في هذا الصدد، منها قول الصايغ:
(بين سطور أسفار العبادات
دوران ولف
ولا تقدم) (^٢).
وقوله:
(وحبي لك احتلام
_________________
(١) المصدر السابق ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢٥٨.
(٢) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٠٧.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وديني هرطقة) (^١).
ومن السخرية بالطرق الموصولة إلى اللَّه قول أنسي الحاج: (لا يخف أحد على اللَّه من الحرية فهي أضمن الطرق المؤدية إليه) (^٢).
وهي يعني بالطبع حرية الكفر والإلحاد، والدعارة والانحطاط.
على غرار قول سعدي يوسف:
(حبيبتي كافرة. . . إنها لم تتخذ غير الهوى دينا) (^٣)
ومثله قول نزار قباني:
(وشجعت نهديك فاستكبرا
على اللَّه حتى فلم يسجدا) (^٤).
ونحو قوله:
(وناهداك أجيبي من أذلهما؟
ويوم كنت أنا للَّه ما سجدا) (^٥).
ومن ألوان تهكمه وسخريته بالعبادة للَّه، امتداحه للكفر والإلحاد، كقوله:
(يا طعم الثلج وطعم النار
ونكهة كفري ويقيني) (^٦).
ونحوه قوله:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٦٥.
(٢) خواتم: ص ١٥.
(٣) الأعمال الشعرية لسعدي يوسف: ص ٩٥١.
(٤) الأعمال الشعرية لنزار قباني ١/ ٢٥.
(٥) المصدر السابق: ١/ ٤٣٤.
(٦) الأعمال الشعرية لنزار قباني ٢/ ٣٩.
[ ١ / ٣٥٩ ]
(ماذا أعطيك؟ أجيبيني
قلقي إلحادي؟ غثياني
ماذا أعطيك سوى قدر
يرقص في كف الشيطان) (^١).
ونحوه قوله:
(أعطيني الفرصة حتى أقنع حتى أؤمن حتى أكفر) (^٢).
ومن ألوان تهكمه وسخريته بالعبادة للَّه تعالى وبالطرق التي توصل إلى رضوانه، وصفه لرواد المساجد بالتنبلة وهي البطالة والخسة، واستهزاؤه بالدعاء وذلك في قوله:
(نقعد في الجوامع
تنابلًا كسالى
نشطر الأبيات أو نؤلف الأمثالا
ونشحذ النصر على عدونا
من عنده تعالى) (^٣).
وأشنع من هذا كله قوله:
(من بعد موت اللَّه مشنوقًا
على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٠٦.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٩٩.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٨٩.
[ ١ / ٣٦٠ ]
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (^١).
أمّا شاعر الأرض المحتلة -حسب وصف الحداثيين- محمود درويش: فيتحدث عن أبيه رمز القديم ورمز الجيل المؤمن باللَّه، ويتهكم به وبصلاته وعبادته، فيقول:
(غض طرفًا عن القمر
وانحنى بحضن التراب
وصلى
لسماء بلا مطر
ونهاني عن السفر!
. . . وأبي قال مرة
حين صلى على حجر:
واحذر البحر. . والسفر!
يوم كان الإله يجلد عبده
قلت: يا ناس نكفر
فروى لي أبي. . وطأطأ زنده:
في حوار مع العذاب
كان أيوب يشكر
خالق الدود والسحاب!
خلق الجرح لي أنا) (^٢).
ولا يخفى ما في هذه الكلمات من سخرية باللَّه ودينه وبالصلاة
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٣٤٢.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ١٤٤ - ١٤٥.
[ ١ / ٣٦١ ]
والعبادة، وما فيها من ارتماء وامتداح للسفر والقمر والبحر رموز الغرب وثقافته ونظم حياته.
وفي تهكم بالصلاة أو الدعاء والألوهية يقول:
(بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا ينحني
ويصلي
لإله في العيون العسيلة!) (^١).
ويجعل السماء وما يأتي منها أغلالًا، والدعاء والصلاة عديمة الفائدة، فيقول:
(رأينا أصابعه تستغيث، وكان يقيس السماء بأغلاله
. . . .
ينادين يافا
فيأتي الصدى حرسًا
ومن يومها، كفت الأمهات عن الصلوات وصرنا
نقيس السماء بأغلالنا) (^٢).
أمّا زميله في النضال!! سميح القاسم فيرى أن قمة تفوقه تكون بالتطهر والبراءة من السماء، فيقول:
(من قديم الزمان!
قبل كانوا سعاة
في بريد الإله
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩٢.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٤٤٨ - ٤٤٩.
[ ١ / ٣٦٢ ]
لم يكونوا غزاة ككل الغزاة
وأنا أيها السادة التافهون
طاهر، طاهر من رياء القضاة
ومسوح السماء) (^١).
ويقصد بمسوح السماء الدين والشرائع والعبادات التي جاء بها الوحي وأنزلها اللَّه على أنبيائه، ويدعي أنه يتطهر منها، وهو في الحقيقة منغمس في أوحال نجاسات الشيوعية والإلحاد.
وفي مقدمة ديوان توفيق زياد يذكر المقدم أنواع الألفاظ والأساليب التي استخدمها توفيق زياد ويعد منها الدعاء ويعتبره أسلوبًا شعبيًا مثل قوله: (انشله يارب من كل ضيق) (^٢)، أي: أن الدعاء الذي هو العبادة ليس إلَّا أسلوبًا فلكلوريًا.
أمّا صاحب الديوان نفسه وهو الشيوعيّ العريق في الشيوعية، والدرزيّ الأصل، فيقول متهكمًا بالدعاء والصلاة:
(ومن أين تأتي النقود
وهذه السموات رغم الدعاء
ورغم الصلاة صباح مساء
أبت أن تجود ولو بالقليل
من الذهب المفتدى) (^٣).