كل ما أخبر به الوحي فهو حق ثابت لا مرية فيه، هذه قاعدة ثابتة عند كل من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد -ﷺ- نبيًا.
ولكنها عند الملاحدة والمرتابين ليست بشيء، وذلك من مقتضيات كفرهم وضلالهم، ومن لوازم انحرافهم وجاهليتهم، ومن توابع ماديتهم وحيوانيتهم.
وقد مرّ معنا في ثنايا هذا البحث نماذج عديدة من جحدهم للغيبيات، فقد جحدوا وجود اللَّه تعالى، وأنكروا كونه خالقًا مدبرًا إلهًا معبودًا.
وجحدوا وجود الملائكة الكرام ﵈، وجحدوا وجود الرسل وصدقهم، والوحي الموحى به إليهم، وجحدوا اليوم الآخر وكل ما فيه، والقدر وكل مراتبه وأركانه، وجحدهم لهذه القضايا -بل لجزئية واحدة من إحدى هذه القضايا- يجعلهم في ضفة غير ضفة الإسلام، فكيف وقد جمعوا الشر من أقطاره، واحتقبوا الباطل بأنواعه، وتلبسوا بألوان الضلالات، بل بأعظم أنواعها؟.
إن المتأمل في حال هؤلاء القوم يجد أنهم في فرارهم من الإسلام وانحدارهم إلى عدم الإيمان باللَّه تعالى يظنون أنهم قد تحرروا، وهم في الحقيقة قد هبطوا بأنفسهم من الإيمان الحق في شموخه ورحابته وسماحته، إلى الإيمان بمذاهب ضيقة متزمتة!!.
ولن أعرض هنا جحودهم لأركان الإيمان التي سبق الحديث عنها، بل لبعض الغيبيات الأخرى التي لا تندرج تحت أحدٍ من هذه الأركان.
وقد بينت في مواضع عديدة بعض الدوافع التي حدت بهؤلاء إلى الوقوف من قضايا الإسلام وعقائده هذا الموقف، وبينت الأساس الفكري والمذهبي الذي بنوا عليه عقائدهم المناقضة للإسلام، وناقشت في مواضع
[ ٣ / ١٥٦٥ ]
عديدة بعض مواقفهم وشكوكهم وشبهاتهم، فأغنى كل ذلك عن إعادته هنا، وفي عرض عقائدهم من الغيبيات تحقيق لجزء كبير من مقصد هذا البحث، ألا وهو بيان البون الشاسع بين عقائد أهل الحداثة والعلمنة، وعقائد أهل الإسلام.
لقد أسس طواغيت الحداثة لأتباعهم أسسًا ضالة اقتفى أثرها المحاكون أو تأثروا بها، فهم بين تقليد محض لأساتذتهم الذين ينفون الدين جملة وتفصيلًا، وتقليد جزئي يتمثل في أنهم وإن لم يصلوا إلى النفي الكامل والإلحاد المحض فإنهم قد رتعوا في مراتع الشك والريب، وتزعزع إيمانهم باللَّه تعالى وبعقائد الإسلام، فإذا هم في حالة من التذبذب والاضطراب لا تسمح لهم أن يكونوا من صرحاء الإيمان ولا صرحاء الكفر وإن كانوا في نهاية الأمر -عقيدة وعملًا- يقفون في الصف المقابل لصف الإيمان ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (^١).
إن طاغوتًا حداثيًا مثل أدونيس حينما يأخذ من تاريخ الإسلام المليء بالوضاءة والشموخ، وضاءة الإيمان وشموخ الاعتزاز بالإسلام، يأخذ الشذاذ والزنادقة فيجعل منهم سلفًا للحداثة الفكرية والأدبية المعاصرة، يهدف من وراء ذلك -في جملة ما يهدف- إلى إيجاد أسلاف يتحدث من خلالهم، ويقول لأتباعه المغفلين لستم وحدكم في ميدان الإلحاد والخروج على الدين، بل قد كان قبلكم أناس من أمثال محمد بن زكريا الرازي الملحد (^٢) وابن الراوندي والشلمغاني (^٣) والقرامطة والنصيرية وغيرهم من حثالات المنحرفين والضالين، الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان، ولكنهم في تاريخ الإسلام مثل الزبالة المحتقرة الملقاة في زاوية رواق ذهبي!!.
لقد حاول أدونيس أن يبث في قطعية ادعائية معاني الضلال والانحراف
_________________
(١) الآية ٣٠ من سورة محمد.
(٢) سبقت ترجمته: ص ٩٣٣. وانظر: ردود شيخ الإسلام ابن تيمية عليه في مجموع الفتاوى ٦/ ٣٠٤، ٣٠٨، ٣٠٩.
(٣) سبقت تراجمهم: ابن الراوندي: ص ١٣٦، والشلمغاني: ص ٣٧٤.
[ ٣ / ١٥٦٦ ]
والمضادة للدين، فهو يعتبر الوعي الغيبي سببًا للتخلف والرجعية!! ويجعل من مهام الطليعة "الطليعة الحداثية والعلمانية واللادينية" أن تحارب الوعي الغيبي، وما ينبني عليها من ثقافة وممارسة، وليس وراء هذا القول من مقصد سوى "الإسلام" الذي انشغل أدونيس بمحاربته ومعاداته أشد الانشغال، يقول في توجيهاته لأتباعه: (لابد للطليعة من أن تنقد أشكال الوعي الغيبي الذي يعرقل نمو الوعي من جهة، ويشارك من جهة ثانية في ترسيخ الثقافة الماضوية واستمرارها) (^١).
وقد سبق له في كتابه هذا وقبل هذه الأوامر الحداثية أن بين أن من ظواهر التخلف في المجتمع العربي الحديث عن الماضي والغائب والإيمان بالغيب (. . . إن الكلام في المجتمع يتناول أشياء إمّا إنها غائبة "أشياء الماضي" وإمّا أنها لا تتحقق أو غير موجودة في الواقع "الانفصال بين القول والفعل") (^٢).
