قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٤١٣.
(٢) ديوان توفيق زياد - المقدمة ج "جـ".
(٣) المصدر السابق: ص ١٧٧ - ١٧٨.
[ ١ / ٣٦٣ ]
كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (^١).
وهذه الآية تنطبق على أهل الحداثة، الذين فروا من عبادة اللَّه وتمردوا على ألوهية اللَّه تعالى، زاعمين أنهم ينشدون الحرية ويلتمسون طرق التقدم. .، لكن واقع حالهم أنهم ارتكسوا في أحط أنواع العبوديات، وانحطوا إلى دركات الشرك، فألهوا المناهج والنظم، وعبدوا ذواتهم وعشيقاتهم والأمكنة والأزمنة، والشجر، والحجر وقبور شياطين الإنس مثل لينين وتماثيل الشيوعية في موسكو وبرلين، وغير ذلك من أنواع التيه والضلآل ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ (^٢).
فقد بين اللَّه تعالى فساد عقائد أهل الشرك قديمهم وحديثهم وأوضح لهم بالحجة والبرهان أن الذين يعبدولهم من دون اللَّه ليسوا سوى أوثان، سواء كان المعبود تمثالًا من حجر أو شجر، أو شخصًا أو وضعًا، أو مبدأ ضالًا أو مذهبًا منحرفًا، أو قانونًا أو دستورًا كفريًا، أو أدبًا أو أديبًا أو زعيمًا، أو غير ذلك مما يتوجه له بالطاعة والخضوع والاتباع والمحبة، أو مما تضاف إليه العبادة قولًا أو فعلًا، كلها أوثان سخيفة، لا يستندون في عبادتهم لها إلى دليل أو برهان، وإنما يخلقون إفكًا، ويخلقون باطلًا، ويبتدعون ضلالًا من تلقاء أهوائهم، بعيدًا عن مقتضيات العقل السليم والفطرة القويمة.
وهذه الأوثان لاتقدم لهم نفعًا، ولا تملك لهم رزقًا. . وكل معبود من دون اللَّه فهو بهذه المثابة وثن مختلق لا يملك شيئًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ
_________________
(١) الآية ١٦٥ من سورة البقرة.
(٢) الآيتان ١٧ - ١٨ من سورة العنكبوت.
[ ١ / ٣٦٤ ]
ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ (^١).
فاللَّه تعالى يجرد جميع الآلهة الذين يُتخذون من دونه من كل خصائص الألوهية، فهم لا يخلقون شيئًا ولا يستطيعون خلق شيء، بل هذه الآلهة المدعاة مخلوقة بعد أن لم تكن موجودة، بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، يتساوى في ذلك الوثن الجاهليّ القديم الساذج كالصنم والشجر والحجر والوثن والجاهليّ المعاصر كالمذاهب والقوانين والمدارس الأدبية الجاهلية والشخوص والمدارس.
وإذا تأملنا النفسية الجاهلية فإننا نجد بينها تشابهًا هائلًا رغم تباعد الأزمنة، من عهد نوح إلى زماننا هذا، وأول أوجه التشابه بينهم: إعراضهم ورفضهم للهدى ودين الحق، وعنادهم وإصرارهم على محاربته، ووصفه بالأوصاف الساقطة لإسقاط منزلته عند الناس ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (^٢)، وهذا الموقف المعاند هو الذين نراه ونقرؤه في كتابات أهل الردة المعاصرة من الحداثيين والعلمانيين.
إن الكفار يبدون صلفهم وعنادهم من أول وهلة، ويصرون على الكفر ومعاداة الإيمان، ويجزمون عن قصد بأنهم لن ينظروا في براهين الهدى ودلائل الإيمان.
وقد أخبر اللَّه عن هذه الحالة النفسية لدى الكافرين فقال -جلَّ وعلا-: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ (^٣).
وأصحاب الأدب الحديث في استرسالهم مع أصلهم الجاحد وقاعدتهم
_________________
(١) الآية ٣ من سورة الفرقان.
(٢) الآية ٣١ من سورة سبأ.
(٣) الآية ١٤٦ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٣٦٥ ]
الإلحادية في جحد ربوبية اللَّه وجحد ألوهيته تعالى، وصلوا إلى النتيجة التي وصل إليها أسلافهم، وهي نتيجة حتمية لمن أعرض عن اللَّه ودينه وهداه وشرعه، لقد وصلوا إلى حياة التشاكس من خلال توزع أهوائهم وعقائدهم وانتماءاتهم وتنوعها بتنوع معبوداتهم وتعدد آلهتهم، وهم مع كل هذا الخبط يفاخرون بهذه الدرجة من الانحطاط تفاخر المجنون بعقله، ويعجبون من توحيد الموحدين وإيمان المؤمنين كما عجب أسلافهم من قبل حين قالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ (^١).
وقد مرّ معنا في هذا الفصل كلام بعض منظري الحداثة حين زعموا أن التوحيد انغلاق وأغلال، والوثنية تعددية وحرية وانفتاح، وكذا هو واقع أكثرهم من صرّح منهم ومن لَمّح، يرون التأله للَّه تعالى والعبادة له سببًا في التأخر والرجعية، ويعجبون أشد العجب في لغة استنكارية استكبارية أن يطلب المسلم منهم أن يعودوا بفكرهم وفنهم وأدبهم إلى حظيرة الإسلام ومعايير الإسلام وضوابط الإسلام.
فينفرون كحمر مستنفرة فرت من قسورة، ويكابرون، ويتهمون أهل الإسلام شتى التهم، ويظهرون أنفسهم في مظهر المنصف والعقلانيّ والموضوعيّ، ويتطاولون على الحقائق بأنواع من التدليس والتلبيس، ويتواصون أن ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، آية واحدة من القرآن تصف الحالة الشعورية والعملية لأهل الارتداد والكفر والإلحاد والشرك والنفاق.
وإذا عدنا إلى العبادات والعبوديات التي غرق الحداثيون في حمأتها، فإننا نجدها من الكثرة والتنوع بحيث لا يجمعها رابط إلَّا أنها عبودية لغير اللَّه تعالى.
_________________
(١) الآيات ٥ - ٧ من سورة ص.
