كما سبق في بداية هذا الفصل أن الإيمان بما وراء الحس أمر فطري في الإنسان، الذي يتكون من طين وروح، فالطين هو الجسد المادي وطاقاته الحسية المتصلة بالحواس والأعصاب واللحم والدم وغيرها من أجهزة الجسم.
والروح قوام حياة الجسد، وهي منبثة فيه بكيفية لا يعلمها إلَّا اللَّه، انبثاث الماء في الشجر الأخضر، أو الزيت في ثمر الزيتون، وفيها الطاقة المعنوية التي بها يكون التفكير التصوري التجريدي الذي يدرك الكليات والمعنويات والتجريديات، ويدرك القيم العليا كالعدل والحق والخير، والجمال، ويحلم ويتخيل وغير ذلك من أعمال النفس وطاقات الروح.
والروح والجسد التي تنبني عليها هذه المناشط هي -رغم هذا التقسيم- تشكل كيانًا موحدًا، وطاقة متكاملة، هذا الكيان هو "الإنسان".
وقد عبثت الفلسفات المادية الحديثة بهذه المفاهيم غاية العبث، خاصة بعد ظهور خرافة داروين المسماة "النشوء والارتقاء"، فقد نحت هذه الخرافة بالإنسان منحًى ماديًا صرفًا، إذ جعلته مجرد مادة، مجرد جسد يأكل ويشرب ويسكن ويتناسل، أي أنه يولد ويموت جسدًا خالصًا، أو حيوانًا خالصًا، وحتى العقل الذي هو ميزة الإنسان الظاهرة الجلية أعادتها نظرية داروين إلى الطبيعية وإلى الاصطفاء الطبيعي!!.
وإذا كانت نظرية داروين هي الأساس الذي بني عليه الماديون الملاحدة أبحاثهم وفلسفاتهم الإلحادية وما تفرع عنها من علوم اجتماعية ونفسية وأدبية وسياسية، فإنه لابد من النظر في أصل هذه النظرية من جهة أنها تنفي الغيب ولا تؤمن إلّا بالمحسوس، واتباع هذه النظرية والمتأثرون بها هم كذلك لا يؤمنون بالغيب إذا جاء على لسان رسول أو في وحي معصوم.
[ ٣ / ١٦٠٢ ]
ولكن إذا جاء الغيب عن داروين أو غيره من فلاسفة المادية فإنهم يسلمون به، ويؤمنون به.
بل إنهم في معرض دفاعهم وجدالهم عن فرضية النشوء والارتقاء لا يترددون في اختراع عالم غيبي خاص بهم، يحيلون إليه ثغرات وسلبيات هذه الفرضية.
نأخذ النظرية في أصلها، فقد قامت على فرضيتين مسلمتين عند الداروينيين:
الأولى: أن العضويات الصغيرة في كل جيل من الأجيال تنزع دائمًا إلى أن تختلف اختلافات طفيفة عن آبائها في جميع الاتجاهات الممكنة.
الثانية: أن التغيرات المفيدة تنتقل إلى الأجيال التالية وتتراكم حتى ينتج عنها تغييرات جسمية عضوية (^١).
هاتان المسلمتان التي تنبني عليها نظرية التطور هي في حقيقتها "غيبية" فالفرضية الأولى مجرد تخمين غيبي خاطئ لا يدل عليه أي دليل حسي أو عقلي، والفرضية الثانية كذلك، إذ لا دليل من المشاهد أو المحسوس أو المعقول على أن التغييرات تتوارث وتتراكم عبر الأجيال.
ولو افترضنا أنهم قالوا رأينا آثار التغيرات والتطورات في المتحجرات، كان هذا دليلًا على غيبيتهم من وجه آخر، فإنهم استدلوا بالأثر على المؤثر، وهذا استدلال بالحاضر على الغائب وبالمشاهد على غير الشاهد، وهذه غيبية محضة.