ومهد قبل هذا كله بذكر معروف الرصافي (^٣) الذي يعده أدونيس مثالًا للتجديد؟ لأن الرصافي يرى (أن الأديان ليست موحاة، وإنّما هي وضع قام به أشخاص أذكياء، وإذ ينكر الوحي، ينكر بالضرورة النبوة، وينكر وجود الأنبياء والنتيجة الطبيعة لإنكار الدين، وحيًا ونبوة، هي إنكار التعاليم أو المعتقدات التي جاء بها) (^٤).
ثم إن الرصافي عند أدونيس من رموز الحداثة العربية؛ لأنه (. . . ينكر خلود الروح، ويقول: إنها ليست من جوهر سماوي كما يعلم الدين. . . لذلك لا يؤمن بفكرة الحشر أو البعث، الجنة أو النار، ثم إن السماء التي تشير إليها التعاليم الدينية على أساس أنها "مكان" الخلود والنعيم، ليست أكثر من فضاء طبيعي تسبح فيه الأرض.
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) المصدر السابق ٣/ ١٠٣.
(٣) سبقت ترجمته: ص ١٢٢٦.
(٤) الثابت والمتحول ٣/ ٦٥.
[ ٣ / ١٥٦٧ ]
وهو إذن يرفض فكرة الثواب والعقاب، ويرفض تبعًا لذلك أن يصلي أو يصوم، شأن الآخرين طمعًا في الجنة وحورها العين. . .) (^١).
هذه مؤهلات التميز التي جعلت أدونيس يخصص مباحث من كتابه تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" للحديث عن الرصافي وكل يميل إلى شكله كأنس الخنافس بالعقرب!.
ثم يخلص في تعليماته الجاهلية لأتباعه الجاهلين -ولا أستثني أحدًا من الحداثيين- فيشرح لهم قضية محاربة "السائد" ومقاومة "الصورة السائدة" وهي عبارات لا تكاد تنفك عن أي حداثي.
يقول أدونيس: (أعني بالصورة السائدة، المفهومات والأحكام التي تتبناها المؤسسة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، وتحافظ عليها وتدافع عنها، ويدخل في تكون هذه الصورة عاملان أساسيان: غيبي وهو الدين وتاريخي. . .) (^٢).
ويصف في ديوانه حالة متخلف -حسب نظرية المادية- ويعلق تلك الحالة بإيمانه بالغيب فيقول:
(ماش على أجفانه سادرًا
يجر مديد آهاته
تلطمه الحيرة أنى مشى
كأنها سكنى لخطواته
علق بالغيب فأجفانه
رملية الأفق
كأنما من بأسه شمسه
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣/ ٦٥.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٢٧٥.
[ ٣ / ١٥٦٨ ]
تغيب في الشرق) (^١).
وفي مقطوعته الصارخة الإلحاد التي سماها "رحيل في مدائن الغزالي" تحت عنوان أكبر هو "السماء الثامنة" لم يبق في كنانة حقده سهمًا إلّا صوبه للإسلام، ومن ذلك أن يصف المسلمين بالموتى لأنهم يدخلون في نفق أخضر، يريد به الإسلام، وفي كتاب، يريد به القرآن، ويصور أن الشمس -أي المعرفة- مستضعفة عندهم؛ لأنهم متعلقون بالغيب، ثم يتبجح بأنه لا يبالي بطرح هذه الأقوال ولا غيرها، ولا يأبه بالوعيد الشرعي والتخويف بالعذاب والنار؛ لأنها -عنده- مجرد خيمة كسر فيها كل ما يتعلق بها من أحكام ووعد ووعيد، وكسر كل المخاوف، وأنه يعرف خلجات التوعد في الجسم العتيق المريض -يريد الإسلام- أنها ليست بشيء، ثم يخاطب المسلمين بأن يجتنبوا هذا الطريق لأنها لا توصل إلى شيء، ويصفها بأنها طريق نصبتها الأنصاب والأشباح، هذه معاني بعض هذه المقطوعة الآسنة النتنة والتي يقول فيها:
(أهدم كل لحظة
مدائن الغزالي
أدحرج الأفلاك فيها، أطفيء السماء. . .
ويدخل الموتى ويخرجون
من نفق أخضر - في مدائن الغزالي
يأتون في كلام
يئن، في دروب كالملح، في كتاب
يموت، دفتاه
رقص وصافنات
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٥٧.
[ ٣ / ١٥٦٩ ]
ويدخل الموتى ويخرجون
والشمس في ثيابهم
جارية صفراء
مدهونة الثديين بالمقلوب
بالحجر الأحمر بالكبريتِ والغيوب
تسقط كله ليلة في نشوة الإسراء
تلتهم السيوف والسنينا
تطرح كل لحظة جنينا
ويدخل الموتى ويخرجون
توعدي يا فرس النبي في مدائن الغزالي
توعدي خطاي والطريق
عذابك الكبير مثل خيمة
كسرت فيها خاتم الزواج والكوثر الرحيق
توعدي أعرف كل خلجة
في جسمك العتيق
أعرف ما يقوله عذابك الكبير - في مدائن الغزالي
مسافرون. . . أين تذهبون؟
لن تصلوا، فهذه الطريق لا تمر في دمشق والصَّباح
ترسمه الأنصاب والأشباح) (^١).
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ١٢٣ - ١٢٤.
[ ٣ / ١٥٧٠ ]
فلننظر بعد هذه الأقوال إلى بعض الشروخ الهائلة الموجودة في بنيانها:
أولًا: يقصد أدونيس بكلامه، هذا كله الدين، ودين الإسلام على الخصوص، باعتباره من الغيبيات التي تجب محاربتها؛ لأنها عنده من أسباب للتخلف، وباعتبارها هي السائدة والمسيطرة على الثقافة والسلوك الاجتماعي.
وحربه لدين الإسلام مبني على تزمت إلحادي، وضغائن طائفية نصيرية نشأ عليها، وعمالة لجهات أجنبية ما زالت ترعاه وتحوطه بالدعم والدعاية، ومن كان هذا شأنه فلا ريب أن يكون حديثه عن الإسلام حديث الباغض الحاقد!!.
ثانيا: يقتنص أدونيس أقوال أضرابه وأشباهه ليقوي بها جانبه ويلبس بأقوالهم على أتباعه، وأقوالهم لا تبعد عن المنطلق الحاقد الجاهل الذي انطلق منه أدونيس.
