من أساليب أهل الحداثة أنهم يستعيضون عن الإنكار الصريح بالسخرية والتهكم والاستهزاء، وهذا ما فعلوه في كثير من أركان الإيمان.
كما أنهم يستخدمون أسلوب الأوصاف الهابطة وغير اللائقة بالشيء الذي يريدون جحده أو التشكيك فيه، تحت شعار "تدنيس المقدس" الذي يعتبرونه أحد أهم إنجازات الحداثة وأهم مشاريعها (^٢)، وبناء على ذلك، وما تمهد لديهم من إلحاد باللَّه تعالى وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، انساقوا
_________________
(١) المجموعات الشعرية: ص ٢١١ - ٢١٢.
(٢) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة ١٧٨ - ١٧٩، ٢٧٧، وقضايا وشهادات ٣/ ٦٤ و٨٤ و٢/ ١٠٢، ٢١٩، ومجلة الناقد - العدد ٩ ص ٤٨، والإسلام والحداثة: ص ٣٣١.
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
في هجوم مدروس تحت راية الشيطان ضد كل ما يتعلق بهذا الدين الحنيف من عقيدة وشريعة وأخلاق.
وفيما يتعلق بالملائكة البررة ﵈، كالوا لهم من ألفاظ السب والشتم والتهكم والسخرية الشيء الكثير، وهذه بعض الشواهد على اعتقاداتهم الشنيعة هذه:
يصف النصيري أدونيس الملائكة بالموت وهو يرمز بذلك إلى الدين والوحي، يقول:
(قلنا لك الوداع من سنين
قلنا لك المرثية التائبه
يا هامة الملائك الميتين
يا لغة الجرادة الهاربة) (^١).
يقول: إننا من زمان ودعنا لغة ودين وتراث المسلمين القائم على الوحي، ولا شك أنه وقومه من النصيريين قد تركوا دين المسلمين منذ ألهوا غير اللَّه تعالى، ثم أضاف إلى ذلك إلحاده وكفره المعاصر فكانت ظلمات بعضها فوق بعض.
ويقول في سخرية واستخفاف:
(سأصير حبيبًا يغامر، أو عاشقًا ملاك سحرته الأميرة) (^٢).
ويقول:
(أيها الجرح يا موتي الأليف
في الجرح أبراج وملائكة) (^٣).
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٨٨.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٨١.
(٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٥٢٩.
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
ويقول متهكمًا:
(أنتم أيها الملائكة
الأطهار المنقذون القواد الحكام. . . إلخ
التمس منكم في هذه اللحظة معجزة واحدة
أن تعرفوا كيف تقولون: وداعًا، واو دال ألف عين ألف
معجزة واحدة: وداعًا) (^١).
ويقول:
(رف حولي
جبريل قال - أبشر
ومدلي سكرة
طعمتها
ولم يزل في فمي الطعم) (^٢).
وفي مقطوعته الإلحادية "السماء الثامنة (^٣) " التي يصور فيها قضية الإسراء والمعراج تصويرًا أسطوريًا، ويحشد فيها عقائد الكفر والإلحاد، ومن ذلك أنه جعل نفسه هو الشخصية التي أسري وعرج بها -قاتله اللَّه- ثم يسوق الأكاذيب والقصص المختلقة على اللَّه تعالى وملائكته ﵈، ورسوله -ﷺ-، ومن ذلك قوله:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥٧٠.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٠١ - ١٠٢.
(٣) كان عبد الكريم العودة، وهو أحد الحداثيين المحليين كان يكتب في مجلة اليمامة زاوية بعنوان "سماء ثامنة" وهو عنوان انتحله من أدونيس كما ترى، ورغم أنهم يحاربون التكرارية والاقتباس إلّا أنهم في معظم سلسلة أسانيدهم المظلمة لم ينفكوا من ذلك.
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
(ثم رأيت ملكًا لم يبتسم
- من هو يا جبريل؟
- عزرائيل، اقترب وسلم
سلمت هب واقفًا هنأني
سألت: كيف تقبض الأرواح؟ قال: سهل.
حين يتم أجل الإنسان
أرسل أربعين من ملائكي
ينتزعون روحه من العروق
حينما تصير في حلقومه
أسلها كشعرة تسل من عجين
فإن تكن طيبة قبضتها بحربة من نور
وإن تكن خبيثة قبضتها بحربة من سخط
وبدت الدنيا في يده كدرهم) (^١).
وفي آخرها يقول:
(ولم تزل تنزل. . ها وصلنا
ودعني جبريل، قال: حدث بما رأيت
واختفى البراق) (^٢).
