هذا الوجه من أوجه انحرافات أصحاب الأدب العربي المعاصر يصح
_________________
(١) المصدر السابق ٥ - بادية الظلمات: ص ٩٦ - ٩٧.
(٢) الخبز الحافي: ص ٤٨.
(٣) الشطار: ص ١١.
(٤) انظر: مسافة في عقل رجل أمثلة على الاستخفاف والاستهانة بالرسل والرسالات في الصفحات: ص ٥٥، ٥٦، ٧٢، ٧٣، ٧٧، ٨١، ٨٢ - ٨٣، ١١٢، ١٧٢، ١٩٩، ٢٠٢، ٢٠٣.
(٥) انظر: سقوط الإمام: ص ٩، ٢٦، ٢٧، ٨٣، ١٢٢ - ١٢٤، ١٢٥.
[ ٢ / ١٢٩٣ ]
أن يكون مقدمة لغيره من أوجه الانحرافات، ويصح أن يكون نتيجة وغاية لكل ما سبق ذكره من انحرافات في الكتب المنزلة وفي الرسل والرسالات.
أمّا كونه مقدمة فإنهم في سياق عداوتهم للرسل يضعون هذه الدعوى في بداية محاربتهم وجحدهم وتشكيكهم وسخريتهم واستهانتهم بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.
أمّا كونه غاية ونتيجة فلاريب أن ما سبق ذكره من جحد وتشكيك وتحقير للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يراد منه الوصول إلى هدم مبدأ النبوة ومبدأ الاتباع والطاعة للأنبياء، في مهرجان جاهلي يؤله العقل الكليل ويقدسه، تحت مزاعم أن الرسل والرسالات مضادة للعقل ومناقضة للمصلحة والتقدم والرقي والحضارة، إلى غير ذلك من الدعاوى الباطلة والافتراءات الجاهلة، التي لم تكن وليدة هذا العصر بل هي من قديم، قدم الصراع بين التوحيد والوثنية والحق والباطل والنور والظلام، ألم يقل فرعون عن موسى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (^١)؟، وقال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ (^٢)؟، وقال كفار قريش عن النبي -ﷺ- كما أخبر اللَّه تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ (^٤).
وفرية الكفار أعداء الرسل -وإن تنوعت- واحدة، سواء وصفوا الرسل بالجنون أو بنقصان العقل أو بمضادة العقل أو بمناقضته، قال اللَّه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي
_________________
(١) الآية ٢٦ من سورة غافر.
(٢) الآية ٥٢ من سورة الزخرف.
(٣) الآية ٦ من سورة الحجر.
(٤) الآيات ٣٥ - ٣٧ من سورة الصافات.
[ ٢ / ١٢٩٤ ]
لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (^١).
والذي يقوله أهل الحداثة والعلمنة اليوم من هذا القبيل كثير بلسان المقال والحال، ومن أعظم ما يشهد على ذلك الدساتير العلمانية الوضعية، والمناهج الثقافية والفكرية المادية التي يسعون في نشرها وبثها وترسيخها بين المسلمين، على اعتبار أنها هي التي تتفق مع العقل وتحقق المصلحة وتوصل إلى النهضة، وهذا وحده كاف في الدلالة على اتهامهم لدين اللَّه بالنقص والتخلف والرجعية، ولكنهم لا يكتفون بهذه الدلالة الضمنية الواضحة، بل يصرحون بكل جرأة أن الإسلام لا تصلح أحكامه لهذا العصر، أو أنها أحكام بشعة وغير حضارية وغير عقلانية، وغير ذلك من أقوال أهل الحداثة والعلمنة التي امتلأت بها كتبهم ومجلاتهم ومنابرهم وقاعاتهم ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ (^٢).
وفي مجال الأدب العربي المعاصر نجد أن الزعم بأن الوحي والنبوة مناقضة للعقل ومسببة للتخلف، من أشهر القضايا التي ينادون بها، ومن أصول فكرهم، حيث نجد أنهم يطرحون بتعصب منقطع النظير وبحماسة ملتهبة مبادئ يجعلونها أساسًا لمألوههم المدعى الذي يطلقون عليه اسم "الابداع"، ومن هذه المبادئ والأسس مما يخص هذا الفصل:
١ - لا حرية للإنسان إلّا بهدم الدين والشريعة والغيب؛ لأن هذه القضايا الاعتقادية -عندهم- من أعظم أسباب التخلف (^٣).
_________________
(١) الآيات ٥٠ - ٥٣ من سورة الذاريات.
(٢) الآية ١١٨ من سورة آل عمران.
(٣) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة ١٨١، ٢٥٠، ٢٣٧، وقضايا وشهادات ٢/ ٢١٠ من قول عبد الرحمن منيف، ومجلة الناقد العدد ١٠ ص ٢٠ من قول محمد جمال باروت، وله أيضًا في العدد نفسه ص ٢١، ولأمينة غصن في العدد ١٣ ص ٤٣، والحداثة في الشعر العربي المعاصر لمحمد حمود: ص ٣٥١، ورأيهم في الإسلام: ص ١٦٧، ١٦٩ - ١٧٠، ١٧٣ كلام لرشيد بو جدرة، وفيه في ص ١٩٣ =
[ ٢ / ١٢٩٥ ]
٢ - رفض الخضوع للَّه تعالى ورفض الإسلام جملة وتفصيلًا؛ لأن الكفر أساس الإبداع، والدين فشل أو تعويض عن فشل، والدين تراث لا قدسية له، والنهضة لا تتم إلّا بالفصل بين القيم الروحية والعقدية والقيم الحديثة، ولا يتم ذلك إلّا بالتخلي عن الغيب والمطلق، ونقل مركز الثقل من السماء إلى الأرض، ورفض فكرة التوحيد، ووجوب محاكمة الدين دون خوف (^١).
ومن هذه الأسس انطلق القوم في حرب مادية شرسة ضد الدين وأصوله وأركانه، ومنها هذا الأصل العظيم "الإيمان بالرسل" الذي جعلوا منه هدفًا لحربهم وهجومهم.
ومن ذلك ما كتبه أدونيس في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" حيث جعل الإسلام وعقائده وقضاياه من أسباب التخلف، والتدين ليس إلّا تكرارًا طقسيًا، وأساس التخلف غنده هو: (الإيمان بأن القديم كامل ثابت، وبأنه واضح، وبأنه عقلي منطقي) (^٢).
كما أن من أصول التخلف -عنده- اعتقاد أن القرآن هو في مقام الإجمال وما يأتي بعده هو في مقام التفصيل: (وهذا يعني أن الأقدم هو
_________________
(١) = كلام لكاتب ياسين، والإسلام والحداثة: ص ١٢٥ كلام لخالدة سعيد، ولجابر عصفور: ص ١٨٨، ١٨٩.
(٢) انظر هذه المفردات الحداثية الإلحادية في: الثابت والمتحول ٣/ ٢٥٠ - ٢٥١، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٧٥، ٢٧٧، ٣٠١، وبحثًا عن الحداثة: ص ١١، وزمن الشعر: ص ١١٣، واتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٥٨، وقضايا وشهادات ٣/ ٦٤، ١٧٤، و٢/ ٢١٠، ٢٥٨ - ٢٦٠، ومجلة الناقد- عدد ٨: ص ٣٢ - ٣٣، ٣٣ - ٣٤، وحداثة السؤال: ص ١٩، ٢٠، ٤٤، ٦٤، ورأيهم في الإسلام: ص ٥٧، ٥٨، ٢٢٧، والإسلام والحداثة: ص ١٢٥، ١٨٩، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٧١، ٣٣٧، ٣٥١، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٨١، ٣٨٨، وأسئلة الشعر: ص ١٦٥، وقضايا الشعر الحديث: ص ٣١٧ - ٣١٨، وخواتيم لأنسي الحاج: ص ١٩، ٦١، ١٨١، وديوان سعدي يوسف ٦، والأعمال الشعرية الكاملة لنزار ٣/ ١٣٤ - ١٣٦، وديوان سميح القاسم: ص ٦٩، ٢٣٨ - ٢٣٩، ٣٧٠، وديوان الفيتوري ١/ ٣٨٢، وغيرها كثير.
(٣) الثابت والمتحول ٣/ ٢٣٧.