ثالثًا: يهاجم أدونيس الغيبيات الإسلامية ويؤمن بغيبيات وثنية جاهلية، ويقدس أصنامًا ويظل لها عاكفًا، وقد مر معنا في الفصل الرابع من الباب الأول شواهد كثيرة على إيمانه وتقديسه للأوثان الفينيقية، وأظهر الأدلة على خضوعه وإيمانه بالأوثان الجاهلية تسميته نفسه باسم الوثن "أدونيس".
ثم هو لم يكتف بالإيمان بغيبيات وثنية سابقة بل أضاف إلى ذلك إيمانه بغيبيات جاهلة محدثة وكتابه "الصوفية والسوريالية" مليء بهذه القضايا فهو يؤمن بأن الشاعر له غيب ويستشرف الغيب بل ويصنع الغيب!!.
ثم هو مع ذلك كله لم يتباعد عن عقيدته الباطنية النصيرية بما فيها من غيبيات باطلة وضلالات قاحلة، وقد سبق بيان ذلك في الفصل الرابع من الباب الأول، وسيأتي بعض من ذلك في الوجه الرابع من انحرافاتهم في هذا الفصل.
فإذا كان أدونيس يؤمن بغيبيات ماضية وحاضرة، ويقدس مذاهب
[ ٣ / ١٥٧١ ]
ومناهج ويعتقد أن لها القدرة على التغيير والتأثير المستمر -وكل ذلك غيب- فلماذا يهاجم الغيبيات الإسلامية؟.
الجواب الوحيد لهذا: أن أدونيس يحمل ضغينة على الإسلام كضغينة أهل الشرك والكفر والصليبية واليهودية، وهؤلاء جميعًا لا يتوقع منهم إلّا أن يسعوا بكل قراهم في سبيل زعزعة هذا الدين وإخراج الناس من ضيائه إلى ظلمات الكفر والنفاق.
ومن كان شعاره الحقد، ومساره الشبهات، وغايته الهدم، فلا يُمكن أن يحاكم إلى عقل أو نظر أو برهان.
وهذه الحالة المرضية التي سقطت في سقمها سائر الحداثيين منتشرة بينهم بنسب متفاوتة، أدناها يحتوي على أصناف من الحالات الجاهلية التي لا تقترب إلى الحالة السوية لعقل إنسان يحترم عقله، أو دين مسلم يقدس ربه الحكيم العليم.
ها هو أحدهم يصب جام سخطه على اللغة العربية في ألفاظها ودلالالتها ويطلق على معجمها "تابوت القاموس" وفي الوقت ذاته يهاجم عقيدة الإيمان بالغيب ويعتبرها طقسًا فارغًا، فيقول في سياق حديثه عن دلالات اللغة وأستخدامها من قبل الأديب الأصيل: (. . . ويظهر ويكرر الدلالات الميتة كبديل دائم، وهذا هو الطقس الفارغ الذي يمارسه الكاتب العربي، حتى وهو يعتقد أنه يمارس شيئًا ذا أهمية، وهو نفس الطقس الفارغ الذي يمارسه أصحاب المعتقدات الغيبية وهم يعتقدون أنهم يمارسون حياتهم) (^١).
وهو القائل في موضع آخر من كتاب "بحثًا عن الحداثة": (وفي الخرافة ثاني أساسيات الثقافة العربية بوصفه تفسيرًا للفاعلية وتعليقًا لها على وجود آخر غير منظور، وتنتشر تمثلات الخرافة تحت شتى المسميات فهي القدر مرة، وهي الشيطان أو الكائنات الأسطورية مرة أخرى) (^٢).
_________________
(١) بحثًا عن الحداثة: ص ١١٠.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٦.
[ ٣ / ١٥٧٢ ]
وقد لخص إحسان عباس مقاصد الثورة الحداثية في أربعة أغراض:
١ - انهيار سلطة الأب.
٢ - تفكيك العائلة.
٣ - تحدي السماء.
٤ - الإعراض عن كل ما وراء الغيب.
ثم يتساءل: هل يعتبر الحداثي بعد هذا كله من حزب الشيطان، ويجيب -في دفاع زائف- بأن الحداثي لا يعتبر مع هذا كله إلّا في حزب الإنسان!!.
يقول إحسان عباس: (. . . الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب، وتفكيك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان -دون أي شيء آخر- تعنى فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن تحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات، هل الشاعر الحديث من حزب الشيطان؟ لو كان الأمر كذلك لكان يدخل حربًا خاسرة، ولكنه من حزب الإنسان، وهذا يعني أن الإنسان هو القيمة الوحيدة في هذا الكون، وهو لا يحاول أن يدخل حربًا بين طرفين وإنّما يكتفي بالجحود) (^١).
وأيُّ إنسانية لإنسان يعتقد بالمادية، ويؤمن بالحيوانية أصلًا ومنشأً؟ وأي إنسانية لمخلوق يبت نفسه عن عناصر إنسانيته المتمثلة في روحه وآفاقها، ومعنوياته وطاقاتها؟.
لقد وصل إلى بعض هذا المعنى جملة من كتاب وفلاسفة الغرب بعد
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربي المعاصر لإحسان عباس: ص ١٥٨.
[ ٣ / ١٥٧٣ ]
أن رأوا فضاعة الانحدار التي وصلت إليها الحياة الغربية، ومنهم على سبيل المثال "رينيه دوبو" (^١) الذي قال في كتابه "إنسانية الإنسان": (أنا أشك أن في استطاعة البشرية تحمل أسلوب حياتنا السخيف لمدة أطول دون أن نفقد أفضل ما في الإنسانية، وعلى الرجل الغربي أن يختار مجتمعًا جديدًا، وإلّا فإن المجتمع الحديث سيفنيه. . . هناك عناصر في الموقف الحاضر يُمكن إيجاد أجوبة لها في التكنولوجيا، ولكن هناك عناصر أخرى لا يُمكن للتكنولوجيا أن تجيب عليها وهي تتعلق إلى حد ما بموضوع نظرتنا الفلسفية الأساسية بالنسبة للإنسان وما يعني تطبيقها. . . والتطلع إلى موقف إنساني غير خاضع لأوامر التكنولوجيا، ليس رجعية ولا انهزامية بل هو موقف نقدي وجهد بطولي. . .) (^٢).