وفي إحدى مقاطعه الإلحادية المحشوة بالمعاني الكفرية، في ضميمة معتمة، وارتكاس ظلامي مدلهم، يبدأ بنفي النبوة ثم نفي الألوهية ويصف اللَّه العظيم بأنه مثل شيخ يموت تعالى ربنا ذو الجلال والإكرام، ثم يشير إلى الفكر الحديث الذي يريده ويرمز له بالشمس، ويرفض الدين ويرمز
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ١٣٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٤٦.
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
لذلك بترك المآذن، وترك الوحي والغيب ويرمز له بترك الملائكة، ويحلم بمدن غير المدينة والكوفة؛ لأنه يريد واشنطن وباريس ولندن وموسكو، ثم ينادي بهدم كل ما سبق، في عبارات رمزية مهترئة مهتوكة اهتراء فكره المعوج، يقول أدونيس:
(ها غزال التاريخ يفتح أحشائي، نهر العبيد يهدر
لم يبق نبي إلّا تصعلك، لم يبق إله
نجيء نكتشف الخبز اكتشفنا ضوءًا يقود إلى الأرض
اكتشفنا شمسًا تجيء من القبضة، هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت
نفتح للشمس طريقًا غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك
للحاكم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم) (^١).
والشاهد هنا رفض الدين والوحي ورفض أن يكون للطفل كتابًا من الدين الذي جاءت به الملائكة.
ويقول مقررًا خرافة الملاك والزهرة:
(انظر ملاك يهبط من الزهرة) (^٢).
فهو يكذب بالحق ويجحده، ويؤمن بالكذب ويقرره، وقد رأينا في الفصول الماضية هذه الحقيقة بجلاء، في جحده لوجود اللَّه وربوبيته وألوهيته، وإيمانه بالوثنيات الفينيقية والإغريقية وغيرها، وهذا من أعظم الأدلة على ضلال عقول أهل الكفر والإلحاد ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^٣).
وتبلغ به وقاحته وجرأته على اللَّه تعالى وملائكته حدًا كبيرًا، في تحريض على الكفر والاستخفاف باللَّه تعالى وملائكته، وغزو منتهك لحرمة
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٦٦.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٩٩.
(٣) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
الإسلام، وذلك حين يقول تحت عنوان "فواصل":
(١ - كثيرًا حبس الخالق الشمس والقمر تأديبًا
وكان حين يتوبان ويستأذنان بالشروق
يأتي إليهما ملاك يأخذ بآذانهما ويطلعهما
من باب التوبة
٢ - كان الخالق حين يخرج أنثى إلى الأرض
يبعث إليها ملاكين
يضع الأول يده بين ثدييها
يضع الثاني يده في مكان آخر (^١)
حين يتعب المكان (^٢) يحملانها إلى ظل
تحت شجرة المحنة) (^٣).
وما سُمع في تاريخ المسلمين بزنديق يقول مثل هذه الأقوال، ولا تجرأ أحد بمثل ما تجرأ هذا المصنوع على أعين أعداء الدين، كذب على اللَّه ذي الجلال، ووصف للملائكة الكرام البررة بالأوصاف الدنسة، دَنَس عقائده، ولو أنه شعر أن في المسلمين من يوقفه عند حده لما فاه بهذه الفظائع، ولكن ضعف المسلمين أدى إلى هذه الذلة، فما القول فيمن ينشر أخبار هذا الخبيث أو صورته أو كتبه معجبًا مادحًا؟ إنه ليس ببعيد عنه، بل هو مشارك له موالي لعقائده وضلالاته، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (^٤).
_________________
(١) و(^٢) يقصد الفرج.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٥٠٧.
(٣) الآيتان ١٨ - ١٩ من سورة الجاثية.
[ ٢ / ١٠١٠ ]
ومن أقواله المستنقصة للملائكة ﵈:
(تنهض من الحطام أزمنة ثانية
حيث تتموّج الجموع
تمترج السعال بالجنة
والخبز بهالة الملائكة) (^١).
وقوله:
(هذا لقاؤها الأخير←(^٢)
من أنت؟
أخذك
حيوانًا ملائكيًا
يضع السم في شفة
والبلم في شفة) (^٣).
وقوله: (الملاك أول الحيوان) (^٤).
وقوله: (أين الصرصار يتقمص وجه الملاك) (^٥).
وقوله:∞(^٦) سلامًا أيها الحيوان
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٥٥٦.
(٢) هذا موجود كذا في الأصل، وهو نوع من الإبداع الحداثي الذي لم تصل العقول إلى معرفة كنهه!!!.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٥٨٨.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٦١٠.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٦٣٠.
(٦) هذا موجود كذا في الأصل، وهو نوع من الإبداع الحداثي الذي لم تصل العقول إلى معرفة كنهه!!!.
[ ٢ / ١٠١١ ]
أنت وحدك الملاك الأبيض) (^١).
وقوله ساخرًا:
(إنه الفقر يمطر فوق الزيتون
إنها الحقول تتبرك بثياب الملائكة) (^٢).
