إن أدب الفوضى الحداثية قد فاض قبحه، وانتشر نتن عقائده، وأول منطلقاتهم في ذلك النيل من جلال اللَّه وعظمته وقداسته -جلَّ وعلا-، لقد قامت مدارسهم العديدة على ثالوث الحداثة المدمر: "التجاوز والتمرد والرفض".
وأول شيء في تجاوزهم وتمردهم ورفضهم هو الدين، وخاصة دين الإسلام القويم.
وأساليبهم في ذلك عديدة منها "تدنيس المقدس" الذي أضحى غاية من أعظم غايتهم، وهدفًا من أهم أهدافهم؛ ولذلك توجهوا نحو أركان إيمان المؤمنين فسلطوا عليها ألفاظهم الدنسة وعباراتهم النجسة، وغامروا في أودية الهلكات بسبابهم وسخريتهم من اللَّه مالك الملكوت جبار السموات والأرض قاصم الجبابرة -جلَّ وعلا-.
وقد مرّ معنا من أول الفصل إلى هنا نماذج عديدة من كلامهم وكلها تدل على سخريتهم باللَّه تعالى، وفيها من العبارات المخزية الخبيثة، والمخاطبات الساخرة، ما فيه أكبر دليل على أنهم استهدفوا صرح هذا الدين ليهدموه، وتألبوا على قداسته ليدنسوها، وتكالبوا على نوره ليطفئوه، وأنى لهم ذلك؟!
وهل يفلح نسج العنكبوت في مقاومة السيل إذا هدر؟!.
أم هل تفلح القناني المكسرة ولو كثرت في رد الشمس، أو تغيير الكون، أو تبديل الحقائق؟!.
[ ١ / ٦٦٤ ]
إن ألاعيب الخيال السقيم، ومرض العقول الملحدة، لا يُمكن أن تطفيء نور الحق مهما تكالبت وتألبت، فاللَّه متم نوره ولو كره الكافرون، وسوف أورد هنا بعض الشواهد على هذا الوجه من الانحراف، فمن ذلك قول أدونيس في سخريته بالدين والإسلام في مقطع بعنوان "رماد عائشة":
(ثلاثة من الفراغ
واحد مغارة
والآخران صَدَأ:
"رباه كم تزلزل الجدار في عظامنا
وانطفأ السراج والصباح في عيوننا
وجمدت صلاتنا على اسمك القديم
ونسيت قلوبنا اللذائذ الخطايا
آملة بوعدك الكريم) (^١).
فهو يجعل هذه العجوز "عائشة" رمزًا للتخلف الذي هو عنده الإيمان باللَّه والدين والدعاء ويستخدم اسم "عائشة" تبعًا للعداوة الشيعية التي تربى عليها في طائفته النصيرية ضد أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂.
ثم يجعل الصلاة والدعاء تأخرًا ورجعية وجمودًا على اسم اللَّه تعالى.
ومن أقواله التي يسخر فيها باللَّه تعالى وبأسمائه وصفاته كلامه الساقط في مقطع جنسي هابط يتحدث عن فرج امرأة فيقول:
(في أحشائك أعرف أوقن أن الآتي
سر حياتي
فيك أصور أبدع أعلى آثاري
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ١٦٢.
[ ١ / ٦٦٥ ]
أوضح أعتم أسراري
فيك أنشيء فيك أحقق أن اللَّه.
لا يتناهى) (^١).
في هذا النص يظهر مقدار التهكم باللَّه تعالى، حيث جعل أزليته تعالى إنشاءً واختلافًا وقرن تحقيق ذلك بفرج امرأة في أسلوب تدنيسي واضح الألفاظ والمقاصد.
ومن أقواله في هذا القبيل:
(اعرف أن جنس الربوبية يتأصل في أحشاء الأرض
ويتناسل
اعرف الأرض بالأرض
والسماء بنور الأرض) (^٢).
