وهذا المظهر من مظاهر الانحراف يصح ذكره في الانحرافات المتعلقة بالربوبية؛ لعلاقة ذلك بقضية الإيجاد والخلق والتكوين، ويصح ذكره في الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات؛ لعلاقته بصفات الخلق والحكمة والإرادة، الثابتة للَّه تعالى، ونفي أضدادها عنه -جلَّ وعلا-.
غير أن المجيء به في ما يتعلق بتوحيد الألوهية أولى لأسباب:
أولها: أن الغاية من خلق الإنسان والجان عبادة اللَّه تعالى، وهذا متعلق بتوحيد الألوهية.
_________________
(١) ذكريات الجيل الضائع: ص ٩١.
(٢) انظر: اتجاهات الشعر العربي: ص ١٤.
[ ١ / ٤٦٦ ]
ثانيها: أن تعرضهم لمسألة الوجود عامة يأتي -في الغالب- تبعًا لتعرضهم لمسألة وجود الإنسان.
ثالثها: أن انحرافهم في هذه القضية منبثق من انحرافهم في ألوهية اللَّه تعالى.
وعليه فلابد من إيضاح حقيقة ذلك، حسب المفهوم الاعتقادي الإسلامي، المناقض تمام المناقضة لمفاهيم أهل الشرك والإلحاد والضلال.
وقد قطع اللَّه تعالى على الكفار حجتهم في هذا ورد عليهم ظنونهم الفاسدة فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ (^١).
قال سيد قطب ﵀: (إن خلق السماء والأرض وما بينهما لم يكن باطلًا، ولم يقم على الباطل، إنَّما كان حقًا وقام على الحق، ومن هذا الحق الكبير تتفرع سائر الحقوق، الحق في خلافة الأرض، والحق في الحكم بين الخلق، والحق في تقويم مشاعر الناس وأعمالهم، فلا يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ولا يكون وزن المتقين كوزن الفجار، والحق الذي جاء به الكتاب المبارك الذي أنزله اللَّه ليتدبروا آياته وليتذكر أصحاب العقول ما ينبغي أن يتذكروه من هذه الحقائق الأصيلة، التي لا يتصورها الكافرون؛ لأن فطرتهم لا تتصل بالحق الأصيل في بناء هذا الكون، ومن ثم يسوء ظنهم بربهم ولا يدركون من أصالة الحق شيئًا ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ (^٢).
إن شريعة اللَّه للناس طرف من ناموسه في خلق الكون، وإن كتابه المنزل بيان للحق الذي يقوم عليه الناموس، وإن العدل الذي يطالب به الخلفاء في الأرض والحكام بين الناس إنّما هو طرف من الحق الكلي، لا يستقيم أمر الناس إلّا حين يتناسق مع بقية الأطراف، وإن الانحراف عن شريعة اللَّه والحق في الخلافة والعدل في الحكم إنّما هو انحراف عن
_________________
(١) و(^٢) الآية ٢٧ من سورة ص.
[ ١ / ٤٦٧ ]
الناموس الكوني الذي قامت عليه السماء والأرض؛ وهو أمر عظيم إذن، وشر كبير، واصطدام مع القوى الكونية الهائلة لابد أن يتحطم في النهاية ويزهق، فما يُمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة اللَّه وناموس الكون وطبيعة الوجود، ما يُمكن أن يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة، ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة!، وهذا ما ينبغي أن يتدبره المتدبرون وأن يتذكره أولو الألباب) (^١).
وقد بين الحق سبحانه أن الإقرار بالحكمة من وراء خلق الكون وإيجاد الوجود هو شأن أولي الألباب، وهذا يعني أن جحد ذلك والتشكيك فيه هو شأن العقول السقيمة والأذهان المريضة، فقال -جَلَّ مِن قَائِلٍ-: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ (^٢).
إن هذا الكون العجيب بما فيه من أشياء وأحياء ما خلقه اللَّه ليكون باطلًا وما خلقه عبثًا، بل خلقه بالحق والحكمة وليكون حقًا، الحق قوامه والحق نظامه، فهو ليس عدمًا ولا عبثًا كما تقول الفلسفات الإلحادية المادية، وهو يسير وفق ناموس محكم فليس متروكًا للفوضى، وهو يمضي لغاية فليس متروكًا للصدفة، وهو محكوم في وجوده وحركته وغايته بالحق الذي لا يلتبس به الباطل.