[ ١ / ٣٦٦ ]
ولنذكر هنا بعض الشواهد على هذا النوع من الانحراف، ولتكن البداية من أدونيس الذي يختال على رقاب أتباعه الإمعات المندهشين به، وقد صور نفسه لهم على أنه هو المنقذ والمبشر، بل والإله الخالق المعبود، ففي أول قصائد ديوانه يقول:
(أبدًا نَخلق الوجود ونعطيه … حياة كما نرى ونشاءُ
قطرت في أكفنا فلق الصخر … عبيرًا واهتزت الصحراء) (^١)
ثم يشير إلى توجهه نحو الغرب، وإيمانه بأحافير دارون، ثم ينعطف إلى ذاته مادحًا مفتخرًا فيقول:
(أنا إن مت لا أموت فقد … ركّزت في جبهة البقاء خطايا
ربّما عشت في مزاميرها لحنًا … وغلغلتُ في ذراها عشايا
كلها في دمي وكليّ فيها … صبية يعبدونها وصبايا
أنا دربي طويلة كغد يقبل … كالكون في مداه الطويل
أنا جيل في أمتي وأنا فرد … من الجيل بل أنا كل جيل) (^٢)
وهكذا يتعالى هذا الباطنيّ في غطرسة وخيلاء واضعًا نفسه بأنه لو مات فإن الخطايا التي غرسها وركزها في الأمة سوف تبقى معبودة، ولكن من الذين يقومون بهذه العبادة؟ إنهم الصبية والصبايا وقد صدق وهو كذوب، فما رأينا أتباعه إلَّا سفهاء الأحلام معتوهي العقول.
ولم يقتصر أدونيس في افتخاره وتعاليه بذاته بل امتد إلى افتخاره بوالده فقد أغدق عليه من المدح ما لم يقله أحد في أحد قبله، فقال في رثائه:
(أحبه، أحبه أعظمًا
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٠.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٦.
[ ١ / ٣٦٧ ]
في القبر تستعصي على الخالقين) (^١).
ثم يخاطب النار التي ضمت والده ساخرًا:
(يا لهب النار الذي ضمه
لاتَكُ بردًا، لا ترفرف سلام
في صدره النار التي كورت
أرضًا عبدناها وصيغت أنام) (^٢).
ولا ريب أنه يستحق النار لعبادته الأرض من دون اللَّه.
أمّا إذا أردنا أن نرى لونًا من ألوان الوثنية والجاهلية في صيغة عصرية حديثية، فلنقرأ "ترتيلة البعث" لأدونيس والتي ينطرح فيها بخشوع وخضوع وتملق بين يدي "فينيق" الطائر الوثن، والاسم الذي اشتهرت به الأمة السامية الجاهلية الوثنية، التي يقال إنها كانت قبل الميلاد بألفي عام.
يقول أدونيس:
(فينيق يا فينيق
يا طائر الحنين والحريق
. . . لفتتك انخطافة وناظراك منجم
مسافر زمانك الغد الذي خلقته
زمانك الغد - الحضور السرمديّ في الغدِ
لموعد:
به تصير خالقًا به تصير طينة. . .
. . . فينيق أنت من يرى ظلامنا
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٩.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٣٩.
[ ١ / ٣٦٨ ]
يحس كيف نمّحى
فينيق متْ فدى لنا
فينيق ولتبدأ بك الحرائق
لتبدأ الشقائق
لتبدأ الحياة
يا أنت يا رماد يا صلاة. . .
. . . فينينق خل بصري عليك خل بصري:
ألمح خلال نارك الغيب الذي يختبئ - الذي
يلف جرحنا
وألمح الركام والرمال والدجى
واللَّه في قماطه، اللَّه الذي تلبسه أيامنا
حرائقًا وغصصًا وجدُرا
تلبسه ولا ترى. . .
. . . فينيق سر مهجتي
وُحِّد بي وباسمه عرفت شكل حاضري
وباسمه أعيش نار حاضري. . .
. . . يفتح صدر عالم أهدابه المحبة
البساطة، الغد الذي لا تضمر الشمس احتمال مثله
تحضننا الألوهة الرائمة التي تحس مثلنا - التي تحس معنا.
. . . فينيق تلك لحظة انبعاثك الجديد
صار شبه الرماد وشررًا ولهبًا كواكبيًا
[ ١ / ٣٦٩ ]
والربيع دب في الجذور في الثرى
أزاح رمل أمسنا - العجوز والثلاثة
الركام والفراغ والدجى
فينيق خل جبهتي أسيرة لديك في علوك البعيد في جفوننا
البعيد عن أكفنا. . .
. . . وخلني لمرة أخيرة
أحلم أن رئتي جمرة
يأخذني بخورها يطير بي
وخلني لمرة أخيرة:
ها ركبتي حنيتها
وها جلست خاشعًا
فخلني لمرة أخيرة أحلم يا فينيق
أحتضن الحريق
أغيب في الحريق
فينينق يا فينيق
يا رائد الطريق) (^١).
وما عاقل يشك في أن هذه الكلمات تضج بالعبودية لفينيق، وهي في الحقيقة ترتيلة عبادية كما سماها أدونيس نفسه، بها يتخطى أدونيس كل حضارة الإسلام، بل وحتى ما قبل الإسلام من عربية جاهلية، ليصل إلى فينيق يبحث (عن هوية الذات الحضارية، القومية في رمز فينيق، وهو طائر أسطوريّ موطنه بعلبك يحترق كلما أدركه الهرم لينبعث فتيًا من رماده، إن
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٦٥ - ١٧٣.
[ ١ / ٣٧٠ ]
هذه الاستعادة النهضوية لرمز فينيق هو أحد أشكال وتجليات الرمز الانبعاثيّ تؤدي وظيفتها النهضوية الإحيائية بالمعنى الذي طرحه سعادة في الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ، أي إيجاد موصل الاستمرار الفلسفيّ بين السوريّ القديم والسوريّ القوميّ الاجتماعيّ الجديد، إذ أن أدونيس لا يتناول رمز فينيق كموضوع، بل يتمثله كرمز حضاريّ، ويتلبسه ويستبطن فيه عن رؤاه، وهذا يعني أن أدونيس يحول الرمز الحضاريّ إلى تجربة داخلية كيانية، يدركها حدسيًا وميتافيزيقيًا، من هنا فإنه يجسد في التجربة الاستبطانية مشاكل ميتافيزيقية فلسفية كالموت والتجدد والفراغ والغربة والحرية والنفي والقلق. . . إلخ) (^١).
هذا ما شرحه أحد منظري الحداثة عن استخدام أدونيس لرمز فينيق، وفيه أشار إشارة فلسفية إلى المعنى العباديّ الذي يتضمنه كلام أدونيس عن فينيق وذلك في قوله: (يدركها حدسيًا ومتافيزقيًا. . .) (^٢)، وفي الحقيقة أن أدونيس قد غرق إلى ذقنه في تأليه وعبادة الطائر الأسطوريّ فينيق ليس في هذا المقطع المسمى ترتيلة البعث بل وفي غيره، وسوف يأتي -إن شاء اللَّه- تفصيل ذلك في الفصل الرابع من هذا الباب.
