لم تقتصر شرور الحداثة والعلمانية على نفي الألوهية عن اللَّه تعالى بل امتدت لتنال ما ترتب على توحيد الألوهية من قضايا وأمور، تعتبر من أصول الدين وقواعده المحكمة، أو من فروعه المعلومة من الدين بالضرورة.
وإذا كانت الحداثة والعلمانية تسعى بجد في إبعاد الدين جملة وتفصيلًا فإنه مما لا ريب فيه أنها جادة في نفي خصائص الألوهية في كل ما يتعلق بالحياة، بأوجه عديدة وطرائق مختلفة، وإن موضوعًا كهذا ليس من البساطة
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ٢٣٠.
(٢) انظر: الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص ١٩٥.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٠٣.
(٤) شعرنا الحديث إلى أين: ص ١٣٧. وانظر كلام أبي عبد الرحمن الظاهري عن البئر المهجورة في كتابه القصيدة الحديثة وأعباء التجاوز: ص ١٣٥، ١٣٦، ١٣٩، ١٤١، ١٤٢. وقال في ص ١٥٠: (ويوسف الخال من رواد الحداثة في الشعر لكن قصيدته التي مضى طرف منها من أسمج فصول الحداثة، والعجيب أن غالي شكري درسها على أنها من روائع المجد العربيّ!!).
[ ١ / ٣٣٠ ]
بحيث يُمكن التماري حوله قبولًا وردًا، بل هو من قضايا التوحيد ومن ثوابت الإيمان؛ ذلك أن أي خصيصة من خصائص الألوهية يعد إنكارها أو التشكيك فيها ناقضًا من نواقض الإسلام.
لأن الإسلام هو الاستسلام الكامل للَّه -﷿-، والإذعان له، بتصديق خبره وامتثال أمره.
والكفر الذي يسبب الخلود في نار جهنم هو التكذيب والإعراض عن هذا؛ إذ كيف يعد مسلمًا من قابل خبر اللَّه أو بعضه بالتكذيب، أو استقبل شيئًا من شريعته بالإعراض والرد؟، وهذا الأمر من محكمات الدين الإسلاميّ، وهو من الحدود الفاصلة بين الإسلام والكفر والإيمان والنفاق، وهو الميدان الذي يتصاول فيه دعاة الإسلام مع أعدائه وشانئيه.
وهؤلاء الذين ينكرون بعض خصائص الألوهية يمارسون ذلك من عدة أوجه وبعدة أساليب، وسوف أذكر بعضًا من ذلك على سبيل التمثيل لهذا اللون من الانحراف العقديّ في الأدب الحديث:
نفي حق اللَّه تعالى في حكم عباده والتشريع لهم، باعتقاد العلمانية دينًا أو الإلحاد الصريح مذهبًا، أو بالزعم بأن دين اللَّه تعالى لا يصلح لهذا الزمان أو أن أحكامه بشعة وغير ذلك من سعيهم في آيات اللَّه معاجزين، وسيأتي فصل مستقل بهذا النوع من الانحراف، وإنّما أشير هنا إلى بعض الأمثلة في ذلك:
يقول نصر حامد أبو زيد (^١) في معرض رده لنصوص الوحي المعصوم
_________________
(١) نصر حامد أبو زيد، أحد أشد عتاة أعداء الإسلام المعاصرين، يرى أن القرآن العظيم مجرد نص لغويّ، وأن الوحي مجرد ظاهرة، وكل ذلك قابل للنقاش والأخذ والرد، يتبنى العلمانية دينًا، ومناقضة الإسلام مبدأ، ومحاربة الشريعة الإسلامية غاية، اهتم بالدراسات اللغوية وعلوم القرآن وقضايا التأويل، محاولًا إيجاد أرضية فكرية لتقويض الإسلام، مجمل كتاباته تدل على أنه يتبنى هدم الإسلام من داخل الإسلام نفسه، وفي هذا البحث مناقشة لبعض آرائه، حمته السلطة العلمانية، ومنعت من مقاضاته، وسهلت خروجه خارج البلد، حيث تلقفته الجامعات الغربية في أسبانيا وهولندا وأمريكا وفرنسا.