وهذه الحقيقة هي التي تمس قلوب أولي الألباب، وتطبع حسهم وتزيد من قوة يقينهم وبرهانهم على أن الكون مخلوق لغاية، والإنسان لغاية، وكل المخلوقات لغاية، وأن هناك حكمة عظيمة وغاية جسيمة لكل هذه الموجودات، وأن هناك حقًا وعدلًا وراء حياة الناس في هذه الأرض،
_________________
(١) في ظلال القرآن ٥/ ٣٠١٩.
(٢) الآيات ١٨٩ - ١٩١ من سورة آل عمران.
[ ١ / ٤٦٨ ]
فلابد أن يسيروا وفق منهج الذي خلقهم ولابد بعد ذلك من حساب وجزاء على ما يقدم الناس من أعمال (^١).
وهذه حقائق في غاية البداهة تتداعي براهينها من كل صوب، وتأتي أدلتها من كل مكان، ولكن الذين كفروا لا يفقهون، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن حقائق الحق والخير غافلون سادرون، وفي أودية الهلكات شاردون، لا يعلمون الحقيقة، ولايعلمون أنهم لا يعلمون، بل يدعون أنهم بكل شيء عالمون!!.
وقد خاطب اللَّه هؤلاء بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ (^٢).
فحكمة خلق الإنسان وهو المقصود بالتكليف والعبادة حكمة ظاهرة، حكمة محسوب حسابها ومقدر وقوعها، ومدبر غايتها، ومرسوم منهاجها، ولا يغفل عن ذلك إلّا المطموسون الجاهلون المحجوبون، الذين لا يتدبرون حكمة اللَّه الكبرى المتجلية في صفحات الوجود كله والمبثوثة في أطوار الكون.
والعبث وأشباهه منفي عن اللَّه الحق المبين، فهو الخالق المالك المتصرف المدبر الحكيم العليم ومن كانت هذه أسماؤه وصفاته فإنه لا يُمكن أن تكون مفعولاته عبثًا، ولا يُمكن أن يوجد شيئًا لغير غاية، وكل ما في الكون يشهد بذلك، ولذلك كانت النتيجة الطبيعية لكل هذه المعاني الإقرار بألوهيته سبحانه دون سواه، وأن كل دعوى بألوهية أحد سوى اللَّه أو مع اللَّه فهي دعوى ليس معها برهان، لا من دلائل الكون، ولا منطق العقول، ولا من مقتضيات الفطرة، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لا في مناهجهم
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن ١/ ٥٤٦.
(٢) الآيات ١١٥ - ١١٧ من سورة المؤمنون.
[ ١ / ٤٦٩ ]
ولا في نظمهم ولا في حياتهم ولا بعد بعثهم، وها نحن نرى جوانب عديدة من عدم الفلاح في حياة الكافرين، وإن فتحت عليهم أبواب كل شيء، مما أدهش ضعفاء اليقين، وعديمي الإيمان فظنوا أنهم لفلاحهم في دينهم وعقيدتهم حصل لهم ذلك، وما عرفوا الحقيقة التي ذكرها اللَّه تعالى في قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ (^١).
وكل ما يراه الناس على الكافرين من نعمة ومتاع، وقوة وسلطان، وترف وبذخ، وإنتاج وهيمنة ليس فلاحًا في ميزان القيم الحقيقية، ولا في ميزان أهل العقول السليمة -وبعض عقلائهم يتحدث بذلك- إنّما هو فتنة واستدراج وإمهال ينتهي بالوبال، ومن هلك منهم مستمتعًا بكل ذلك فإن الآخرة تنتظره، وهي الشوط الأخير في مراحل نشأة الإنسان، وليست شيئًا منفصلًا في تقدير اللَّه وتدبيره (^٢).
هذه الحقيقة العظمى -في أن الكون والإنسان مخلوقة لغاية ولم تخلق عبثًا- هي من مسلمات عقيدة المسلمين، ومن أبجديات إيمانهم باللَّه رب العالمين، ومن خالف في ذلك فليس له في الإسلام نصيب، وإن تسمى بأسماء المسلمين ومارس بعض أعمالهم العبادية.