والذي يخصنا في هذا المقام أن أدونيس قد اتخذ فينيق ربًا وإلهًا، واستجداه في عبودية كاملة وفي انحناء وخشوع أن يهبه مطالبه، وأن يوصله إلى مقاصده المتمثلة في طمس التوحيد والإيمان، وإحياء الوثنية والكفر، والانقطاع عن الأمة المسلمة أرضًا وتاريخًا وحضارة وقيمًا، والتواصل مع الغرب بل والاندماج الكامل فيه، وقد أداه ذلك كله إلى هذا الخنوع الوثنيّ الشبيه بخنوع وخضوع من سبقه من الكافرين أمام أصنامهم.
وإذا كان توحيد رب البرية -﷾- قاعدة كل ديانة جاءت من عند اللَّه، فإن الشرك قاعدة كل ديانة جاءت من عند الأهواء الشيطانية.
_________________
(١) الحداثة الأولى لباروت: ص ١٤٩. وانظر: ص ١٥٠، ١٥١، ١٥٢، ١٥٣ من الكتاب نفسه.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٤٩.
[ ١ / ٣٧١ ]
والمهمة الأولى للدين المنزل من عند اللَّه هي تخليص الإنسان من عبادة غير اللَّه، ولَمِّ شتات نفسه وتوجيه قلبه الواحد إلى عبادة الواحد -جلَّ وعلا- كما أن المهمة الأولى لملل الكفر قديمها وحديثها -في أي لون تلونت- هي تخليص الإنسان من عبادة اللَّه تعالى، ونكسه ورده إلى أسفل سافلين في العقيدة والخلق والفكر وسائر مناشط الحياة، تنفيذًا لتعهدات زعيمهم إبليس التي ذكرها اللَّه في القرآن في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ (^١).
وإن من المآسي العظمى في هذا الزمان أن يتصدر مثل هذا الجاهل الحاقد لبث كفره وإلحاده ووثنيته، ثم يتمكن بعد ذلك من اصطياد الأميين فكرًا وثقافة، الأرقاء شعورًا وسلوكًا، ويتنقل بهم من عبودية إلى عبودية، ومن إله باطل إلى إله أشد بطلانًا، ومن جرف خاوٍ إلى جرف هارٍ، فها هو يقول تحت عنوان "مزامير الإله الضائع":
(هذا الجسد
سحر أغوى الأرض
ألا ترضى
ولهيبُ تشهٍّ لا يبترد
من أطفال الجسد الأبد
فيه نغرس فيه نقطف
فيه ما لا يعرف، يعرف
معبد قلبي، معبد شعري، معبد عموي. . .
_________________
(١) الآيات ١٤ - ١٧ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٣٧٢ ]
فخذاك وبينهما الأجيال
شيء يحضن، يعشق يعبد، - كيف يقال؟
عري فخذيك، أزيحي التين. . .) (^١).
والمقطع كله جنس مكشوف، وعبودية للجسد الأنثويّ ولأعضاء الجنس المختلفة، وفي آخر المقطع يخاطب معشوقته الداعرة وينادي جسدها:
(يا مجهولي، نامي، آن مسيري نحو اللَّه.
الضائع، آن وصولي) (^٢).
إنها لغة الإلحاد والوثنية المعاصرة والكفر الرجيم، في أبشع صورها وأحط درجاتها، ثم يطلب من المسلمين المسامحة في التخاطب مع هؤلاء، والتجوز في الألفاظ والملاينة في العبارات، والمناقشة الأدبية المجردة!!.
إن وجود هذه الملاعب الوثنية على الساحة الثقافية والصحفية والإعلامية لدليل كبير على مقدار الخواء الذي وصلت إليه الأمة، والتعطيل الكامل لأحكام الشريعة، التي تنص على إقامة الحدود على المفسدين في الأرض، وأشنعهم وأخبثهم الذين يسعون في إفساد عقائد الناس من الزنادقة والمرتدين وأضرابهم.
ومن صنميات هذا الباطنيّ قوله:
(أعبد هذا الحجر الوادعا
رأيت وجهي في تقاطيعه
رأيت فيه شعري الضائعا) (^٣).
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢١٧.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٢٨٦.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقوله:
(كنت حطابًا عبدت الشجرة
وغرزت الفأس في أهدابها) (^١).
ويستمد من أشباهه وأسلافه العون في ترسيخ الكفر والإلحاد والوثنية فيستشهد بالشلمغانيّ (^٢) النصيريّ الحلوليّ الزنديق، ويضمن كلامه في مقطع من ديوانه بعنوان "تاريخ" وهو تضمين مقصود يتسق مع مبادئه الوثنية في العبودية لغير اللَّه؛ ولكي يكمل دائرة الانحراف لابد أن يهاجم الإسلام وأصوله ويحارب العبادات التي يتوجه بها الخلق للَّه من خلال الإسلام الدين الحق، وكل ذلك يجريه على لسان شبيهه الشلمغانيّ، فيقول:
(يفتي الفقهاء يصلب الشلمغانيّ ويحرق
يكون من مذهبه:
- اللَّه يحل في كل شيء حل في آدم وفي إبليس
. . . اللَّه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه
اللَّه اسم لمعنى
من احتاج الناس إليه فهو إله، لهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلهًا
ملاك من ملك نفسه وعرف الحق
ويقول الشلمغانيّ
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٠٩.
(٢) هو: محمد بن علي الشلمغانيّ، ويعرف بابن أبي العزاقر، شيعيّ من الغلاة بل ملحد خبيث المعتقد، كان إماميًا ثم أصبح نصيريًا، وادعى أن الألوهية حلت فيه واتكر شريعة إباحية، في أيام المعتمد العباسيّ فأفتى علماء المسلمين بقتله فأمسكه الراضي باللَّه العباسيّ فقتله وحرق جثته سنة ٣٢٢ هـ، ومن المعاصرين المعجبين به صنوه أدونيس النصيريّ. انظر: الأعلام ٦/ ٢٧٣.
[ ١ / ٣٧٤ ]
اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات
لا تناكحوا بعقد
أبيحوا الفروج
للإنسان أن يجامع من يشاء) (^١).
فإلغاء العبادات مقدمة للإباحية والدعارة والشيوعية الجنسية المتصلة النسب من المزدكية حتى النصيرية حتى الشيوعية والوجودية.
والآن ماذا يقول أتباع الحداثة والذين يخاصمون عن الذين يختانون أنفسهم؟.
وليس هذا الانحراف مقتصرًا على أدونيس -وإن كان رأسًا فيه- ولكنه ممتد إلى غيره من أتباع هذا المذهب الخبيث، ففي مقابلة أجرها صاحب كتاب "أسئلة الشعر" مع نزار قباني يسأله قائلًا: (والألوهية هذه القصيدة التي مسخها المجسدون، كيف تناجيها أو تقيم حوارًا معها؟) (^٢).