(وستعاني مجتمعاتنا، لا محالة، من كوارث بيولوجية ونفسية ما لم تنمّ بيئات تكنولوجية وحضرية تتناسب حقًا وحاجات الإنسان، فأمراض المدنية وتمرد الشباب هي إنذارات بأن العافية البدنية والصحة العقلية والرضى العاطفي كلها تحتاج لأكثر من الغنى المادي وإنتاج الأشياء ومعرفة أسرار الذرة) (^٣).
ويصف مقدار العطش الروحي الذي يعانى منها الغرب بسبب انتشار الإلحاد، ويحاول أن يتشبث ببقايا ما في الوجدان الغربي من آثار باقية من دين، وهو بذلك يحاول أن يضع الإنسان في أرضية الإنسانية التي سلبها منه الإلحاد، يقول رينيه دوبو: (والقبول الواسع لمواقف لا دينية في المجتمعات المعاصرة وضع إنسانها الملحد في موقف صعب، فرغمًا عن تطرفه الشديد في اندفاعه لإزالة القداسة عن كل شيء لم يستطع أن يحرر نفسه تمامًا من الماضي، فطبيعته الدينية القديمة باقية دائمًا في أعماق كيانه مستعدة لأن
_________________
(١) رينيه دوبو، أستاذ في جامعة روكيلفر في نيويورك وأخصائي بعلم الحياة -البيولوجيا- نال عدة جوائز منها جائزة نوبل بالاشتراك مع آخر عام ١٣٩٦ هـ/ ١٩٧٦ م، وهو مؤلف ومحاضر وله أبحاث علمية عديدة، ومن مؤلفاته كتاب "يا لإنسانية هذا الحيوان!! " المتوجم إلى العربية بعنوان "إنسانية الإنسان". انظر: إنسانية الإنسان: ص ٤.
(٢) إنسانية الإنسان: ص ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٥٢.
[ ٣ / ١٥٧٤ ]
تنشط؛ لأنه ملاحق دائمًا بنفس الحقائق التي يحاول إنكارها) (^١).
نعجب من هذا التصريح الذي يقوله عالم من علماء الغرب، ويزداد العجب إذا علمنا بأن هذا العالم المادي دارويني الاعتقاد والمنهج!!، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يتجاوز حقائق الواقع في محدودية العلم، وحاجة الإنسان إلى الإيمان والدين، بل وحاجته الشديدة إلى غيب يؤمن به، ومن هذا القبيل قوله: (ومع التنور الذي حدث في القرن الثامن عشر برزت تدريجيًا مكانة "التعليل العلمي" ليصبح الإيمان الجامع للناس، إلّا أنه أيضًا بدأ مرحلة ضعانه منذ بضعة عقود؛ لأن محدوديته الفكرية والتطبيقية ظهرت بأسلوب جلي، قليل من الناس من يشك في أن العلم هو أعظم القوى في العالم المعاصر، ولكن لم يبق إلّا عدد قليل جدًا من الناس -بخاصة المتعمقين منهم- على اعتقاده أن العلم قادر على تفسير معضلات الكون أو أنه قادر، لوحده، أن يعطي للحياة الإنسانية وجهة ومعنى. . . وتواجهنا العلوم المادية بتناقضات لا حلول لها عند ما نحاول فهم حدود الفضاء أو بدايات الزمن، أضف إلى ذلك أن الإنجازات العلمية تثير، بصورة عامة، مسائل أخلاقية يعتبرها كثير من العلماء خارج نطاق كفاءاتهم، ويشيرون إلى أن العلم والتكنولوجيا أدوات ووسائل ليس لها أخلاق، ويُمكن استعمالها لخير البشرية أو لدمارها. والاعتقاد بأن العلم قادر على حل أكثر المشاكل العلمية أمر يكذبه الوعي المتزايد بأن تكنولوجيا العلم تثير مشاكل جديدة في محاولاتها لحل المشكلات القديمة. . . وقد تأتي صعوبة البحث في مشكلة "معنى للحياة" من حقيقة أننا نثير أسئلة خاطئة، ونسيء تفسير النجاحات التي أحرزتها البشرية في فترات وجود الإيمان الموحد.
. . . لقد أخذ الإيمان أشكالًا عدة عبر التاريخ وسواء كان الاعتقاد بإله أو بفلسفة غير مادية، فإنه يحوي دائمًا نظرة إلى الإنسان وامتداده لما وراء الزمن الحاضر، وكلما اتسعت الصلة كبر المعنى؛ ولهذا احتفظ
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٤٩.
[ ٣ / ١٥٧٥ ]
الدين والفلسفة رغم نقصهما الظاهر في القيم العملية (^١) بجاذبيتها للبشرية) (^٢).
ومن هذا الكلام وأشباهه يُمكن القول بأن ظلام المادية الملحدة آذن بالانقشاع؛ لأنه بُني على شفا جرف هار؛ ولأنه حارب أو تجاهل أهم الخصائص الفطرية للنفس الإنسانية، الروح، والإيمان بإله خالق، والإيماق بغيبٍ وراء العالم المحسوس.
وغير بعيد ما ذكره مترجم "تاريخ الفكر الأوروبي الحديث" الأستاذ أحمد الشيباني (^٣) -﵀- حين ذكر في مقدمة ترجمته لهذا الكتاب أن مكتشفات جديدة في الفيزياء الحديثة على يد علماء من الغرب هدمت الحتمية المادية نظرية وأقنومًا أساسيًا من أقانيم الفلسفة المادية، وخاصة نظرية "هينبرغ" في اللاحتمية التي تعد بمثابة الإعلان الرسمي عن انهيار الحضارة الأوروبية العلمية فلسفة وعلومًا وأنظمة) (^٤).