وقد غرق أهل الأدب العربي المعاصر من ضمن ما غرقوا فيه، غرقوا في انحراف اعتقادي هائل أوحى به إليهم شياطين الجن والإنس، يتمثل ذلك في حيرتهم وشكهم في الغاية من الوجود والحياة ووجود الإنسان، وزعمهم أن وجود الإنسان عبث، وهذا كثير في كلامهم.
وسوف نورد هنا بعض الشواهد من أقوالهم على هذا النوع من الانحراف، فمن ذلك قول نازك الملائكة:
_________________
(١) الآيتان ٤٤ - ٤٥ من سورة الأنعام.
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٤٨٣.
[ ١ / ٤٧٠ ]
(هكذا جئت للحياة وما أد … ري إلى أين سوف تَمضي الحياةُ
وسأحيا كما يشاء لي المجـ … ـــهول حيرى تلهو بي الظلماتُ) (^١)
وقولها:
(ها أنا الآن حيرة وذهول … بين ماض ذوى وعمر يَمرُّ
لست أدري ما غايتي في مسيري … آه لو ينجلي لعينيّ سرُّ) (^٢)
وقولها:
(ماذا وراء الحياة؟ ماذا … أي غموض وأي سِرِّ
وفيم جئنا؟ وكيف نَمضي؟ … يا زورق بل لأي بحر؟
يدفعك الموج كل يوم … أين ترى آخر المقر؟) (^٣)
وتتحدث عن نفسها تحت عنوان "السفينة التائهة" فتقول:
(في لجة البحر الرهيب سفينة تحت المساء
ألقت به الأقدار في لجج المنايا والشقاء
الريح تصرخ حولها وتضج في ظلم الفضاء
والموج يضربها ويلقيها على شفة الفناء
سارت ولا ربان يهديها إلى الشط السحيق
حيرى يخادعها الظلام فلا شعاع ولا بريق
من فوقها هول الرعود وتحتها اللج العميق
سارت وما تدري إلى أين المصير وما الطريق) (^٤).
_________________
(١) ديوان نازك الملائكة ١/ ٢٨ ونحوه في ١/ ٢٦٢.
(٢) ديوان نازك الملائكة ١/ ٢٩.
(٣) المصدر السابق ١/ ٥٥٢.
(٤) المصدر السابق ١/ ٦٠٢.
[ ١ / ٤٧١ ]
وتحت عنوان "صراع" تقول:
(تعذبني حيرتي في الوجود … وأصرخ من ألمي: من أنا) (^١)
وتسأل في حيرة:
(لماذا نعود؟
أليس هناك مكان وراء الوجود
نظل إليه نسير
ولا نستطيع الوصول؟. . .) (^٢).
أمّا البياتي فيصرح أن الحياة عبث وذلك في قوله:
(لابد أن نختار
أن نقبض الريح وأن ندور الأصفار
أن نجد المعنى وراء عبث الحياة
فالعيش في هذا المدار المغلق انتحار) (^٣).
ولصلاح عبد الصبور قصيدة حداثية يعدها أهل الحداثة من عيون شعرهم اسمها "الناس في بلادي" ومنها:
(وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى
وهو يحب المصطفى
وهو يقضي ساعة بين الأصيل والمساء
وحوله الرجال واجمون
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٥٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٥٦.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ٩٦.
[ ١ / ٤٧٢ ]
يحكي لهم حكاية. . تجربة الحياة
حكاية تثير في النفوس لوعة العدم
وتجعل الرجال ينشجون
ويطرقون
يحدقون في السكون
في لجة الرعب العميق والفراغ والسكون
ما غاية الإنسان من أتعابه، ما غاية الحياة؟
يا أيها الإله!!
الشمس مجتلاك والهلال مفرق الجبين
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وأنت نافذ القضاء أيها الإله) (^١).