ومن الفلسفات الحداثية العلمانية المتهافتة التي يريدون الوصول إلى إبطال الشريعة وإبطال الدين كله قول العلماني اللبناني عادل ظاهر، في ندوة "الحداثة والإسلام": (إن الاعتقاد أن اللَّه أمر المسلم بأن يقنن الشريعة بغض النظر عن الظروف التي يجد نفسه فيها، هو اعتقاد يناقض طبيعة اللَّه، فإن اللَّه بحكم ماهيته، لا يُمكن أن يأمر بما هو خارق. . . باختصار، اللَّه بحكم طبيعته عقلاني بصورة تامة وما يعنيه هذا، على وجه التحديد، هو أنه لا يُمكن أن يأمر بعمل شيء إلّا إذا كانت الاعتبارات العقلانية لصالح القيام به. . .) (^٣).
وفي تطبيق بالمثال لقاعدته الزائفة هذه والتي فيها السخرية من اللَّه والمخاطبة له بما لا يليق، يقول: (. . . إننا من معرفتنا لطبيعة اللَّه يُمكننا أن نستنتج أن اللَّه ما كان ليأمرنا بأن نطبق نظام الشورى وأن نعاقب السارق
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢١٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٩٢.
(٣) الحداثة والإسلام: ص ٨١.
[ ١ / ٦٦٦ ]
بقطع يده، بغض النظر عن ظروفنا الزمانية والمكانية) (^١).
وهكذا تتبدى الطبيعة العلمانية الحاقدة على الدين حتى وهي في مسوح الاحتجاج بالدين ضد الدين، فاللَّه -جلَّ وعلا- عندهم صاحب طبيعة وكأنه أحد المخلوقات -جلَّ وعلا وَتَقَدَّسَ- وصاحب عقلانية كالبشر المهازيل الضعفاء.
ولعل هذا العلماني الجاهلي يظن نفسه قد أتى بالمفحم من الحجج، وما أشبه حجته بحجة أهل الجاهلية الأولى من مشركي قريش وفارس حين حرم اللَّه أكل الميتة فقالوا: (إن محمد وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم يأكلونه. . . فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٢)، ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾) (^٣) (^٤).
ومن السخرية باللَّه وأسمائه وصفاته ومخاطبته بما لا يليق بجلاله قول السياب:
(فنحن جميعًا أموات
أنا ومحمد واللَّه.
وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة
عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . .
. . . فيا قبر الإله، على النهار. . .
. . . إله الكعبة الجبار
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٨٠.
(٢) الآية ١٢١ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ١١٢ من سورة الأنعام.
(٤) تفسير ابن كثير ٣/ ٩٢.
[ ١ / ٦٦٧ ]
بقطع يده، بغض النظر عن ظروفنا الزمانية والمكانية) (^١).
وهكذا تتبدى الطبيعة العلمانية الحاقدة على الدين حتى وهي في مسوح الاحتجاج بالدين ضد الدين، فاللَّه -جلَّ وعلا- عندهم صاحب طبيعة وكأنه أحد المخلوقات -جلَّ وعلا وَتَقَدَّسَ- وصاحب عقلانية كالبشر المهازيل الضعفاء.
ولعل هذا العلماني الجاهلي يظن نفسه قد أتى بالمفحم من الحجج، وما أشبه حجته بحجة أهل الجاهلية الأولى من مشركي قريش وفارس حين حرم اللَّه أكل الميتة فقالوا: (إن محمد وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم يأكلونه. . . فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٢)، ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾) (^٣) (^٤).
ومن السخرية باللَّه وأسمائه وصفاته ومخاطبته بما لا يليق بجلاله قول السياب:
(فنحن جميعًا أموات
أنا ومحمد واللَّه.
وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة
عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . .
. . . فيا قبر الإله، على النهار. . .
. . . إله الكعبة الجبار
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٨٠.
(٢) الآية ١٢١ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ١١٢ من سورة الأنعام.
(٤) تفسير ابن كثير ٣/ ٩٢.
[ ١ / ٦٦٨ ]
بدرع أمس في ذي قار
بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار
إله محمد وإله آبائي من العرب
تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار
وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار
وأبصرناه يهبط أرضنا يومًا من السحب:
جريحًا كان في أحيائنا يمشي ويستجدي
فلم تضمد له جرحًا
ولا ضحى
له منا بغير الخبز والأنعام من عبد. . .