وعلى الرغم من علائم تراجع المد الإلحادي في الغرب، ومحاولة البحث عن إنسانية الإنسان بعيدًا عن معطيات المادة؛ فإن أتباع الحداثة والعلمانية ما زالوا يعيشون في دائرة الخضوع والملق والمداهنة لمذاهب ومناهج المادية الإلحادية الغربية، والنصوص السابقة التي نقلتها والتي ينفي
_________________
(١) هذا رأي المؤلف، وهو رأي محصور على رؤية قاصرة، وتحصر الدين في النصرانية، ويظهر من ذلك جهله أو تجاهله للإسلام.
(٢) إنسانية الإنسان: ص ٢٢٠ - ٢٢١.
(٣) أحمد الشيباني، ولد في عام ١٣٤١ هـ/ ١٩٢٣ م في بادية الشام من قبيلة شمر، درس الابتدائية والثانوية في المدارس الألمانية، وتخصص في الدراسات الفلسفية والتاريخية والإسلامية، وألف وترجم عددًا من الكتب ومنها هذا الكتاب "تاريخ الفكر الأوروبي الحديث" لرولاند سترومبرج، والأستاذ أحمد له مواقف مشهورة ضد الحداثة وأتباعها المحليين، وهو يتحدث في شأنها وشأنهم عن علم واطلاع عميق، توفي -رحمه اللَّه تعالى- في شعبان من عام ١٤١٦ هـ. انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث: ص ٧٨٢.
(٤) انظر: مقدمة الأستاذ أحمد الشيباني لكتاب تاريخ الفكر الأوروبي الحديث: ص ١٠٣ دار القارئ العربي.
[ ٣ / ١٥٧٦ ]
فيها الحداثيون العرب الغيبيات ويجعلون الإيمان بها من علامات التخلف!!.
نعم إن الأصوات المنادية بالعودة إلى شيء من الفطرة الإنسانية وشيء من ضروريات الكرامة الإنسانية؛ ليست هي البارزة أو القوية أمام الموجات العارمة من دعوات الحيوانية والمادية والإلحاد، ومقتضياتها في الحياة العامة والخاصة للناس، والتي خضعت لها أعناق الحداثيين في مهانة فكرية صارخة وفي ترديد ببغائي بليد، ها هي مجلة "مواقف" تعلن -كما أعلن أدونيس من قبل- أن الإنسان العربي لا يُمكن أن يكون "ثوريًا!! " ألا بتخليه عن الإيمان بالغيب، وأول ذلك -عندهم- التخلي عن الإيمان باللَّه تعالى، تقول "مواقف": (هل يُمكن العربي أن يحقق الثورة ما دام يحيا ويفكر في إطار من القيم الموروثة المطلقة الثابتة؟ كيف يستطيع العربي، بتعبير آخر، أن يعيش ثورة تغير لحظة يعيش مطلقًا غيبيًا ينفي التغير؟ هل يُمكنه أن يغير وضعه، أعني ذاته، إذا لم يغير المطلق الثابت؟ هل يعني ذلك أن العربي لا يكون ثوريًا إلّا إذا تخلى عن إيمانه بالمطلق الغيبي؟ تعني الثورة، فيما تعني، نظرة جديدة، هذه النظرة تتضمن بالضرورة، نقدًا لما سبقها، سواء كان دينيًا أو غير ديني، وتتضمن، بالضرورة، تجاوزًا لما سبقها.
إن المضمون الإنساني التقدمي المنفتح على آفاق المستقبل هو ما يهم هذه المجلة في المقام الأول) (^١).
وهكذا نلمس كيف يتجبر ويتكبر ذو العاهة ليشعر الناس أنه قوي سليم، وأن عاهته الفكرية لم تنقصه عن البشر العاديين فضلًا عن البشر الفائقين!!.
ولأن النقص المادي، والعاهة الحيوانية توجع بقايا الفطرة لديه، فإنه يغطي على ذلك بوصوله إلى التطرف المريض كما في النص السابق، وكما في نص آخر لعلماني عربي شهير يقول فيه: (ما عاد الإنجاز يقاس بالانسجام مع مفاهيم غيبية، بل مع عمل يتجه صوب أهداف موضوعية عقلانيًا. . . فالإنسانية إذًا هي خالدة وحدها دون سواها، مستبدلًا بفكرة
_________________
(١) مجلة مواقف، العدد ٢، سنة ١٩٦٩ م: ص ٣ - ٤.
[ ٣ / ١٥٧٧ ]
الألوهية فكرة البشرية كما فعل كونت) (^١).
ومن أراد المزيد من أمثلة الهذيان والكره العميق للدين، والانحراف المتزمت، فليقرأ هذه الأسطر التي تنبيء عن حجم التفاهة العقلية التي تردى إليها بعض أبناء البلاد الإسلامية، ففي مقال في مجلة الناقد للكاذب الليبي المسمى "الصادق النيهوم" بعنوان لغة الموتى يتحدث عن "عالم الغيب" ومما قاله: (. . . كلمة "العالم الآخر" التي نحتها الكثهة من لغة الناس، لم تكن كلمة، بل كانت "عالمًا آخر مجهولًا بأكمله" له ثلاث صفات جديدة مجهزة عمدًا على مقاس السحرة:
الصفة الأولى: أنه عالم غائب عن عيون الناس، لا يعرف أسراره أحد، سوى الكاهن الذي يتكهن بأسرار الغيب، وهي مغالطة شفوية بحتة لكنها ضمنت للكهنة، أن يحتكروا تفسير الشرائع حتى الآن.
الصفة الثانية: إنه عالم حي، لكن بوابته الوحيدة تقع وراء الموت، مما يخي عمليًا أن مستقبل الأحياء يبدأ -فقط- بعد أن يموتوا.
الصفة الثالثة: أنه عالم خارج عن سنن الطبيعة، تنطق فيه الأصنام وترتاده التنانين المجنحة، لكنه هو العالم الحقيقي؛ لأنه أزلي وخالد، وهي صياغة تريد أن تقول -فقط- إن عالم الناس والأحياء ليس عالمًا حقيقيًا) (^٢).