[ ٢ / ١٢٩٦ ]
بالضرورة الأفضل، وأن الأسبق هو الأعلم، فالنور العربي واحد أوله، دينيًا، النبوة، وأوله، شعريًا الجاهلية، والأفضلية تتدرج تبعًا لتدرج القرب من الأولية. . .، فكما أن الدين تدين أي تكرار طقسي فإن الشعر هو، كذلك نوع من التمرس بفهم الماضي واستعادته في تكرار طقسي) (^١).
ويستمر في هذه الهوابط الفكرية متخذًا من الشعر وسيلة لتمرير إلحاده بالدين، وغاية يعجز عن الوصول إليها أي قول آخر، خاصة عندما يصبح الشعر وفق معاييره الحداثية وملته الإبداعية الابتداعية.
ومن هذا المنطلق أشاد بجبران خليل جبران وامتدح انحرافاته الكثيرة وجعل منه إمامًا يحتذى به ويسير على منواله، ويقتفي أثره، في الوقت الذي يستنكر فيه التقليد والمحاكاة والاحتذاء، ويجعلها من علامات الإستلاب والتخلف، فقد امتدح جبران في ثورته على الشريعة ثم انتقاله إلى الثورة على الأسباب العميقة التي تكمن وراءها، ثم يورد مقطوعة له يستشهد بها على هذه الثورات ثم يعقب عليها قائلًا: (في هذه المقطوعة يسمي اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الإستمرار لا بقوة الحقيقة، شأن الزواج الذي هو "عبودية الإنسان لقوة الإستمرار" والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية لتحرره) (^٢).
وفي موضع آخر يريد أن يشخص مشكلة الحضارة العربية -حسب زعمه- أي أنه يمتلك القدرة على هذا التشخيص، وهو في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك، أولًا لموقفه العدائي المكشوف من الإسلام والعربية، وهذا الموقف العدائي الحاقد -الذي لا يشك فيه من له أدنى اطلاع على نتاج أدونيس- لا يجعل أحكامه ولا تشخيصه للمشكلات ولا وصفه للحلول في أي مرتبة من الحيادية أو الموضوعية.
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣/ ٢٣٧.
(٢) المصدر السابق ٣/ ١٨٧.
[ ٢ / ١٢٩٧ ]
أولًا: لأن جهله بالإسلام وتاريخه وحضارته إضافة إلى أصوله الطائفية ذات الاعتقادات الحاقدة والأفكار الشائنة؛ لا تجعل منه سوى خصم يتذرع بالأدب والثقافة والدراسات النقدية والموضوعية؛ ليصل من خلالها إلى تفريغ أحقاده التاريخية والمعاصرة في أثواب من الأدب والحداثة والإبداع والعلمنة.
المقصود أنه في تشخيصه لمشكلة الحضارة العربية يقول: (لننطلق من تحديد المشكلية القديمة للحضارة العربية، من جهتي أحددها بأنها مشكلية الوحي/ العقل، الدين/ الفلسفة، الروح/ الجسد، القديم/ المحدث على المستوى النظري العام، والمضمون/ الشكل أو المعنى/ اللفظ، على المستوى الأدبي الخاص. . .
لنقل إذن أن اكتشاف المطلق الإلهي، وتنظيم العالم المحسوس بمقتضى هذا الاكتشاف هو المحور الذي دارت حوله الحضارة العربية، والمبدأ الذي وجه الفكري العربي، ثمة إذن في طبيعة الرؤيا العربية ذاتها إلى الكون والإنسان، انشقاق أصلي يتمثل في الثنائية التي أشرت إليها) (^١).
إن ثنائية التناقض هذه التي يصطنعها أدونيس، من أجل تمرير فكرة أن ما يتعلق بالوحي والرسالة والنبوة تخلف، لأنها مضادة للعقل والفلسفة والجسد والإبداع والمضمون والمعنى، وهذا القول أيضًا من قبيل الدعوى التي يطرحها أدونيس كالمسلمات ليخدع بها الأتباع الذين يأخذون كلامه بالتسليم المطلق والاتباع، كما قد أخذ هو هذه الأفكار عن أساتذته من الغربيين والفرنسيين خاصة، بالطريقة الاتباعية التسليمية المطلقة، وإلّا فإننا إذا جئنا إلى مجال العلاقة بين العقل والوحي وجدنا أنهما في علاقة تكامل وتداخل، فالوحي أنزله اللَّه والعقل خلقه اللَّه، ولا يُمكن أن يتناقض المنزل مع المخلوق إلّا في أوهام أهل التوهم، وفي أغراض الإغراض، هذا أولًا.
وثانيًا: إذا جئنا إلى مجال العقليات الصحيحة الثابتة فإننا لا نجدها بحال من الأحوال تتناقض مع الثابت من النصوص.
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٢٦٢.
[ ٢ / ١٢٩٨ ]
وثالثًا: نجد في معطيات العلوم التجريبية من الحقائق العلمية ما يتوافق تمام الموافقة مع أخبار الوحي.
ولكن الإطار الإلحادي الذي ضم فئات كثيرة من الناس اليوم تسلط على عقولهم فاعتبروا بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال وجود المخلوقات المشهودة هو الوجود الحقيقي، فصفاتها ونتاجها وأعمالها هي الحقيقة، وما لم يكن مشهودًا فهو إلى الفكرة الذهنية أقرب منه إلى الحقيقة الواقعية.
وتعدى هذا التصور المادي المحسوس جميع الأطر والحسابات، وأصبح تأثيره بينًا على التصورات الإعتقادية والآراء التشريعية بل تعدى إلى الأذواق والمظاهر، فأصبح الأدب والفن ضمن هذه الدائرة المظلمة، وحتى الأزياء والملابس -وخاصة فيما يتعلق بالمرأة- أضحت في كثير من بلاد العالم الإسلامي تسير على الخطى نفسها.
وصار كل ما يفعله الغربيون رجالًا ونساء بملابسهم أو شعورهم جميل ومتحفمر، وكل ما كان يفعله المسلمون، أو ما يفعلونه مما ليس فيه تقليد للغرب فهو قبيح متخلف، وإذا احتفلوا برأس السنة الميلادية فلابد أن نحتفل معهم، وبطريقتهم أيضًا، وإذا جعلوا لأبنائهم أعياد ميلاد، فكذلك ينبغي أن نفعل، وإذا نسبت المرأة إلى زوجها بدلًا من أبيها فلابد أن نقلدهم في ذلك، وإذا جعلوا إعلامهم موئلًا لنشر الرذائل وكشف العورات فلابد أن يهرع الإعلام على آثارهم، إلى آخر ما لا يكاد يحصى من أنواع التشبه البليد، الذي يدل على الضعة والتبعية العمياء والاندحار والهزيمة المعنوية، وضمور الحقيقة وغلبة الصورة والمظهر.
وإن كان التقليد في المسائل الشكلية أقل خطرًا من التقليد في المفاهيم والعقائد والمناهج، إلّا أنه يدل بجلاء على عمق التبعية وغباوة المتبعين.
وإذا كان للتقليد في التصورات والتشريعات تأويلات ومماحكات من قبل أصحابها، فلا يُمكن أن يوجد للتقليد في المسائل المظهرية والشكليات الظاهرية مسوغ سوى الافتتان بالمقلد، واعتباره المعيار القويم لما ينبغي أن يفعل أو يترك.
[ ٢ / ١٢٩٩ ]
بيد أن التقليد في المظاهر له دلائل أكيدة ومظاهر خطيرة، إذ من الثابت أن العلاقة بين المظهر والمخبر لا تنفصم، والعلاقة بين اللغة والمحتوى لا تتباعد، والالتزام بمظاهر معينة كثيرًا ما تكون تعبيرًا طبيعيًا عن حالات نفسية ومبادئ تصورية.
وفي مجال الأدب الذي هو مقصد هذا البحث نجد أن علاقة التبعية تأتي فيه من جهتين اثنتين:
الأولى: أن الأدب أضحى عقيدة، أو حامل عقيدة، وهو بذلك في حياة أصحاب المحاكاة والتبعية لا يبتعد عن حومة التقليد في الأسس الفكرية والتصورات الاعتقادية.
الثانية: أن الأدب باعتباره شكلًا من الأشكال الظاهرة -على افتراض أنه لا يحمل عقيدة ولا يدعو إلى مبدأ- هو أيضًا في الحالة العربية المعاصرة يرزخ تحت نيران التبعية وينضوي تحت دائرة الإطار الإلحادي المظلم.