ثم إن هذه الفوضية لا تبرهن على صحة نظرية التطور، وإنّما تفترض منذ البداية أن نظرية التطور صحيحة، ثم جاءت الفرضية لشرح هذه النظرية، وهذه "مصادرة على المطلوب" بل التسليم بأن المخلوقات التي نراها الآن
_________________
(١) انظر: التطور عملياته ونتائجه لـ "إدوادر دودسن": ص ١٣٦، ٥٣٩، وكتاب "اللَّه يتجلى في عصر العلم": ص ٧٢.
[ ٣ / ١٦٠٣ ]
خلقت على هذه الخلقة وإن لم تتماثل أفراد النوع الواحد منها أقرب إلى المعقول من افتراض التطور ابتداءً، وهذه حقيقة لم تستطع المتحجرات أن تنفيها (^١).
ومن المسلمات المادية التي انبنى عليها هيكل المادية القول بأزلية المادة، وأنها "لا تفني ولا تستحدث من العدم" وعليها بنوا الزعم بأزلية الكون إلى حد جعل "برتراندراسل" يعتبره أمرًا لا يقبل الجدل (^٢)، بل ويعتبر حتى مجرد السؤال عن علة أو سبب وجود هذا الكون من الأمور غير المنطقية!!.
أليست هذه المسلمة المادية اعتقاد غيبي محض؟ ثم أليس الحتم والقطع فيها واعتقاد ثباتها بصورة جازمة من المسلمات الغيبية؟.
بلى هذه غيبية ضرورية، ولكنها غيبية ضالة منحرفة.
ومن المسلمات المادية إرجاع جميع الكائنات الحية إلى خلية أولية تفرعت منها سائر الأنواع التي ترى اليوم، وخاصة الإنسان الذي يرونه تطور في إحدى مراحله من القرد!!.
وهذه غيبية مادية إلحادية، لا برهان عليها من حس ولا عقل (^٣)، ومع ذلك سلمت بها عقول تحسب أنها على شيء من تجربة أو عقل أو حس ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (^٤).
ولأجل ذلك كله اضطرب داروين نفسه عند وصوله إلى هذه المضايق كما اعترف هو في كتابه "أصل الأنواع" حيث قال: (لا يبلغ القارئ الخبير إلى هذا الموطن من البحث حتى تعتريه صعاب شتى ومشكلات عديدة تزعزع من ثقته في صحة مذهبي، ولا جرم أن بعضًا من تلك المشكلات
_________________
(١) انظر: مصرع الداروينية: ص ٤٨.
(٢) انظر نص قوله بالإنجليزية في مصرع الداروينية: ص ٤٩.
(٣) اقتبست هذه المسلمات من كتاب مصرع الدراوينية: ص ٤٧ - ٥٠.
(٤) الآية ٤٠ من سورة النور.
[ ٣ / ١٦٠٤ ]
في الغاية القصوى من الشأن حتى إني ما فكرت فيها إلّا وداخلني شك وحفت بي ريب، غير أن العدد الأوفر من تلك المشكلات ظاهر، لا مناقضة فيه لحقيقة مذهبي والبقية الباقية على فرض صحتها لا تقوض دعائم المذهب ولا تنفيه جملة على ما أدري.
ولنعدد هنا تلك المشكلات لنتخذها للبحث أساسًا:
١ - إذا كانت الأنواع قد تدرجت متسلسلة عن أنواع غيرها، متحولة في خطى دقيقة من النشوء، فلم لا ترى في شعب النظام العضوي تلك الصور الوسطى التي تربط بين بعضها وبعض؟ ولماذا لا تُرى الطبيعة في تهوش وتخالط يقتضيها تسلسل الصور، بل نرى الأنواع صحيحة لا خلل في نظامها ولا التباس.