السؤال يضج بالانحراف والضلال، حيث يجعل الألوهية قصيدة، والإجابة من نزار أشد انحرافًا وضلالًا حيث يقول: (إن اللَّه عندي هو دبيب شعري، وإيقاع صوفيّ في داخلي، والشعور الدينيّ لدي، هو شعور شعري، والكفر عندي هو موت صورة اللَّه - القصيدة في أعماقي) (^٣).
ثم يسأله: (إذن كيف يقيم إيقاع الشعر وإيقاع الدين حوارًا نغميًا في سيمفونية واحدة؟) (^٤).
ويجيب نزار قائلًا: (كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي. . .، كل شيء يتحول بالشعر إلى ديانة، حتى الجنس يصير دينًا، والسرير يصير مذبحًا وغرفة اعتراف، والغريب أنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسيّ بعيني كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) - (^٤) أسئلة الشعر لمنير العكش: ص ١٩٦.
[ ١ / ٣٧٥ ]
يفترش المؤمن سجادة صلاة. . . أشعر كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتطهر وأدخل مملكة الخير والحق والضوء، وماذا يكون الشعر الصوفيّ سوى محاولة لإعطاء اللَّه مدلولًا جنسيًا؟) (^١).
لقد بلغ هؤلاء من الانحراف والضلال ما لم يبلغه أهل الجاهلية الأولى، وانحطوا في أودية الضلال والإضلال بما لم يسبق له نظير، فالشعر معبود، وكل كلمة فيه تتحول إلى طقس عباديّ، والشعر ديانة والجنس ديانة، والدعارة والإباحية صلاة وثنية نجسة، لكنها توصف بأنها الخير والحق والضوء، كما وصف فرعون كفره وضلاله بأنه الهدى والرشاد في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (^٢).
ثم يتعدى هذا المريض الضال إلى مقام اللَّه ذي العزة والجلال فيصفه بالأوصاف الخبيثة تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذه الدوائر الكفرية المتلاحقة يكمل بعضها بعضًا في سلسلة من الخبث والدنس والنجس والضلال والإلحاد والفساد.
وفي كلام نزار الكثير من الانحراف الذي على هذه الشاكلة في أشكال من العبوديات المختلفة، وكلها تدل على استهانته بلفظ العبادة والعبودية، وارتكاسه في أنواع من الشرك والضلال الاعتقاديّ، فمن ذلك قوله:
(أنت كرمي الرفيق لو يعبد الكرم
عبدت النيران في أعنابك) (^٣).
وقوله تحت عنوان "نهداك":
(صنمان عاجيان قد ماجا ببحر مضرم
صنمان إني أعبد الأصنام رغم تأثمي) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الآية ٢٩ من سورة غافر.
(٣) الأعمال الشعرية لنزار قباني ١/ ٦٣.
(٤) المصدر السابق ١/ ٦٩.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وقوله في معشوقته:
(إنني أعبد عينيك فلا … تنبئ الليل بهذا الخبر) (^١)
وقوله:
(وعبدتُ بقية إرهاق … تحتل جواب عينيه) (^٢)
وقوله عن نفسه:
(مارست ألف عبادة وعبادة … فوجدت أفضلها عبادة ذاتي) (^٣)
وقوله يصف دعارته:
(شيدت للحب الأنيق معابدًا … وسقطت مقتولًا أمام معابدي) (^٤)
وقوله:
(هذا الهوى ضوء بداخلنا … ورفيقنا ورفيق نجوانا
طفل نداريه ونعبده … مهما بكى معنا وأبكانا) (^٥)
قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً. . .﴾ (^٦).
ويقول نزار عن قط أسود:
(أفكر: أينا أسعد
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢٦٦.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣٤٢.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٦٦.
(٤) المصدر السابق ١/ ٤٨٢.
(٥) المصدر السابق ١/ ٤٨٨.
(٦) الآية ٢٣ من سورة الجاثية.
[ ١ / ٣٧٧ ]
أنا أم قطنا الأسود؟
. . . أمامي كائن حرٌ
يكاد للطفه يعبد) (^١).
ويقول على لسان كاهنة عرافة، قارئة فنجان:
(بحياتك يا ولدي امرأة
عيناها سبحان المعبود) (^٢).
ويقول عن محبوبته:
(حبك يا عميقة العينين
تطرف، تصوف، عباده) (^٣).
ويقول:
(فالتي أشعلت في معبدها قنديل عمري
لم تعد تعني قليلًا أو كثيرًا) (^٤).
ويقول:
(هل تعرفين؟
لماذا أستميت في عبادة شعرك) (^٥).
ويتحدث عن موسكو والكرملين ومعالم الفن ثم يقول:
(في معابد الفن العظيم يشف الحب حتى يصبح ضوءًا) (^٦).
ونزار يهرف في أبواب الانحراف الاعتقاديّ بكل ما يخطر في باله من
_________________
(١) الأعمال الشعرية لنزار ١/ ٦٠٢ - ٦٠٣.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٤٩.
(٣) المصدر السابق ١/ ٧٤٦.
(٤) المصدر السابق ٢/ ١٣١.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٤٣٢.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٥٧٧.
[ ١ / ٣٧٨ ]
ألفاظ ومصطلحات، في أجواء من العفن السلوكيّ والانحراف الخلقيّ المؤسس على انحراف اعتقاديّ كبير.
وهذا النوع من الانحراف ثقافة سائدة وعرف شائع عند الحداثيين من أول بداية الحداثة على يد السياب ونازك الملائكة والبياتي.
ولنأخذ أمثلة على ذلك تؤكد أن الانحراف في هذا الباب تأسس من بدايات الشعر الحداثيّ:
تقول نازك الملائكة:
(عد بي يا زورقي الكليلا … فلن نرى الشاطئ الجميلا
عد بي إلى معبدي فإني … سئمت يا زورقي الرحيلا
. . . ولم يزل محبدي بعيدًا … خلف الدياجير والضباب) (^١)
وتقول:
(ضاع عمري الحزين في معبد الحز … ن وأذوته لهفتي وشكاتي) (^٢)
وفي قصيدة بعنوان العودة إلى المعبد تقول:
(معبدي عادت بي الأحزان فارأف بعذابي
عدت يا ليتك تدري بعض آلامي وما بي
. . . ذهب الأمس بأوهام فؤادي ومحاها
فإذا قلبي عبدٌ ولقد كان إلهًا
. . . معبدي افتح لقلبي الباب قد طال وقوفي
. . . عدت يا معبدُ للصمت فلن أشدو بحبي
_________________
(١) ديوان نازك الملائكة ١/ ٥٥٠ - ٥٥١.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٥٧.