وعلى ذلك فإن دعوى التناقض والإشكالية المعرفية التي يقولها أدونيس في النص السابق، ويعبر غيره عنها بعبارات أخرى مشابهة، لا تستند على قدم الحقيقة ولا تقوم على ساق البرهان، لما ذكرناه آنفًا، ولما بيناه من قبل من أن موقف المعادي المليء بالحقد التاريخي أو المعاصر على دين الإسلام لا يُمكن بحال من الأحوال أن يكون منصفًا؛ لأن حوافز البغض والعداوة في قلبه تجعل منه عنصر ظلم وعلامة عدوان، وبالتالي تبعده عن أي موقف حيادي -إن صحت الحيادية هنا- أو أي موقف متعقل -إن صح أن للملحد موقف تعقل-.
وإذا أردنا أن نأخذ على ذلك مثالًا من كلام أدونيس وأسلافه الذين يستشهد بكلامهم ومواقفهم، فإننا نجد أنه ينقب في التراث ليجد شاكًا أو ملحدًا بين ملايين المؤمنين الموقنين، فيتخذه رمزًا وأصلًا، ويستعمل مقولاته جسرًا يعبر من فوقه إلى مآربه.
إنه يعتبر أي موقف مناقض للدين موقفًا عقليًا، وهذا المنطلق الابتداعي عنده - يجعل منه مجرد متحامل، يقول في الثابت والمتحول:
[ ٢ / ١٣٠٠ ]
(كان ابن المقفع من أوائل الذين وقفوا من الدين موقفًا عقليًا فانتقد الدين بعامة، وخص الإسلام، فانتقد القرآن وما فيه من عقائد، وتصوره للَّه والرسول. . .) (^١).
وهكذا بكل عصبية وشنآن وحمية جاهلية، يجعل من المناوءة للدين والنقد له وللقرآن والرسول -ﷺ- موقفًا عقليًا، وهذا يدل على مدى الانغلاق العقلي لدى هذا القائل، ومدى التردي الذهني والعماية الجاهلية التي انغمس فيها أصحاب هذا الاتجاه.
وفي هذا الصدد أيضًا نجد أنه يصور مواقف ابن الراوندي الزنديق ومحمد بن زكريا الرازي الملحد من الدين بأنها مواقف عقلية بلغت الأوج، ثم يستشهد بأقوال لابن الراوندي يجحد فيها وجود الرسول والرسالات، ويقرر في شأن النبي -ﷺ- بعد مماحكة عقلية هابطة- بأنه بناء عليها يسقط عنا الإقرار بنبوته، ثم يقول: (يتضح من هذا النص أن العقل في نظر ابن الراوندي هو أصل العلم وأصل العمل، والنبوة، أمّا أن تقر ما يقره وحينئذٍ تكون تابعة له، ولا حجة فيها، وأن تخالف ما يقره، وحينئذٍ يجب رفضها، فالنبوة في الحالتين لا معنى لها، والعقل أصل والنقل تابع له) واستنادًا إلى ما يقرره من أولية العقل، ينتقد الإسلام ويرى أن الشريعة الإسلامية تتناقض مع العقل، يقول -مثلًا-: "إن الرسول أتى بما كان منافرًا للعقول مثل الصلاة وغسل الجنابة، ورمى الحجارة والطواف حول بيت لا يسمع ولا يبصر، والعدو بين حجرين لا ينفعان ولا يضران، وهذا كله مما لا يقتضيه عقل، فما الفرق بين الصفا والمروة إلّا كالفرق بين أبي قبيس وحرى (^٢)، وما الطواف على البيت إلّا كالطواف على غيره من البيوت" (^٣).
_________________
(١) الثابت والمتحول ٢/ ٧٣.
(٢) هكذا في الأصل، والصواب حراء.
(٣) ناقل أدونيس هذا النصر الإلحادي من كتاب الجودي عبد الرحمن بدوي المسمى تاريخ الإلحاد في الإسلام: ص ١٠١ - ١٠٢.
[ ٢ / ١٣٠١ ]
وإذا صح أن "الرسول شهد للعقل برفعته وجلالته، فلماذا أتى بما ينافره إن كان صادقًا" (^١).
وينتقل ابن الراوندي من ثم إلى نقد المعجزات فيرى أن "المخاريق شتى وأن فيها ما يبعد الوصول إلى معرفته ويدق على المعارف لدقته" (^٢)، وأن أخبارها الواردة عن "شرذمة قليلة يجوز عليها المواطأة في الكذب. . . " (^٣).
وابن الراوندي هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب وإنّما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت، الكيفي، لدى القائلين بها. . .، ثم يحاول ابن الراوندي أن ينتقد منهج النبي في الفكر والعمل، قاصدًا من وراء ذلك إلى إبطال دعواه النبوة فهو يستغرب كيف أن النبي "دفع في وجه ملتين عظيمتين متساويتين اتفقا على صحة قتل المسيح وصلبه فكذبهما"، وبذلك نسب جمهورًا عظيمًا إلى "الإفك والزور" فكيف يُمكن رد هذا وتجويز ما ترويه عنه" الشرذمة القليلة. . . بحجة الوضع الذي وضعه، والقانون الذي قننه في المباهتة والمكابرة؟ ".
وينتهي ابن الراوندي إلى القول بأن القول يناقض النبوة، فمن جهة أولى ليس "للخلق أول" والكلام الإنساني حادث، ولا يرجع في أصله إلى الأنبياء، والإنسان هو الذي ابتكر بعقله، كل شيء، دون حاجة إلى الأنبياء) (^٤).
يتضح من هذا الطرح نوعية التفكير المغالط الذي يتبناه أدونيس وأسلافه من الزنادقة والملاحدة، ذلك أنهم قد جعلوا الإلحاد والكفر أساسًا ومنطلقًا وقاعدة، ثم حشدوا ما يستطيعون من مغالطات لتقوية وتأييد ملتهم، بالتهكم والسخرية والتندر والمزاعم الباطلة.
وفي نظرة شاملة كلية إلى هذه الأقوال وغيرها من أقوال ملاحدة
_________________
(١) و(^٢) و(^٣) نقل أدونيس هذا النص الإلحادي من كتاب الوجودي عبد الرحمن بدوي المسمى تاريخ الإلحاد في الإسلام ص ١٠١ - ١٠٢.
(٢) الثابت والمتحول ٢/ ٧٤ - ٧٥.
[ ٢ / ١٣٠٢ ]
العصر من حداثيين وعلمانيين ووجوديين وشيوعيين وغيرهم، نجد أنهم يعتمدون في حربهم للإسلام على حجج خاطئة، تعتمد على ألوان من الغلط في الادعاءات والقضايا والمقدمات والنتائج، ولكنه ليس الغلط الخفي غير المقصود، بل هو الغلط من أجل التمويه والتضليل، وهو ما يعرف -في المنطق والعقليات- بالمغالطة التي يواد منها إبطال الحقائق وإحقاق الأباطيل.
وصور المغالطات كثيرة، منها هذه الأقوال التي يطرحها هؤلاء على أساس أنها أدلة، وهي في الحقيقة لغو لا فائدة منها: إذ يصطنعون كلامًا يظهر في أعين البله أنه عقلي، وهو في الحقيقة مجرد إيهام وتمويه بتطويل كلام وترديده وصوغه على شكل حجة، وبرهان وقياس، كقول القائل: إذا كان محمد أبا لأحمد فأحمد ابن لمحمد، لكن محمدًا أب لأحمد، إذن فأحمد ابن لمحمد، وهذا كله لغو لا فائدة منه، لأنه لا يثبت أبوة شخص لآخر ما لم تثبت بنوة الآخر له (^١).
ومن أمثلة المغالطة ما يسمى "المصادرة على المطلوب" كمن يحاول إقامة الدليل على كروية الأرض بقوله: لو لم تكن الأرض كروية لكانت منبسطة لكن الأرض ليست منبسطة إذن فالأرض كروية.
ففي هذا الدليل مصادرة على المطلوب؛ لأنه يشتمل على مقدمات يتوقف ثبوتها على ثبوت المدعى؛ لأننا لا نعرف كون الأرض غير منبسطة حتى نعرف كونها كروية.