ثم يستمر في هذيانه ليصل إلى ما أسماه لغة الدين الذي أسس حسب زعمه لغة جديدة ومفهومًا جديدًا هي لغة الإنسان الحي (فكلمة "عالم الغيب" في لغة الإنسان الحي، تعني -حرفيًا- عالم المستقبل؛ لأن المستقبل هو العالم الوحيد الغائب، الذي يعرفه الناس الأحياء، ويوقنون بوجوده، دون أن يروه، ويعلمون أنه آت ويتحملون مسئوليته شرعًا، وقد التزم الدين بهذا التفسير الحي، ورفض كل تفسير سواه وجعله شريعة إلهية،
_________________
(١) المثقفون العرب والغرب لهشام شرابي: ص ١٧.
(٢) مجلة الناقد، عدد ٨، فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ١٠، وكتابه المسمى الإسلام في الأسر: ص ٨٠.
[ ٣ / ١٥٧٨ ]
وسماه مقدسًا لكي يميزه عن تفسير السحرة. . .) (^١).
وبعد هذا الخلط المتعمد، يصل إلى التفسير المادي لعالم الغيب الذي جاء به الدين، والذي سبق أن مهد له بنفي اليوم الآخر والبعث وخلود الإنسان بعده، باعتبار أن ذلك من لغة السحرة والكهان، جاء ليفسر عالم الغيب تفسيرًا دنيويًا ماديًا بحتًا فيقول: (. . . إن العالم الذي قلبه الكهنة يستعيد توازنه فجأة في ثلاثة مواقع رئيسية:
في الموقع الأول: لم يعد عالم الغيب غائبًا عن عيون الناس بل صار اسمه المستقبل، وصار بوسع الناس أن يعرفوا مستقبلهم سلفًا، بقليل من المنطق وعلم الحساب.
في الموقع الثاني: لم يعد عالم الغيب، رهنًا بما يقوله الكهنة؛ لأن المستقبل الوحيد الذي يعرفه الإنسان الحي، مستقبل لا يضمنه القول، بل يضمنه الفعل.
في الموقع الثالث: لم يعده عالم الغيب خارجًا عن سنن الطبيعة، بل صار طبيعيًا، وصاو قابلًا للتفسير العلمي، حتى إذا نطقت فيه الأصنام وارتادته التنانين المجنحة، فمستقبل الإنسان عالم مدهش -مثل عالم السحرةالغائب - لكنه لا يحتاج إلى لغة الأساطير.
هذا التفسير المديني لكلمة "عالم الغيب" رفضه الكهنة في جميع العصور بحجة أنه تفسير إلحادي قائم على إنكار البعث بعد الموت) (^٢).
لعل هذا الكاتب لم يجد في نفسه الجرأة أن يهاجم قضية الغيب بصراحة، فراح يتستر وراء مهاجمة "أفكار الكهنة" أو "السحرة" ومن هناك يهاجم كل المفاهيم الدينية ليأمن من تهمة الإلحاد والمروق، وفي الحقيقة أن غاية كلامه ومنتهى عجاراته أنه لا وجود لعالم الغيب، وإذا كان له وجود في اللغة الدينية -حسب تعبيره- فإنه وجود مادي أرضي حيواني، جريًا
_________________
(١) مجلة الناقد، عدد ٨، فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ١٠، وكتابه المسمى الإسلام في الأسر: ص ٨٠.
(٢) المصدران السابقان.
[ ٣ / ١٥٧٩ ]
على التفسيرات المادية الإلحادية التي أخذ بها الغرب منذ داروين وحتى ماركس وسائر الملاحدة والوجوديين.
إن هذا القول يوضح لنا تمام الوضوح فضاعة اللوثة المادية التي خيمت على بعض العقول المريضة فأفقدتها القدرة على رؤية الأمور في نصابها الحقيقي، فهي في تخبط دائم وفي اضطراب هائم ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (^١).
وفي مجلة الناقد مقال فيه دراسة عن وضح اليهود في فلسطين بعنوان "بعيدًا عن ضباب الغيبيات" (^٢) نفى فيه الأخبار التي جاء بها الوحي في التوراة وفي القرآن، والمهم في هذا المقال أنه جعل الغيبيات ضبابًا، وذلك على وفق العقائد العلمانية الحداثية ذات الجذور المادية.
ويعبر البياتي عن تطوره نحو الماركسية!! بضمور الغيبيات عنده، والتي عبر عنها بالباعث الميتافيزيقي، فيقول: (وهنا كان لابد من ضمور الباعث الميتافيزيقي في نفسي، ونمو الدافع الاجتماعي والسياسي) (^٣).
ولكنه لم يعلم بأنه قد اعتنق الغيبيات الماركسية من حتمية مادية، وصراع طبقي، وجدلية ديالكتيكية!!، بل هو يعلم أنه قد اعتنق الوثنيات الجاهلية البائدة مثل "عشتار" و"تموز" و"فينيق" وغيرها!!.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (^٤).
ومن رمزيات البياتي التي ينفي فيها الغيبيات ويرسخ المادية الجسدية قوله:
(بوابة الأبد
_________________
(١) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
(٢) مجلة الناقد، العدد ١٨: ص ٦٩، ديسمبر ١٩٨٩ م/ ١٤١٠ هـ، والمقال لشفيق مقار.
(٣) تجربتي الشعرية: ص ٢٧.
(٤) الآية ٢٥٧ من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٥٨٠ ]
مغلقة ليس هنا أحد
يضحك من أعماقه الجسد) (^١).
ويشبه هذه الرمزيات قول أحمد دحبور:
(مركب الغيب يعاني رمد الرؤيا يميد) (^٢).
وقوله:
(لا صوت ينبع من عروق الغيب
يفصلنا عن الصوت الإله جدار نار
هل تخرق النار العصبية؟ تفتدي السر الكبير من الديار؟
"السر وجه الأرض جسر النبض،
أصوات تدوي في القرار"
هل تفتدي؟ والناقة العمياء، باب الخصب، ينهبها
الحصار. .
لا شيء غير النوم فوق الرمل نم
وسع كوى الذكرى. . انطفئ كالآخرين) (^٣).
أمّا الرواية الإلحادية "مسافة في عقل رجل" فإن محورها: "نفي كل ما وراء الحس، وتقديس المحسوس" ومن أجل ذلك تجده يصف البعث الجديد للإنسان وللعقل البشري بأنه الذي يعتمد على نفي الغيبيات: الجنة والنار والبعث والقيامة والملائكة والشياطين والجن، ويعد بجنة على الأرض لا في السماء. . . إلى آخر هرطقاته (^٤).