. . . أعاد اليوم، كي يقتص من أنا دحرناه
وأن اللَّه باق في قرانا، ما قتلناه
ولا من جوعنا يومًا أكلناه
ولا بالمال بعناه. . .) (^١).
سبحان اللَّه ما أعظم حلم اللَّه على من قال هذا ومن طبعه ومن كتبه ومن نشره، ومن أشاد بصاحبه وامتدحه، أمثل هذا يقال أن شعره وكتاباته من (أعمال الرؤيا الحضارية الواعية ويمثلها خليل حاوي وعبد الصبور وحسب الشيخ جعفر والسياب)؟ (^٢).
وأي رؤيا حضارية واعية في هذا القول وأشباهه؟ وما أكثر أشباهه، والتي منها قوله:
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٣٩٥ - ٤٠٠.
(٢) الفنون الصغرى السفر الخامس: ص ١٢٠.
[ ١ / ٦٦٩ ]
(كفرت بأمة الصحراء
ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكةٍ أو عند واديها. . .
. . . لست لأعذر اللَّه.
إذا ما كان عطف منه، لا الحب، الذي خلاه يسقيني
كؤوسًا من نعيم) (^١).
ومن كلامه في مخاطبة اللَّه بما لا يليق به -جلَّ وعلا- قوله:
(أليس يكفي أيها الإله
إن الغناء غناء الحياه
فتصبغ الحياة بالقتام؟
تحيلني، بلا ردى، حطام:
سفينة كسيرة تطفوا على الحياة؟
هات الردى، أريد أن أنام
بين قبور أهلي المبعثرة
وراء ليل المقبرة
رصاصة الرحمة يا إله) (^٢).
وهذه الأقوال من السياب كانت بعدما أضرَّ به المرض وشارف على الهلاك، وتاب وأناب على حد زعم بعضهم!!.
وهي وإن كان فيها التجاء إلى اللَّه تعالى إلّا أنه يخاطب اللَّه فيها بلا توقير ولا تعظيم ولا إجلال وهذه من نتائج تربيته الحداثية، التي علمته الاستخفاف باللَّه تعالى، وصنوه البياتي له في هذا الباب الكثير من الألفاظ،
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٦٤٢.
(٢) ديوان السياب: ص ٧٠٦.
[ ١ / ٦٧٠ ]
وقد سبق نقل شواهد من كلامه على هذا، ومما قال:
(يا إلهي قضاؤك العدل يجرى أتراه على الورى أم عليا
خبزك المشتهى وخمرك سالت قطرة منه على شفتيا
أين عيناك يا إله الليالي لتصب النعاس في مقليتا
كيف أرقى لعرشك المتعالي أبسكر الصلاة أم بالحميا) (^١)
وقوله:
(مولاي لا يبقى سوى الواحد القيوم وهذه النجوم) (^٢).
وقوله:
(مجنونًا كنت أنادي اللَّه) (^٣).
وقوله:
(لغتي صارت قنديلًا في باب اللَّه. . .
فسيبقى صوتي قنديلًا في باب اللَّه) (^٤).
وقوله:
(لا غالب إلّا اللَّه فلماذا يبكي عبد اللَّه) (^٥).
ونحوها:
(لا غالب إلّا الخمار) (^٦).
_________________
(١) ديوان البياتي ١/ ١١٥.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٧٢.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٩٥، ٢٩٦.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٥) ديوان البياتي ٢/ ٤٠٨.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٤١٦.
[ ١ / ٦٧١ ]
وفي مقطوعة الخال التي سبق ذكرها والتي بعنوان "الجدار الأزلي" مضامين اعتقادية خطيرة في حوار مع اللَّه تعالى مليء بالشك والاستخفاف والعدمية والاستهانة (^١).
ونحوها مقطوعة صنوه توفيق صائغ الموجهة إلى اللَّه في عبارات خبيثة واتهامات وسخريات وشكوك ونقد للَّه -جلَّ وعلا (^٢) -، وكذلك المقطع الآخر الممتليء بالسخرية باللَّه والبذاءة في الخطاب معه -جلَّ وعلا (^٣) -، وقد سبق نقل كثير من ألفاظ هذين المقطعين في الفصلين السابقين.