وقوله:
(رقعة ثالثة
يلحق بالفضاء، يعيش عيشة الغيم.
لأيامه رائحة لا يعرفها من ملائكة الجسد غير الطبع) (^٣).
إلى غير ذلك من الأقوال الخبيثة التي يتخبط في غياهبها هذا المأفون.
أمّا السياب فقد وصف ملك الموت -﵇- بوصف دنيء وسماه "ثعلب الموت" وقال عنه:
(ثعلب الموت، فارس الموت، عزرائيل يدنو ويشحذ.
الفصل. آه
منه آهٍ، يصك أسنانه الجوعى ويرنو مهددًا، يا إلهي
ليت أن الحياة كانت فناء
قبل هذا الفناء، هذي النهاية
ليت هذا الختام كان ابتداء
واعذاباه، إذ ترى أعين الأطفال هذا المهدِّد المستبيحا
صابغًا بالدماء كفيه، في عينيه نار وبين فكيه نار
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٦٦٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٦٦٤.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٧٠٧.
[ ٢ / ١٠١٢ ]
كم تلوت أكفهم واستجاروا
وهو يدنو، كأنه احتثَّ ريحا
مستبيحا
مستبيحًا، مهددًا، مستبيحا.
من رآها، دجاجة الريف، إذ يمسي عليها المساء في بستانه؟
حين ينسل نحوها الثعلب الفراس، يا للصريف من أسنانه!
وهي تختض، شلها الرعب، أبقاها بحيث الردى -
كأن الدوربَ
استلها مارد، كأن النيوبا
سور بغداد موصد الباب لا منجى لديه، ولا خلاصٌ ينال
هكذا نحن، حينما يقبل الصياد عزريل:
رجفة فاغتيال) (^١).
فهو يسمي ملك الموت ثعلبًا، ووصفه بأنه لديه نصل يأخذ به الأرواح وهو الوصف نفسه الذي قاله أدونيس وغيره، ويغلب على الظن أنهم تلقوا هذا عن خرافات النصارى أو اليهود ثم يصف ملك الموت بأنه ما جاء لقبض الروح إلّا لأن أسنانه جوعى!!، وأنه مهددٌ للحياة ونظارتها وحلاوتها ومستبيح.
والاستباحة للشيء لا تكون إلّا إذا كان محرمًا من قبل، ثم يصفه بأن أكفه مصبوغة بالدماء وفي عينيه نار، ثم يمثله كالثعلب ينسل إلى الدجاج في الحظيرة، وهي أوصاف ملصقة بهذا الملك الموكل من اللَّه تعالى يقبض الأرواح تدل على انحراف القائل وعدم توقيره لما ألزم الشرع بتوقيره.
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٤٤٧ - ٤٤٨.
[ ٢ / ١٠١٣ ]
وفي موضع آخر يصف ملك الموت بأنه قد مات، وهذا كذب ومخالفة للحقيقة فإنه لا يموت في هذه الحياة الدنيا، والذي ثبت أنه يؤتى بالموت -وليس ملك الموت- يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار (^١)، قال السياب على لسان حفار القبور:
(لا يهلكون علام تنعب؟ إن: عزرائيل مات!
وغدًا أموتُ غدًا أموت) (^٢).
أمّا صلاح عبد الصبور فإنه يذكر ملك الموت في صورة أخرى من التهكم والاستخفاف قائلًا:
(وفي مساء واهن الأصداء جاءه عزريل
يحمل بين أصبعين دفترًا صغير
ومد عزريل عصاه
بسر حرفي "كن" بسر لفظ "كان"
وفي الجحيم دُحرجت روح فلان
يا أيها الإله
كم أنت قاس موحش يا أيها الإله) (^٣).
وهذا مقطع من قصيدته الشهيرة "الناس في بلادي" والمترعة بالاعتراض على اللَّه والسخرية به تعالى، وبالقدر وبالنبي -ﷺ-، وها هو هنا يسخر من ملك الموت ويصوره في الصورة الهزلية (^٤)!!.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: وأنذرهم يوم الحسرة ٤/ ١٧٦٠، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٣/ ٢١٨٨.
(٢) ديوان السياب: ص ٥٤٦.
(٣) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٣١.
(٤) انظر: شرح الدكتور عبد الباسط بدر لهذه القصيدة وتوضيحه الجيد لما فيها من مآخذ =
[ ٢ / ١٠١٤ ]
وهناك صورة أخرى، يصف فيها ملكًا، تبدو صورة جميلة، لكنها محتوية على وصف لا يليق بملك كريم، يقول صلاح:
(وحين يأفل الزمان يا حبيبتي
يدركنا الأفول
وينطفي غرامنا الطويل بانطفائنا
يبعثنا الإله في مسارب الجنان درتين
بين حصى كثير
وقد يرانا ملك إذ يعبر السبيل
فينحني، حين نشد عينه إلى صفائنا
يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبه بريقنا
يرشقنا في المفرق الطهور) (^١).