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٩١.
(٢) ديوان أحمد دحبور: ص ٦٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٧٥.
(٤) انظر: مسافة في عقل رجل: ص ١٠ - ١١.
[ ٣ / ١٥٨١ ]
ثم يصف حال المؤمنين بالغيب قائلًا: (. . . حال كثير من الناس يعتنقون الخرافات، يؤمنون بالغيبيات، يقاتلون من أجل الوهم أشرس من قتال الآخرين للوصول للحقيقة) (^١).
وأقواله في نفي الغيب وجحد الغيبيات كثيرة، بل كل روايته تدور على ذلك (^٢).
ومن أقواله الشنيعة الساقطة: (. . . الغيبيات التي مرغت العقل الإنساني في الوحل دهورًا طويلة وتوارثها الفكر حتى بانت إحدى سماته، وارتبطت هذه الخرافات بقضية وجود اللَّه، فأحاطتها بالشكوك، وطوقتها بالتمرد لذلك كان من الأهمية بمكان أن تشذب فكرة وجود اللَّه من أغصانها السرطانية بالالتحاء لقفص العقل ورفض توارث فكرة وجود اللَّه) (^٣).
ويورد غالي شكري في كتابه "شعرنا الحديث إلى أين" مقطعًا من "نهر الرماد" لخليل حاوي يتضمن المطالبة بالانتفاضة على التاريخ والغيب والأمس، وذلك في قوله:
(إن يكن، رباه، لا يحيى عروق الميتينا
غير نار تلد العنقاء
نار تتغذى من رماد الموت فينا
فلنعان من جحيم النار
ما يمنحنا البعث اليقينا:
أممًا تنفض عنها التاريخ
واللغة والغيب الحزينا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٥.
(٢) انظر على سبيل المثال: ص ١٢٥، ١٢٦، ١٥٩، ١٧١، ١٩١، ٢٠١، ٢٢١، ٢٢٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٩١.
[ ٣ / ١٥٨٢ ]
تنقض الأمس الحزينا
ثم تحيا حرة خضراء في الفجر الجديد) (^١).
ويشرح صاحب الكتاب التبجيلي المسمى "مع خليل حاوي" في مواضع عديدة مقطوعة "نهر الرماد" ومما قاله عنها أن خليل حاوي (كان قد هدم "بنهر الرماد" الإيمان بالأساطير والتعاويذ والغيبيات) (^٢)، وإن يكن قد فعل خليل حاوي هذا في نهر الرماد فإنه قد هدم الغيبيات من قلبه، وأخلد إلى الأرض كسائر الحداثيين، أمَّا الغيبيات في ذاتها فغير قادر هو وأهل الأرض جميعًا على هدمها؛ لأن حقائقها ثابتة، ودلائلها واضحة.
وقد نال خليل حاوي ثمرة هدمه للغيبيات من نفسه حين ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه فانتحر ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (^٣) وقد دون الحداثيون هذا المجد!! في كتب وملاحق ومجلات وندوات (^٤).
أمَّا نزار قباني فإنه كتب في رسالة بخط يده إلى جهاد فاضل، ونشرها هذا الأخير في كتابه فتافيت مشاعر، ومما قاله قباني في هذه الرسالة: (أنا شاعر لا أؤمن بالغيبيات وضرب المنادل، وقراءة فناجين القهوة، فلكي أؤسس وطنًا معافى، لا بد لي من جرف كل هذا الخراب أولًا) (^٥).
وفي "موسوعة الفلكلور والأساطير العربية" يقرر المؤلف أن الذهن الغيبي والجبري القدري آفات تقع في مواجهة العلم التجريبي، فيقول في مقدمة: (راعيت الاهتمام بالموروثات الروحية الانزيمية الطقسية، وما تقتضيه
_________________
(١) شعرنا الحديث إلى أين: ص ١٣٤.
(٢) مع خليل حاوي: ص ٤٩١.
(٣) الآية ٣٣ من سورة القلم.
(٤) انظر مثلًا: كتاب رسائل الحب والحياة، الشاعر العربي خليل حاوي انتحر احتجاجًا على اجتياح لبنان إصدار دار النضال - بيروت.
(٥) فتافيت شاعر: ص ٤٣، ٥٤.
[ ٣ / ١٥٨٣ ]
من ذهن غيبي أو جبري يفضي بدوره إلى آفات القدرية والسلفية، والاعتماد على البركة، وتوابعها، في مواجهة العلم التجريبي) (^١).
وتاللَّه لقد انفلت هؤلاء من كل ممسك فلا دين حفظوه، ولا عقل احترموه، ولا علم تجريبي حذقوه أو نقلوه، وقصارى ما قاموا به أن جعلوا عقولهم وأذهانهم مستعبدة للمذاهب الغربية المادية، وقاموا بدور الوسيط الذي ينقل الجراثيم والأمراض!!.
تقرأ لهم فإذا هم يتباكون على العقل، وعقولهم مستطرقة للغرب والشرق وللخرافات والوثنيات القديمة والحديثة.
ويندبون حرية الفكر، وهم قد استأسروا في مهانة ذليلة للمذاهب والمناهج والنظم الغربية.
ويتغنون بالحريات الشخصية وهم أشد الناس استبدادًا وظلمًا للمسلمين، الذين يريدون مقارعة الحجة بالحجة والعقل بالعقل، فإذا كانت لهم وسيلة إعلام فهي لزمرتهم وليس للآخرين شيء، وإذا كان لهم حكم وسلطة فدعاة الإسلام في السجون والمعتقلات، وتحت الأحكام الحرفية والعسكرية، ثم يقولون الحريات الشخصية!!.
ويطالبون بالعلوم التجريبية ومناهجها وطرائقها، وهم في بعثاتهم لم يعودوا بشيء من ذلك بل عادوا بمحاربة الإيمان والعقائد والأخلاق، وأمثلهم طريقة من عاد وهو مرتاب في عقيدته وحضارته وأمته، وفي الوجه المقابل نرى أن الملتزمين بدينهم من أبناء الإسلام كانوا أبر بأمتهم وأحنى عليها حين تعلموا العلوم التجريبية وأسالوا أنهارها -حسب استطاعتهم- في أودية المسلمين.