[ ١ / ٣٧٩ ]
معبدي افتح لقلبي الباب لا تقس عليه) (^١).
وفي قصيدة بعنوان "أنشودة - الأبدية" قالت في مقدمتها: (إلى القيثارة الإلهية التي منحت الإنسانية أروع الألحان إلى تشايكوفسكي الموسيقي الروسيّ، ذكرى لمرور أربع وخمسين سنة على وفاته) (^٢)، قالت في مدحه:
(آه يا أيها الملاك إلى رو … حك في الموت حن روحي الحزينُ
. . . آه لو بعت كل عمري … بيوم شاعري يراك فيه وجودي
من بعيد أرنو إلى الهيكل السا … مي وأصغي إليك يا معبودي) (^٣)
أمّا البياتي فقد ضرب في هذا المستنقع بحظ وافر، وأقواله من هذا القبيل كثيرة، منها قوله:
(أكتب تحت قدم الأميرة العاشقة الكاهنة المعبودة التمثال أشعارا) (^٤).
وقوله:
(ترحل الشمس إلى البحر
وفي يدها خصلة شعر الملكة
وقناع وثني ودم
سال فوق الطرقات المهلكة
وأنا الكاهن في معبدها
تركتني فوق أرض المعركة) (^٥).
وفي مقطع له بعنوان "المعبودة" يكرر معاني الانحراف العباديّ في
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٦١٦ - ٦١٩.
(٢) و(^٣) المصدر السابق ١/ ٦٢٨ - ٦٣٠.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ٢٨٧.
(٤) ديوان البياتي ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠.
[ ١ / ٣٨٠ ]
صور شتى، فيقول:
(انتظرتك عشرين عامًا في المنفى دون جدوى
حتى وجدتك في الوطن
أيتها المعبودة، أيتها الحمامة المقدسة
. . . أيتها المعبودة التي قهرت جميع معبوداتي
وتربصت ملكة على عرشهن
آمنت بك
وبكلماتك
وإبداعاتك التي رأيت في سطورها
شمس العالم وهي تولد من جديد) (^١).
ويستمر في هذا النمط فيقول في المقطع نفسه:
(أعبد في عينيك هذي النار
ووجهك الشاحب والضفيرة
والغربة - الطفولة - الأسطورة) (^٢).
ويقول:
(حلفت بالمعابد المكسوة القباب بالذهب
بالحرف والغربة والسفر) (^٣).
ويقول:
(قلبي هرم خوفو الكبير
أراك تضطجعين في مقصورته الملكية
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣١٢.
(٢) و(^٣) المصدر السابق ٢/ ٣١٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨.
[ ١ / ٣٨١ ]
ماسة مشعة منذ آلاف السنين
وأنا أعبدك أقبل يدك
وأحرس كنوزك الإلهية) (^١).
وفي موضع آخر يقول:
(في وجه الأرض الحبلى
أسجد مأخوذًا للنار) (^٢).
ويقول:
(كانت تنشب في داخله معركة بين المعبودات
واحدة ماتت قبل الحب وأخرى بعد الحب وأخرى في
المابين وأخرى تحت الأنقاض) (^٣).
ويتبرع بتقسيم قلبه إلى نصفين نصف للشعر والبحر وغيرها، ونصف لمعبوداته فيقول:
(أشطر قلبي نصفين وأعطي نصفًا رحلات الشعر الكونية
والبحر وعمال وفلاحي وطني وربيع الأرض التأثر والشعراء
المسكونين بنار الشعر الزرقاء، ونصفًا معبوداتي وقضية
شعبي العربيّ الخارج من منفى التاريخ. . .) (^٤).
ويعد صلاح عبد الصبور من الرواد والنشطاء في نشر الحداثة وتأصيلها، وله في هذا النوع من الانحراف جولة كغيره من الحداثيين (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣١٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨.
(٢) ديوان البياتي ٢/ ٣٢٩.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ٣٩٥.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٤٣، وانظر: ٢/ ٤١٩، ٢/ ٤٥٠.
(٥) انظر: ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٩٤، ٩٦.
[ ١ / ٣٨٢ ]
أمّا الخال، فليس بعد الكفر ذنب، فهو النصرانيّ المتعصب، والماديّ المتعقلن، ومن أقواله المنحرفة في هذا الباب:
(لبنان يا بلدي الحبيب
إذا عبدتك لا أغالي) (^١).
ونظراؤه في النصرانية ثم المادية الإلحادية توفيق صايغ وأنسي الحاج لهما في هذا الانحراف نصيب كبير كغيره من أنواع الانحرافات الاعتقادية، يقول توفيق صايغ عن عشيقته:
(أنا لا أتنكر اليوم
لمن عبدت بالأمس
ولا أمد لساني هزءًا
بحبيبة مددت لها لساني
لا لهزء) (^٢).
أمّا أنسي الحاج فيقول:
(الحب انتقام من الجمال عن طريق عبادته) (^٣).
ويقول: (أعبد إلهك يا كائنة الأغراء، إله اللهو الغامر ضد كل ما يخيفني أعبد إلهك؛ لأنه طفل مثلي، وغير واضح مثلك، وجائع مثلي وطيب مثلك، أعبد إلهك لأنه ليس إله الحصاد والمؤونة والسيف والدرع بل إله اللحظة الخالدة، الفانية) (^٤).
ويقول سعدي يوسف:
_________________
(١) الأعمال الشعرية للخال: ص ٨٣.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٦٣.
(٣) خواتم: ص ٤٢.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٦ - ٤٧.
[ ١ / ٣٨٣ ]
(أيتها الأرض التي أعبد
أيتها الأرض
بيني وبين اللَّه ما يوجد
والطول والعرض) (^١).
ويقول:
(حبيبتي كافرة. . . إنها لم تتخذ غير الهوى دينا) (^٢)
ويقول:
(يا عائدات الفتح في الذكرى عبدتك من مَرَدِّ) (^٣)
ويقول عن معشوقته:
(أنا ما عبدتك مثلما عبدوا … عبثًا ولم أنطق بما قالوا
. . . لم أستبح من ناهديك حمى … بض التدفق ستره شال
. . . اليوم أعبد مثلما عبدوا … عبثًا وأنطق بالذي قالوا) (^٤)
ويقول عن أخرى:
(فديتك إني عبدت الجمال … وغير جمالك لن أعبدا) (^٥)
ويتحدث أمل دنقل عن إحدى عشيقاته فيقول:
(قالت: سأنزل
قلت: يا معبودتي لا تنزلي لي) (^٦).
_________________
(١) ديوان سعدي يوسف: ص ٣٧٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٥١.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٥٣.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٥٨.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٦٦.