ومن أمثلة المغالطة قول الملحد: لا وجود للخالق؛ لأن وجود الكون يفسّر بقدم المادة، ولا علة للخلق والحوادث إلّا الحركة العشوائية الذاتية، مع العلم بأن هذا يتوقف التسليم به على إثبات عدم وجود الخالق، ففيه مصادرة على المطلوب، هذا من وجه، وفيه من وجه آخر ادعاء سببية وعلية الحركة العشوائية الذاتية مع أن الحركة العشوائية الذاتية، لا تصلح بحال من
_________________
(١) انظر: ضوابط المعرفة: ص ٣٠٤، ٣٠٧.
[ ٢ / ١٣٠٣ ]
الأحوال لتعليل وجود هذا الكون المتقن، وهذه الحركات المقننة، وهذه المسيرة الكونية المحكية، التي لا يدخلها الخلل ولاتتعرض للفساد (^١).
وتأتي المغالطة كذلك من "التعميم الفاسد"، ومن "التحريف المقصود" ومن "التلاعب بالألفاظ" وصولًا إلى تغيير المعنى الحقيقي كما يفعل العلمانيون اليوم في تفسيرهم للإسلام تفسيرًا ماديًا بناء على تلاعب في الألفاظ الشرعية، وتنشأ المغالطة من "تحريف في معنى النص"، وهذا من أوسع أبواب المغالطة المعاصرة عند العلمانيين والحداثيين وجمهرة المعادين للدين.
وتنشأ المغالطة من "افتراء الكذب الصريح" تحت أغلفة من الحيل الثقافية أو الفلسفية أو المعرفية، وهذا أيضًا من دأب أعداء الرسل والرسالات.
ومن المغالطات الإلحادية المعاصرة "الإيهام بأن العلوم المادية والمكتشفات التجريبية قائمة على الإلحاد"، أو تؤيد المذهب الذي يريد صاحب المغالطة نصره.
ومن المغالطات "أخذ أمور خاصة وقطعها عن أصولها وجعلها دليلًا على فساد الأصل"، وهو من نوع المصادرة على المطلوب، مثل أن يقول: عين الإنسان تشابه عين الحيوان وشعر يشابه شعره، إذن فلا يوجد فرق بين الإنسان والحيوان، أو لا يوجد في الحقيقة إنسان، إذ لا وجود إلّا للحيوان.
ومن هذا الضرب حجة أدونيس وابن الراوندي في قولهم: إن الإسلام مضاد للعقل؛ لأن الرسول -ﷺ- جاء بالصلاة والغسل من الجنابة والطواف والسعي.
حيث جعلوا هذه الأمثلة دليلًا لهم على مضادة الإسلام للعقل وهي مصادرة على المطلوب، ومغالطة مكشوفة.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ص ٣٠٨ - ٣٠٩.
[ ٢ / ١٣٠٤ ]
والأصل في هذه القضية أنهم يجحدون -أصلًا- وجود اللَّه تعالى ويجحدون ربوبيته وألوهيته والنبوة والمعاد.
ومحور الصراع والمناقشة مع هؤلاء ليس إثبات شرعية الصلاة والصيام والغسل والطواف، بل جوهره في قضية وجود اللَّه -﷾-، فهؤلاء الملاحدة يجحدون وجوده مكابرة ومغالطة، والمؤمنون يثبتون وجود اللَّه تعالى بالبرهان العقلي، والحسي، والفطرة القويمة، ذلك أنه لا يتفق مع العقل والمنطق أن يكون هذا التصميم البديع لهذا الكون، والعالم كله من غير إله خالق مبدع، وهذا العالم من حولنا هو مجموعة هائلة من التصميم الدقيق والإبداع الراقي، والتنظيم المتناهي في الدقة، لا يُمكن أن ينشأ إلّا بأحد طريقين: المصادفة أو التخطيط المقصود.
أمّا المصادفة فهي ناشئة عن عدم، والعدم لا يخلق شيئًا؛ لأنه لا وجود له أصلًا فكيف يوجد غيره؟، ثم إن هذه الدقة في الكون تنفي قضية المصادفة؛ لأن عقولنا تنفي إنشاء عمارة شاهقة أو مصنع كبير عن طريق الصدفة، فكيف بهذا الكون المتداخل المتشابك المنظم غاية التنظيم؟!.
فإذا انتفى الطريق الأول، وهو لا محالة منتفٍ؛ لأن العقل يحيله، فيبقى الطريق الثاني وهو أن الكون وما فيه ناشئ بمقتضى صفات من له إرادة وعلم وحكمة وقدرة ومشيئة وحياة وهو اللَّه -﷾-، فهذا دليل بالأثر على المؤثر، وبالموجود على الموجد، وهو دليل عقلي بحت لا مجال لتكذيبه.
والذي يرى أن اللَّه غير موجود هو بمثابة من يقول بأن كتابًا نشأ عن طريق حركات ميكانيكية بحتة في مطبعة أسقطت الحبر على الورق وكونت الكلمات وأملت الأفكار ورتبت الأساليب وشكلت كتابًا ضخمًا يقرؤه الناس ويفهمونه، من غير تدخل من أحد.
فهل يعقل أن يكون هذا الكون الرحب الفسيح المنظم الدقيق المتماسك وما يزخر به من كائنات ومخلوقات دقيقة وجليلة، وما فيه من حركات وحوادث، وما فيه من تفاعل وتداخل وتكامل، وما فيه من نظام
[ ٢ / ١٣٠٥ ]
بديع غير منتقض ولا مختل، هل يعقل أن كل هذا جاء بالصدفة أو بالحركة الذاتية للمادة؟.
لا يقول بذلك من يحترم عقله، ويحترم الحقائق والمنطق والبرهان.
ومن هذا المنطلق أقول بأن الملحد الجاحد والكافر المريد، أضعف الناس عقلًا وأضلهم بصيرة؛ لأن هذه الحقائق الضخمة الهائلة العظيمة التي تدل بيقين على وجود اللَّه -﷾- لم يستطع العقل الإلحادي الضئيل السقيم أن يستوعبها أو يؤمن بها، في الوقت الذي قبل فيه وهم المصادفة الشاردة والحركة المادية العشوائية التائهة.
لنفرض أن معك كيسًا يحوي مائة قطعة من الزجاج تسعة وتسعون منها سوداء وواحدة بيضاء، لو هززت الكيس وأدخلت يدك لاستخراج القطعة البيضاء ستكون الفرصة بنسبة واحد إلى مائة، ولو أعدت هذه القطعة إلى الكيس ثم حاولت سحب القطعة البيضاء مرتين متتاليتين ستكون الفرصة هي بنسبة واحد إلى عشرة آلاف أي المائة مضاعفة مرة "مائة في مائة"، ولو حاولت سحب القطعة البيضاء ثلاث مرات متواليات ستكون الفرصة هي بنسبة واحد إلى مليون وهكذا، فكيف يعقل أن تكون المصادفة أو الحركة المادية العشوائية هي التي أوجدت طائرًا له ريش يطير، وحيوانًا له أقدام يمشي على الأرض، وآخر له زعانف يسبح في الماء؟.
أمّا إذا انتقلنا إلى الإنسان والأفلاك وأطباق الأرض والفضاء فإن الأمر سيصبح من أمحل المحالات، فلا يبقى حينئذٍ إلّا أن هذا الكون المخلوق بدقة ونظام له خالق قدير مريد عليم حكيم سميع بصير حي قيوم.
إن ظهور الحياة بهذا القدر العظيم من النظام والدقة هو تكذيب صريح قاطع لأولئك الذين يزعمون المادية والمصادفة العمياء.
ومن هنا يُمكن أن ندرك بعض معاني قول اللَّه تعالى عن الكفار: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (^١).
_________________
(١) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ١٣٠٦ ]
وبين المؤمنين والكافرين مفترق طرق عند هذه القضية، يتلوها بعد ذلك قضية (الخلق والإيجاد) فالمؤمن يعتقد أن اللَّه هو خالق كل شيء من عدم وبيده مقاليد كل شيء، وأنه لما خلق الخلق لم يتركهم سدى بل كما أنه -سبحانه- لم يخلقهم عبثًا فبعث إليهم الرسل وأنزل معهم الكتب بالحق والهدى، فوجبت طاعته واتباع أمره؛ لكونه الخالق المالك المدبر الإله الحق، ولكون الإنسان والكون تحت هيمنته وقدرته المطلقة ومشيئته النافذة، ولغير ذلك من الأسباب ذات البراهين والأدلة الحقيقية الثابتة بالعقل والحس والفطرة.