[ ١ / ٣٣١ ]
المنزل على نبينا محمد -ﷺ-: (. . . إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية) (^١)، (. . . إن النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة) (^٢).
ثم يخلص من هذا الكلام الهزيل ليصل إلى مراده النهائي، والذي سوف يرتب عليه نسف الدين كله فيقول: (وإذا كنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية فإن هذا التبني لا يقوم على أساس نفعي إيديلوجي يواجه الفكر الدينيّ السائد والمسيطر بل يقوم على أساس موضوعيّ يستند إلى حقائق التاريخ وحقائق النصوص ذاتها) (^٣).
وهذه الأقوال ليست إلّا وجهًا كالحًا من أوجه الإلحاد الذي غزى به الأعداء بلاد المسلمين وأوجدوا من بين بني جلدتنا ومن يتكلم بألسنتنا من يقول أقوالًا لم يقلها أساتذته، إمعانًا في استرضائهم ونيل حظوتهم والمكانة عندهم.
ويستتر هذا البغيض تحت عبارات يخادع بها ويبث بها كفره مثل الموضوعية وحقائق التاريخ وحقائق النصوص، وهو أبعد ما يكون عن كل ذلك وهو من جنس حجج الكافرين السابقين ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (^٤)، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ (^٥)، وإلّا فما القول في فحول فصحاء العرب الذين توقفوا عند نصوص الوحي مبهورين؟ وخضعت أعناقهم -وهم البلغاء- لروح هذا الكلام الحكيم؟.
ثم يأتي ذباب ارتشف من زبالات الغرب ما ارتشف ليخرج بعد ذلك
_________________
(١) قضايا وشهادات عدد ٢ بعنوان "الحداثة" صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٣٨٩.
(٢) و(^٣) المصدر السابق: ص ٣٩١، ٣٩٢.
(٣) الآية ٥ من سورة الفرقان.
(٤) الآية ٣١ من سورة الأنفال.
[ ١ / ٣٣٢ ]
مثل هذا الكلام المتهافت الوضيع ليتسلل من خلاله إلى نفي وجود اللَّه تعالى وجحد أخبار الغيب فيقول: (تتحدث كثير من آيات القرآن عن اللَّه بوصفه ملكًا (بكسر اللام) له عرش وكرسي وجنود وتتحدث عن القلم واللوح، وفي كثير من المرويات التي، تنسب إلى النص الثاني -الحديث النبويّ- تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسيّ والعرش، وكلها تساهم -إذا فهمت فهمًا حرفيًا- في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا الماديّ المشاهد المحسوس) (^١).
ثم يصب جام حقده على تطبيقات النصوص الشرعية في الأحكام والتشريعات وهي المقصد الرئيسي لكل مقدماته الباطلة الكافرة، فيسخر من الرق والعتق ومصطلح أهل الكتاب وأخذ الجزية والسحر والجن والحسد وحكم الربا ثم إلى "الحاكمية" فيقول عنها: (والانطلاق من معطيات النص الحرفية والتمسك بالدلالات التي تجاوزتها الثقافة وتخطتها حركة الواقع يكشف عن بعده الإيديولوجي بشكل واضح في إصرار الخطاب الدينيّ على جعل العلاقة بين اللَّه والإنسان محصورة في بعد "العبودية" والعبودية تستدعي مقولة "الحاكمية" التي تتأسس عليها وجوديًا ومعرفيًا) (^٢).
ثم يتوجه بالهجوم الإلحاديّ على مصطلح "العبودية" ويقرر أن دلالة اللفظ مجرد دلالة تاريخية لا حقيقة لها وأن العبودية (لا تعني الامتلاك الكامل للروح والجسد كما كان الحال في النظام الاجتماعي الاقتصاديّ المسمى العبودية) (^٣).