أمَّا الهدَّامون والرجعيون الماديون من أتباع الحداثة والعلمنة فإنهم جلبوا أنجس وأخبث وأنتن ما في الغرب، وقاموا ببثه ونشره وإشاعته والدعوة إليه وإكراه الناس عليه، وجعلوه المنطلق لكل ثقافة وعمل وممارسة
_________________
(١) موسوعة الفلكلور والأساطير العربي لشوقي عبد الحكيم: ص ١٠.
[ ٣ / ١٥٨٤ ]
على حد تعبير أحدهم في قوله: (فلتكن نقطة الانطلاق، التخلص من شوائب ومقومات الذهن الغيبي التهويمي المنتكس في كل حالاته) (^١).
وفعلًا فقد كانت نقطة الانطلاق لهم، تكذيب خبر اللَّه تعالى، وجحد الغيبيات الحقيقية الثابتة التي جاء بها الإسلام، وأمثلة ذلك كثيرة منها:
- نفي خلق اللَّه لحواء من ضلع آدم ﵉ (^٢).
- نفي قصة أهل الكهف وجعلها مجرد أسطورة من الأساطير (^٣).
- نفي وجود الشياطين والجن، واعتبارها مجرد خرافة (^٤).
- نفي قضية قبض الروح وملك الموت (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩.
(٢) انظر: الأعمال الشعرية لنزار قباني ٢/ ٨٩٥ - ٨٩٦، ومجلة الناقد عدد ١٢ ص ٦ في يوليو ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ، والقول للصادق النيهوم، ومجلة نون الصادرة عن جمعية تضامن المرأة العربية، العدد الثاني أغسطس ١٩٨٩ م/ ١٤١٠ هـ: ص ١٤ مقال لمحمد شعلان بعنوان ليست من ضلع آدم.
(٣) قال ذلك خالدة سعيد كما في قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ٧٠ وقاله فيصل دراج كما في قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٨٥، وقاله حامد أبو أحمد في كتاب نقد الحداثة: ص ١٢١ وص ١٢٣، وهو الكتاب الذي أصدرته جريدة الرياض!! وإن كان المؤلف قد نقد الحداثة نقدًا موجعًا في بعض الأحايين، إلّا أنه لا يفتأ يثني على أصحابها مثل عصابة مجلة شعر: ص ٨٩ ولويس عوض ١٨٨ الذي يعتبره أستاذًا، واحترامه للبنيوية: ص ٣٨، وإطراؤه الزائد لزعيم البنيوية في هذه البلاد: عبد اللَّه الغذامي: ص ١٠، ١١، ٥٤، ٥٨، ١٠٣، ١١٠، ١١١.
(٤) قال ذلك محمد الأسعد في كتابه بحثًا عن الحداثة: ص ٦٦، وقاله نصر حامد أبو زيد في مقال له بعنوان النصوص الدينية بين التاريخ والواقع نشر في قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٣٩٦، ٣٩٩، وقاله الملحد علاء حامد في مسافة في عقل رجل: ص ٨٨، ١١١، ٢٢٨، ١٣٤، ٢٠٠، ١٧١، وقال بأن الجن مجرد خرافة وأساطير، وأحمد كمال زكي في كتابه شعراء السعودية المعاصرون التاريخ والواقع: ص ٢٤٩ - ٢٥٠، ومثله شوقي عبد الحكيم في موسوعة الأساطير: ص ٢٦٣.
(٥) قال ذلك علاء حامد في مسافة في عقل رجل: ص ١٧١، ١٧٢، وفي قضايا وشهادات ٢/ ٣١٤، قاله وليد إخلاصي.
[ ٣ / ١٥٨٥ ]
- إنكار وجود إبليس نعوذ باللَّه منه ومن حزبه (^١).
- جعل إرم ذات العماد وما حصل لهم أسطورة من الأساطير (^٢).
- نفي وجود السحر وحصول الحسد من العائن (^٣).
- نفي ما حصل لقوم لوط في سدوم بسبب غضب اللَّه عليهم لما عصوا أمره (^٤).
- اتخاذ قصة عزير التي وردت في سورة البقرة معبرًا لنفي الغيب جملة، ولنفي البعث (^٥).
- التكذيب والجحد والتشكيك في أشراط الساعة التي أثبت الوحي حصولها مثل: الخسف والزلزلة والريح الحمراء وخروج الدجال وقوله للخربة أن تخرج كنوزها، ونزول مطر من السماء بعد يأجوج ومأجوج فتخرج الأرض خيواتها (^٦).
- التكذيب بخروج يأجوج ومأجوج، واعتبار ذلك محض خرافة وأسطورة (^٧).
_________________
(١) انظر: مسافة في عقل رجل: ص ١٧١، ٢٠١.
(٢) انظر: ديوان السياب: ص ٦٠٢ حيث قدم لها بمقدمة خرافية أسطورية تدل على أنه يرى القصة كلها خرافة وأسطورة، أمَّا سميح القاسم فصرح بأن إرم مجرد أسطورة في ديوانه: ص ٣٠١ - ٣٠٢.
(٣) قال ذلك نصر أبو زيد في المقال المذكور آنفًا في قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٣٩٦، ٣٩٩.
(٤) قال ذلك سميح القاسم في ديوانه هامش: ص ٥٥.
(٥) انظر: ديوان أحمد دحبور: ص ٩١ - ٩٢.
(٦) انظر: الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٥٥٣.
(٧) قال ذلك ناجي علوش في مقدمته لديوان السياب: ص [ز ز] وقاله السياب في ديوانه: ص ٥٢٩، وقاله أستاذ الأدب الحديث في جامعة الملك سعود: أحمد كمال زكي في كتابه شعراء السعودية المعاصرون: ص ١٣٠، وقال أدونيس في الأعمال الشعرية ٢/ ٥٥٣، وقاله محمد الماغوط في كتابه سأخون وطني: ص ٦٩ وقاله إحسان عباس في اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٣٠.
[ ٣ / ١٥٨٦ ]
والأمثلة على ذلك في كلامهم كثيرة، ويكفيك من شر سماعه!!.