(هناك قرية صغيرة يجلس على بابها العم مصطفى بطل المشهد، يدير في جلسته أحداث القصة ويوصلنا إلى مغازيها الخطيرة، ويعرفنا الشاعر على صفة واحدة من صفاته هي أنه يحب الرسول -ﷺ-، وقد تكون هذه إشارة إلى نوع من الإيمان البسيط الذي ينتشر بين بعض أهل الريف، يكون محوره شخصية الرسول -ﷺ-، وتتوجه العاطفة إليه، فهو إيمان عاطفي ساذج، يتناسب مع الطبيعة والبساطة المعهودتين في الأرياف، ولكنه -في الغالب- إيمان لا يعتمد على حقائق الإيمان الأساسية، ولا يمثل الالتزام الصحيح، وكثيرًا ما يختلط بمظاهر سلوكية مخالفة لمقتضيات الإيمان وبمعتقدات أسطورية منحرفة. . . يخلص الشاعر الحكاية في تساؤل يدق صدور المتأملين ويحير الفلاسفة والمفكرين، ما غاية الإنسان؟ ما غاية الحياة؟ والريفي لا يخطر بباله هذا التساؤل عادة؛ لأنه -وسائر السذج- غارق في
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٢٩ - ٣٠.
[ ١ / ٤٧٣ ]
قضايا حياته اليومية البسيطة، لا يرود هذه الميادين المعقدة، ولو أن العم مصطفى توقف عند حدود السؤال، أو قصر الحكاية عليه، لما وجد استجابة كبيرة من مستمعيه، فمثل هذا السؤال لا يهزهم وإن هزهم فلفترة قصيرة ثم يجيبون عليه وفق خبراتهم البسيطة ويستريحون من القلق.
غير أن مثير السؤال مؤهل للتفكير في مثل هذه القضايا، وقد عرفنا من صفاته ما يجعلنا نتوقع أن هذا السؤال يشغله، ويملؤه بالقلق والرعب؛ لأنه لا يملك جوابًا مقنعًا، ولذلك ينقل العم مصطفى قلقه وتأملاته المرعبة إلى الفلاحين، ويقدم لهم صورة من الحياة تحمل هذا التساؤل، وتزرع فيهم أطرافًا من قلقه ورعبه. . .
والصورة التي يقدمها تستخدم التضليل المنطقي، وتتكي على المفهومات المنتشرة بين الفلاحين، وتخدع الفلاحين بمغالطة عجيبة، فهي تبدأ من إيمانهم بالقدر، ثم تدور دورة قصيرة وتعود لتسلخ هذا الإيمان وتشوه صورة القدر في أذهانهم. . .
. . . وكان العم مصطفى في الصورة كلها قناعًا يختبيء وراءه الشاعر، ويحمل أزمته الخانقة وسؤاله الذي يعذبه: ما غاية الحياة؟، وعجز الشاعر عن فهم غاية الحياة مرتبط بخوفه الشديد من الموت، فهو لا يملك تصورًا يفسر له علة وجوده، ولا إيمانًا يشرح له قضية الموت والعالم الذي وراءه، لذلك تحولت قضية الموت عنده إلى صدمة موجعة لا يدري كيف يتخلص منها. . . . .) (^١).
ولصلاح عبد الصبور كلمات أخرى تنم عن هذا المعنى الذي ذكره في قصيدة الناس في بلادي يقول:
(تسألني رفيقتي: ما آخر الطريق؟
وهل عرفتُ أوله؟
_________________
(١) مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبد الباسط بدر: ص ٦٨ - ٦٩، ٧٣.
[ ١ / ٤٧٤ ]
نحى دمًى شاخصة
فوق ستار مسدلة
خطى تشابكت بلا. .
قصد، على درب قصير ضيق) (^١).
ويُمكن فهم المعنى ذاته في قوله الآخر:
(أمعيري بالوهم، لا وهم هناك ولا حقيقة
الطفل يفجؤني بأسئلة محيرة عميقة
وذوو الذقون البيض يزدحمون في الفرق العتيقة
ويفتشون عن الطريقة) (^٢).
فهو يعيش في اضطراب وحيرة، ويتردد بين الأوهام والحقائق تردد الشاك المضطرب، ويفاجأ بأسئلة طفل يصفها بأنها محيرة له، وذلك يتوافق مع ما ذكره من عيشه مضطربًا بين الوهم والحقيقة، بل مع الوهم الذي لا معرة في انتسابه له، ثم يصف الأسئلة بأنها عميقة.
وينعطف على أهل الدين فينعتهم بالتخلف والرجعية والجهل وعدم القدرة على الإجابة.
وفي مقطع آخر يصور مدى إحساسه بعبثية الحياة وعدم فهمه لغايتها، ثم ينتكس في وقاحة ليتحدث عن اللَّه تعالى بتدنيس هابط، وتلويث مقصود، على عادة أكثر الحداثيين، يقول صلاح عبد الصبور على لسان عظام نخرة تتحدث من القبور:
(وقالت لي
بأن النهر ليس النهر، والإنسان لا الإنسان
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٢١٩.