ويضيف قائلًا: (وحين يحصر الخطاب الدينيّ العلاقة بين اللَّه والإنسان في بعد "العبودية" وحده فإنه لا يستحضر المعنى المجازيّ للعبودية، بل يصر على تأكيد الدلالة الحرفية، وهي الدلالة التي تتأكد بطريقة حاسمة حين توضع في سياق التأويل الحرفيّ لصورة الإله الملك صاحب العرش
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٩٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٩٨.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٩٩.
[ ١ / ٣٣٣ ]
والكرسي والصولجان والجنود التي لا حصر لها) (^١).
فهذا نموذج من نماذج الانحراف العقديّ الذي يُنشر ويُقرأ ويُحمى، وفيه أكبر شاهد على أوهام المادية الجدلية وأكاذيب وأغاليط الإلحاد، والحرب الموجهة ضد الإسلام عقيدة وشريعة، ويُمكن ملاحظة المزيج الكفريّ في النص: من احتماء بدعاوى العلمية والمعرفية والثقافة الشمولية، التي يخاح بها أشباهه من ذوي الهزال العقليّ، ثم السخرية باللَّه تعالى وبالنص الشرعيّ، وبالفهم السلفيّ القويم لهذه النصوص.
إن إسقاط حق العبودية للَّه تعالى أحد أظهر دلالات الاتجاه الحداثيّ العلماني، ومنه يتسرب جحدهم لحق اللَّه تعالى في الحكم والتشريع، وغير ذلك (^٢).
وفي الحقيقة أن هذا المتهالك وأشباهه من الكتاب العلمانيين والحداثيين لايفهمون التدين إلّا بصيغته الأوروبية إلحادًا وجحودًا وردًا ومكابرة، أشربوا حبها على أنها هي الحرية والتقدم والنهضة، أو مجرد علاقة بين الإنسان وربه عند الذين يقرون بوجود رب خالق، وأي تجاوز لتلك الحدود التي رباهم الغرب عليها فهو التطرف والتعصب والأصولية بل والتخلف والرجعية.
وقد يظن المرء لأول وهلة أن هؤلاء ضلوا سواء السبيل عن جهل وعدم معرفة، فإذا تأمل ما يكتبون وجد أن انخلاعهم الكامل عن الإسلام وانحيازهم الكامل للكفر عن بينة وتصميم وقصد.
إنهم بكل وضوح ضد الإسلام كل الإسلام عن سابق إرادة وترصد، ثم يأتون يتبجحون بعد كل ذلك بأن (العلمنة لا تعني الإلحاد، إنّما تعني حرية الاختيار، واتخاذ موقف فلسفي أمام مشكلة المعرفة، فالكثير من
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٠٠.
(٢) انظر: تأصيل نفي العبودية كأساس حداثيّ في كتاب الحداثة عبر التاريخ لحنا عبود: ص ١٥٠ - ١٥٣.
[ ١ / ٣٣٤ ]
العلمانيين مؤمنون حقيقيون، ولكنه ليس إيمان التبعية والجهل، وإلّا كيف نفهم أن رائد الفضاء الأمريكيّ يصعد إلى عربته الفضائية يدور في الفلك الكونيّ وهو يعلق في صدره صليب إيمانه، وفي أوروبا فصلت الحداثة بين الدين والمجتمع المدنيّ، ولكنها لم تلغ الدين ولم تقض عليه، فقط كل يمارس طقوسه وشعائره كما يهوى ويريد، وربّما لا يمارسها، ولكن توقف الدين عن فرض سيطرته وتشريعاته على الحياة السياسية والاجتماعية العلنية هي الموقف الحر للروح أمام مشكلة المعرفة) (^١).
إن خطاب المغالطة والتدليس الذي يميز اللهجة الحداثية العلمانية يبدو بارزًا عند اصطدامهم ببراهين الإسلام وحقائقه اليقينية، ويظهر معها مقدار التبعية للغرب إلى حد يجعل من المكابرة للحس والواقع والعقل والتاريخ شيئًا سائغًا عند هؤلاء.
وإلّا فأين الدراسات الموضوعية التي بناءً عليها يجب التفريق بين دين محرف ودين سليم قويم، وبين مجتمع وتاريخ عاش حياة البؤس تحت هيمنة أديان خرافية وجذور وثنية، ومجتمع وتاريخ عاش حياة الحق والخير والعدل والفضيلة؟!.