وهذه أعمال لا يُمكن أن تحدث من ملك لمجرد أنه رأى هذا وحبيبته، وفي وصفه للملك بهذه الأوصاف إلحاق ما لا يليق بملائكة اللَّه تعالى، وهو ضرب من ضروب الانحراف الاعتقادي.
وفي مسرحية الحلاج يقول صلاح على لسان أحد المتصوفة:
(. . . وطريقنا أن تنظر للنور الباطن
ولذا، فأنا أرخي أجفاني في قلبي
وأحدق فيه فأسعد
وأرى في قلبي أشجارًا وثمارًا
_________________
(١) = اعتقادية، وتحليله النادر والعميق لمضامينها وأهدافها في كتابه مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي: ص ٦٦ - ٧٧.
(٢) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٢٤٤.
[ ٢ / ١٠١٥ ]
وملائكة ومصلين وأقمارًا) (^١).
وإذا عرجنا إلى نصارى الحداثة لنرى ما لديهم من انحراف في شأن الملائكة نجد أن يوسف الخال يعبر عن سخافة معتقده في اللَّه والملائكة بقوله:
(واهدم سياج الوعد والأمان
فاللَّه قد يمسح ذات يوم
معالم الوجوه
لأن واحدًا من الملائكة
أصيب وهو ساجد
بمثل عارض الجنون
هو البقاء راقص
على حبال الليل والنهار) (^٢).
ونجد جبرا يمج تفاهاته على هذا النحو:
(في هذه العظيمات المكورة
المتآزرة المتآمرة
إثر الملائكة محومة
إثر الذباب مهمومة
تحلل الحب والموت
إلى معانٍ
كالنقيق) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٦٧.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص ٣٥٩.
(٣) المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا: ص ٦٥.
[ ٢ / ١٠١٦ ]
ويصف الملائكة المسبحة بحمد اللَّه بلا فتور، بأنها تغني من ذرى فلسطين، وأن ملك الموت يرقص الدبكة، فيقول:
(أمن ذراك غنت الملائك للرعاة
أنشودة السلام والمسرة للبشر
لم يضحك سوى الموت إذ رأى
بين أمعاء الدواب
أضلع البشر
وخلال قهقة الرصاص
راح يرقص دبكة
على رؤوس الباكيات) (^١).
ويقول:
(وعلى قدميك تراب قدسه دم المصلوب
وبعض شذى من زهور سُقيت
في الليل أغاني الملائكة) (^٢).
وتاللَّه أن الملائكة لا تغني بل كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^٣).
وقد نقلنا في الوجه الأول من كلام توفيق صايغ ما يدل على وصفه الملائكة بالأنوثة، ومنه قوله:
(الملائكة، لا ملائكة في الأثير
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧٧.
(٢) المصدر السابق: ص ١٥٧.
(٣) الآية ٣٨ من سورة فصلت.
[ ٢ / ١٠١٧ ]
قصقص البيضُ الجناحَ، تصفرن
شحرن. . . لا يرفرفن. . . لا يمدون من أذرع العطف
. . . يأتين إن يأتين في ركب إله.
- ولا إله) (^١).
إلى آخر كلامه الركيك الذي يثير الغثيان، والشفقة على نفوس تستعذبه وترى فيه إبداعًا وفنًا!!.
ونجد عند أنسي الحاج من ضمن أوشامه وأخلاطه الإلحادية الكثيرة، سخرية وتهكمًا بالملائكة الكرام، ومن ذلك قوله: (في الفاصل ما بين الفصل الخائب والبركة، يحكم ببروده الخبيث ملاك الحياد النزيه البغيض) (^٢).
وقوله: (نوبة طهارة، ونوبة خطيئة، سرير واحد للروح القدس والشيطان، والرفاق بات يصعب عليهم السير مع هذا المحير) (^٣).
هذه بعض أقوال نصارى الحداثة، أمّا غيرهم فنجد عندهم أيضًا انحرافات كثيرة، منها قول أمل دنقل يتحدث عن موت أمه:
(نائمًا كنت جانبها، ورأيت ملاك القدس
ينحني، ويربت وجنتها
وسارت يقلبني قشعريرة الصمت) (^٤).
وقد يظن متعجل أن الحداثيين يؤمنون بوجود الملائكة، "وهذا أمر قد تحدثنا عنه في الوجه الأول" والحقيقة أنهم يستعملون اسم الملائكة وأعمال الملائكة التي ينسبونها إليهم على أساس أنها ضرب من
_________________
(١) المجموعات الشعرية للصايغ: ص ٢١١ - ٢١٢.
(٢) خواتم لأنسي الحاج ٦٢ - ٦٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٦.
(٤) الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ٣١٢.