(٦) الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ٧٥.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقال في موضع آخر:
(كم قرأنا فيه من سحر لياليك كثيرًا
عن جبين يهب العمر تناهيد ورحمه
ورسمنا وجهك المعبود فوق المنزل
وعلى صدر الربيع المقبل) (^١).
وفي تمرد على اللَّه وشرعه ودينه وابتعاد عن العبودية له، مرتميًا في أحضان عبوديات أخرى، يقول:
(حين أخلع عني ثياب السماء
فأنا أتقدس -في صرخة الجوع- فوق الفراش الخشن) (^٢).
أمّا محمود درويش المناضل الفلسطينيّ الشيوعيّ!! فقد كثر هذا النوع من الانحراف في شعره، ومن ذلك قوله عن فلسطين:
(عيونك شوكة في القلب
توجعني وأعبدها) (^٣).
وقوله تحت عنوان "آه عبد اللَّه":
(فاجأوه مرة يلثم في الموال
سيفًا خشبيًا وضفيره
حين قالوا: إن هذا اللحن لغم
في الأساطير التي نعبدها
قال عبد اللَّه:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٣٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٧٢.
(٣) ديوان محمود درويش: ص ٧٩.
[ ١ / ٣٨٥ ]
جسمي كلمات ودوى
هكذا الدنيا
وأنت يا جلاد أقوى
وُلد اللَّه.
وكان الشرطي) (^١).
تعالى اللَّه عن هذا الإفك المفترى، وتقدست أسماؤه وصفاته، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^٢).
ويقول محمود درويش:
(وهذا الوطن
مقصلة أعبد سكينها) (^٣).
ويقول أيضًا:
(عيناك يا معبودتي هجرة
بين ليالي المجد والانكسار
. . . عشرون سكينًا على رقبتي
ولم تزل حقيقتي تائهه
وجئت يا معبودتي
كل حلم
سألني عن عودة الآلهة
_________________
(١) ديوان محمود درويش: ص ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٢) الآيات ١ - ٤ من سورة الإخلاص.
(٣) ديوان محمود درويش: ص ٣١٤.
[ ١ / ٣٨٦ ]
عيناك يا معبودتي منفى
نفيت أحلامي وأعيادي
. . . معبودتي! ماذا يقول الصدى
ماذا تقول الريح للوادي؟
. . . عيناك يا معبودتي، عودة
من موتنا الضائع تحت الحصار
. . . من يضع السكر في الألوان
أطفالنا الآتون
ونحن يا معبودتي
أي دور
نأخذه في فرحة المهرجان) (^١).
وفي مقطوعة له بعنوان "يوميات جرح فلسطينيّ" يقول:
(هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء
تعدُ الصيف بقمح وكواكب
فاعبديها
نحن في أحشائها ملح وماء) (^٢).
وفي مقطوعة أخرى يقول:
(هل رأيت المدينة تذهب
أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة اللَّه.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٢٠ - ٣٢٤.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٣٤٦.
[ ١ / ٣٨٧ ]
قافلة من سبايا. . .
. . . سألتك موتي
أيجديك موتي؟
أصير طليقًا
لأن نوافذ حبي عبودية) (^١).
وفي مقطع بعنوان "أحمد الزعتر" يقول:
(أخي أحمد
وأنت العبد والمعبود والمعبد
متى تشهد) (^٢).
ويصف مدى الحب للأرض إلى حد العبودية والتأليه، ومن أجلها يكون الصوم والصلاة، فيقول على لسان من سماها الحلوة:
(تعال غدًا لنزرعه مكان الشوك في الأرض
أبى من أجلها صلى وصام
وجاب أرض الهند والإغريق
إلهًا راكعًا لغبار رجليها
وجاع لأجلها في البيد أجيالًا يشد النوق
وأقسم تحت عينيها
تنام، فتحلم اليقظة في عيني مع السهر
فدائي الربيع أنا، وعبد نعاس عينيها
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٠١.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٠٨.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وصوفي الحصى والرمل والحجر
سأعيدهم، لتلعب كالملاك، وظل رجليها
على الدنيا صلاة الأرض للمطر) (^١).
وعلى قدر ما في هذه الكلمات من انحراف اعتقاديّ وعبودية لغير اللَّه ففيها من الكذب والادعاء ما يعرفه كل من اطلع على قضية فلسطين ومتاجرة العلمانيين والشيوعيين بها، ويكفي في إيضاح كذب محمود درويش أنه أحد أعضاء الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ!!، وتذكّر هذه الأقوال في عبوديته للأرض بصنيع أهل الجاهلية الأولى حين كانوا يصنعون الصنم من التمر فإذا جاعوا أكلوه!!.
ومن أقواله المنحرفة في هذا الباب قوله:
(بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا ينحني
ويصلي
لإله في العيون العسلية) (^٢).
أمّا زميل نضاله ومبادئه الشيوعية سميح القاسم الذي يعده الحداثيون رمزًا كبيرًا فإنه على الدرب المظلم نفسه، ومن أقواله:
(وفجأة أحسست يا حبيبتي
بوخزة في الصدر في ناحية اليسار
حيث حفظت وجهك المعبود والغيتار) (^٣).
_________________
(١) ديوان محمود درويش: ص ١٠٠ - ١٠١.
(٢) المصدر السابق: ص ١٩٢. وانظر أيضًا: ص ٣٧٤، ١٤٤، ١٤٥، وديوانه أحد عشر كوكبًا: ص ٣٨ - ٣٩.
(٣) ديوان سميح القاسم: ص ٢٤٦.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وفي مقطع يحدث محبوبته قائلًا:
(بين عيني وعينيك
على جدار سجني
يتراءى وجهك المعبود
في وهمي) (^١).
وفي مقطوعة بعنوان "الجواد الجارح" يخاطب المرموز له قائلًا:
(فكيف أعود؟ كيف أعود؟ يا معبودي الجارح) (^٢).
وفي آخرها يقول:
(بغير ضماءك الرحمن يا إيقاع أحرفنا
ويا رؤيا تلهفنا
. . . فحتى الموت حتى الموت
يبقى فارس الأحزان
عبد جوادك الجامح) (^٣).
ويقول عن الأرض وعن بيته في فلسطين:
(يا بيتنا الباقي
يا بيتنا المعبد
يا من على عتابته أسجد) (^٤).
ويقول:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤١١.
(٢) ديوان سميح القاسم: ص ٤٧٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٧٢ - ٤٧٣.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٨٤.
[ ١ / ٣٩٠ ]
(لا يعبر بالشباك صباح
ألا وتطل من الأفق المعبود جراح) (^١).
ويقول عن صنعاء اليمن:
(يمني المعبود
سيعود سعيد
فكهوف الشاي الأسود والقهوة والقات
صارت ثكنات) (^٢).