ومن أشباه هذه الأقوال، قول النواب:
(. . . فإن سكن الخلق
بأخذ عزلته بزوايا من اللَّه عابقة بالشراب
ويثمل باللَّه سبحانه
والبلاد التي درجات الكحول بها
لم تصلها الخمور) (^٤).
فتأمل كيف يسب اللَّه تعالى ويسخر من اسمه -جلَّ وعلا-، ثم يمعن في السخرية، فيقول: (يثمل باللَّه سبحانه).
أمّا أمل دنقل فيقول ساخرًا مستهزئًا:
(حاذيت خطو اللَّه لا أمامه ولا خلفه) (^٥).
أمّا نزار قباني قد استكثر من أصناف الانحراف وغرق في جب الخنا والفساد حتى أصبح هذا من عاداته، ومن طبيعته القذرة، كقوله:
_________________
(١) انظر: الأعمال الكاملة للخال: ص ٢٢٠ - ٢٢٦.
(٢) انظر: المجموعات الشعرية للصايغ: ص ٢٨ - ٣٠.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٠٣ - ٢٠٦.
(٤) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسة: ص ١٤١.
(٥) الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل ص ١٨٠، ١٨٤.
[ ١ / ٦٧٢ ]
(وستارتان إذا تحركتا أبصرت وجه اللَّه خلفهما) (^١).
وقوله:
(أريد البحث عن وطن
ورب لا يطاردني) (^٢).
وقوله:
(يا أيها الغالي الذي أرضيتُ عني اللَّه إذا أحببته) (^٣).
وقوله:
(ما دمت يا عصفورتي حبيبتي. . .
إذن فإن اللَّه في السماء) (^٤).
أمّا قصيدته "أسئلة إلى اللَّه" (^٥) فقد ملأها بالأسئلة التهكمية والخطاب غير اللائق، والوصف الساخر باللَّه تعالى وتقدس، ومن سخريته بأسماء اللَّه الحسنى -جلَّ وعلا- قوله:
(كلما طال شعرك
طال عمري
كلما رأيته منثورًا على كتفيك
لوحة مرسومة بالفحم
والحبر الصيني
وأجنحة السنونو
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ١/ ٤٠٠.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٩٧.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ١/ ٧٢٥.
(٤) المصدر السابق ١/ ٧٣٧.
(٥) انظر: المصدر السابق ٢/ ٦١ - ٦٥.
[ ١ / ٦٧٣ ]
حوطته بكل أسماء اللَّه.
هل تعرفين؟
لماذا استميت في عبادة شعرك) (^١).
ويطلب من اللَّه أن يلغي الشتاء من مفكرته (^٢) جلّ وتقدس، ويسخر بالقرآن وبصفات اللَّه -جلَّ وعلا- حين يقول:
(أن أمر الحب يا سيدتي من علم ربي) (^٣).
ويسخر من علو اللَّه تعالى وقدرته في قوله:
(ولم تزل نظن إن اللَّه في السماء
يعيدنا لدورنا) (^٤).
وفي استهانة كاملة باللَّه -﷿- يقول:
(لا أحد يقدر أن يغادر المكان
يشتري جريدة
أو كعكة
أو قطعة صغرى من اللبان
لربه، لا أحد، يقدر أن يقول:
يا رباه
لا أحد) (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ٤٨٥.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٨٣٨.
(٤) المصدر السابق ٣/ ١٤٥.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٢٩٢.
[ ١ / ٦٧٤ ]
أمّا محمود درويش فإنه يجعل من علامات القحط والجدب كثرة أسماء اللَّه تعالى، وذلك في قوله:
(في الزمن البخيل
يتكاثر الأطفال والذكرى وأسماء الإله) (^١).
ومن سخريته بصفات اللَّه تعالى قوله:
(وها أنا أعلن أن الزمان تغير!