وما دام الأمر بهذه المثابة فإن المؤمن يتلقى أمر اللَّه بالطاعة والتسليم والانقياد والقبول والمحبة؛ لأن في ذلك تحقيق لإنسانيته وعبوديته وسعادته في الدارين، فيقبل أمر اللَّه في الصلاة والجهاد والحكم والطهارة والطواف والسعي وغير ذلك؛ لأنها من شعائر اللَّه ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (^١).
أمّا الكافر والمنافق فإنه يجحد وجود اللَّه تعالى كبرًا وتعسفًا ومغالطة، ويجحد الصلاة والشعائر والحكم بما أنزل اللَّه وغير ذلك من قضايا الإسلام، وفي حقيقة الأمر إن الملحدين أو المنكرين بما لديهم من شك لديهم بقعة عمياء ظلماء في عقولهم، أو بقعة مخدرة داخل أذهانهم تمنعهم من رؤية كل هذه البراهين، وتصور كل هذه الأدلة، وبالتالي ستصبح حياتهم عديمة المعنى، وليست تعيسة فحسب بل هم بمنطلق إلحادهم غير مؤهلين للحياة، بل غير مؤهلين للاتصاف بالعقل السليم، فكيف يصح بعد ذلك أن يحاكموا الرسل والرسالات على أساس من هذه العقول الكسيحة؟.
ولو ذهبنا نستطرد مع أدونيس وشياطينه الذين فرح بكلامهم من الملاحدة السابقين، لوجدناه يدور حول ما سبق ذكره من مغالطات، ويصل إلى هذه الهوة السحيقة من مناقضة للعقل (^٢).
_________________
(١) الآية ٣٢ من سورة الحج.
(٢) انظر: الثابت والمتحول ٢/ ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٤، ٨٥ - ٨٧، ٣/ ٦٥، ١٣٧، ٢٣٥، ٢٣٧، ٢٥٦ - ٢٥٧.
[ ٢ / ١٣٠٧ ]
وفي ختام كتابه أقر صراحة باعتناقه وتأييده وامتداحه للرازي الملحد جاحد النبوات، حيث يقول: (لقد نقد الرازي النبوة والوحي وأبطلهما، وكان في ذلك متقدمًا جدًا على نقد النصوص الدينية في أوروبا في القرن السابع عشر، أن موقفه العقلي نفي للتدين الإيماني، ودعوة إلى إلحاد يقيم الطبيعة والمحسوس مقام الغيب، ويرى في تأملهما ودراستهما الشروط الأول للمعرفة، وحلول الطبيعة محل الوحي جعل العالم مفتوحًا أمام العقل: فإذا كان للوحي بداية ونهاية فليس للطبيعة بداية ونهاية، إنها إذن خارج الماضي والحاضر: إنها المستقبل أبدًا.
لقد مهد الرازي وابن الراوندي للتحرر من الانغلاقية الدينية، ففي مجتمع تأسس على الدين، باسم الدين، كالمجتمع العربي، لابد أن يبدأ النقد فيه بنقد الدين ذاته، وطبيعي أن هذا النقد لا يجوز أن يكون هدفًا بذاته ولذاته، وإنّما يجب أن يكون وسيلة للهدف الأسمى: انعتاق الإنسان مما يغربه، انعتاقًا جذريًا وكاملًا) (^١).
وهكذا يريد أدونيس أن يختط لحركة الثورة الحداثية منهجًا يقوم على الإلحاد تحت مسمى "انعتاق الإنسان مما يغربه" ليصل بالإنسان إلى ما يضلله ويجعله يعيش في حياة التيه والضياع (^٢).
ولم يكتف أدونيس بهذا التنظير الإلحادي المعادي للرسل والرسالات،
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢١٤.
(٢) يقول أحمد كمال زكي في كتابه شعراء السعودية المعاصرون التاريخ والواقع ص ١٦: (وهذا الجيل الذي ذكرت فيه القصيبي ومحمد العلي ومسافر وسعد الحميدين لم يستطع كله أن يتخلص من تأثير على أحمد سعيد -أدونيس-، فمنهم من تأثر بموضوعاته تارة، ومنهم من قلدوا صياغته أو أسلوبه تارة أخرى. . .). ومما يحزن حقًا أن يجد المتتبع أن مجموعة من الحداثيين المحليين غير هؤلاء شملتهم التأثيرات الأدونيسية، ومنهم الغذامي الذي سبق نقل ثنائه عليه، وعلي الدميني ومحمد الدميني ومحمد الحربي وخديجة العمري وفوزية أبو خالد وحزام العحيبي وأحمد بوقري وعبد اللَّه باهيثم وأسيمة درويش وغيرهم من جمهرة المحاكين لأدونيس ومنهجه الفكري.
[ ٢ / ١٣٠٨ ]
بل مارس ذلك عمليًا في ما يطلق عليه "الشعر الحداثي" حيث لا شعر ولا إبداع، بل مجرد كلمات مرصوفة بعبثية تثير الغثاء وتدل على فساد الذوق وانحدار الشعر عند هؤلاء.
ففي مقطوعة هجائية لتاريخ المسلمين بعنوان "مرثية القرن الأول" يتحدث فيها عن أمنياته في زوال الإسلام وقرون الهجرة الشريفة والنبوة والوحي والدين، فيقول في رمزية بائسة بؤس الإلحاد والزندقة:
(مات عيد المطر
في وجوه الشعراء
فبدلناه بعيد الحجر
أنا والرفض ووجه الكلمة
وتركنا
للنواقيس على أهدابنا
لسماء العروة المنفصمة. . .
ذاهل تحت شاشة النبؤة مأخوذ بالرمل - يا رجل! قل
لنا آية تأتي
التاريخ يهبط المنحدر في حوار مع النمل، راحلًا على غباره.
مليئًا بالمخاط الحلزوني مليئًا بالأصداف. . .) (^١).
وفي مقطوعة أخرى بعنوان "نوح الجديد" يذكر علائم التخلف مقرونة برموز تدل على الدين والوحي والرسالة، فيقول:
(رحنا مع الفلك مجاديفنا
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
[ ٢ / ١٣٠٩ ]
وعد من اللَّه وتحت المطر
والوحل، نحيا ويموت البشر
رحنا مع الموج، وكان الفضاء
حبلًا من الموتى ربطنا به
أعمارنا وكان بين السماء
وبيننا نافذة للدعاء:
"يارب لِمْ خلصتنا وحدنا؟ ") (^١).
ثم يواصل على هذا النحو مصورًا نفسه أنه هو نوح، وأن اللَّه يخاطبه، وأنه يرفض طلب اللَّه، في صورة من التمرد تذكر بتلك التي قالها أمل دنقل في قصيدته عن ابن نوح (^٢)، وفي هذا الصدد يقول أدونيس معبرًا عن رفضه للدين والرسالة والوحي وكل ما يجيء عن اللَّه:
(عدنا من التيه، خرجنا من الكهف
وغيرنا سماء السنين
وأننا نبحر لا ننثني رعبًا
ولا نصغي لقول الإله. . .
نمضي ولا نصغي لذاك الإله
تقنا إلى رب جديد سواه) (^٣).
وهذا اعتراف يؤكد بيقين أن الملاحدة، وإن زعموا التحرر من العبوديات إلّا أنهم لا ينفكون خاضعين لعبودية آلهة أخرى غير اللَّه تعالى،
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤١٨.
(٢) وهذا دليل على الحداثيين يحاكون ويقلدون بعضهم، رغم دعاواهم الدائمة أنهم ضد المحاكاة والتقليد.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٢٠.
[ ٢ / ١٣١٠ ]
فهذا هو مقالهم وهو يطابق حالهم، قال اللَّه تعالى في وصف حالهم: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ (^١).
وفي خضم أعماله الهجائية يعبر عن عدائه للنبوة وتصويرها أنها تخلف وجفاف وضعف يقول:
(والزمن الأعجف قرن ثور يموت
والنبوه
يا فقراء العالم النبوه
فقر،
وكل فقر أوله الفضاء) (^٢).
ثم يخاطب الحداثة وربّما الاشتراكية الماركسية بقرينة "يا فقراء العالم" المحورة عن الشعار الماركسي "يا عمال العالم اتحدوا" فيقول:
(رافقيه
بالنجمة السؤال، علميه الإعصار والهبوط
في الأعالي) (^٣).