وفي قصيدة بعنوان "المطرد الفولاذ" يسرد أمجاد الشيوعية ويَمدح المنجل رمز الشيوعية فيقول:
(وينتصب المصنع المارد … إلهًا كلانا له عابد
فيا سحب الغيث مدّي يدًا … سحاب مداخننا صاعد
وصبي الحياة على شرقنا … فقد هيأ المنجل الحاصد) (^٣)
وهكذا ينفلت المنحرفون من عبادة اللَّه الحق المبين، ليرسخوا في أرسان عبادة جديدة وثنية المنشأ والمسلك، زخرفت بالفلسفة، وزينت بأكاذيب الجدل والديالكتيك. . لتكون في نهاية الأمر تمثالًا مذهبيًا يخضع له الأتباع، ويدينون له دينونة العبادة والخضوع والخشوع، كما في قول سميح القاسم السابق، وقوله الآخر عن برلين رمز الشيوعية في ألمانيا الشرقية قبل أن ينهار الوثن الشيوعيّ ويندثر، يقول سميح:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٠٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٠٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٢٥. وانظر أمثلة أخرى في عبوديته لغير اللَّه في ديوانه "لا استأذن أحدًا": ص ٦٧، ٧٤، ٨١، ١٣٩، ١١٢ - ١١٣ ففيها من الشواهد الشيء الكثير.
[ ١ / ٣٩١ ]
(بالصمت يا برلين أعلن حبنا
أم بالبكاء
وأنا أقبل كفك التعبي
وأركع في خشوع
بجلال تمثال
تكاد تسمح من شطآن عينهم الدموع) (^١).
إلى أن يقول في آخره:
(ربّى الشيوعيون شعرك
طيبوه ودللوه
ربوه بالفرح المقدس
والمرارة والصمود) (^٢).
فلم تقتصر عبادتهم للشيوعية على تقديس مناهجها وعقائدها، بل حجوا إلى مدنها موسكو وبرلين ولينين غراد، وطافوا بأضرحة رموزها لينين وستالين وجيفارا، ومن أمثلة هذه القبورية العبادية الشيوعية ما قاله توفيق زياد أمام ضريح الملعون لينين شيطان الشيوعية الأكبر:
(أمامه وقفت خافض الجبين
ضريحك الذي يعيش في القلوب
يا لينين
أحسست أنني أنا المعذب الشقيّ
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٣٩٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٠٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين
أملك كل شيء
أقوى من الزمان والقضاء
وإنني
أقدر أن أقتحم السماء
أمامه وقفت حابس الأنفاس
صوتك يحويني كمارج من نار
يصهرني
يصقلني
كالصليب كالألماس
. . . وجدت أن الصمت يا معلم الأجيال
أصدق من كل الذي
يُمكن أن يقال
دقيقة دقيقتان
وقفت صامتًا
كالحجر الصوان
يا أنبل المشاعر التي يُمكن أن تورق في إنسان
ازدهري ازدهري
في لحظة كأنها الزمان
كأنني ولدت من جديد
كل الشموس في يدي
[ ١ / ٣٩٣ ]
وأجمل الورود) (^١).
عبارات تضج بالعبودية، وتنضح بالخضوع والخشوع والذلة والمحبة لضريح لينين، وهي من أبلغ ما يفصح عن مقدار الردة عند شعراء الحداثة، ردة لا تشابه كفر الكافرين السابقين، بل تزيد على ذلك بادعاء العقلانية والتبجح بالعلم والفلسفة والتطاول بالمزاعم الكاذبة، فإذا فحصت كل ذلك تحت منظار العقل السليم والعلم القويم والمنهج الحق لا تجد سوى لون آخر من ألوان الكفر باللَّه تعالى والعبادة لغيره، لكنه تخلى عن الصورة الساذجة التي كانت عليها الوثنية الأولى، واصطبغ بأصباغ ومسوح خادعة يخلب بها عقول الإمعات وذوي العاهات الفكرية.
ومن ألوان العبودية لغير اللَّه الإقسام بغير اللَّه كقول توفيق زياد:
(قسمًا بأفئدة الأباة
الثائرين بظل ساح
قسمًا بأجنحة النسور
تمردت رغم الجراح
قسمًا بأحداق العذارى. . .
قسمًا برماني وزيتوني
وندماني وراحي
قسمًا بأرضي بالشواطئ
بالسواقي بالمراح
بالدم بالأحرار
بالعزم المسعر بالرياح
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ٣١ - ٣٤.
[ ١ / ٣٩٤ ]
لتبرقعن نسورنا أعشاشها
بلظى الكفاح) (^١).
أمّا عبد العزيز المقالح فقد جعل من الشعر صلاة وعبادة، وذلك في مقدمته لديوانه حيث يقول: (فقد بدا لي الشعر وكأنه صوت الحزن الثابت في ضلوع البشر، فكانت قصائده صدى لذلك الصوت الغائر في الأعماق، والصلاة اليومية التي نؤديها في بيوتنا فرادى وجماعات. . . وفي مقابر وفي معابد الشعر الحزينة كثيرًا ما تساءلت:
لماذا الحزن؟ لماذا كل الشعراء حزانى؟!) (^٢).
ولم يقصر عبادته وسجوده وصلاته على الشعر بل تبرع بها لسيف بن ذي يزن (^٣)، وذلك في قوله:
(متى تهل من سمائنا الحزينة السواد
متى نرى وجهك يا بن ذي يزن
أنهش في انتظارك القيود
أطيل في طريقك الصلاة والسجود
أقبل التراب والأحجار والد من
أقبل اليمن) (^٤).
ويتوجه بالعبودية لشيء آخر في قوله: (والشفتان يا معبودتي
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٢) ديوان المقالح: ص ١١.
(٣) هو: سيف بن ذي يزن الحميريّ، من ملوك العرب اليمانيين ودهاتهم، قاتل برجال -أمده بهم كسرى أنوشروان- ملك الحبشة مسروق بن أبرهة حتى أجلاه عن اليمن، ودان بالولاء لكسرى وبقي في حكم اليمن نحو خمس وعشرين سنة إلى أن قتله بعض الأحباش نحو خمسين قبل الهجرة الشريفة. انظر: الأعلام ٣/ ١٤٩.
(٤) ديوان المقالح: ص ٣٠١.
[ ١ / ٣٩٥ ]
الكؤوس) (^١)، وقوله: (فمن أنا لولاك يا معبودتي ومن أكون؟) (^٢).
لكنه في خاتمة المطاف الوثنيّ يصرح بكل جرأة قائلًا:
(تأكلني الوحدة يستفزني الزحام
صليت للَّه وللشيطان
عبدت وجه الكفر والإيمان
سجدت للأوثان
لكنني كما بدأت في الظلام
وليس في الظلام من أحد) (^٣).