كانت صنوبرة تجعل اللَّه أقرب
وكانت صنوبرة تجعل الجرح كوكب
وكانت صنوبرة تنجب الأنبياء) (^٢).
ومن سخرياته قوله:
(ليس الرب من سكان هذا القفر) (^٣).
أمّا معين بسيسو فقد قال في اللَّه تعالى قولًا فظيعًا حين قال:
(لم يبق سوى اللَّه يعدو كغزال أخضر
تتبعه كل كلاب الصيد. . .) (^٤) إلى آخرها.
وقال:
(وكنت أول الذين قد رأوك
كنت بين اللَّه والنبي أول النساء
كيف وارت كل هذه الخواتم المكررة) (^٥).
_________________
(١) ديوان محمود درويش: ص ٤٢٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦٩.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٨٠.
(٤) الأعمال الشعرية الكاملة: ص ٣٤١.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٧٤.
[ ١ / ٦٧٥ ]
ويقرن اللَّه تعالى بأشياء تافهة، وذلك في قوله:
(غزلان تركض نحو الشمس
الشباك يخبئ فمه
الماء يخبئ دمه
اللَّه.
الراديو
الكرسي
الكأس
الباخرة الطائرة البنك حقيبته في يده
الاسمنت
هنا القاهرة هنا بيروت) (^١).
أمّا سميح القاسم فيستهين بصفات اللَّه تعالى على طريقته الخاصة حين يقول:
(فسيف الثار مبعوث وإيليًا
وصوت اللَّه كيف نشاؤه يأتي
ويملأ. . يملأ الدنيا!!) (^٢).
وكذلك زميله الشيوعي الحداثي توفيق زياد يسأل اللَّه بطريقة مليئة بالتهكم حين يقول:
(طلبي متواضع ألف جنيه صفراء هل هذا يا ربُ عليك كثير) (^٣)
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة: ص ٦٤٦ - ٦٤٧.
(٢) ديوان سمح القاسم: ص ٥٨٧.
(٣) ديوان توفيق زياد: ص ٣٤٠ - ٣٤١.
[ ١ / ٦٧٦ ]
أمّا عبد العزيز المقالح فله أسلوبه الخاص في الإلحاد في أسماء اللَّه وصفاته وألوهيته وربوبيته، ومن أمثلة هذا الأسلوب قوله:
(تحت جلدي تعيشين، نبكي معًا ونصلي، نجوع
ونعرى، نجدف في اللَّه والشعب، يضبطنا عسس الليل
والمخبرون، فاكتب اسمي وأخفيك تحت دمي. . .) (^١).
ولمحمد الماغوط أيضًا أسلوبه التهكمي فهو يقرن اللَّه تعالى بالشوارع الدامسة في سياق من النقد والاعتراض فيقول:
(هناك في تجويفٍ من الوحل الأملس
يذكرني بالجوع والشفاه المشرده
حيث الأطفال الصغار
يتدفقون كالملاريا
أمام اللَّه والشوارع الدامسة) (^٢).
ونحو هذا قوله:
(وكنت أحبك يا ليلى أكثر من اللَّه والشوارع الطويلة) (^٣).
ويجتريء الماغوط على اللَّه ويقذف بشتائمه وتهكماته على اللَّه -جلَّ وعلا- ويخاطبه بأقذع الألفاظ وأخبثها فيقول -قاتله اللَّه-:
(يارب
أيها القمر المنهوك القوى
أيها الإله المسافر كنهد قديم
_________________
(١) ديوان المقالح: ص ٥٣٥.
(٢) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٢٦.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٧.
[ ١ / ٦٧٧ ]
يقولون إنك في كل مكان
على عتبة المبغى، وفي صراخ الخيول
بين الأنهار الجميلة
وتحت ورق الصفصاف الحزين
كن معنا في هذه العيون المهشمة
والأصابع الجرباء
أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر
لنبكي) (^١).
ويقول:
(كل ما أريده هو الوصول بأقصى سرعة إلى السماء
لأضع السوط في قبضة اللَّه.
لعله يحرضنا على الثورة) (^٢).