وأعجب ما في هذا الخطاب الممسوخ أن أصحابه شكلوا من أنفسهم قضاة ومفتين في أمور الإسلام والمسلمين وهم يلبسون عباءة أبي لهب ويمتشقون طيالسة الكنائس والبيع.
وإن من نفي خصائص الألوهية هذا الزعم الافترائيّ القائم على احتقار الدين والزعم بأن (الأديان بدأت تتقلص تقلصًا سريعًا عن كثير من البلدان حتى أنه لم يعد يدين بالأديان سوى ثلث سكان العالم: أي أن ثلثي سكان العالم حسب أحدث نظرية فقهية عن النار، مآلهم جهنم خالدين فيها أبدًا) (^٢).
_________________
(١) قضايا وشهادات، العدد الثاني صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ١٠٣ من مقال لأنيسة الأمين.
(٢) مسافة في عقل رجل: ص ٣.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وهكذا تتكرر الطريقة العلمانية الحداثية في مواضع عديدة، أولًا الزعم والادعاء، وثانيًا التهكم والسخرية؟!.
وإلّا فمن أين لهذا أن ثلث سكان العالم ممن يدينون بدين والبقية ليسوا كذلك؟.
إن هذه الدعوى إضافة إلى كذبها ومخالفتها للحقيقة هي محاولة لملء الفراغ وحشد الأعداد ليتكثّر بها في جانب الإلحاد.
ثم السخرية من الدين الإسلاميّ الذي يقرر أن الكفار في النار، يتحدث عن ذلك على طريقة سلفه الذي قال ساخرًا بالنبي -ﷺ- حين أخبر عن شجرة الزقوم: "إنّما الزقوم التمر والزبد أتزقمه" (^١).
ويعود هذا الخاسر بعد النسبة التي وضعها للتدين وعدمه فيقول: (ما جدوى الأديان وقد شدت الشرق إلى أحضان التخلف بينما ارتفعت هامة شعوب لا تؤمن بالأديان لقمة الحضارة) (^٢).
ثم يرسم طريقه الذي اقتدى به، وهو ما يؤكد أنهم ينظرون إلى الدين بعين أوروبية، فيقول: (هناك في البلاد المتحضرة أصبحت الأديان مجرد علاقة خاصة بين الإنسان وربه، هذا إذا كانت موجودة أصلًا وبالتالي أصبحت مجرد إطار، شكل، كلمة تكتب في البطاقة، أما أسلوب الحياة فمنفصل تمامًا يحدده المجتمع من خلال اعتبارات أخرى يستوحيها من أسباب الحضارة) (^٣).
هكذا تلقى هؤلاء الأغرار هذه الأفكار عن أساتذتهم الغربيين، علمًا بأن الغرب أدخل أديانه في أمور حياتية عديدة، ولهؤلاء الأتباع تتوجه أسئلة من مثل:
_________________
(١) قائل ذلك أبو جهل. انظر: تفسير ابن كثير ٦/ ١٧ عند قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ [الصافات: ٦٢].
(٢) مسافة في عقل رجل: ص ٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٥ ونحوه ص ١١.
[ ١ / ٣٣٦ ]
لماذا هذا التكالب النصرانيّ اليهوديّ على المسلمين؟.
لماذا يشن الغرب النصرانيّ حربه على المسلمين في البوسنة والهرسك؟.
لماذا يقاتل الصرب تحت رايات وشعارات الصليب؟.
لماذا قام الكيان الصهيونيّ في فلسطين ولم يقم في نيجيريا؟.
لماذا يسعى الغرب من يهود ونصارى في جعل المسلمين دائمًا تحت وطأة الضعف والتخلف والتبعية والاستعباد؟.
لماذا يصرح كبار سياسيّ الغرب بأن معركة كبرى ستأتي بينهم وبين المسلمين في "أرميا صيدون" وأنها آخر معركة في العالم؟.
ثم لماذا هذا الدعم الرسميّ والشعبيّ للمنظمات التنصيرية الموجهة إلى بلاد المسلمين؟.