٢ - هل من المستطاع أن حيوانًا له تركيب الخفاش وعاداته مثلًا قد يستحدث بالتهذيب وتغاير الصفات من حيوان آخر مختلف عنه اختلافًا بعيدًا في العادات والتركيب العضوي؟ وهل نقوى على الاعتقاد بأن الانتخاب الطبيعي في مستطاعه أن ينتج من جهة عضوًا في الغاية الأخيرة في اتضاع المكان كذنب الزرافة الذي تستخدمه لدفع الهوام عنها، وأن يحدث من جهة أخرى عضوًا غريب التركيب دقيق التكوين متعدد المنافع كالعين مثلًا؟.
٣ - هل من المستطاع كسب الغرائز وتهذيبها بالانتخاب الطبيعي؟ وماذا تقول عن تلك الغريزة العجيبة التي تسوق النحلة إلى بناء خلياتها على صورة من الإتقان برزت بالسبق إليها مستكشفات عظماء الرياضيين وأهل الرأي منهم خاصة؟.
٤ - بم نعلل عقم الأنواع لدى تلاقحها، وانتاجها إنسالًا عقيمة لا تلد؟ بينما يزيد التلاقح من صبوة التنوعات ويضاعف من قوة الإنتاج فيها!) (^١).
هذه الأسئلة الجذرية التي تنسف نظرية داروين من أساسها يتجاوزها
_________________
(١) كتاب أصل الأنواع، المجلد الثالث، الفصل السابع: ص ٤ - ٧١ نقلًا عن كتاب الإنسان والداروينية: ص ٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ٣ / ١٦٠٥ ]
داروين ويعتبرها إشكالات ظاهرية لا تناقض مذهبه!!.
ومع كونها من أعمق المعوقات لفرضية مثل هذه الفرضية إلّا أنه تخطاها في تسليم غيبي للمقدمات والافتراضات التي وضعها، ولم يتمكن من الإتيان بإجابة صحيحة مقنعة لاعتراضات علمية وعقلية أوردها علماء في عصوه وفي غير عصوه وحتى اليوم (^١).
والمقصود من كل هذا الإيراد أن داروين رغم ماديته المحضة ورغم إلحاده الذي اعترف في مذكراته أنه وصل إليه أخيرًا، لا ينفك عن إيمان بغيبٍ ما.
والماركسية المنطلقة في المادية إلى أبعد مدى لا يستطيع أصحابها الانفكاك من "غيبية" مّا، وإن كانت غيبية منحرفة ضالة (^٢).
فماركس أخذ من نظرية النشوء والارتقاء التي قالها داروين ونقلها إلى علم الاقتصاد وعلم الاجتماع، أخذ القول بالطبيعة الفاعلة الخالقة المؤثرة بدلًا من اللَّه تعالى، وهذه غيبية وعبادة للطبيعة من دون اللَّه، وأخذ القول بأن الكائنات تتطور تطورًا حتميًا تحت ضغط البيئة المادية الخارجية، وفي أثناء عملية الشطور تنقرض كائنات وأعضاء معينة لأنها لم تعد تلائم البيئة وينمو بدلًا منها أعضاء ووظائف جديدة أكثر تعقيدًا، وهذا التطور والتغير يحصل على الكائنات الحية رغمًا عنها، فلا إرادة لها ولا قصد، وإنّما هو مفروض عليها من الخارج أرادت أم لم ترد، ولا تملك هذه الكائنات أن تبطيء أو تسرع أو تتحول عن هذا الطريق التطوري التصاعدي، فالأمر في ذلك كله متروك "للطبيعة"!!، وقد طبق ماركس هذه الفرضيات الخرافية تطبيقًا كاملًا على التطور الاقتصادي والاجتماعي (^٣)، وهذه الفرضيات جميعها
_________________
(١) انظر: مصرع الداروينية: ص ١١ ولماذا أهمل الإعلام اليهودي اعتراضات زميل داروين "دالاس". وانظر: الإنسان والداروينية: ص ٢٠٩ - ٢٥١، وهو مليء بالنقولات المهمة في اعتراض العلماء التجريبيين على داروين ونظريته. وانظر: كتاب العلم يدعو للإيمان فهو مخصص للرد على الداروينية.