[ ٢ / ١٠١٨ ]
الأساطير، وقد ذكر ذلك مؤلف "موسوعة الفلكلور والأساطير الشعبية" وهو حداثي شهير، أضف إلى ذلك أنهم يلحقون بالملائكة أوصافًا هابطة وأعمالًا غير لائقة في تجنٍ وتهكم مقصودين، خذ مثلًا أقوال نزار عن الملائكة، والتي منها قوله: (أمّا الحديث عن عودة مصر إلى العرب أو عودة العرب إلى مصر فهو مثل الحديث عن جنس الملائكة سفسطة لا لزوم لها) (^١).
ومن أبشع ما قيل أو يقال في هذا الوجه من الانحراف قول هذا الخبيث، وأستغفر اللَّه العظيم من إيراد هذا القول:
(لأنني أحبك
يحدث شيء غير عادي
في تقاليد السماء
يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب
ويتزوج اللَّه حبيبته) (^٢).
سبحانك ربي سبحانك ما أعظم شأنك، سبحانك لا إله إلّا أنت الواحد الأحد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا.
ويقصد بممارسة الحب: العملية الجنسية، إذ تعارف أهل الدعارة على تسمية دعارتهم حبًا وكتب هذا الداعر مليئة بمثل هذا إن أراد التلميح عن الجنس، أمّا إذا مارس دعارته بالمكشوف كما هي عادته، فإن عباراته عن الجنس تكون فاضحة صريحة.
ويقول عن خدينته:
(ربما كنت راضية عني
لأنني جعلتك كالأميرات في كتب الأطفال
_________________
(١) فتافيت شاعر: ص ٨٢.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ٢/ ٤٤٢.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
ورسمتك كالملائكة على سقوف الكنائس) (^١).
ويقول:
(. . فالحب الكبير هو دائمًا حب صعب
وليس صحيحًا أنه يأتينا على عربة تجرها الملائكة) (^٢).
أمّا محمود درويش فيقول عن "الأرض" أي أرض فلسطين:
(فدائي الربيع أنا، وعبد نعاس عينيها
وصوفي الحصى والرمل والحجر
سأعبدهم، لتلعب كالملاك، وظل رجليها
على الدنيا، صلاة الأرض للمطر) (^٣).
ويقول في "أبيات غزل":
(سألتك: هزي بأجمل كف على الأرض
غصن الزمان
لتسقط أوراق ماض وحاضر
ويولد في لمحة توأمان
ملاك وشاعر) (^٤).
فهو يقرن بين الملك المطهر والشاعر الحداثي، ويجعل الملاك مولودًا، ولو كان ذلك على سبيل الاستعارة والمجاز كما يقول بعضهم فإن ذلك لا يليق بالملائكة.
ويقول:
(لم تزل شرفة هناك في بلادي ملوّحه
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٦٠٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٨٨٠.
(٣) ديوان محمود درويش: ص ١٠١.
(٤) المصدر السابق: ص ١٣٠.
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
ويد تَمنح الملاك أغنيات وأجنحه) (^١)
ويقول مخاطبًا وطنه:
(تكبّر تكبّر
فمهما يكن من جفاك
ستبقى بعيني ولحمي، ملاك) (^٢).
هذا النص والنصان اللذان قبله قد يقال بأنها محتملة لأوجه عديدة منها ما هو حسن يمكن اعتباره ولو عن طريق المجاز، غير أنه إذا أخذت هذه النصوص في سياق التوجه المعروف عند هذا الشاعر فإنه يمكن أن تعتبر خطوة أخرى في درب تدنيس المقدس ضمن الإطار الأصولي للتوجه الحداثي.
ويتحدث عن محبوبته جاعلًا المَلَكَ أنثى مثل حبيبته، ويصفه بأنه يمارس الجنس، وذلك في قوله:
(ذهبت إلى الباب
مفتاحها في حقيبتها
وهي نائمة كالملاك الذي مارس الحب) (^٣).
أَجَلَّ اللَّه ملائكته وقدسهم عما يقول هؤلاء.
أمّا الشيوعي الفلسطيني معين بسيسو فإنه في مقدمته لديوانه يتبرع بالإطراءات المترعة بالإعجاب لبني عقيدته الماركسيين (^٤)، وكان مما قال في هذه المقدمة البئيسة: (الملائكة الذين كتبوا قصيدة الكون في ستة أيام واستراحوا بعد ذلك في اليوم السابع لم يقرأوا ولم يكتبوا لن يغفروا لك (^٥) أبدًا إنك واصلت الكتابة بعدهم إلى عشرين أو ثلاثين عامًا. . . الملائكة
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٤١.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٤٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٤١.
(٤) امتدح روفائيل ألبرتي، ممدوح البياتي أيضًا، وامتدح لوركا ممدوح التيار الماركسي واليساري عمومًا.