(٢) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٤١.
[ ١ / ٤٧٥ ]
وإن حفيف هذا النجم موسيقى
وإن حقيقة الدنيا ثوت في كهف
وإن حقيقة الدنيا هي الفَلْسان فوق الكف
وإن اللَّه قد خلق الأنام، ونام
وإن اللَّه في مفتاح باب البيت. . . .) (^١).
أمّا واللَّه إن حداثة تقوم على هذه الأفكار والعقائد لهي جديرة من كل مسلم يؤمن باللَّه واليوم الآخر إلّا يداهنها أو يمتدحها، بل يحاربها ويقاومها ما دامت دماء الغيرة الإيمانية تضخ في عروقه، أقول ذلك وأنا أقرأ لأحد المسلمين أقوالًا تضفي التزكية على الحداثة وأهلها وتقسم التقسيم الجائر بين مدلول القيمة في ذاتها وموضوع القيمة، في فلسفة ضبابية تسوغ للحداثيين ما هم فيه.
بل لقد قال بصريح العبارة: (الحداثة ليست تهمة. . . إن الحداثة وسيلة للإبداع لاتفرض علينا المضمون. . . إن أخلصت للحداثة من أجل قيمها الجمالية والفكرية بليت بالبُله الذين يجعلون الحداثة ناقضة للإيمان، وياليتهم جعلوها تنقض الوضوء فحسب كالحدث الأصغر، وإن انبريت لمن استرحلوا الحداثة للتسويل والتضليل من العرقيين والطائفيين أصبحت مؤلبًا على مواهب حداثية في بلادي، فالنقد الذي مرّ ليس لاستصلاح الأدب، ولكنه أصبح إيذاءً للناس في سمعتهم الفكرية. . . إن ناشئتنا الحداثية يحسن بها الظن دينًا وفكرًا. . . والهزات الفكرية القليلة لدى بعض ناشئتنا تقليعة بحار في أوج العاصفة في إبحاره على غير تحسب، فهو يلتمس الشاطيء ويتطلع إلى رماله الذهبية.
والهزات الفكرية القليلة عند ناشئتنا لا تقاس بالتجديف والكفريات
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٧٦.
[ ١ / ٤٧٦ ]
الصلع لدى من حولنا في كل الجهات. . .) (^١).
وهذا الكلام -مع تقديري لعلم وفضل صاحبه، والحق أحب إليّ منه- يصب في آنية الحداثيين المحليين وأساتذتهم، وفيه من المغالطة والمجازفة ما لا يليق برجل يعلم عن دين اللَّه ما به قيام الحجة عليه وعلى غيره، ويعلم من إلحاديات وكفريات الحداثيين ما يكفي لمراجعة طروحاته على ضوء معايير شريعة اللَّه الكاملة، وكيف لا تكون الحداثة تهمة فكرية وهي تقوم على أسس من الإلحاد والضلال والكفر والمضادة لدين الإسلام كما يعترف به الحداثيون أنفسهم؟.
وكيف لا تكون الحداثة تهمة فكرية ونحن لا نكاد نجد حداثيًا صادقًا في انتمائه للحداثة إلّا وهو في أحسن حالاته ينادي بفصل الدين عن الأدب والفكر والثقافة والفن، ويزعم أن القيم الجمالية لا تدخل تحت معايير الصواب والخطأ الشرعيين ولا تحت مقاييس الحلال والحرام؟.
وإني أعيذ هذا الكاتب أن يكون ممن يقول بذلك أو يسوغه بمنطوق قوله أو بمفهومه.
ومتى كانت الحداثة وسيلة للإبداع لا تفرض مضمونًا؟ ونحن نرى أتباعها ممن أشربوا حبها حتى من ناشئتنا الذين يحسّن بهم الظن قد تلوثوا بمفاهيم فكرية، أقل ما يقال عنها أنها أقرب إلى الشكوك والريب في الدين وأهله ومناهجه ونظمه منها إلى اليقين والإيمان الجازم، فضلًا عمن ارتكس إلى مهاوي الجحد الصريح والنكران الفاضح، والمعارضة البواح لدين اللَّه تعالى أو لشيء منه، وما الهزات الفكرية التي يصفها -هذا الكاتب- عند أتباع الحداثة المحليين إلّا فوح البئر المهجورة ليوسف الخال، وبوح مهيار الدمشقي، ونبض نضاليات محمود درويش والقاسم وزياد، وإباحيات قباني.