(٢) انظر: الفنون الصغرى للظاهري، السفر الخامس: ص ٤٠: الميتافيزيقيا الشيوعية.
(٣) انظر: الإنسان بين المادية والإسلام: ص ٥٥ - ٥٦.
[ ٣ / ١٦٠٦ ]
"غيبيات" ولكنها منحرفة تائهة في أودية الخرافة والتخمين، وكذلك ما انبنى عليها عند الماركسيين من صراع الطبقات، والجدلية المادية الديالكتيكية، وتأثير العالم الخارجي على العقل، وتأثير أساليب الإنتاج وغير ذلك من الأمور التي لا تخضع لقياس ولا تجربة ليست في حقيقتها سوى مسلمات غيبية مادية ضالة خضعت لها أعناق هؤلاء فاقتفوا أثرها، في تسليم كامل وتبعية عبادية وثنية خالصة!!.
أمَّا عبيد الغرب من الحداثيين والعلمانيين فهم أقل من هذا الشأن وأذل، إذ غاية ثقافتهم ومبلغ علمهم وآفاق طموحهم أن يتبعوا المذاهب الغربية المادية ولا يبتدعوا!! وإن يسيروا في ذيل قوافلهم مذعنين إذعان العبيد في أيدي النخاسين، أقول ذلك بعد طول تبصر ونظر في أقوالهم ومؤلفاتهم ومجلاتهم ومنتدياتهم، وإن اجتهد بعض منهم ليخرج بجديد من الأفكار والتصورات النتنة، فلا تجده يخرج عن أصول ومتون أساتذته الذين تلقى عنهم وأشرب حبهم في قلبه، فما أحرى هؤلاء بقول الشاعر:
(العبد لا تفضل أخلاقه … عن فرجه المنتن أو ضرسه
لا ينجز الميعاد في يومه … ولا يعي ما قال في أمسه
فلا ترجِّ الخير عند امرئ … مرت يد النخاس في رأسه
وإن عراك الشك في نفسه … بحاله فانظر إلى جنسه
فقلما يلؤم في ثوبه … إلّا الذي يلؤم في غِرْسِه) (^١)
وخاصة إذا قرأت أفكارهم المادية، وعبثياتهم الحيوانية وفوضوياتهم الخلقية، وقرنتها بأصول الفكر الغربي اتضح لك صدق هذه الأبيات في حقهم!!.
وأصدق منها وأدق وأكمل وأشمل قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
_________________
(١) الأبيات للمتنبي في ديوانه ٢/ ٢٠٥ بشرح العكبري.
[ ٣ / ١٦٠٧ ]
آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ (^١).
وقد مرّ بنا في ثنايا البحث في مواضع عديدة كيف أنهم انخلعوا من الإيمان الحق والعقيدة القويمة والدين الصحيح، ليستقروا في قاع الحوض الآسن، خوض المادية والوثنية.
وفي الفصل الرابع من الباب الأول "التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة" أدلة عديدة على مقدار انغماس الحداثيين في الإيمان بوثنيات جاهلية من وثنيات اليونان والبابليين والفراعنة والهنداكة والبوذيين والمشركين العرب.
ولا غرو أن يكون الحداثيون العرب بهذه المثابة في التعلق بهذه الوثنيات، فقد تلقوا هذا عن الغرب واستوردوا هذه المضامين مع ما استوردوه من مادية وعلمانية وحداثة، ولقد عبر بدر شاكر السياب عن الاتجاه نحو الخرافات والأساطير الغربية بقوله: (إن اللجوء إلى الخرافة والأسطورة وإلى الرموز من مظاهر الشعر الحديث المهمة. . . نحن نعيش في عالم لا شعر فيه أعني أن القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح، إذن فالتعبير عن المباشر عن اللاشعر لن يكون شعرًا فماذا يفعل الشاعر إذن؟ يلجأ إلى الخرافات والأساطير التي لا تزال تحتفظ بحرارتها؛ ولأنها ليست جزءًا من هذا العالم) (^٢).