وأسئلة أخرى كثيرة محرجة لهؤلاء الذين يدافعون عن الغرب أكثر مما يدافع عن نفسه، ويقتدون به ويقلدونه في أحط أموره.
إنهم طلائع العدو، بل هم العدو فاحذرهم قاتلهم اللَّه أنى يؤفكون، هم نقل الإفرازات الإلحادية والصهيونية إلى بلدان المسلمين، وليس معهم من كيانهم الأصليّ إلّا اللغة العربية التي يستطيعون بها توصيل سمومهم إلى أبناء المسلمين.
ولا تجد في فكر هؤلاء وعقائدهم ما يدل على شخصية عربية إلّا اللسان الذي به ينطقون ويه يكتبون، أمّا ما سوى ذلك فقد ذاب في خوض الكافرين واندرج في مدارج الهالكين.
ومن ألوان نفيهم لبعض خصائص الألوهية: القسم بغير اللَّه، وهذا كثير في كلامهم، ومنه قول صلاح عبد الصبور:
(أقسمت بالأهرام والإسلام والسلام
سأقتلك
[ ١ / ٣٣٧ ]
بكل ما سُقيتُ من مرارة الأيام
أغوص في دمك
أقسمت بالأخ الذي مضى وخلته بلا ثمن) (^١).
ويقول:
(أقسمت بالقمر
وبالسحاب والزهر
وباللجين واهب الحياة
سأقتلك) (^٢).
ومثال آخر من أقوال توفيق زياد:
(قسمًا بأفئدة الأباة
الثائرين بكل ساح
قسمًا بأجنحة النسور
تمردت رغم الجراح
قسمًا بأحداق العذارى
الداميات من النواح
قسمًا برماني وزيتوني
وندماني، وراحي
قسمًا بأرضي، بالشواطئ
بالسواقي، بالمراح
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٩٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٩٦.
[ ١ / ٣٣٨ ]
بالدم بالأحرار
بالعزم المسعر، بالرياح
لتبرقعن نسورنا أعشاشها
بلظى الكفاح) (^١).
ويقول النبي -ﷺ-: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر أو أشرك" (^٢).
ولولا قصد رصد صنوف الانحرافات لما أوردت مثل هذه القضية وأشباهها؛ لأن القوم قد انغمسوا في ما هو أبشع من ذلك من ألوان الكفر والإلحاد.
ومن أمثلة انحرافاتهم في هذا: التفاخر بعدم الخشية من اللَّه مثل قول توفيق صايغ:
(ارتعدت ركبتاي اصطكتا
لا لخشية اللَّه.
انقلبتْ خشيتي الخاليهْ
مرقصًا فاحشًا بروما) (^٣).
ومن ذلك أيضًا: التهكم بالدعاء الموجه إلى اللَّه سبحانه، واعتباره وباءً وفراغًا، ومجرد عناء لا فائدة من ورائه، يقول أمل دنقل:
(ودعونا اللَّه أن يكشف عنا الغمة المنعقده:
أعطنا ليلة حب واحدة
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الأيمان والنذور باب ماجاء في كراهية الحلف بغير اللَّه ٤/ ١١٠، وأبو داود في كتاب الأيمان والنذور باب كراهية الحلف بالآباء ٣/ ٥٧٠، وأحمد في مسنده عن ابن عمر ١/ ١٢٥.
(٣) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٠٥.
[ ١ / ٣٣٩ ]
أعطنا ليلة طهر واحدة
أعطنا ليلة صدق واحدة
وتنسمنا صدى الدعوة، غربلنا الهواء
لمن يكن إلّا الوباء
جربًا تحت الجلود) (^١).
أمّا التهكم بأنواع العبادة فقد تمادوا فيه -وسوف يأتي تفصيل ذلك- وإنّما أذكر هنا بعض الشواهد، فمن ذلك الاستخفاف بالسجود في قول نزار قباني:
(وناهداك. أجيبي من أذلهما؟
ويوم كنت أنا. . للَّه ما سجدا) (^٢).