وإن من عظيم جرم الحداثيين المحليين "الأتباع" أنهم لا ينفكون مادحين ومشيدين بأصحاب التجديف والكفريات الصلع، محسنين لمذاهبهم،
_________________
(١) جريدة عكاظ عدد ١٠٥٩٣ في ١٨/ ٣/ ١٤١٦ هـ: ص ٢٧، في مقابلة مع أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، وله مثل هذا الكلام في كتابه الحداثة وأعباء التجاوز.
[ ١ / ٤٧٧ ]
مستشهدين بكلامهم، مسترسلين في إطرائهم، وجعلهم قدوات وأساتذة للأجيال، وهذه ليست فيها مواربة ولا اختفاء لا من حيث وقوعها، ولا من حيث أنها تخالف أصل الولاء والبراء.
أمّا قضية أننا نأخذ جماليات الحداثة وأشكالها، ونعرض عن مضمونها فإن ذلك غير ممكن؛ لارتباط الحداثة شكلًا ومضمونًا بفلسفة تقوم على مجافاة الدين، ومحاربة الإسلام، ونقض الإيمان، ومعاداة الوحي، ثم لأن أصحاب الحداثة وروادها يرفضون بإصرار وباستمرار فصل الشكل عن المضمون، ثم إن هذا المعتذر للحداثيين يعلم مدى تأثير وسيلة التعبير وشكله في المضمون، كما يعلم تأثير لبس المسلم لملابس الغربيين على خلقه وسلوكه.
إنه بدعوته هذه يدعو إلى فصل غير ممكن ولا معقول، وهو بمثابة من يقول: أتعلم من رؤية أفلام الجنس كيفية التصوير وفنياته، أو أتعلم من كتب اليهود والنصارى التعابير الفنية، أو آخذ من كتب الزنادقة التركيب الفني والأسلوب الجمالي!!.
وههنا سؤال يفرض نفسه على هذا الكاتب وأضرابه من الذين التبس عليهم حال الحداثة والحداثيين: في أي فسطاط يُمكن أن تضع كلام الحداثيين المنحرف، والمخالف للإيمان، المناقض للإسلام من السياب والبياتي حتى علاء حامد؟، أفي فسطاط الإيمان والإسلام والإحسان، أم في فسطاط الكفر والضلال والفساد والفسق والانحراف؟.
وما مهمة هذا الكتاب إلّا إثبات حقيقة أن الحداثة في واد وضفة غير وادي الإسلام وضفته، بل الحداثة في العدوة القصوى، والإسلام وأهله في العدوة الدنيا، وأسأل اللَّه ألا يكون هذا الكاتب وأشباهه في الركب الأسفل.
ومن أمثلة انحرافهم في زعمهم عبثية الوجود والحياة والإنسان: قول صلاح عبد الصبور:
(يا صاحبي
[ ١ / ٤٧٨ ]
ما نحن إلّا نفضة رعناء من ريح سموم
أو منية حمقاء
والشيطان خالقنا ليجرح قدرة اللَّه العظيم) (^١).
وقول الصائغ:
(مصيفي الفراغ
مشتاي الفزع
وعيشي قطار بينهما) (^٢).
وقول المقالح:
(. . . وفي عالم مفرغ كالعدم
وقفت أعانق حتفي
أواصل رحلة عمري بلا هدف أو قرار
كأني سجين يريد الفرار
ويفزع من ليله الموحش الجهم
يخشى سقوط النهار
حياتي هباء. . .) (^٣).
ويعبر عن فراغه وعدميته وشكه وارتيابه فيقول:
(تأكلني الوحدة يستفزني الزحام
صليت للَّه وللشيطان
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٣٨.
(٢) المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص ٣٨.
(٣) ديوان عبد العزيز المقالح: ص ١١٥ - ١١٦.
[ ١ / ٤٧٩ ]
عبدت وجه الكفر والإيمان
سجدت للأوثان
لكنني كما بدأت في الظلام
وليس في الظلام من أحد) (^١).
هذه بعض أمثلة على هذا الضرب من الانحراف في توحيد الألوهية.