وقد أخرس اللَّه أفواه الماركسيين في العالم بسقوط قبلتهم "الاتحاد السوفيتي" وعما قريب -إن شاء اللَّه- نرى خرس الليبراليين والعلمانيين بسقوط ودمار قبلتهم "الغرب الأوروبي والأمريكي"، وما هي من الظالمين ببعيد.
لقد اشتهر أدونيس حتى عند الحداثيين أنفسهم بتعاليه وافتخاره بنفسه ونرجسيته المتغطرسة واعتداده الزائد بنفسه، وله في ذلك مقطوعات عديدة
_________________
(١) الآيتان ١٢، ١٣ من سورة الحج.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٦٧.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٨ - ٢٨٤.
[ ٢ / ١٣١١ ]
حشد فيها ما يستطيع من مفاخرات ومنافرات على الطريقة الحداثية، مستجلبًا بذلك عقول الأغرار الذين ينتقدون مفاخرات شعراء العرب القدامى، ولكنهم بعجزهم وقصور أذهانهم يقبلون بمفاخرات أدونيس، حتى التي يصور فيها أنه الكل في الكل في هذا الدرب الحداثي، وأن غيره مجرد اتباع طيعين وتلامذة مستعصين محاكين.
ولا أدل على ذلك من مقطوعته التي سماها "هذا هو اسمي" (^١) التي حام فيها حول اسمه "علي أحمد سعيد" حومان الذباب بطنينه ورنينه حول مرتعه.
حتى لقد أزعجت هذه الظاهرة بعض الحداثيين فقال: (يفصح هذا التفكك الأدونيسي عن نفسه عبر فراع جواني ومسرحية لفظية لم تعد لتقدر أن تتستر عليها لغة. . .) (^٢).
ويشرح هذا الناقد الخطوط والنقاط التي يتفكك فيها شعر أدونيس فيقول: (هو أولًا شعر مكرس منذ بداياته منذ "قصائد أولى" و"أوراق في الريح" و"مهيار" بخاصة، لانتظار البطل، بطل رومانسي مخلص، مأمول تمنح له جميع الصفحات، فهو كل شيء، وبالنتيجة لا شيء. . .
وهو ثانيًا، شعر قائم على السرانية "من السر" سرانية تظل مع ذلك لفظية. . . سرانية أو إخفائية، تبلغ في بعض القصائد حدود الكاريكاتورية: "أشرد في مغاور الكبير/ اعانق الأسرار/ في غيمة البخور في أظافر العفريت".
وهو ثالثًا، شعر الأنا المفخمة، المنتفخة، المتمركزة،. . . هذه الأنا المضخمة، التي ستكشف شيئًا فشيئًا عن فراغيتها تسود عمل أدونيس كله، تبدأ في "مهيار" بمعمومية كونية: "أول النهار أنا وآخر من يأتي، أضع وجهي على فوهة البرق وأقول للهم أن يكون خبزي" وتتصاعد، خصوصًا
_________________
(١) أدونيس منتحلًا لكاظم جهاد ص ١٢.
(٢) المصدر السابق: ص ١٣ - ١٤.
[ ٢ / ١٣١٢ ]
مع "مفرد بصيغة الجمع" ومن قبله في "كتاب التحولات" إلى هذيان مضجر حول الاسم الشخصي: "كيف اسكن اسمائي، علي أحمد سعيد، سعيد أحمد علي، يبدأ الجسد أدونيسيًا ويموت أدونيسيًا" (^١).
وهذه شهادة من حداثي يفتخر ويعتز بملته الحداثية، يكشف فيها مقدار ما في هذه الغابة الأدونيسية الباطنية الإلحادية من أدغال، أُدخل فيها بعض أبناء المسلمين فتاهوا وانقادوا خلفه بإمعية بلهاء، لا نظير لها.
المقصود أنه في مقطوعة "هذا هو اسمي" يسجل من خلال طاووسيته مواقفه الاعتقادية من الدين والوحي والقرآن والرسالة والإله العظيم -جَلَّ شَأْنُهُ-، فهو يفتتحها بقوله:
(ماحيًا كل حكمة هذه ناري
لم تبق آية - دمي الآية
هذا بدئي) (^٢).
ويكرر لازمة في هذا المقطع هي:
(قادر أن أغير: لغم الحضارة - هذا هو اسمى) (^٣).
ومن الكلمات الصارخة العداء في هذه المقطوعة قوله:
(أرى المئة اثنين أرى المسجد الكنيسة
سيافين والأرض وردة) (^٤).
(طار وجهي نسرٌ قدست رائحة الفوضى
ليأت الوقت الحزين لتستيقظ شعوب اللهيب والرفض
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٣ - ١٤.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ٢/ ٢٦٨.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٩، ٢٧٣، ٢٧٩.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٢٦٩.
[ ٢ / ١٣١٣ ]
أحببت صفصافة تحتار برجًا يتيه مئذنة تهرم) (^١)
(الأمة استراحت
في عسل الرباب والمحراب
حصنها الخالق مثل خندق
وسده
لا أحد يعرف أين الباب
لا أحد يسأل أين الباب) (^٢).
(والنساء ارتحن في مقصورة
يستجرن الكتب المستنزله
ويحولن السماء
دمية أو مقصله
وعلي فاتح أحزانه
لبهاليل الشفاء
للذين استنسروا وانكسروا
وعلى لهب
ساحر مشتعل في كل ماء
عاصفًا يجتاح - لم يترك ترابًا أو كتبًا
كنس التاريخ غطى
بجناحيه النهار
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٦٩.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٧٣.
[ ٢ / ١٣١٤ ]
سره أن النهار جُنَّ
هذا زمن الموت، ولكن
كل موت فيه موت عربي) (^١).
(وطني راكض ورائي كنهر من دم، جبهة الحضارة
قاعٌ طحلبي، لملمت تاجًا تقمصت سراجا) (^٢).
(ثقب في جيبي اهترأ العالم حواء حامل في سراويلي) (^٣)
(سأبكي لأمةٍ ولدت خرساء. . .) (^٤).
(. . . هل ثياب النساء من ورق المصحف) (^٥).
(هكذا أحببت خيمة
وجعلت الرمل في أهدابها
شجرًا يمطر والصحراء غيمه
ورأيت اللَّه كالشحاذ في أرض عليٍّ
وأكلت الشمس في أرض عليٍّ
وخبزت المئذنة
ورأيت البحر يأتي في ضباب المدخنة
هائجًا يهمس:
من كوَّننا
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٧٥.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٧٦.
(٤) و(^٥) المصدر السابق ٢/ ٢٨٠.
[ ٢ / ١٣١٥ ]
لم يكن تكوينه الاسقيفه
رجها الاعصار فانهارت وصارت
خشبًا يُحرق في دار خليفة) (^١).
ثم يختم كل هذا الصخب العدواني، والهجاء الحاقد، بحديث عن الدجال قاصدًا به صاحب الدين من رسول وعالم وحاكم، فيقول:
(قبر الدجال في عينيه شعبًا
نبش الدجال من عينيه شعبًا
وسمعناه يصلي فوقه
ورأيناه يحيه ويجثو، ورأينا
كيف صار الشعب في كفيه ماء
ورأينا
كيف صار الماء طاحون هواء) (^٢).
وفي مقطع آخر يواصل افتخاره باسمه وهزأه بالدين ورموزه والوحي ودلالاته، يقول:
(فرس الماضي وصبغة اللَّه لون آخر
لا يد عليَّ
عليٌ أبد النار والطفولة. . .
هزوا شجر الحلم غيروا شجر النوم كلام السماء للأرض) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٨٤.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٨٥.
[ ٢ / ١٣١٦ ]
إن النقطة التي يتجمد عندها كل فكر واعتقاد لأدونيس لا تعدو أن تكون الإلحاد وأذياله، والحقد على الدين ومقتضياته لم يستطع أدونيس في محاولاته "الإبداعية"!! أن يتجاوز هذه النقطة، فهو يدور حولها، في إجرام باسم الثقافة، وتخريب باسم الأدب، وفوضى جاهلية باسم التجديد، مع تعالٍ أجوف، وحقد أرعن، فهو أسير هذه الأطواق لم يتحرر منها، كما لم يتحرر منها أشباهه الذين يعادون الرسل والرسالات، ويجعلونها من أسباب التخلف ونقائض العقل، حتى أنهم يجعلون أي تفاهة أعظم من الدين والنبوة، ولو كانت تفاهة شعرهم الذي هو أقرب إلى العبث الكلامي منه إلى الكلام المعقول، ومع ذلك يقولون: (وحده الشعر عرف الحقيقة البشعة، عرف كل الحقيقة، أكثر من الأنبياء والآلهة) (^١).