(٥) يقصد روفائيل ألبرتي.
[ ٢ / ١٠٢١ ]
ضدك والشياطين أيضًا، فالملائكة الذين قالوا نعم، ليسوا ضد الشياطين الذين يقولون: لا، "فلا" الشياطين بين الجدد هي "نعم" الملائكة القدامى، الذئاب الجديدة تقدم أوراق اعتمادها للذئاب القديمة، فذلك الشيطان الجميل الذي قال: لا للقصيدة الواحدة التي تكتب خلال ستة أيام، ويتم تتويجها ملكة، لا يزال في زنزانة الملائكة. . ونحن الذين نكتب الشعر باسمه، لم نقدم له ولو حبة اسبرين، على امتداد سنوات الكتابة) (^١).
هذا الهراء المتفسخ هو نموذج للفصاحة الحداثية، المشربة بالتشويش والغمغمة اللفظية!!.
وفيه إشارة إلى أن الملائكة وقضاياهم مجرد أسطورة؛ ولذلك هو يستخدمها بهذا الأسلوب التهكمي الساخر عديم المعنى ركيك المبنى، جعلهم هم الذين خلقوا الكون في ستة أيام، ثم استراحوا في اليوم السابع، وهي صورة مقلوبة عن الخرافة الشائعة عند أهل الكتاب، والتي تقول: أن اللَّه بعد خلق السموات والأرض استراح في اليوم السابع، وما قدروا اللَّه حق قدره -جلَّ وعلا-، فرد عليهم اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ (^٢).
ثم يتحدث عن حلف متوهم بين الملائكة والشياطين ضد الشيوعي المقصود بالمدح، ويرمز بالملائكة والشياطين إلى أشخاص من الذين لهم مواقف مع ممدوحه الشيوعي، ثم يصف الملائكة بأنهم ذئاب وأن الشيطان الجميل مسجون في زنزانة الملائكة؛ لأنه تجرأ وقال: "لا".
هذا الشيطان -زعيم الحزب الحداثي- هو الذي امتدحه أمل دنقل في قوله:
(المجد للشيطان، معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
من علم الإنسان تمزيق العدم
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ١٠.
(٢) الآية ٣٨ من سورة ق.
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
من قال "لا" فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم) (^١).
وقال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (^٣).
وقال-جَلَّ ذكرُه-: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ (^٤).
ومن يتأمل نتاج الحداثيين يرى أنه استحواذ عليهم أشد الاستحواذ فما من دركة من دركات الشر إلّا أحبوها ومدحوها، وما من درجة من درجات الخير والحق والفضيلة إلّا عادوها وحاربوها وذموها.
مدحوا الوثنية وذموا التوحيد، أحبوا العهر والدعارة وأبغضوا الطهر والزكاء، كفروا باللَّه وآمنوا بالأصنام، حاربوا شرع اللَّه وقدسوا تشريعات البشر، وحالفوا النجس وأحبوه وامتدحوه، وأبغضوا الملائكة الأطهار ونفروا منهم.
فسبحان اللَّه كم في أعمالهم وتصرفاتهم من خبائث تدل على خبثهم، ومواقف تؤكد انحطاطهم وأعمال ترشد إلى فساد طويتهم، وصدق اللَّه العليم الخبير القائل في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص ١١٠.
(٢) الآيات ٩٨ - ١٠٠ من سورة النحل.
(٣) الآية ٣٦ من سورة الزخرف.
(٤) الآية ١٩ من سورة المجادلة.
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾ (^١).
ومن أقوال بسيسو المنحرفة قوله:
(حين يحب اللَّه ملاكًا
يجعل منه إنسانًا) (^٢).
وأبشع من ذلك وأقذر، قوله:
(واللَّه كان يلعب الشطرنج
كل ليلة مع الملائكة
عيني على الملك
واللَّه كانت عينه علي
وكان حين يسقط الملك
أمضي إلى يديك، كي اصطاد يا حبيبتي الطيور) (^٣).
سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
وهذا الحداثي الهابط -هبوط مبادئه وأفكاره- له في عقول وقلوب غلمان الحداثة الإمعات مكانة سامقة، فما فتئوا يمدحونه ويرثونه في بكائية مستمرة، دبجتها أقلامهم المستعارة (^٤)!!.
وفي مقطع آخر يُعجب بسيسو بجثة فرعون، وهذا طبيعي لأنه عدو للَّه
_________________
(١) الآية ٢٥ من سورة محمد.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة: ص ٥٠٦.
(٣) المصدر السابق: ص ٥١٠.
(٤) انظر: الحداثة حقائق ووثائق وهو شريط سجلتُه عن الحداثة المحلية عام ١٤٠٧ هـ، ونسخته مجلة الناقد في العدد الأول تموز يوليو ١٩٨٨ م/ ١٤٠٨ هـ. انظر: ص ٤٣ من هذا العدد.
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
ورسوله، ثم يتهكم بالملائكة في صورة هزيلة هزال عقيدته، فيقول:
(ما أجمل المومياء في التابوت
ترفض أن تموت
والعصافير تبني للملائكة
أعشاشها في الغصون الشائكة) (^١).
وللفيتوري صلة مع هذا اللون من الانحراف وهو القائل:
(وأعري الخيانة
نائمة كملاك عميق الطهارة
فوق سرير الخيانة) (^٢).
وللرافضي اللبناني محمد علي شمس الدين مقولة أبشع وذلك في قوله:
(فتعالي يا أودية احتفلي
بهبوط ملاك مؤتزر بالصعتر واللبلاب
وعصفورين كجبرائيل وميكائيل على الطرفين
وفية تحميه من الشمس "مزينة بالشمس"
ومرسلة من قارب "جعفر" في الوادي) (^٣).
وللشيوعي الفلسطيني سميح القاسم مشاركة في هذا اللون من الانحراف وذلك في قوله:
(ملائكة متعبون
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لبسيسو: ص ٦٧٥.
(٢) ديوان محمد الفيتوري ٢/ ١٠٧.
(٣) غيم لأحلام الملك المخلوع: ص ٦٤.
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
يحطون ليلًا على كتفي
ويبكون
تسقط أوراق قلبي على الأرصفة) (^١).
ولنأخذ نماذج من الانحرافات في هذا الباب والذي حملت لواءه مجلة الناقد المتممة لمشروع يوسف الخال وعصابة شعر، والتي ركزت اهتمامها بصورة مكشوفة على معاداة الإسلام والحركات الإسلامية، سيرًا مع الاتجاهات الدولية المعادية لدعاة الإسلام اليوم، وما من ساقطة إلّا وتجد لها في مجلة الناقد مكانًا، فمن ذلك قول بعضهم في مقطوعة اسمها "آخر السلالة":
(وهنا وهناك
تجوب دورية الملائكة وسائدنا
ثمة تنانير من العسل والأوراق) (^٢).
ومن ذلك قول آخر: (ولا أبخل على ملائكتي ببعض الفخر والابتسام، هل ما هنا لك -وحق ما تعبدون! - إني أمارس الثبوت والاختزال، وأسعى إلى التفويت والتخلي، إني بكلمة جامعة لا شريك لها. . .) (^٣).
ويشرح باروت استخدام بعض الحداثيين لمضامين "ملائكية" حسب تعبيره، فيقول: (والملائكية تعني أن الشاعر يخلق عالمه الخاص المستقل عن عالم الواقع والتحرر منه) (^٤).
_________________
(١) لا أستأذن أحدًا: ص ١٣٧.
(٢) مجلة الناقد العدد الثامن فبراير ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٢٩، والكلام المنقول لحداثي من العراق اسمه هاشم شفيق.
(٣) المصدر السابق - العدد الثامن عشر ديسمبر ١٩٨٩ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٤٢ من مقطع بعنوان "من وجوديات يقظان بن الحي" لكاتب من المغرب اسمه سالم حميش.
(٤) المصدر نفسه العدد العاشر إبريل ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٢٢.
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
والآن إلى نماذج من الانحرافات في الرواية الحداثية، فمن ذلك قول عبد الرحمن منيف التهكمي الساخر: (من يسمع أن الخوش تتحدث لأول مرة يظنها امرأة شديدة الاتزان، وحين تبدأ برواية قصة سفر ابنها، ترويها وكأنها تعني امرأة أخرى. . . ثم فجأة تتغير لهجتها ونبرة صوتها، تتلفت حولها بفزع تتلمس الأرض كأنها تخاف أن تنفتح فتصرخ بانفعال:
- اسمعوا يا أهل الوادي، المنام ما يكذب، جاءني ثلاثة ملائكة، كانوا في ثياب بيضاء، وقالوا لي: الخوش يكون هنا يوم الخميس، الملاك الكبير له وجه مثل وجه الخوش ويضحك مثله، وكان الصغير بقوة الخوش، والثالث ما شفته لأنه كان يعطيني ظهره) (^١).
وهكذا يتم توظيف الجنون والسخرية لتحطيم هذا الركن العظيم وتنزيل درجته إلى حضيض الامتهان.
أمّا الطاهر بن جلون فقد استخدم هذا الأسلوب الساخر التهكمي التدنيسي بصورة مكررة للوصول إلى المقصد نفسه، ومن ذلك قوله في رواية "ليلة القدر" على لسان أحد شخصيات الرواية: (إن الليلة السابعة والعشرين من هذا الشهر مناسبة للحساب وربّما للغفران ولكن بما أن الملائكة سيحضرون معنا لإحلال النظام سأكون حذرًا، أريد إعادة الأمور إلى نصابها قبل أن يتدخلوا فيها، إنهم يعتقدون بأنهم صارمون تحت مظهر رقتهم الظاهرة، إحلال النظام هو بدء الإقرار بالمعصية هذا الوهم الفظ الذي جلب اللعنة على العائلة بأسرها) (^٢).