أمَّا ممدوح عدوان فإنه يسخر باللَّه -جلَّ وعلا- وصفاته حين يجعل الخيانة تصل إليه عارية وتتسلل إليه -﷾- عبر سواد الليل، وذلك في قوله:
(تمرمرت حتى تمر البلية صامتةً
وتجيء الخيانة عارية:
قلت: كيف وصلت إلى اللَّه يا أم
قالت: تسللت عبر سواد الليالي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦١.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٩٦.
[ ١ / ٦٧٨ ]
بصمت النسيم) (^١).
ويستخدم عدوان كلمة التسبيح في سياق السخرية والاستهزاء والتهكم باللَّه تعالى وصفاته وأفعاله فيقول:
(فسبحان من خلق الطاعة البشرية
سبحان من صنع العظم مثل العجين
مطيعًا لكل القوالب
صاغ الدموع بكل المقاييس
سبحان من جعل العنق صالحة للمشانق
والأمن منسجمًا مع عتم السجون
وأنشأ للكفر ناطحة للسحابِ
وأنشأ أقبية في بلادي
وسبحانه
كيف أخفى معاجزه عن عيوني
فلم أتعجب
سوى خلقه للجمال
ورفع السماء بلا عمدٍ
كن أكن لا تكن) (^٢).
أمّا أحمد دحبور فإنه يسخر باللَّه تعالى، وبمعاوية ﵁ ويجعله رمزًا للعمالة فيقول:
(فلا تقربيني إذن واسمعي: كلهم ولغوا في دمائي
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان جـ ٢ أمي تطارد قاتلها: ص ٧.
(٢) المصدر السابق جـ ٢ مجموعة لابد من التفاصيل: ص ٧٧ - ٧٨.
[ ١ / ٦٧٩ ]
من معاوية رضي اللَّه والأمريكان عنه، إلى باعة الشهداء) (^١).
ويقرن اللَّه تعالى بأشياء دنيوية ويجعله في قائمة الممنوعات منتقدًا عرف المسلمين وعقيدتهم التي تجعل اللَّه تعالى أعلى وأجل وأكبر من كل شيء.
وكأن دحبور لا يرى أن الحداثيين قد قاموا بما يلزم لحداثتهم وكفرهم من سخرية باللَّه تعالى وجحد وإلحاد، فيطالب بأكثر مما حدث فيقول:
(وتحت الباب قائمة الممنوع زاحفة على المفاتيح
لا تكتب عن الغضب المقموع
والجوع
والأحلام زائدة عن حدها
والغلا
واللَّهِ
أين هي القصيدة الآن؟
قل لي: أين أين هي. . .) (^٢).
ويتشدق بعبارات السخرية باللَّه تعالى قائلًا:
(فليبارك الرب لها ثنا وآثامنا الضرورية
بمزيد من الظلام الضروري
حتى نتمكن، بأمان، من إدراك الصباح
بما هو أهل وما نحن أهل) (^٣).
_________________
(١) ديوان أحمد دحبور: ص ٣١١.
(٢) ديوان أحمد دحبور: ص ٥٦٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٧٣٧.
[ ١ / ٦٨٠ ]
وقد مرت عبارة المنيف التهكمية التي يقول فيها: (أخطر شيء في هذه الحياة بعد اللَّه والمال هو السروال، إذا كانت دكته قاسية أتعب وإذا ارتخت دكته أشقى وأتعب) (^١).
أمّا روايات ليلة القدر لابن جلون ومسافة في عقل رجل لعلاء حامد، وسقوط الإمام لنوال السعداوي، وألف وعام من الحنين، وعرس بغل لابن جلون، فإنها مليئة مترعة بالخبائث والنجاسات الفكرية من السخرية باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته ومخاطبته -﷾- بما لا يليق من القول، واعتناق عقائد السياب والشتم والذم الموجه للَّه تعالى وتقدس.
• • •
_________________
(١) مدن الملح ٥/ ٩٥. وانظر: ٥/ ٢٩٦.
[ ١ / ٦٨١ ]
«دراسة نقدية شرعية»
تأليف
الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي
[المجلد الثاني]
[ ١ / ٦٨٤ ]