وفي هذا تهكم بالسجود ونفي له، وهو من حقوق اللَّه تعالى ومن خصائص الألوهية التي لا يصح صرفها إلّا للَّه، كما لا يصح نفي استحقاق اللَّه لها، بيد أن هذا المفتتن لم يقتصر على النوع من الانحراف، وقد سبق ذكر جملة من انحرافاته، وله في أودية الضلال والفساد المدى الواسع والذكر القبيح، فها هو يصف اللَّه -جلَّ وعلا- بالموت شنقًا، ثم ينفي بعد ذلك أي قيمة أو معنى للصلاة والإيمان، فيقول:
(من بعد موت اللَّه مشنوقًا
على باب المدينة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (^٣).
فهل بعد هذا الكفر من كفر؟ ومع ذلك فلا نجد من الحداثيين
_________________
(١) ديوان أمل دنقل: ص ٢٤٥.
(٢) الأعمال الشعرية ١/ ٤٣٤.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٣٤٢.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والإمعات التابعين لهم والمدافعين عنهم إلّا الإشادة والامتداح لهذا الكلام المنحط الخبيث ولقائله، تحت شعارات التحديث والجمال الفنيّ والإبداع، ألا فلتكسر الأقلام والأيدي التي تكتب مثل هذا الكفر البواح.
ومن ألوان انحرافاتهم في هذا المسار: جعل العشيقة أحب من اللَّه تعالى، كما في قول محمد الماغوط:
(. . . وكنت أحبك يا ليلى
أكثر من اللَّه والشوارع الطويلة) (^١).
ومنها: الاستخفاف بالدعاء وجعله غير نافع ولا مفيد، كقول ممدوح عدوان: (ولو ينفع دعاي اللَّه لدعيت) (^٢).
ونحو هذا قول عبد الرحمن المنيف في روايته مدن الملح: (. . . ورغم أنه فهم المعنى العام للكلام الذي أداه هاملتون كما يؤدي المؤمن الصلاة أو كما يرفع المتوسل دعاءه إلى قوة مجهولة لكي تساعده، فقد احتار. . .) (^٣).
وقاعدة هؤلاء جميعًا في جحد خصائص الألوهية ما صرح به أحدهم قائلًا: (. . . يجب وضع الدين في إطاره الصحيح، وهو علاقة الإنسان بربه فقط دون المعاملات الإنسانية؛ لأن الأديان لم تعد تصلح كمنهاج في الحياة بعد أن حرمت في كثير من نصوصها أحاسيس المجتمعات نبضها عندما قضت بتحريم ممارسة الفنون من رسم ونحت وتمثيل ورقص وغناء وموسيقى، نأخذ من أحكامها مايتسق والعصر، ونرفض ما يخالف ذلك حتى ولو أدى الأمر بنا أن نرفضها جميعًا) (^٤).
وعلة هذا الجحد والمصادمة والرفض الكامل أو الجزئيّ للدين أنهم
_________________
(١) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٦٧.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان ١/ ٤٦.
(٣) مدن الملح جـ ٥ بادية الظلمات: ص ٧.
(٤) مسافة في عقل رجل: ص ٤.
[ ١ / ٣٤١ ]
يرون -زورًا وبهتانًا- أن الإنسان أصبح لإيمانه باللَّه (مجرد وسيلة، قطعة شطرنج على لوح الأديان) (^١) وأن (شرائع الأديان أصبحت الآن وفي أغلبها كسيحة عن ملاحقة التطور المذهل للبشرية) (^٢).
وأن النهضة اليوم لم تأت إلّا بعد التمرد والرفض للأديان (ففي عصر النهضة كانت المجتمعات شرنقة للدين من خلال سيطرة رجال الدين، إلى أن خلع الفكر تلك الشرنقة ومزقها لتدب فيه الحياة بآراء المفكرين والفلاسفة والعلماء) (^٣).
هذه حقيقة نظرتهم للدين وإن صبغوا أعمالهم بصبغة الأدب، ولونوا مقاصدهم بألوان التحديث والإبداع الفنيّ والتطوير اللغويّ ونحو ذلك من عاداتهم الكلامية.