ويعبر البياتي بتعبير آخر عن هذا الوجه من الانحراف، وذلك في قوله تحت عنوان "كابوس الليل والنهار" يصف فيها مجيء نبي:
(تحلم الأرض بميلاد نبي يملأ الآفاق عدلًا
تحلم الأرض بميلاد الفصول
وأنا أحمل في الشارع جثه
لأواريها إذا ما هبط الليل، بمبغى أو حديقة
وبمقهي أو بخمارة نور
مخفيًا وجهي عن اللَّه وعنك. . .
والنبي المنتظر.
نائمًا ما زال في الغار وما زال المطر
فوق جدران البيوت الهرمة
وسطوح المدن الحبلى وإعلانات سمساري البيوت
_________________
(١) مجلة الناقد - العدد ١٨ كانون أول ١٩٨٩ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٨ من مقال لأنسي الحاج.
[ ٢ / ١٣١٧ ]
بدم يكتب ميلاد وموت الكلمة، وأنا أحمل في الشارع جثة
مخفيا وجهي عن اللَّه وعنك) (^١).
وفي اعتزازه واعتماده على عشتار الوثن الجاهلي القديم، يأبى إلّا أن يصف السماء وما يأتي منها من خير وهدى بأوصاف شتيمة وذم، وكأنه يستجلب رضى هذا الوثن بسب الحق، كما كان يفعل الجاهليون في عهد النبوة، يقول:
(ضارعًا أسأل، لكن السماء
مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء
ودمى عمياء من طين وأشباح نساء
لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء
فمتى تنهل كالنجمة عشتار، وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء
ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة
ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة) (^٢).
أمّا نزار قباني فيجعل الضياء الآتي -حسب رأيه- من حوانيت إباحياته وعهره، ثم يتساءل:
(ما الذي يفعله قرص ضياء؟
ببلادي
ببلاد الأنبياء
ماضغي التبغ وتجار الخدر
ما الذي يفعله فينا القمر؟
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٢١٩.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٠٦.
[ ٢ / ١٣١٨ ]
فنضيع الكبرياء
ونعيش لنستجدي السماء
ما الذي عند السماء؟
لكسالى ضعفاء) (^١).
وهكذا يستحيل الباطل حقًا ونورًا وضياءً، ويتحول الحق والهدى إلى خدر وكسل وضعف، لا لشيء إلّا لمجرد العداوة للأنبياء الذين يجعل وجودهم في بلاده وصمة عار وذم، وعلامة تخلف وتراجع.
وهذا كله من انقلاب الحقائق على الطريقة الحداثية.
ونحو هذا القول، قول محمود درويش:
(صار جلدي حذاء
للأساطير والأنبياء) (^٢).
وفي مقطوعة طويلة مليئة بالشتائم والعداوة والاستهانة بالدين ورموزه وقضاياه عنوانها "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" أورد هنا أسطرًا منها يقول فيها:
(أنا ضد القصيدة
غيرت حزن النبي ولم تغير حاجتي للأنبياء) (^٣).
(لا لنبوءة العراف
يومك خارج الأيام والموتى
وخارج ذكريات اللَّه والفرح البديل) (^٤).
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٣٦٥ و٣/ ١٧.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٢٩٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٤٧ - ٥٧٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٥٤.
[ ٢ / ١٣١٩ ]
(والليل سقف اللص والقديس
قبعة النبي وبزة البوليس) (^١).
(وقال الجرح: ما أصل العقيدة؟
قلتُ: أن تبقى وأمشي فيك كي ألغيك) (^٢).
(أنتم جذوع البرتقال
وهم نشيد الاعتدال
واللَّه لا يأتي إلى الفقراء، إذ يأتي بلا سبب
ونأتي الأبجدية معولًا أو تسلية. . .
فنحن الخارجين على الحنين. . الخارجين على العبير
نسير نحو عيوننا ونسير ضد المملكه
ضد السماء لتحكم الفقراء
ضد محاكم الموتى
وضد القيد قوميًا
وضد وراثة الزيتون والشهداء) (^٣).
(من أين يبدأ صوته؟:!
- من أول الأيام حين تبارز الحكماء في مدح النظام
ومتعة السفر البعيد
فأتى ليرميهم بجثته
وكان دويّها والأنبياء
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٥٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٥٨.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٦٣.
[ ٢ / ١٣٢٠ ]
لكم انتصارات ولي حلمٌ) (^١).
وفي مقطع آخر يمجد فيه الرفض ويشيد بالتمرد على أشياء منها الأنبياء يقول:
(ستقول: لا، وتمزق الألفاظ والنهر البطيء، ستلعن الزمن الردئ. . .
تأتي إلى مدن وتذهب. سوف تعطي الظل أسماء
القرى، وتحذر الفقراء من لغة الصدى والأنبياء
وسوف تذهب. . سوف تذهب، والقصيدة
خلف هذا البحر والماضي، ستشرح هاجسًا فيجيء
حراس الفراغ العاجزون الساقطون من البلاغة والطبول) (^٢).
فهو يرمز هنا لتمزيق الألفاظ بنزيف اللغة، والنهر البطيء علامة تخلف وإشارة إلى دين وعقائد وأعراف قامت على اللغة العربية، ثم لابد أن يصحب هذا الرفض والتمزيق والتمرد تحذير من اللغة الرجعية وما تحويه من مبادئ وقيم ودين وقضايا وحضارة، وتحذير من الأنبياء؛ لأنهم عنده سبب للتخلف والنهر البطيء والصدى والزمن الردئ، ثم يعقب ذلك بالدعوة إلى الرحيل إلى البحر وخلف البحر وهو رمز للتقدم الذي هو الغرب كما هو مكرر بكثرة عند الحداثيين.
وعلى هذا النحو يسير معين بسيسو معبرًا بألفاظ أخرى قائلًا:
(للذي بعدي السموات امرأه
وأنا لي الأنبياء
آه ما أحلى السماء
حينما يطرد منها الأنبياء
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٦٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٣٦.
[ ٢ / ١٣٢١ ]
يا فلسطين اللصوص الرقباء
أين من كأسك أهرب) (^١).
ويجعل من فلسطين أرضًا تعلم الأنبياء القراءة، وقد سبق نقل هذا (^٢).
ويتحدث سميح القاسم عن وطنه واصفًا إياه بالتخلف لكونه وطنًا للأكاذيب والأنبياء، فيقول:
(وطن القرى الأطلال والدم والبكاء
أأشد أزرك
أم تراك تشد يا مغدور أزري؟
وطن الأكاذيب القديمة والرؤى والأنبياء
أأكون سرك
أم تراك تكون يا مقدور سري؟) (^٣).
أمّا الفيتوري فيعبر عن اعتقاده بتخلف الأديان ومناقضتها للعقل بقوله:
(ويطل يسوع
القبح يغطي بردته البيضاء:
ها أنت أتيت
غريبًا يقطر وجهك حزنًا
مسيرة ألفي عام
لا خبزك أنت ولا ملح الأديان
_________________
(١) الأعمال الشعرية لمعين بسيسو: ص ٥٧٦.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٦٦٥ - ٦٦٦.
(٣) ديوان سميح القاسم: ص ٦٨٩.
[ ٢ / ١٣٢٢ ]
الحق اقول
الخالق والمأساة هو الإنسان
ويغيب يسوع) (^١).
كل هذه النصوص وغيرها مما لم أنقله وهو كثير، يدل بيقين على القوم يعتقدون أن الرسل والرسالات ضد العقل والمصلحة ومع التخلف والرجعية.
وهم في هذا الإطار يدعون أنهم مع العقل والتقدم والعلم والنظام والمنطق.
وسوف أنقل هنا جملة من النصوص التي تكذب دعواهم هذه وتبين أنهم ليسوا -فقط- يتخلون عن العقل والعلم والمنطق، بل يدينون كل ذلك ويضادونه ويعتبرونه من العوائق.