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ (^٤).
وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (^٥).
ومن ظلمات هذا المقالح قوله في ذكرى يوم من سبتمبر ولعله إحدى
_________________
(١) ديوان المقالح: ص ٣٤٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٥٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٧٠.
(٤) الآية ٢٥٧ من سورة البقرة.
(٥) الآيتان ٣٩، ٤٠ من سورة النور.
[ ١ / ٣٩٦ ]
الأيام الثورية التي يفاخر بها تجار المبادئ والأوطان:
(أكاد أن ألمحه قادمًا … يوزع الأرض ويعطي الديار
يمسح عن أيامنا رعبها … وعن عيون الكادحين الغبار
أعبده أقرأ في عينه … أحلامنا والأغنيات الكبار) (^١)
أمّا الوطن فيقول في وصفه:
(وطن النهار ومعبد الزمن … أنا عائد لأراك يا وطني) (^٢)
وعن بلاده يقول:
(وأريدها دينًا وأعبدها … ولها صلاة الروح والجسد) (^٣)
ويقول:
(يا من يدلني على طريقها … طريق أحلى المدن
يرجعني توًا إلى حبيبتي … معبودتي. . . لليمن) (^٤)
ويقول عن بعض بلاده:
(أهوى زبيد وأعبدها) (^٥).
ثم يزجي نفسه عبدًا لشفة وذلك في قوله:
(صوت من الأرض
صار ينبت كالعشب في القلب
يفترش العين طوعًا وكرهًا على حافة النهر
_________________
(١) ديوان المقالح: ص ٤٣٠.
(٢) ديوان المقالح: ص ٤٥٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٥٨.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٢٣.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٦٤.
[ ١ / ٣٩٧ ]
فوق سريري
على شفة كنت أعبدها. . .) (^١).
ومثال آخر نذكره عن محمد الماغوط الذي استروح أن يوجه عبادته للخريف في قوله:
(كالذئاب في المواسم القاحلة
كنا ننبت في كل مكان
نحب المطر
ونعبد الخريف) (^٢).
أمّا العبادة الحقة للَّه تعالى فإنه يسخر بها ويستخف بشأنها، ومثال قوله عن الدعاء في مقطع له بعنوان "من العتبة إلى السماء":
(الآن
والمطر الحزين
يغمر وجهي الحزين
أحلم بسلم من الغبار
من الظهور المحدودبة
والراحات المضغوطة على الركب
لأصعد إلى أعالي السماء
وأعرف
أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟
آه يا حبيبتي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥١٠.
(٢) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٣٠٨.
[ ١ / ٣٩٨ ]
لابد أن تكون
كل التنهدات والاستغاثات
المنطلقة من ملايين الأفواه والصدور
وعبر آلاف السنين والقرون
متجمعة في مكان ما من السماء كالغيوم
ولربما كانت كلماتي الآن
قرب كلمات المسيح
فلننتظر بكاء السماء
يا حبيبتي) (^١).
أمّا الحداثيّ السوريّ ممدوح عدوان فإنه يعبد الحياة ويعبر عن ذلك بقوله:
(الحياة انسكبت فيضًا
وصارت مومسًا
كنا نؤاتيها بلا طعم
ونحياها كعاده
وعرفنا وجهها جوعًا وإدمانًا
ذللنا فيه
صُنّاه
ركعنا في محياه عباده) (^٢).
_________________
(١) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان ٢/ ٨١ - ٨٢ من يألفونك فانفر.
[ ١ / ٣٩٩ ]
إلى أن يقول:
(فهذا معبد الموت
وها نحن القرابين الجديده) (^١).
ويقول في مقطع بعنوان أتلفت نحوك أبكي:
(تعلمت كيف استوى الدمع بالدم
أعبد من سفح الدم والدم كرمى لها) (^٢).
ويقول أحمد دحبور:
(وأنا عباد الثورة) (^٣).
ويسخر من عبادة اللَّه متمثلة في الدعاء وعفو اللَّه تعالى فيقول: (أسأل اللَّه ألّا يسمم بالعفو حزني) (^٤).
وللفيتوريّ في إثبات التعبد لغير اللَّه اعترافات عديدة، ففي مقدمته لديوانه يصف غرقه في عالم بودلير (^٥) قائلًا: (إنني غارق هذه المرحلة حتى الغيبوية والدوار وفي عالم بودلير المخيف المعذب في أزهار الشر، الأروع من كل ذلك أن معبودته الأرضية جارية سوداء اسمها جان ديفال) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٨٧.
(٢) المصدر السابق ٢ للخوف كل الزمان: ص ٧.
(٣) ديوان أحمد دحبور: ص ٣٨١.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٢٠.
(٥) بودلير، شارل بييو بودلير، ولد عام ١٢٣٧ هـ/ ١٨٢١ م، وتوفي عام ١٢٨٤ هـ/ ١٨٦٧ م، كاتب وشاعر فرنسي كبير، أثر بمذهبه الفنيّ كل الشعر الأوروبيّ، ويعتبره الحداثيون العرب قدوة من القدوات المهمة في مجال الحداثة الأدبية والفكرية، ولذلك كثر ذكره في كلامهم، من أشهر كتبه أزهار الشر، وأشعار صغيرة في النثر أبرز فيها تأثير الكحول والمخدرات باحثًا من خلال ذلك عن الخير في عالم مليء بالشياطين حسب رأيه. انظر: ألف شخصية عظيمة: ص ٢٨٣.
(٦) ديوان الفيتوريّ ١/ ٢١.
[ ١ / ٤٠٠ ]
ومن آثار غرقه في عالم بودلير وانغماسه في تقليده وأتباعه اتخذ له معبودات شتى منها أفريقيا التي يقول عنها:
(وبلادي أرض أفريقيا البعيده
هذه الأرض التي أحملها ملء دمائي
والتي أنشقها مثل الهواء
والتي أعبدها في كبرياء) (^١).
وامرأة معشوقة يقول على لسانها:
(وترددين
وملء جسمك
رعشة متندمة
كم كان يهواني
ويعبد روحي المتأله) (^٢).
وفي الجملة ليس المراد هنا جمع كل ما قالوه من ألفاظ تفيد عبوديتهم لغير اللَّه، أو استهانتهم واستخفافهم بلفظ العبودية، بل المقصود الإتيان ببعض الشواهد على هذا اللون من الانحراف وعلى هذه القضية الضلالية التي أصبحت من المسلمات العادية والمستساغة عند أهل الحداثة.
وإذا كانوا قد تشعبوا في أودية العبوديات المختلفة فإنهم تشعبوا كذلك في أدوية ألوهيات مختلفة ألهوها من دون اللَّه، وهو ما سيأتي إيضاحه في: