وهذا الوجه من الانحراف فيما يتعلق بالرسل الكرام ﵈، أغرق فيه الحداثيون إغراقًا هائلًا، وتوسعوا فيه توسعًا كبيرًا.
وهم على الرغم من جحدهم للرسل والرسالات والأنبياء والنبوات، وتشكيكهم في وجودهم وفي صحة ما جاؤوا به، إلّا أنهم مع كل ذلك يأخذون النبوة باعتبارها وصفًا عاليًا متميزًا، فيلصقونه على من يريدون مدحه من الشعراء وغيرهم.
وهذا من تناقضهم وفساد عقولهم، فكيف يجحدون شيئًا ثم يطلقون اسمه أو وصفه على من يريدون مدحه؟!.
غير أنه ليس هذا -فحسب- عملهم ومقصدهم في هذا الباب، بل إنهم في إلحاق الأسماء والأوصاف الخاصة بالأنبياء ﵈، بغيرهم من الأحياء والأشياء، يهدفون إلى تهوين وتدنيس الرسل والرسالات، من خلال إطلاق خصائصهم الجليلة على من لا يستحق أن يوصف بأوصاف البشر العاديين فضلًا عن أوصاف الأنبياء المصطفين الأخيار.
_________________
(١) انظر أمثلة على ذلك في: ديوان محمود درويش: ص ١٥٦ - ١٥٧، وسقوط الإمام: ص ٩.
(٢) انظر: الفصل الرابع من الباب الأول من هذا الكتاب.
[ ٢ / ١٣٢٨ ]
ويُمكن حصر هذه الإطلاقات الحداثية في اتجاهين أساسيين:
الأول: إطلاق أوصاف وأسماء الرسل على الشعر والشعراء وخاصة الحداثة وأصنامها وطواغيتها.
الثاني: إطلاق أوصاف وأسماء الرسل على من عدا القسم الأول.
فأمَّا الاتجاه الأول فقد أطنبوا فيه وأسهبوا، وقد اقتفوا في ذلك أثر المدرسة الرمزية الغربية التي تبنى أصحابها رفع منزلة الشاعر إلى درجة النبي، وخاصة "رامبو" الذي أطلق لفظ "الشاعر النبي".
يقول مؤلف "في النقد الحديث" في سياق حديثه عن المذهب الرمزي: (وقد ارتفع الشاعر عند الرمزيين إلى منزلة فوق المنزلة التي رفعها إليه الرومانسيون، وأطلق رامبو على الشاعر اسم الشاعر النبي. . . الذي يتمتع بقدرة على أن يرى ما وراء عالم الواقع، وينفذ إلى الجوهر الكامن في عالم المثل.
والشعر إلهام عند بعض الرمزيين يأتي إليهم من غير تدخل منهم فهم مجرد متلقين يسجلون ما يلقى فيهم، وقال أحدهم: "ثمة إله فينا، ونحن متصلون بالسماء: من الأماكن العلوية السماوية يأتي إلهامنا") (^١).
وقد ذكر أحد فلاسفة السوريالية أصلًا آخر لهذا الانحراف فقال: (وأعمق ما في الرومنطيقية (^٢) مما أثر في السوريالية هو قولها: إن الشاعر نبي، يقرأ نص العالم، ويدرك قوانين الكون الخفية بطريقة حدسية) (^٣).
فهذا هو أساس الاتجاه الحداثي المنحرف الذي يطلق اسم النبي ووصف النبوة على الشاعر.
ويصف أحد نقاد الحداثة مقصد هذا الإطلاق، في سياق حديثه عن بقايا صورة الماضي في المتخيل الثقافي العربي، وعد منها "صورة النبي"؛ لأنه يرى أن (النبوة تجمع سلطتي اللغة والسياسة، والشاعر وهو يتملك اللغة
_________________
(١) فى النقد الحديث: ص ١٥٢ - ١٥٣.
(٢) سيأتي بيانه: ص ١٥٥٩.
(٣) الصوفية والسوريالية: ص ٢٨، والقول لاندريه بريتون.
[ ٢ / ١٣٢٩ ]
يسعى من خلالها إلى امتلاك السلطة في هذا الجمع النبوي. . . الشاعر يتخذ من أوليته معبرًا إلى شكل نبوي، إنه ليس فقط الناطق باسم القبيلة، كما كان الشاعر الجاهلي، بل هو معلم الأمة وصورتها النبوية، إنه يستعيد الأصل كله ويعيد كتابته ويؤسس لأول آخر، هذه الصورة سوف تستعاد في الشعر والأدب الحديثين على أكثر من شكل، من جبران في كتابه "النبي" إلى "مردار" ميخائيل نعيمة، إلى استعادة أدونيس لاسم إله كنعاني يقوده في مجاهل الحداثة إلى آخره. . . هذا الأول الشعري سوف يتفرع إلى ما لا نهاية في عبثية أنسي الحاج ولغته الدينية، أو في جموح درويش إلى احتضان غنائية الواقع الفلسطيني ومأساويته، أو في هذا البحث المضني عن شكل جديد للقصيدة الذي بدأ مع السياب، ثم انساب مع سعدي يوسف في لغة شفافة يرتجف الواقع في ثناياه كأنه يتلألاء بالماء.
النبي يستعاد، والبحث عن الأول يكتمل في القصيدة الحديثة المتعددة الأغراض) (^١).
فإنه مع اعتبار أن النبوة من بقايا الماضي، الذي يعني في أدبيات الحداثة التخلف والرجعية، يجعل من ذلك نعتًا لأدباء الحداثة، إمّا من باب تعظيمهم وتفخيمهم أو من باب الاستهانة بالنبوة والأنبياء.
ومن ملامح هذه الإطلاقات كلام أدونيس عن سلفه من شعراء المهجر وخاصة "الرابطة القلمية" وعن سمات المناخ الثقافي في أمريكا الذي جعل منها على الصعيد الاجتماعي (. . . منحى التغيير، أي الخلاص من الأفكار والقيم والتقاليد القديمة، ومن هنا سيطر الطابع النبوئي أو الرسولي في نتاجهم، لكن بدرجات متفاوتة، ومن طبيعة النبؤة أنها تُعنى بالمستقبل) (^٢).
ثم يستخرج من بين هذه الفئة النصرانية العلمانية أشدهم على الرحمن عتيًا، وهو جبران خليل جبران، فيصفه بقوله: (. . . اللهجة التي يتكلم بها جبران في معظم كتاباته هي لهجة النبي، يُمكن إذن، أن نرى في نتاج
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ٣١٥ - ٣١٦ من مقال بعنوان التقليد والاتباع لإلياس خوري.
(٢) الثابت والمتحول ٣/ ١٦٣.
[ ٢ / ١٣٣٠ ]
جبران، من الناحية التراثية، استمرارًا لتقليد عريق سامي عربي، فالموقف الأول السامي بعامة، والعربي بخاصة، هو الموقف النبوي. . . وللنبي، في التقليد الديني، خاصيتان متلازمتان: الأولى هي أن نبؤته مفهوم جديد أو رؤيا جديدة للإنسان والكون، والثانية هي أنها تنبئ بالمستقبل، وتتحقق، ويشير المعنى الذي اتخذته كلمة نبي في العربية، إلى أن النبي يتلقى الوحي، أي أنه ليس فعالًا بل منفعل يعطى رسالة فيبلغها، ولذلك يسمى رسولًا، أنه مستودع لكلام اللَّه، وليس فيما يقوله شيء منه أو من فكره الخاص، بل كل ما يقوله موحى من اللَّه.
والنبي راء وسامع لما لا يرى ولا يسمع، يرى المجهول والمستقبل، ويسمع أصوات الغيب. . . والنبوة بهذا المعنى، ليست كلامًا وحسب وإنّما هي عمل كذلك، فالنبي، هو أيضًا، يقاتل ويحارب في سبيل العدالة، ومن الأنبياء من يرى ملاكًا يكلمه، ناقلًا إليه الوحي، ومنهم، كموسى، من يكلمه اللَّه، مباشرة، وهذه حالة نبوية فريدة.
غير أن الصلة بين النبوة والجبرانية هي، الآن، ما يهمنا، الجبرانية هي جوهريًا، نبوة إنسانية، وجبران، بهذا المعنى، يطرح نفسه كنبي للحياة الإنسانية بوجهيها الطبيعي والغيبي، لكن دون تبليغ رسالة إلهية معينة، والفرق بين النبوة الإلهية والنبوة الجبرانية هي أن النبي في الأول ينفذ إرادة اللَّه المسبقة، الموحاة، ويعلم الناس ما أوحى له، ويقنعهم به، أمَّا جبران فيحاول، على العكس، أن يفرض رؤياه الخاصة على الأحداث والأشياء، أي وحيه الخاص.
وحين نفرغ النبوة من دلالتها الإلهية، نجد أنها الطريقة والغاية لنتاج جبران كله، فجبران يقدم مفهومًا جديدًا ضمن تراث الكتابة الأدبية العربية، للإنسان والحياة، وهو يوحي بما سيكون عليه المستقبل، وهو ليس منفعلًا بل فعال، وهو يرى الخفي المحجوب ويلبي نداءه، ويسمع أسرار الغيب ويعلنها) (^١).
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١٦٤ - ١٦٥. وانظر: ص ١٦٦.
[ ٢ / ١٣٣١ ]
لعل هذا النص من أوضح وأشمل النصوص الحداثية التي توضح عناصر هذا الانحراف في تشبيه وتسمية الشعراء والأدباء بأوصاف النبوة وأسماء الأنبياء.
فهو -أولًا- يجعل النبوة مجرد تقليد ديني شرقي، وأنها تعبير عن رؤية جديدة للإنسان والكون، ثم هو -ثانيًا- يجعلها مجرد تلقٍ وانفعال، ورؤية وسماع للمجهول، وهو في هذا التوصيف الذي يريد أن يُظهر فيه موضوعية مزعومة، وقطعية مكذوبة؛ لا يخرج عن دائرة انحرافه في هذا الباب بدءًا من جحده وتكذيبه للنبوة والأنبياء كما سبق توثيقه، فهو بجعله النبوة تقليدًا دينيًا ينفي عنها أصل الاصطفاء والعصمة، وبجعلها رؤية جديدة للإنسان والكون يتجاوز الحقيقة في أن الرسل والرسالات جاءت بعقيدة واحدة، هي التوحيد المضاد للشرك، ولم يختلف في ذلك نبي عن آخر.
أمّا جعله النبوة مجرد تلقٍ وانفعال فهي ألفاظ تفهم في ضوء ما شرحه وبينه في كتابه هذا عن قضية الإبداع والحداثة القائمة على تجاوز التقليد والتلقي، التي جعلها من أسس التخلف والرجعية والثبات والتأخر.
ثم يفهم هذا المعنى في سياق وصفه لجبران الذي جعله من الخارجين على قضية التلقي والانفعال والتأثر؛ لأن لديه -على عكس الأنبياء- رؤياه الخاصة إلى الأشخاص والأشياء والأحداث وله وحيه الخاص.
وهو بهذا التوصيف ومن خلال هذه المعايير الجائرة الخاطئة يجعل جبران وغيره ممن سار على طرق المنافاة للدين أفضل وأعلى وأسبق وأعمق من الأنبياء، على افتراض أنه يؤمن -أصلًا- بوجود أنبياء ووحي ورسالة.
وينساق أدونيس في مسار باطني -بحكم عقيدته الباطنية- فيجعل ما يسميه "الرؤيا" أصلًا ينطلق منه لوصف جبران بأنه كاتب "رؤيويًا"، ويحدد ذلك بأن (الرؤيا في دلالتها الأصلية وسيلة الكشف عن الغيب أو العلم بالغيب) (^١).
_________________
(١) انظر: كل هذه المعاني مفصلة في المصدر السابق ٣/ ١٦٦ - ١٦٩.
[ ٢ / ١٣٣٢ ]
وأنها تتفاوت عمقًا وشمولًا بتفاوت الرائين، وأن بعضها تحدث في اليقظة ويصحبها البرحاء، التي هي انفصال عن العالم المحسوس، وهو في كل هذا يشبه جبران وأضرابه بما فيهم نفسه، بالأنبياء.
ثم يتحدث عن الرؤيا عند الصوفي الملحد ابن عربي وأنها نوع من الاتحاد بالغيب لخلق صورة جديدة للعالم، ثم يخلص من ذلك كله إلى أن الرؤيا الإشراقية عند هؤلاء أجمعين من ابن عربي ومن على شاكلته من الباطنيين إلى جبران، ومن على شاكلته من الحداثيين، تعني رفض الرائي عالم المنطق والعقل؛ لأن الرؤيا كشف وإزاحة لكل حاجز واختراق للواقع، ومن هنا لابد أن تكون معطياتها غامضة والغموض فيها شفاف، لا يتجلى للعقل أو المنطق التحليلي العلمي، وإنّما يتجلى بنوع من الكشف، ولذلك فالرؤيا إبداع والإبداع كشف وتجاوز، وتغيير مستمر، إلى آخر هذه الشبكة من المعاني التي يربطها بادعائه نبوة الحداثيين وباطنيتهم ورؤاهم وكشوفهم الشيطانية، وإبطال العقل والمنطق، وإزاحة الواقع واختراق المألوف، إلى آخر قضايا الحداثيين التي يرددونها بلا ملل، ويجعلونها من أسس منطلقاتهم.
ويستطرد أدونيس في توصيف هرطقات جبران وربطها بالنبوة والوحي ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^١).
وذلك في صدد حديثه عن الابتكار الذي يقتضي عنده الانفصال عن الماضي ثم يقول: (كل مبتكر في هذا المستوى، إنّما هو كالنبي "فجر لذاته" كما يعبر جبران) (^٢).
وقد ذكرت آنفًا أن هذه الضلالة ينساق فيها ضمن سياق عقيدته الباطنية، إذ من المبادئ الأساسية في النظرية الشيعية عامة والباطنية خاصة،
_________________
(١) الآية ١١٢ من سورة الأنعام.
(٢) المصدر السابق ٣/ ١٩٦.
[ ٢ / ١٣٣٣ ]
مبدأ الإمامة، فيجب على الشيعي أن يعرف إمام عصره وأن يؤمن بإمامته، وبكل ما هو معروف عندهم من صفات الإمامة، وفي مقدمتها العصمة، وأن يخلص له وينقاد لأمره، والإمامة عندهم ركن أساسي من أركان الدين، بل هي الركن الأول الذي تبطل ببطلانه بقية الأركان، والباطنية يغلون في ذلك غلوًا يخرجهم عن الإسلام إلى الشرك، فالإمام عندهم له صفات الرسل، بل له الصفات التي ثبت عند المسلمين أنها من صفات اللَّه الحسنى.
ومن هذا المنزع أخذ أدونيس هذه الادعاءات الباطلة وحاول ترويجها من خلال الأدب المعاصر والشعر الحديث.
وقد حاول في تأصيل الأصول وهو الجزء الثاني من الثابت والمتحول أن يربط هذه القضية بثلة من الملاحدة والزنادقة ولم يذكر منهم من أهل ملته النصيرية أحدًا، إمعانًا في التمويه والهروب والتقية، فأتى بابن الراوندي وابن المقفع والرازي الملحد، غير أنه في القسم الثاني من "تأصيل الأصول" والذي أطلق عليه تأصيل الإبداع والتحول، جاء بالظاهر والباطن والتصوف والباطنية في صيغ من الامتداح والتبجيل جاعلًا من كل ذلك أساسًا للإبداع الحداثي والتحول والتجديد، مستخرجًا من المضامين الصوفية الاتحادية والشيعة الباطنية أصلًا للحداثة، ومن ذلك أخذه مفاهيم الفناء والكشف والغور والباطن ووحدة الوجود والشهود، وغير ذلك من مصطلحات أهل التصوف الإلحادي، وخاصة ابن عربي الذي استشهد بقوله المتضمن أن الصوفي أعظم من النبي (^١)، واسترسل مع هذا الأصل الباطل وطرده في مواضع عديدة، كقوله عن الوجوديين والحداثيين وموقفهم من اللغة وصمود اللغة أمامهم وأن ذلك يشكل أزمة سببها (غياب أو انعدام الأنبياء أو السحرة الجدد الذين يستطيعون أن ينفضوا عنها رمادها، ويبعثوها متوهجة كشمس الصباح) (^٢).
وهو متأثر في ذلك بنشأته النصيرية الباطنية، وبدراسته الغربية وتلقيه لمذاهب الغرب، التي حكى عن بعض روادها قائلًا: (وأعمق ما في
_________________
(١) انظر: الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٩٦ - ٩٩.
(٢) زمن الشعر: ص ١٣٧.
[ ٢ / ١٣٣٤ ]
الرمنطيقية مما أثر في السوريالية هو قولها "أن الشاعر نبي، يقرأ نص العالم، ويدرك قوانين الكون الخفية بطريقة حدسية") (^١).
وهذه السوريالية التي هام بها أدونيس من ضمن هيامه في أودية الهلكات وشعاب الضلالات، يشرح بعض روافد استمدادها آخذًا كلام ومفاهيم أساتذته الغربيين السورياليين، وذلك في قوله: (. . . اكتشفت السوريالية، والأهمية الكامنة في السيمياء وعلم النجوم والتراث الصوفي -الأسراري، ومن ضمنه البوذية- ثم يستشهد بكلام أحد رؤوس السوريالية ويضيف بعده قائلًا-: بل يشير إلى أن السوريالية نوع من الضرورة كلف بها، كأنها رسالة نبوية) (^٢).
فأدونيس مع ماديته القاحلة، ودعواه أنه لا يؤمن بسوى الحس والتجربة والعقل والمنطق، جاحدًا الغيبيات التي جاء بها الإسلام، نجده يؤمن بهلوسات جبران التي يزعم فيها أنه يرى المسيح في اليقظة، ويؤمن بالغيبيات السوريالية المستمدة من السحر والتنجيم والتراث الباطني والبوذي، ويعادي العقل والمنطق ويطالب بتجاوزها.
نخلص من كل هذه التناقضات إلى نتيجة واحدة، لم يناقص أدونيس نفسه إزاءها مطلقًا، وهي: العداوة للإسلام، والحرب الشرسة ضده، والتخريب المتواصل، والهدم المقصود.
وفي مسايرة مع هذه التنظيرات الضلالية نجد أدونيس، يطلق على نفسه وعلى إخوانه في الغي وصف النبوة، كقوله:
(آن يا شمس أن نغرّب في الأرض … ونلقي عن صدرها الأعباء
عرفتنا مراكبًا تقهر الموج … وفأسًا خلاقة خضراء
ورأتنا نسير فيها أساطير … ونحيا في قلبه أنبياء) (^٣)
_________________
(١) الصوفية والسوريالية: ص ٢٨، والقول الذي يتشهد به أدونيس هنا هو لأندريه بريتون.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٨.
(٣) الأعمال الشعردة الكاملة ١/ ٣٠.
[ ٢ / ١٣٣٥ ]
وقوله:
(فيما تنام الأشياء حولي
تهمس لي باسمها، وفيما
تمنحني الحلم والأخوة
ترسم لي أغنياتي
بلهيب النبوة) (^١).
وقوله:
(إنني نبي وشكاك) (^٢).
(إنني حجة ضد العصر) (^٣).
وقوله:
(ثمة جسر من الدمع يمشي معي
يتكسر تحت جفوني ثمة في جلدي الخزفي
فارس للطفولة
يربط أفراسه بظل الغصون
بحبال الرياح
ويغني لنا بصوت نبي) (^٤).
وفي مقطع بعنوان "قلت لكم" يصور فيه نفسه، أو الشاعر الحداثي، بأنه يرى كل شيء من الخطوة الأولى، ويرفعه إلى درجة التقديس، التي
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٩٥.
(٢) و(^٣) المصدر السابق ١/ ٢٧٨.
(٣) المصدر السابق ١/ ٣٠٤.
[ ٢ / ١٣٣٦ ]
تتفق مع باطلهم المتمثل في زعمهم نبوة الشاعر الحداثي، الذي يرى ما لا يرى ويعرف كل شيء ويتوقع كل ما يأتي به المستقبل، إلى غير ذلك من المدائح الحداثية والإطراءات التبجيلية والفخر الأجوف الذي طالما انتقدوا شعراء العربية القدامى بسبب تلبسهم ببعض ذلك، في إطار ملة واحدة وأمة واحدة، أمّا هؤلاء فإن مدائحهم متوجه لغير ملة الإسلام بل لأضدادها، ولغير أمة المسلمين بل لأعدائها.
يقول أدونيس:
(قلت لكم أصغيت للبحار
تقرأ لي أشعارها، أصغيت
الجرس النائم في المحار
قلت لكم غنيت
في عرس الشيطان في وليمة الخرافه
قلت لكم رأيت
في مطر التاريخ، في توهج المسافه
جنية وبيت
لأنني أبحر في عينيّ
قلت لكم رأيت كل شيء
في الخطوة الأولى من المسافه) (^١).
وأصرح من هذا وأشد إيضاعًا واتضاعًا قوله:
(عاريًا تحت نخيل الآلهة
لابسًا رمل السنين
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٠٩.
[ ٢ / ١٣٣٧ ]
كنت ألهو باحتضاري
كنت أبني ملكوت الآخرين
بغباري
يا نبي الكلمات التائهة
يا نبي السفر الآتي إلينا
في رياح المطر
أنا واليأس عرفنا أنك الآتي إلينا
وعرفناك نبيًا يحتضر
فانحنينا
وهتفنا: "ايها الآتي الينا
ضائعًا يقطر نفيًا وحريقًا
نحن نرضاك الهًا وصديقا
في مرايا الحجر"
يا نبي السفر
أنا أرضاك إلهًا ورفيقا) (^١).
ويتمادى في غطرسة جوفاء يمتدح ذاته الفارغة امتداحًا أرعن، فروحه تائهة ومغتربة، وهو في ضياع يفاخر به، ومع ذلك ينتظر معجزة لم تكتمل، ويتخطى العالم ويحرقه بثورته الحداثية، ويخلق -حسب لفظه- أرضًا تثور معه وتخون، وسماءً رسمها وزينها برعده وبرقه، إلى آخر تلك المفردات المتعالية التي تظل لها أعناق الأتباع الجُوف خاضعة، يقول:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
[ ٢ / ١٣٣٨ ]
(تائه الوجه- أصلي لغباري
وأغني روحي المغتربة
وإلى معجزة لم تكتمل
أتخطى عالمًا تحرقه
أغنياتي وأمد العتبة) (^١).
(أخلق أرضًا تثور معي تخون
أخلق أرضًا تجسستها بعروقي
ورسمت سماواتها برعدي
وزينتها ببروقي
حدها صاعق وموج
وراياتها الجفون) (^٢).
أي أنه سينشيء أرض الحداثة الثائرة على الماضي، والسماء الرعدية ذات الرعد والصواعق، والموج الطاغي، كل ذلك في وصف الامتداد الثوري الجامح الذي يطمح أن يصل به من خلال عقائده الباطنية والحداثية ليتمكن من إنفاذ محاولته في تخريب الدين وقضاياه وأهله.
وفي مكان آخر يتحدث عن الشاعر الحديث، ويعني نفسه، أولًا، فيجعل من هذا الشاعر مغيرًا للآجال ونبؤة تنذر، فيقول:
لو أنني أعرف كالشاعر أن أغير الآجال
لو أنني أعرف أن أكون
نبؤة تنذر أو علامه) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٤٢.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣٤٣.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٥٦.
[ ٢ / ١٣٣٩ ]
ويعتلي بدعواه مكانًا ليس له، وذلك في قوله:
(كان صوتي نبيًا رميت على شمسه ردائي) (^١).
وقوله:
(لي فرس وها هو الإسراء) (^٢).
وقوله:
(هل أتت يا سلالة الأمواج
تصعد نحو كوكب المجهول كالمعراج) (^٣).
وقوله:
(وجئت والعالم في طريقي
حبر وكل خلجة عباره
ولم أكن أعرف أن بيني وبينه جسرًا من الأخوه
من خطوات النار والنبوه) (^٤).
ويقول عن ديوانه "أغاني مهيار الدمشقي": (وحين أعيد قراءته بعد ربع قرن "نشر عام ١٩٦١ م" أخاله نبويًا) (^٥).
وهذه الأقوال مجرد أمثلة من أقواله الكثيرة المليئة بهذه الأخلاط الكاذبة والمغامرات اللفظية الفارغة.
(وليس جميلًا عرضه فيصونه … وليس جميلًا أن يكون جميلًا
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٧٦.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٧٨.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٩٦.
(٤) المصدر السابق ٢/ ١٧٤.
(٥) رأيهم في الإسلام: ص ٣٣.
[ ٢ / ١٣٤٠ ]
ويكذبُ ما أذللتُهُ بهجائه … لقد كان من قبل الهجاء ذليلًا) (^١)
ولم يقتصر هذا الضرب من الضلال، وهذا الادعاء الكاذب على أدونيس -وإن أكثر منه- بل معه غيره من الحداثيين في هذا النفق المظلم، ذلك أنهم ارتضعوا ذلك عمن سبق ذكرهم.
فها هو باروت يضع عنوانًا في كتابه "الحداثة الأولى" عن "الشاعر الحداثي كنبي وضحية" في سياق حديثه عن تجربة مجلة شعر فيقول: (. . . المثل الجمالية في "شعر" هي مثل ميتافيزيقية تغور في الغصات والمشكلات الكيانية للذات ككائن مفرد، فتكتشفه كنبي وضحية في الآن ذاته، "يحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل بين سيزيف والمسيح" كما يعبر أدونيس عن الكائن الميتافيزيقي) (^٢).
ثم يتحدث عن أحد كبار عصابة شعر، وهو النصراني أنسي الحاج، فيقول: (والواقع أن أنسي الحاج لا ينظر إلى الشاعر إلّا كنبي ملحون "الشاعر الحر هو النبي، العراف، الإله، الشاعر الحر المطلق". . . أراد أنسي الحاج في "لن" أن يكون شاعرًا مارقًا، ملعونًا، منحطًا، أن يستوحي تلك الأخلاقية المخيفة عند "بوفى لير" و"الشعراء الملعونين" و"المنحطين" وأن ييحث عن الشعر في هول العيب، إذ أن توق أنسي الحاج ينصب على تحقيق "لذة اللعنة". . . وهو يستمني، ويصل إلى لذة لعنته بالتحلل من القيم والمروق عليها) (^٣).
ثم ساق كلامًا لأنسي الحاج في ديوانه "لن" يصف فيه عملية استمناء قام بها في المرحاض، ثم أعقب ذلك بتلخيص مهم لديوان "لن" ووصفه من خلال مقطوعة بعنوان "الملعون": (من هنا فـ "الملعون" في شعر الحاج،
_________________
(١) ديوان أبي الطيب المتنبي: ص ٢٣٣.
(٢) الحداثة الأولى: ص ٧٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٩٠. وما بين الأقواس الداخلية من كلام أنسي الحاج.
[ ٢ / ١٣٤١ ]
هو إنسان قلق، مجنون، باض، متمرد، فضائحي، منحط، معزول، مارق، لا قيمي، ومريض كبير) (^١).
ومع هذه الأوصاف الدقيقة في رداءة هذا وأمثاله، يسميه نبيًا، ويطلق على شعره نبوة، وهو غير جدير بأن يساوي بأحد الفجار من المسلمين، فضلًا عن أتقيائهم، فضلًا عن الأنبياء الأخيار والرسل الأبرار.
قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (^٢).
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (^٣).
ويواصل باروت في وصفه للمضامين والرؤى الاعتقادية لدى عصبة شعر الذين اعتمدوا على الرموز الوثنية والنصرانية، وعندهم أن (الرمز التموزي الذي يحدسه الشاعر ينهض. . . بوصفه نبيًا وضحية في آن واحد، نبيًا للجماعة، وضحية افتدائية لها) (^٤).
أمَّا الرموز النصرانية فتظهر من خلال تصورهم في الحقل الاجتماعي أنه (يدنو الشاعر النبي المخلص المسيح من درجة كبش التضحية لكي تخضب الجماعة بدمه) (^٥).
وهذه الحركة لم تخرج عن الإطار الذي وضعه أنطون سعادة حيث (تتأسس أصولها على: "الصراع الفكري في الأدب السوري" لأنطون سعادة، إذ ترى أن العودة إلى هذا الرمز، هي عودة إلى "المعمقدات الشعبية" لـ "الأمة".
. . . وهذه العودة بقدر ما تقارب "صوت النبوة" في معتقداتها، بقدر
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٩١.
(٢) الآيتان ٣٥، ٣٦ من سورة القلم.
(٣) الآيتان ٢٠، ٢١ من سورة الجاثية.
(٤) المصدر السابق: ص ٩٤.
(٥) المصدر السابق: ص ٩٦.
[ ٢ / ١٣٤٢ ]
ما تنقطع عن "حدو الإبل" الذي هو هنا كناية ذات دلالة ثقافية حضارية) (^١).
وهو وصف استله باروت لهن كلمات لبعض أعضاء حركة شعر، التي حاولت أن ترسخ هذا المفهوم المنحرف، مع جملة أخرى من المفاهيم والعقائد المتسلسلة من أساتذة أنطون سعادة إلى أنطون نفسه إلى عصابة شعر إلى بقية الحداثيين في بلاد العرب.
وقد أقر باروت بهذا التأثير لأنطون سعادة، وبين أصل نظرته إلى ذاته ونفسه، ومقدار الوهم التقديسي الذي حاول أن يصبغ به شخصيته، أو حاول أتباعه صبغه به، ثم تتالى هذا الوهم عند أتباعه وخاصة أدونيس.
يقول باروت: (تنهض شخصية أنطون سعادة في وعي هذا الجيل، كخيط متوهج دام ما بين النبوة والبطولة، الكشف والفعل، وكان نفسه يرى أن ثمة قوة مقدسة بالمعنى النبوي تضعه في خط متصل منذ البعل الكنعاني إلى مارجرجس إلى الخضر، بل حاول أن يكرر الأسطورة نفسها، وأن يهز بمصيره مئات الذين اندفعوا خلفه، أراد أن يكون دفعة واحدة، النبي والبطل والمخلص والفادي، ووجد فيه أتباعه تكرارًا لأسطورة تُقارب يسوع، ودفعة بطولية لـ "النهضة" رأى فيه أدونيس مثلًا "جلجلة البعث". . . وكان سعادة يرى كلماته كوحي كما الأنبياء، ويلزم بها أتباعه كما هي علاقة النبي بجمهور المؤمنين) (^٢).
ويستفاد من هذا القول ما يلي:
١ - أن إطلاق النبوة واسم النبي على زعماء العلمنة والكفر والحداثة من الأمور المعتادة عندهم، وهذا من ضلال عقولهم وتناقضاتهم الواضحة
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١٤.
(٢) المصدر السابق: ص ١١٨ - ١١٩.
[ ٢ / ١٣٤٣ ]
وانحرافاتهم الجلية، فكم بين الثرى والثريا؟!.
٢ - أن الحداثة والعلمنة ملل كفرية يحاول أصحابها وزعماؤها أن يجعلوا من أنفسهم "أنبياء" ويضفوا على أنفسهم صفات القداسة، وهو مضمون جاهلي قديم يطل بشعاراته ومعانيه ومصطلحاته في المضامين الجاهلية المعاصرة.
ألم يقل فرعون لأتباعه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (^١)؟ و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (^٢)، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ (^٣).
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ (^٤).
ويصدق في هؤلاء جميعًا ما قاله اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ (^٥).
٣ - أن الحداثيين وإن ادعوا أنهم ضد التقليد والمضاهاة والمحاكاة، لكنهم لا يخرجون عن ذلك قيد أنملة، بدءًا بسلسلة السند المظلم من
_________________
(١) الآية ٣٨ من سورة القصص.
(٢) الآية ٢٩ من سورة غافر.
(٣) الآية ٥٢ من سورة الزخرف.
(٤) الآيات ٩٦ - ٩٨ من سورة هود.
(٥) الآيات ١٦٥ - ١٦٧ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٣٤٤ ]
الغرب المادي إلى أذنابه من أبناء الشرق، حتى يصل إلى صغار الأتباع والمصفقين والمروجين ذوي العاهات العقلية.
٤ - أن ادعاء النبوة عند الحداثيين يتسلل تسلل الداء في الجسم المريض، فها هو أنطون سعادة يزعم ذلك فيتلقاه عنه أدونيس، فيأخذ ذلك عنه الأتباع المعجبون.
٥ - أن باروت وهو يصف هذه الانحرافات عند عصابة شعر لم يخرج عنها، بل هو يقول بها كما سبق من أقواله، وكما في قوله: (وتبرز النبؤة كتوجس لزمن جديد يتمخض، ويغدو الشاعر نبي الجماعة، يغور فيها ويكشف أحلامها، فتتداعى صورته في الماضي) (^١).
وقوله عنهم: (ينهض الشاعر في هذا السياق نبيًا وضحية مسيحًا وسيزيفًا ملعونًا من الثورة المضاعة. . .) (^٢).
وقوله في وصف "مجلة الشعر ٦٩" الحداثية بأنه (تحول معها الشاعر إلى نمط آخر من الأنبياء والعارفين والرائين والمتعالين) (^٣).
ونحو ذلك قوله: (عند حركة مجلة شعر يرى "البيان الشعري" في الشاعر درجة من درجات النبي العارف الحاوي لكل شيء، والشكاك بكل شيء، ويرى في التجربة الشعرية درجة من درجات النبوة) (^٤).
والبيان الشعري الذي يشير إليه باروت في قوله السابق هو البيان الذي أخرجته "مجلة الشعر ٦٩" في عددها الأول، ووقع عليه مجموعة من الحداثيين العراقيين، ومنه قولهم: (إن الشاعر الذي يصل في قصائده إلى
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٣٦.
(٢) قضايا وشهادات ٢/ ٢٦٨. وانظر نحو ذلك له في مجلة الناقد العدد العاشر: ص ٢٢ نيسان ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ.
(٣) الحداثة الأولى: ص ٢٢٢.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٢٣.
[ ٢ / ١٣٤٥ ]
النبوة هو الذي يعرف كل شيء ولا يعرف، هو الذي يقول، ولا يقول هو الذي لا يكون في العالم رغم أنه موجود فيه، هو الذي يكشف لنا أكثر الحقائق قوة دون أن يكون تأكدًا منها) (^١).
وهذا البيان لمجلة الشعر العراقية قد يظهر أصحابه في خط مقابل لخط مجلة شعر اللبنانية من حيث المضمون القومي والهوية القومية، لكنهم من حيث المضمون الحداثي لا يبتعدون عن بعضهم كثيرًا، وأوضح دليل على ذلك اشتراكهم في إطلاق اسم النبوة والنبي على الشعراء الحداثيين.
ومن طلائع الشر الحداثي في هذا "جبران خليل جبران" الذي سبق ذكر مدى اعتماد أدونيس عليه وأخذه منه واتكائه على أفكاره وعقائده الضالة.
ولم يكن أدونيس وحده في هذا بل: (يُمكن القول أن جبران كان الخميرة الأولى لمعنى الحداثة الشعرية الذي انضجته حركة مجلة شعر) (^٢).
وكان جبران النصراني كما كان أنطون سعادة النصراني يريان في نفسيهما ويزعمان النبوة والاتصاف بدرجات النبي، وسقيا بأقوالهما هذا من جاء بعدهما ولاسيما النصارى والباطنيين الحداثيين الذين لديهم في عقائدهم الأصلية الجذور القابلة لمثل هذا الضلال وغيره، وكان ميخائيل نعيمة من أوائل الذين أطلقوا وصف النبوة على الشاعر، ففي كتابه الغربال يقول: (الشاعر نبي وفيلسوف ومصور وموسيقي وكاهن، نبي لأنه يرى بعينه الروحية ما لا يراه البشر) (^٣).
أمَّا جبران فكان من أهم القضايا التي طرحها بل كان أول من طرحها -حسب قول باروت- هي جعل الشعر العربي المعاصر شعر رؤيا
_________________
(١) مجلة الشعر ٦٩ - العدد الأول السنة الأولى أيار ١٩٦٩ م/ ١٣٨٨ هـ: ص ٦٩، ووقع على هذا البيان فاضل الغزاوي وسامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى.
(٢) المصدر السابق: ص ١٧٧.
(٣) انظر: هذا النص في مختارات جمعها باروت على شكل وثائق في قضايا وشهادات ٣/ ١٥٠.
[ ٢ / ١٣٤٦ ]
واكتشاف (^١)، وهذا ما دفع أدونيس ليرى في جبران الخميرة الأولى للحداثة - الرؤيا (^٢).
وقد ربط جبران وغيره بعد ذلك بين مفهوم "الرؤيا" ومفهوم النبوة والرسالة والوحي، لا من حيث حقيقتها الإسلامية المعروفة، بل من حيث معناها الحدائي الإلحادي المشوش المضطرب، مما جعل محمد جمال باروت وهو يتحدث عن خصائص أساسية لأحد الشعراء الحداثيين، ومنها: (الربط بين مفهوم "الرؤيا" ومفهوم "الرسالة والوحي" حيث ينظر إلى الشعر كـ "رسالة ووحي" لا يستوعبها إلّا النخبة المصطفاة. . . وذلك بالمعنى النبوي الاستكشافي للرسالة. . .
إن طموحه العظيم أن يكون نبيًا، كما كان جبران يرى في طموح الشرقي العظيم إلى الدرجة التي يحاول فيها محاكاة القرآن ويسمي قصائده بـ "السور" بل يسمي إحدى القصائد، بالتسمية القرآنية نفسها وهي "سورة القدر") (^٣).
فمن جهة يقوم هؤلاء بجحد النبوة وإنكارها إذا جاءت بالمفهوم الصحيح من القرآن أو السنة أو كلام علماء الإسلام، ومن جهة يقومون بتبني النبوة في مدلول حداثي محرف ليصفوا بها الحداثة وأصحابها، تهوينًا للنبوة والأنبياء وتنزيلًا لدرجتهم، وتضخيمًا للتافهين والساقطين ورفعًا لمنزلتهم.
ويصف إحسان عباس أثر التصوف في الشعر الحديث قائلًا: (ومن يدرس الشعر الحديث لا تخطئ عيناه فيه اتجاهه إلى التصوف بقوة، حتى ليغدو الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر -"ثم يؤكد مظاهر هذا التصوف ومنها"- الإحساس بالغربة والضياع والنفي، والحاجة
_________________
(١) و(^٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٧٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٣٨. والحديث عن خير الدين الأسدي وديوانه أغاني القبة.
[ ٢ / ١٣٤٧ ]
إلى العكوف على النفس في مجتمع الضجيج كثير التمسك بالقيم اليومية، شديد الجحود لفضل "أنبيائه") (^١).
فهو يقر بالوصف الذي يطلقونه يدعونه لأنفسهم ويبين أصل هذا الاتصاف ومنشأه.
وتشرح خالدة سعيد زوجة أدونيس بعض موارد هذا الاتجاه فتقول: (لم يعد الإنسان مكانًا، محلًا للأوامر والنواهي أو قوانين القوى الخارجة عنه، بل قطبًا آخر يقابل هذه القوى، كما تكشف قصيدة أدونيس "أمس، المكان الآن" ومن هذه الشرفة، شرفة تطلع النص الإبداعي إلى النهوض بالدور الفلسفي والديني، يُمكن أن نقرأ أعمالًا "كالبئر المهجورة" ليوسف الخال أو "ثلاثون قصيدة" لتوفيق صايغ، أو "مقام القوس وأحوال السهم" لسمير صايغ، ومثل ذلك الفهم النبوي لدور الشاعر واعتبار الشعر نوعًا من الرؤيا) (^٢).
وفي حديث لأحدهم عن المسار الحداثي الانتهاكي، والتجديد الانهزامي الذي جاء على يد مجموعة من التلفيقيين المنهزمين، وآخرين من المعادين الصرحاء، وبعد أن ذكر أسماءهم قال: (وأذكر هؤلاء لا على سبيل الحصر، هو في تاريخنا الفكري الأكثر جرأة، والأشد تنوعًا، كان سجالًا ذا طابع مصيري، فمعظم الذين اشتركوا فيه كانوا يدركون أزمة الواقع، وكانت لديهم الحماسة الرسولية لتجاوز هذه الأزمة) (^٣).
ولآخر من زعمائهم قول مشابه: (. . . مثلما يستدعي الفكر التنويري مفهوم التقدم الاجتماعي كضرورة منطقية، فإنه ينتج مفهوم المثقف - الرسول الذي يرى في الوعي أساسًا للتقدم) (^٤).
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) قضايا وشهادات ٣/ ٨٥.
(٣) قضايا وشهادات ٢/ ١٨ من مقال لسعد اللَّه ونوس، والأسماء التي ذكرها هم: محمد عبده وفرح أنطون وشبيلي الشميل وجورجي زيدان وطه حسين وهيكل وعلي عبد الرازق والمازني ورئيف خوري.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٨٢، والقول لفيصل دراج.
[ ٢ / ١٣٤٨ ]
وإذا عرفنا الاتجاه الماركسي الإلحادي الذي يتبناه هذا الإنسان تبين لنا مراده بالوعي الذي هو أساس التقدم عنده!!.
أمَّا أنسي الحاج فلم يقدم شيئًا جديدًا في هذا المضمار، بل هي العبارات المكرورة المملة التي يقولها هو وغيره من الحداثيين، فهو يقول في تعريف الشعر الحديث: (الشاعر الحر هو النبي والعراف والإله) (^١).
أمَّا البياتي فيتحدث عن نفسه باعتباره نبيًا منتظرًا فيقول:
(تحلم الأرض بميلاد نبي يملأ الآفاق عدلًا
تحلم الأرض بميلاد الفصول) (^٢).
ويقول:
(ينبت ريش الشاعر النبي والمجنون
في زمن الولادة العسيرة
والموت والثورة والحصار) (^٣).
ويقول:
(كانت صيحاتك صوت نبي يبكي تحت الأسوار المهدومة) (^٤).
ويشتد تبجحه في قوله:
(خرجت من نار الشعر الآيات
ونبيو التوارث
فلماذا شاعرنا مات؟) (^٥).
_________________
(١) أفق الحداثة وحداثة النمط: ص ٣٥.
(٢) ديوان البياتي ٢/ ٢١٩.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٧٨.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٣٧٦.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٤٤٣.
[ ٢ / ١٣٤٩ ]
أمَّا صلاح عبد الصبور فيقول على لسان أحد شخصيات مسرحية ليلى والمجنون:
(هذي آخر أشعاري
العنوان طويل
يوميات نبي مهزوم، يحمل قلمًا، ينتظر نبيًا يحمل سيفًا) (^١).
أمَّا توفيق صايغ، فيصوغ هذا الانحراف بطريقته الرديئة في المبنى والمعنى، يقول عن عيسى ﵊:
(يسوع الشيخ
عاد فتيًا يلاعبني
اله الصلوات الطوال البعيد
انتشلني لدياره
جعلها دياري) (^٢).
ويقول سعدي يوسف في وصفه لشاعر فارسي:
(وأنت ترفرف عبر المدى نبيًا له كأسه مرتع
(نبيًا يريد تراب البشر سماء تموت عليها الغير) (^٣)
أمَّا نزار فقد انصاع لأصول ضلالاته السابقة، واسترسل في هذا الضرب من الانحراف، ومن ذلك قوله عن نفسه:
(مذعورة الفستان لا تهربي لي رأي فنان وعينا نبي) (^٤)
ويقول عن نفسه أيضًا:
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٨٠٢.
(٢) المجموعات الشعرية: ص ٢٩٠ - ٢٩١.
(٣) ديوان سعدي يوسف: ص ٥٧٦.
(٤) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ١٩.
[ ٢ / ١٣٥٠ ]
(رجل أنا كالآخرين فيه مزايا الأنبياء وفيه كفر الكافرين) (^١).
ونحوه قوله:
(ولست نبيًا مرسلًا غير أنني أصير نبيًا عندما عنك أكتب) (^٢)
ويقول:
(إني رسول الحب أحمل للنساء مفاجآتي. . .
فإذا استدارت حلماتك فتلك أصغر معجزاتي) (^٣).
ويقول:
(لكنني آخر قصيدة. . .
وآخر نبي اقنع الناس بجنة ثانية) (^٤).
ويقول:
(لا تخجلي مني فهذي فرصتي لأكون ربًا أو أكون رسولًا) (^٥).
ويقول:
(وأنا حتى أمارس النبوة بحاجة إليك) (^٦).
ويقول:
(سأظل احترف المحبة
مثل كل الأنبياء
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٣٧.
(٢) المصدر السابق ١/ ٧٥٠.
(٣) المصدر السابق ١/ ٧٦٧.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٥١.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٧٦١.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٨٦١.
[ ٢ / ١٣٥١ ]
وأظل احترف الطفولة والبراءة
والنقاء) (^١).
وعباراته النرجسية المتعالية كثيرة جدًا، ولا ريب أن وصفه نفسه بالنبوة هو تدنيس عظيم لهذا اللقب المقدس، فهو غير جدير أن يصف نفسه بالفاجر أو الفاسق من عصاة الموحدين، فكيف بمن هو أعلى من ذلك؟.
أمَّا محمود درويش فأضاف إلى سجل انحرافاته الكثيرة، لونًا جديدًا من الانحراف يتمثل في اعتناقه لعقيدة إطلاق أسماء وأوصاف الرسل على الشعر والشعراء، ومن ذلك أنه لم يجعل الشاعر مجرد نبي بل وصفه بأنه يوجد الأنبياء:
(نحن في دنيا جديدة
مات ما فات، فمن يكتب قصيده
في زمان الريح والذرة
يخلق أنبياء) (^٢).
ويقول عن نفسه:
(لي أيضًا، أنا آدم الجنتين، فقدتهما مرتين
فاطردوني على مهل
واقتلوني على مهل
تحت زيتوني
مع لوركا) (^٣).
وله مقطوعة بعنوان: (أنا يوسف يا أبي) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١١.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٥٥.
(٣) أحد عشر كوكبًا: ص ١٤.
(٤) ورد أقل: ص ٧٧.
[ ٢ / ١٣٥٢ ]
حيث جعل نفسه "يوسف ﵊" وفي الختام قال:
(قلت اني: رأيت أحد عشر كوكبًا، والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) (^١).
أمَّا محمد الماغوط فيزيد على ادعائه النبوة، السخرية والاستهانة بالأنبياء، وذلك في قوله:
(فأنا نبي لا ينقصني إلّا اللحية والعكاز والصحراء) (^٢).
وحق لمسلم أن يقول له ولأشباهه: "اخسؤوا فلن تعدُوا قدركم".
أمَّا محمد الفيتوري فيتحدث في مقدمة ديوانه عن تأثره بجبران واصفًا له بقوله: (جبران ذلك النبي الضائع) (^٣).
أمَّا أنه ضائع فنعم، وأمّا أنه نبي فلا ولا كرامة.
ويحاول الفيتوري في مقدمته هذه أن يشرح كيف تتم "عملية الخلق الفني" حسب لفظه، فوصفها أنها عملية خفية، وأنها تشبه عملية الحمل والولادة عند المرأة، وأنها حالة جنون، ثم عقب على ذلك بقوله: (ولعل فيها شيئًا من هذا أو ذاك، بل لعلها أشبه بحالة الوحي عند الرسل والنبيين، أو لعلها -كما يقول السورياليون- حلم يقظة. . أو يقظة بالغة الحدة. إلّا أن الرعشة المقدسة، التي تأخذ الفنان حينذاك يستحيل التعبير عنها) (^٤).
وله قصيدة بعنوان "عودة نبي" (^٥) يقول في مطلعها:
(حسبك من فن كهذا الخلود … أيها الشادي بسحر الوجود) (^٦)
_________________
(١) ورد أقل: ص ٧٧.
(٢) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٢٣٣.
(٣) ديوان الفيتوري ١/ ٢١.
(٤) المصدر السابق ١/ ٣١ - ٣٢.
(٥) يقصد بها "أبو القاسم الشابي".
(٦) المصدر السابق ١/ ٣٦٢.
[ ٢ / ١٣٥٣ ]
ويقول في ختامها:
(وعدت يا شابي في ناظر الأعمى وفي قلب الأصم القعيد
عدت نبيًا كالنبيين لو تدرك معناك عقول الوجود) (^١)
وتحت عنوان "تحديق عبر الأشياء المرفوضة" يقول:
(لماذا أحدق فيك
وتصعد بي صلواتي إليك وتهوي. . .
فموتي حضور جديد، وصحوه
وبغضي تآكل شهوه
ورفضي احتواء
وعمي نبوه) (^٢).
أمَّا أحمد دحبور فإنه يرثي أحد رفاقه واسمه محمد القيسي فيقول عنه:
(. . . وكان اغتراب ورؤيا طويلة
وكان نبي إلى اللَّه يعرج) (^٣).
ولغالي شكري مشاركته الحداثية في سياق نقدي تنظيري، وهو كغيره من أرباب الحداثة، بل لعله أشد نكاية، بما احتواه من عقائد نصرانية ثم ماركسية، ثم بعد إفلاس الماركسية اليوم يتحول إلى الليبرالية الغربية لرواج سوقها، يقول رخيص الفكر: غالي شكري: (يحيا شاعرنا الحديث إما في شوارع لندن وباريس ومكتباتها مباشرة، وإما على أعتاب الصحف ولجان الشعر والبرنامج
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ١٦٦.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٦٤.
(٣) ديوان أحمد دحبور: ص ١٦٧.
[ ٢ / ١٣٥٤ ]
ومدرجات الجامعة وفصول المدارس في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق، وسواء كان هناك أم هناك فهو يعاني معاناة الأنبياء، هو المسافة بين التراث والرؤيا الحداثية في الشعر، وبين الواقع وهذه الرؤيا، فالتراث عندنا -ولو أن خامته عند بعض أسلافنا كأبي نواس ليست فوق الشبهات- إلّا أن له قداسة العقائد الدينية، والعقيدة مهما تناقضت مع حياتنا اليومية، فهي دائمًا على صواب ونحن على خطأ، لذلك كان الانفصال بين أنبياء الحداثة في شعرنا وبين التراث، مجرد انعكاس للانفصال التاريخي بين العقيدة والسلوك) (^١).
وفي ثنايا هذا الكتاب يتحدث عن قرينه أدونيس، ويشرح بعض مضامين ما يسمى شعرًا فيقول: (. . . ثم يشير بلهجة الأنبياء إلى البطل المنقذ الذي يخلص شعبه من خطاياهم بالفداء العظيم) (^٢).
الاتجاه الثاني: إطلاق أسماء وأوصاف الرسل على سوى شعراء وأدباء الحداثة:
ومنشأ هذا الانحراف عندهم، ما سبق ذكره من استهانتهم بالدين وقضاياه وأصوله وأركانه، ومن سقوطهم في حمأة الجاهليات المعاصرة واندارجهم في الإطار المادي الغربي، وتأثرهم بكلمات أساتذتهم الغربيين، وسيرهم على منوالهم في العقائد والأفكار، بل حتى في الألفاظ والعبارات والمصطلحات مع جهل عميق بالدين الإسلامي، وعداوة مستحكمة، واستخفاف متعمد.
وإطلاقاتهم في هذا عديدة كثيرة تشي بعمق الانحراف في هذا الركن العظيم من أركان الإيمان.
فعند أدونيس الرغيف نبي (^٣)، والبريق نبي (^٤)، والجسد نبي (^٥)، ورأس
_________________
(١) شعرنا الحديث إلى أين: ص ١٩ - ٢٠.
(٢) المصدر السابق: ص ١٣٨.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة ٢/ ١٣٠.
(٤) المصدر السابق ١/ ٤٧٣.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٦٣٣.
[ ٢ / ١٣٥٥ ]
يلبس حذاء النبوة (^١)، ومهيار أعلى من النبي (^٢)، والصوفي أعلى من النبي (^٣).
وهناك أحجار الرياح النبوية (^٤)، وكل أغنية رسول (^٥).
وعند البياتي أحد رواد المقهى يعود ليرى (نبى قريته وصوت العمدة القاسي النحيل) (^٦).
ويرى الثورة الشيوعية، قدر التاريخ والمصير للوجود ونبؤة مخبؤة، محتومة تظهر في أسماء (^٧).
ويتحدث عن صبية قائلًا: (ستعودين مع الميلاد والموت نبية) (^٨).
وعن دمشق يقول: (أيتها الدينة الصبية، أيتها النبية) (^٩).
وعن آشور يقول: (كانت صيحاتك صيحات نبي يبكى تحت الأسوار المهدومة) (^١٠).
ويقول: (أيتها الأشجار القطبية، يا صوت نبي يبكي) (^١١).
وعند نازك الملائكة: الشهيد، عاد نبيًا (^١٢).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥٤٩.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١١٢.
(٣) الثابت والمتحول ٢/ ٩٨.
(٤) الأعمال الشعرية ٢/ ٢٠٠.
(٥) الأعمال الشعرية ٢/ ٢٢٩.
(٦) ديوان البياتي ١/ ١٨٢.
(٧) المصدر السابق ٢/ ١٦٣، ١٦٥.
(٨) المصدر السابق ٢/ ١٨٩.
(٩) المصدر السابق ٢/ ٢٤١.
(١٠) المصدر السابق ٢/ ٣٧٦.
(١١) ديوان البياتي ٢/ ٣٧٨.
(١٢) انظر: ديوان نازك ٢/ ٢٣٩.
[ ٢ / ١٣٥٦ ]
وعند صلاح عبد الصبور نجد امتداحًا أجوف لجمال عبد الناصر، ومنه قوله: (نلقاك كهلًا أشيب الفودين في عمر النبوة) (^١).
ويقول في مسرحيته الحلاج على لسان أحد الصوفية:
(إذا غسلت بالدماء هامتي وأغصني
فقد توضأت وضوء الأنبياء. . .
كأن من يقتلني محقق مشيئتي
ومنفذ إرادة الرحمان. . .) (^٢).
أمَّا الذين يطلق عليهم شعراء الأرض المحتلة، درويش وسميح وزياد ومعين، فإننا نجد عندهم من هذا الضرب كثير.
فدرويش يقول:
(يا نبيًا ما ابتسم
من أي قبر جئتني) (^٣).
ويقول:
(إنني قابل للانفجار
كالبكارة
وكيف تتسع عيناي لمزيد من وجوه الأنبياء) (^٤).
ويقول:
(لم تبك حيفا. أنت تبكي، نحن لا ننسى تفاصيل
_________________
(١) انظر: ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٣٤٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٥٧.
(٣) ديوان محمود درويش: ص ١٢٢.
(٤) المصدر السابق: ص ٣٧٥.
[ ٢ / ١٣٥٧ ]
المدينة، كانت امرأة، وكانت أنبياء) (^١).
ويقول:
(وكانت صنوبرة تنجب الأنبياء
وتجعلني خادمًا فيهم) (^٢).
ويقول:
(ودعوا دمي - لغة التخاطب بين أسور المدينة والغزاة
دمي بريد الأنبياء. . .
أنا الأحياء والوطن الذي كتبوه في تاريخكم
من جثتي بدأ الغزاة، الأنبياء، اللاجئون) (^٣).
أمّا سميح فيجعل مجموعة من الداعرين أنبياء، وذلك في قوله:
(باختصار
يومها كنا رجالًا أربعة
من صغار الأنبياء
معنا خمس صبايا
حسنًا - خمس نساء
حسنًا - خمس بغايا!) (^٤).
ويصف عصابات الشيوعيين بأنهم:
(صنعوا الحياة. . . ونسقوا خضر الجنائين في الجليد
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٧٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦٩.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٧٨ - ٤٧٩.
(٤) ديوان سميح القاسم: ص ٢٣٠.
[ ٢ / ١٣٥٨ ]
وهناك منجم أنبياء
جلدوا القياصرة الطغاة الأغبياء) (^١).
ويقول:
(يا يتامى فقدوا في يتمهم طعم الحياة!
يا صغار الأنبياء) (^٢).
ويتحدث عن شيوعي إفريقي قائلًا:
(وأضاءت أحلامه برؤى موسى، وعيسى، وأمنيات محمد) (^٣).
وتاللَّه لَمْ تضيء أحلامه بأحد من هؤلاء الكرام الأجلاء، بل أظلمت بجاهلية الشيوعية والماركسية، كما أظلم عقل وقلب المادح فبئس المادح والممدوح!!.
ويشبهه مديح معين بسيسو لزعيم الشيوعيين في العراق في مقطوعة بعنوان "سورة يوسف سلمان"، ويقول فيها:
(قلت السلام على النبي والرسالة) (^٤).
وهذا تدنيس لهذه المصطلحات الشرعية العظيمة بإلصاقها بهذا الشيوعي الملحد، اليهودي الأصل "فهد" (^٥).
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^٦).
ويشبهه في الإطراء التجبلي للشيوعية، الشيوعي الفلسطيني الدرزي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٤٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٤٧.
(٣) المصدر السابق: ص ١٠٧ والمقصود باتريس لومومبا.
(٤) الأعمال الشعرية الكاملة: ص ٦٩٥.
(٥) هو: يوسف سلمان المسمى عند أتباعه "فهدًا" وهو يهودي من يهود العراق ومن مؤسسي الحزب الشيوعي وقادته هناك، وقد قتل سنة ١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م. انظر: موسوعة السياسة ٢/ ٤٠١ - ٤٠٦.
(٦) الآية ٧٣ من سورة الأنفال.
[ ٢ / ١٣٥٩ ]
توفيق زياد، الذي يمتدح الشيوعية الفرنسية التي حدثت في باريس باسم الكومونة، فيقول:
(ويقول نبي الأيام
الصوت أبو الذقن البيضاء
بارس الكومونة ما ماتت) (^١).
ونحوهم سعدي يوسف في مدحه لأحد الشيوعيين فى مقطوعة بعنوان "أنطونيو بيريز من غواتيمالا":
(يلتقي في الحزب بالعمال:
أنا يا رفاق. . .
كان انطونيو نبيًا دون دين. . .
إن غواتيمالا
والهوى والراية الحمراء، منا تتعالى) (^٢).
وهذه الأمثلة من كلام الشيوعيين العرب، وهي شواهد لهذا النوع من الانحراف في تسمية ووصف غير الأنبياء بأسماء وأوصاف الأنبياء، وهي مع ذلك تؤكد مدى تأثير العقيدة في أصحابها، فهؤلاء الذين انتموا إلى الشيوعية وآمنوا بها وقدسوها، قادهم ذلك إلى الوقوف الكامل فكريًا وعضويًا في صف هذه الملة الإلحادية، وانفصلوا عن الأمة تمام الانفصال.
ومن كلام سعدي يوسف في هذا الصدد ما جاء فى قصيدة بعنوان "صغير على الخمر" قال:
(أنت الصغير فهل ترضى مرارتها إذا اتبعنا نبيًا من ندامانا) (^٣)
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ٦١٧، ونحوه ص ٦١٩.
(٢) ديوان سعدي يوسف: ص ٥٢٢ - ٥٢٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٥٠.
[ ٢ / ١٣٦٠ ]
ويجعل الحب نبيًا في قوله:
(والصدق والحب النبي ولَمْ يظهرك حتى لون احداقي) (^١)
أمَّا عبد العزيز المقالح فإنه يصف الفدائي الفلسطيني قائلًا:
(لو لم تكن نبي هذا العصر حامل البشارة الكبير
فمن إذن تكون
من معجزاتك الكثيرة الكثيرة
انك لا تموت
كطائر الفينيق لا تموت) (^٢).
ولنزار قباني إكثار في هذا اللون من الانحراف كعادته في كل انحراف، ومن ذلك قوله عن عشيقته:
(طلعت على عمري خيال نبية) (^٣).
وقوله عن أبيه:
(في البيت منه روائح رب وذكرى نبي) (^٤).
ووصفه الثور الاسباني بأنه (كأي شهيد كأي نبي) (^٥).
ووصفه سلطة رجال الشرق على المرأة بقوله:
(وشرقكم يا سيدي العزيز
يبايع الرجال أنبياء) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٧٠.
(٢) ديوان المقالح: ص ١٣٠.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٢٢٧.
(٤) المصدر السابق ١/ ٣٥٤.
(٥) المصدر السابق ١/ ٥٦٢، ٣/ ٥٥٥.
(٦) المصدر السابق ١/ ٥٧٧.
[ ٢ / ١٣٦١ ]
وقوله مخاطبًا عشيقته:
(تعري واشطري شفتي
إلى نصفين يا موسى بسيناء) (^١).
وقوله على لسان عشيقته لعشيقتها:
(إن كنت نبيًا
خلصني من هذا السحر) (^٢).
ويخاطب عشيقته التي انصرفت عنه لعشق أو مخادنة أمير نفطي -حسب تعبيره- فيقول لها:
(وتشدين على كف النبي المنتظر) (^٣).
ويقول عن الفدائيين الفلسطينيين:
(ومن شقوق الصخر يولدون
باقة أنبياء) (^٤).
ويقول عن منظمة فتح:
(يا فتح نحن مكة
ننتظر الرسولا) (^٥).
ترى ماذا سيقول الآن وهو يرى فلسطين قد بيعت لليهود، تحت شعار سلام الشجعان!!.
ويقول عن أرض فلسطين:
(إلى القباب الخضر والحجارة النبية) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٦٥٦.
(٢) المصدر السابق ١/ ٦٧٥.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٣٠.
(٤) المصدر السابق ٣/ ١٤٢.
(٥) المصدر السابق ٣/ ١٤٤.
(٦) المصدر السابق ٣/ ٣٢٨.
[ ٢ / ١٣٦٢ ]
ويقول عن جمال عبد الناصر:
(قتلناك يا آخر الأنبياء) (^١).
ويشبهه بموسى ﵇:
(تركناك في شمس سيناء وحدك
تكلم ربك في الطور وحدك) (^٢).
وفي رثائه له يرجو أن يظهر مسيحًا آخر بدلًا من جمال الذي مات، قال:
(وأصرخ يا أرض الخرافات احبلي لعل مسيحًا ثانيًا سوف يظهر) (^٣)
ويقول واصفًا المناضلين:
(هبطوا فوق أرضنا أنبياء بعد أن مات عندنا الأنبياء) (^٤)
ويقول عن نهر بردي:
(بردي يا أبا النهور جميعًا يا حصانًا يسابق الأياما
كن بتاريخنا الحزين نبيًا يتلقى من ربه الإلهاما) (^٥)
أمَّا أمل دنقل فقد جعل زرقاء اليمامة -التي اتخذها رمزًا لرؤيته للإحداث- نبية مقدسة، وذاك في قوله:
(أيتها العرافة المقدسة. . .
اسأل يا زرقاء
عن فمك الياقوت، عن نبؤة العذراء. . .
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي باللَّه باللعنة بالشيطان. . .
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٣٥٥.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٥٦.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٣٩٠.
(٤) المصدر السابق ٣/ ٤١١.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٥٠٦.
[ ٢ / ١٣٦٣ ]
أيتها النبية المقدسة
لا تسكتي، فقد سكتُ سنة فسنة) (^١).
ويقول:
(لا تسألني إن كان القرآن
مخلوقًا أو أزلي
بل سلني إن كان السلطان
لصًا أو نصف نبي) (^٢).
ويقول مخاطبًا الخيول:
(صيري فوارس حلوى بموسمك النبوي) (^٣).
أمَّا الرافضي الشيوعي مظفر النواب فيقول:
(وسليمان خاطر كان صديقًا نبيًا
وإمامًا) (^٤).
ويقول عن أطفال الحجارة:
(الأنبياء الصغار الجميلين) (^٥).
أمَّا محمد الفيتوري فيقول:
(زمني يا أخت هوايا حزين
صوت نبي، وصراخ سجين) (^٦).
وفي سياق عنصريته الزنجية يتحدث عن نيويورك قائلًا:
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص ١٢١ - ١٢٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٣١٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٨٨.
(٤) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص ١٢٧، ٢٥.
(٥) المصدر السابق: ص ١٣٨، ٢٧.
(٦) ديوان الفيتوري ١/ ٣٧١.
[ ٢ / ١٣٦٤ ]
(وتجهش مخنوقة بالبكاء
لأنك أم، وإن كنت قاتلة الأنبياء) (^١).
ويقول:
(تنسين طير البرق، ينزف جرحه
النبوي في صخر المدائن
يا بتول) (^٢).
أمَّا ممدوح عدوان فيقول عن الأم:
(خلف أستار هذا التناغم
كالأنبياء ارتعدتِ) (^٣).
أمَّا أحمد دحبور فيقول:
(وتسكن، تحت لساني، لغات جديدة
مكرسة للنبي الجنين) (^٤).
(سينمو النبي الجنين، يجر الحدود البعيده) (^٥).
ويقول:
(تخرج الأرض إلينا في المساء
وتنادينا فيأتي الأنبياء
وتمر النار) (^٦).
ويقول:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٤٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٤٥٠.
(٣) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان ٢/ أمي تطارد قاتلها: ص ٢٨.
(٤) ديوان أحمد دحبور: ص ١٣٦.
(٥) المصدر السابق: ص ١٣٩.
(٦) المصدر السابق: ص ٢٨٤.
[ ٢ / ١٣٦٥ ]
(فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين
والفقراء فلسطين
والأنبياء فلسطين) (^١).
ولصف عبد الرحمن منيف على لسان إحدى شخصيات رواية مدن الملح أسباب بكاء الأطفال من غير جوع ولا ألم فيقول: (ربّما يريدون أن يصبحوا ملوكًا أو أنبياء بسرعة) (^٢).
أمَّا محمد شكري فيصف والده الذي أطنب في وصف بغضه له، فيقول: (أبي أقرب منا إلى الإله وأقرب إلى الأنبياء والقديسين) (^٣).
أمّا محترفة السفور وعداء أحكام الدين -نوال السعداوي- فتقول عن البنت الشخصية الرئيسية في روايتها سقوط الإمام: (. . . الا تكون ابنتي هي بنت اللَّه يسمونها المسيحة، وتصبح واحدة من الأنبياء) (^٤).
وليس المقصود جمع كل أقوالهم في هذا اللون من الانحراف وإنّما الدلالة ببعض الشواهد وفي الباقي الذي لم أنقله الكثير من الشواهد، وفي كل دليل يقيني على بشاعة الانحراف الذي تردى فيه أصحاب الأدب العربي المعاصر.
وبهذا الوجه من الانحراف نختم الكلام عن الانحرافات المتعلقة بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وفيما ذُكر من أقوال ونقل من نصوص ما يؤكد أن القوم لا تنطوي عقولهم وقلوبهم على العقيدة الصحيحة في هذا الركن العظيم، بل تنطوي على مفاهيم وعقائد وأفكار مناقضة تمام المناقضة للإسلام وعقيدته، بل هم يسعون في تدمير وتخريب العقيدة الحقة، وترسيخ العقائد الضالة الباطلة، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• • •
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٧٠.
(٢) مدن الملح ٥/ ٩٧.
(٣) الخبز الحافي: ص ٨٩.
(٤) سقوط الإمام: ص ٩.
[ ٢ / ١٣٦٦ ]