ثم يتحدث عن المؤذن وعن الملائكة فيقول: (اسدلي الستائر، قد ينخفض صوت هذا الغبي الذي ينهق يجب أن يعاش الدين في صمت وتأمل، وليس في هذه الجلبة التي تكدر صفو ملائكة القدر، هل تقدرين
_________________
(١) مدن الملح ١/ ٥٧.
(٢) ليلة القدر: ص ١٨.
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
جسامة العمل الذي عليهم إنجازه في بضع ساعات؟ التنظيف! إحلال النظام! إنهم على أية حال فعالون، أحس بأنهم حاضرون في هذه الحجرة، وأنا أساعدهم على التنظيف، أود أن أرحل نظيفًا، مغسولًا من كل هذا العار الذي حملته بداخلي طوال شطر كبير من حياتي) (^١).
(. . . إنها حوالي الثالثة وبضع دقائق، لقد أنجز الملائكة نصف عملهم إنهم يمضون دومًا مثنى مثنى، خاصة لأخذ الروح، في الواقع، يحط أحدهما على الكتف الأيمن، والآخر على الأيسر، وبنفس الحماس، يأخذان الروح بحركة بطيئة ولطيفة، إلى السماء، لكنهما في هذه الليلة ينظفان، ولا وقت لديهما للانشغال بشيخ في رمقه الأخير، لا تزال أمامي بضع ساعات لكي أتكلم معك حتى شروق الشمس، بعد صلاة الفجر، وهي صلاة قصيرة، فقط لتحية بشائر النور) (^٢).
ويقول على لسان امرأة من شخصيات روايته: (. . . كنت في ذلك اليوم أضم بين ذراعيّ شخصًا مجهولًا، ربّما أميرًا مبعوثًا من طرف الملائكة تلك الليلة السابعة والعشرين، أميرًا أو طاغية مغامرًا، قاطع طرق حجرية، لكنه رجل، جسد رجل. . .) (^٣).
ويصف إحدى الداعرات على لسان إحدى الشخصيات بقوله: (أنت منقذتنا الملاك الذي صار مطلعًا على كل شيء، إما إن تلعنينا أو تنقذينا، ملاك مبيد سيرتب هذا النسيج العنكبوتي) (^٤).
وفي الرواية الإلحادية "مسافة في عقل رجل" يضيف علاء حامد إلى إنكاره وجود الملائكة الأسلوب الهزلي للسخرية باللَّه -جلَّ وعلا- وملائكته، فيقول: (الحاكم يملك الأرض ومن عليها، ويقابله اللَّه ملك
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٣١.
(٤) المصدر السابق: ص ٨٦.
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
السموات والأرض، الحاكم يرى بعيونه "جواسيسه" واللَّه يرى ويسمع هو الآخر وإحدى وسائله ملائكته) (^١).
ويقول: (. . . إسرافيل يغني على أنغام جوكة الملائكة مع رقصات السامبا للجن الأزرق والأحمر وزعقات الشياطين وهز بطن إبليس العاق، الذي سيمتطيه رواد الجنة كما يمتطي السائحون الجمال. . . وتلك السراويل هل لديكم مصانع لتصنيعها. . يديرها الملائكة والجن الطالح!!) (^٢).
إلى آخر ما في هذه الرواية من سخرية لاذعة وتهكم صارخ وكفر بواح.
أمّا نوال السعداوي فإنها تقول في روايتها "سقوط الإمام": (. . . وقفت بين يدي الرسول مرفوع الرأس أنكمش في تواضع داخل ذاتي، ويأتي جبريل ﵇ على شكل الملاك الطاهر فيحملني على جناحيه إلى ممتد المشاهدة، وأغمض عيني ثم أردهما فإذا بي في الملكوت الأعلى وهو سدرة المنتهى، وأسمع صوت اللَّه يناديني: يا قاضي القضاة الآن اكشف عنك غطاءك ليكون بصرك حديدًا ووجهك جديدًا وذاتك جديدة) (^٣).
وفي الجملة هذا نوع من أنواع انحرافاتهم، وقد امتطوا أسلوب السخرية لتهديم مباني وأركان الإسلام، وتحقيرها، وإزالة مكانتها من النفوس.
ونقول لهم كما قال نبي اللَّه نوح ﵊: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (^٤).
• • •
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ١١٤.
(٢) المصدر السابق: ص ١١٩.
(٣) سقوط الإمام: ص ١١٤.
(٤) الآية ٣٨ من سورة هود.
[ ٢ / ١٠٢٩ ]