ففي توصيف تنظيري يذكر إحسان عباس مضامين الثورة الحداثية التي تعتمد على مبدأ التحطيم لسلطة الأب وتفكيك نظام العائلة، وتحدي السماء، وإشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، يقول: (. . . الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب، وتفكك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان -دون أي شيء آخر- تعني فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن نحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات. . .
ثم إن ارتباط جانب من هذا الشعر بالرفض المطلق فيه تحد للعلم والعقل والنظام) (^٢).
_________________
(١) ديوان الفيتوري ١/ ٤٥٨.
(٢) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٥٨.
[ ٢ / ١٣٢٣ ]
ويذهب محمد جمالى باروت -في دراسته لديوان "أغاني القبة" (^١) - إلى أن من أسس الرؤية الحداثية: تشويش الوعي صوفيًا وسورياليًا وإدانة العقل، وأن صاحب هذا الديوان: (هو أحد الذين عرفوا السوريالية باسم آخر لها هو الصوفية، ويصل الاعتراف بالدور المطلق و"اللاشعور" في عملية الإبداع الشعري. . . إلى الدرجة التي يدين فيها "العقل" وأي أثر من آثار "اليقظة" أو "الوعي") (^٢).
ولحداثي آخر توصيف للحداثة أدق وأشمل، وذلك في قوله: (إن البلبلة والتشوش سمة مميزة للحداثة التي تريد أن تنطوي على وجود بدون وجود، وعلى نص بدون نص، وعلى سؤال بدون سؤال. . .
فالحداثة: هي اللاذات، اللا - أساس، اللا - قول، واللا - ذاكرة، حيث بالإمكان تمديد هذه التوالية من "اللاءات" إلى ما لا نهاية: اللامنطق، اللاعقل، اللاحداثة.
وبذلك فإن الكتابة الحداثية تغدو ممكن قول أي شيء. . .
إذا كان للضرورة من معنى في السياق "الحداثي" هي حرية التحرر من العقل.
إن الوضعية المنطقية التي هي الظل الفلسفي لكل تيارات الحداثة، تتخلى في الوعي "الحداثوي" العربي عن المنطق، ليبقى الوضع بمثابته المطلق الوحيد) (^٣).
أمَّا أنسي الحاج فإنه يعبر هذه القضية بالدعوة إلى الانتهاك واختراق الحدود، والعري، وذلك في قوله: (اتحدث عن صدم، انتهاك، يخترق الحدود من أجل توسيع الحياة انتهاك يندفع إلى تجاوز القوانين والتقاليد بقوة
_________________
(١) أغاني القبة لخير الدين الأسدي.
(٢) الحداثة الأولى: ص ٢٣٧.
(٣) قضايا شهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢٩٢ - ٢٩٣ من مقال بعنوان "الحداثة عقيدة الأفاعي" لعبد الرزاق عيد.
[ ٢ / ١٣٢٤ ]
انشغاله في غزو مسافات أكبر للجمال والحب والحرية. . .
والحاجة اليوم أراها إلى كتابة تمزق حجابها بعد ما تمزق وجدانها، إلى كتابة تقول المحرم والممنوع والمخيف والمهول والرائع والمدهش والمذهل والساحر الرهيب، ولو لُعنت ورجمت واضطهد أصحابها حتى الموت. . .
الحاجة إلى كتابة العري، عري الذات والفكر والدخيلاء والحلم والكابوس والنظر والبصيرة والشوق والاستيهام والنوايا، عري المنطق عري الاقتناع، أي الشك، عري الإيمان، عري المحاكمة الذاتية والموضوعية، عري الخطايا، عري الضعف والانحلال، عري الجنون، عري السقوط، عري الصلاة العارية والهرطقة العارية والعربدة العادية) (^١).
ويؤسس يوسف الخال طريق الفوضى المنافية للنظام والعقل والمنطق، ومن هذا التأسيس قوله: (الشاعر المبدع هو الذي يضع نظامه ثم يصبح هذا النظام قانونأ يهتدي به الآخرون ثم يغيرونه، هم أيضًا أحرار في تغييره أو رفضه. . .
أكثر شيء اهتدينا به هو تخليص الشاعر العربي من القوانين المفروضة عليه) (^٢).
وقبل ذلك كان قد بين أن (أول بند في المجلة "يقصد مجلة شعر" أن الشاعر حر وهو يضع قوانينه وهو فوق القوانين الشعرية والضوابط الشعرية، وليست هي فوقه، هو الذي يضع النظام ولا يضعه النظام) (^٣).
أمَّا أدونيس الذي ملأ كتبه ضجيجًا ادعائيًا بالعقلانية والعلمية فإنه يقر بنفسه أنه يدين العقل والعلم ويضاد العقل وينافي العقل، وذلك في مواطن عديدة منها قوله: (يمكننا القول أن الشعر الجديد نوع من المعرفة التي لها قوانينها الخاصة في معزل عن قوانين العلم) (^٤).
_________________
(١) مجلة الناقد - العدد الأول تموز ١٩٨٨ م/ ١٤٠٨ هـ: ص ٧.
(٢) قضايا الشعر الحديث: ص ٢٩٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٩٦.
(٤) زمن الشعر: ص ١٠.
[ ٢ / ١٣٢٥ ]
وقوله: (إن الشعر الجديد هو، بشكل ما، كشف عن حياتنا المعاصرة في عبثيتها وخللها، إنه كشف عن التشققات في الكينونة المعاصرة. . . من هنا كراهية المنطق الخطابي في الشعر الجديد، فهذه الكراهية خاصة من خاصياته الرئيسية، إن حب المنطق هو من مميزات سكان عالم منظم، مميزات إنسان يحيا في إنسانية موقفة، لها عوامل يقينها. . . إن الإنسان الذي يحيا في عالم غير يقيني، يتجنب المنطق ولا يخدع به) (^١).
ويعبر عن الفوضى العقلية والعملية لدى الشاعر الحديث قائلًا: (كل ما يتعارف عليه الناس، يصبح بالنسبة إليّ مقننًا أي خارج الشعر، وخروجي عليه هو بالنسبة إلى دخول في الشعر في حين يرونه خروجًا على ما اعتادوه) (^٢).
وبما أن العقل قالب والنظام قالب فإن أدونيس يعلن: (أنا أنفر من القالب نفوري من القبر، القالب قبر) (^٣).
ويطالب أن تكون القصيدة مشهدًا فوضويًا (^٤).
وفي اعتناقه للصوفية الباطنية والسوريالية الإلحادية، يردد أقاويل مكررة من رفض للعقل ودعوة للغيبوبة والباطن، على وفق منبته الباطني النصيري وتفرعاته المادية الإلحادية، ولذلك نجده يعقد مقارنة ابتهاجية إشادية بين الصوفية والسوريالية على أساس أن (. . . دعوى السوريالية الأولى هي أنها حركة لقول ما لم يقل، أو ما لا يقال، ومدار الصوفية كما أفهمها هو اللامعقول اللامرئي اللامعروف) (^٥).
ثم يستشهد بأقوال بعض الغربيين ثم يضيف: (ويؤكد الكاتب أن
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩ - ٢٠.
(٢) و(^٣) أسئلة الشعر: ص ١٢٦.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٧.
(٤) الصوفية والسوريالية: ص ١٢ - ١٣.
[ ٢ / ١٣٢٦ ]
عبارة "الوظيفة الحقيقية للفكر" بواسطة "الآلية النفسية" خارج كل رقابة يمارسها العقل، وخارج كل هم جمالي أو أخلاقي بقيت حتى النهاية، الهاجس الدائم للسوريالية فرديًا وجماعيًا. . . إن السوريالية تهتم عمقيًا باللامعقول لكن ليس إلى حد الإيحاء بإيمان ما، بإله أو ألوهية ما. . .) (^١).
فإذا تتبعنا بعد ذلك ما في كتابه هذا من إعجاب بالسوريالية والصوفية الإلحادية تبين لنا أي قدر من محو العقل والمنطق ومضادتها يدعو إليه أدونيس، الذي حارب هو وأشباهه وأتباعه الدين والرسالات على أساس أنها ضد العقل، مع أن ما فيها من بينات وبراهين تؤكد أهمية العقل وعظم منزلته في الأديان.
أمَّا هؤلاء فقد بان تناقضهم، واتضح رفضهم للعقل ودعوتهم إلى الفوضى والغيبوبة واللامعقول، وهذا هو حالهم على الحقيقة.