هذه العبارات الواضحة الدلالة على ما نحن بصدده في إثبات إيمان الحداثيين بغيبيات وثنية وتعلقهم بأصنام جاهلية، ليس لها قيمة إلّا كما لأوثان الجاهليين العرب: "هبل واللات ومناة والعزى" غير أن الميزة الوحيدة للأوثان والأساطير والخرافات التي تعلق بها الحداثيون وآمنوا بها وجعلوها رموزًا للانبعاث والتقدم والتجدد أنها مستوردة من الغرب!!.
_________________
(١) الآية ١٧٩ من سورة الأعراف.
(٢) مجلة شعر، العدد ٣ تموز ١٩٥٧ م: ص ١١١ - ١١٢.
[ ٣ / ١٦٠٨ ]
ولذلك تبنى الغرب هذا الاتجاه من خلال مؤسساته الثقافية الاستخبارية مثل مؤسسة "فرانكلين" وحرية الثقافة (^١) ومؤسسة "فلبرايت" ومؤسسة "فورد" ومؤسسة "روكفلر" (^٢).
لقد قامت هذه المؤسسات بأدوار كثيرة في مواجهة الإسلام، في دعم العلمانية والأنماط الثقافية والسلوكية الغربية، وتجنيد العملاء المتدثرين بدثار الثقافة والأعلام، إلى غير ذلك من الأدوار والأعمال المشبوهة.
وكان العنصر الوثني والأسطوري -الآتي من الغرب أساسًا- من أهم العناصر الذي دعمته هذه المؤسسات؛ ليقوم بدور داعم للثقافة الغربية التي تريد أمريكا ودولة اليهود خاصة بثه ونشره في المنطقة (^٣).
ومن أقرب البراهين على تبني الوثنيات البائدة تسمي مجموعة من شعراء الحداثة بالشعراء التموزيين (^٤)، وتسمى النصيري علي أحمد سعيد باسم الوثن "أدونيس" وفي خرافات هذين الوثنين المنطلق الاعتقادي والعملي لهؤلاء الحداثيين، ولمن جاء بعدهم ممن تأثر بهم "ولا يخلو حداثي مهما صغر من التأثر بهم".
ومن خلال هذا الانتماء الوثني ترسخت علاقاتهم بالوثنيات على أوسع قاعدة، وحاولوا أن يفلسفوا التجديد والتحديث والانبعاث من خلال أساطير تموز وأدونيس فلسفة توافق طموحاتهم الحداثية القائمة على هدم كيان هذه الأمة وتحطيم مقوماتها.
ولقد وجد جبرا والثلة التموزية الذين معه في إحياء الرموز الوثنية وإشاعتها خير مدخل إلى السوق الثقافي العالمي -الغربي بطبيعة الحال- وأبشع مخرج عن الأمة وتاريخها وحضارتها ودينها وقيمها، وقد عبر جبرا
_________________
(١) انظر: ما كتبه عنها وعن علاقتها بالحداثيين، الحداثي محمد الأسعد في كتابه بحثًا عن الحداثة: ص ٤٢ - ٤٣، ٤٨.
(٢) انظر: الغرب في مواجهة الإسلام لمازن مطبقاني: ص ٣٤.
(٣) انظر: الاعتراف بهذه الحقيقة في كتاب بحثًا عن الحداثة: ص ٤٢ - ٤٣.
(٤) وهم: أدونيس ويوسف الخال والسياب وخليل حاوي وجبرا إبراهيم جبرا.
[ ٣ / ١٦٠٩ ]
عن هذا بقوله: (لقد نبهتنا نكبتنا الكبرى إلى حقيقة الذبول الذي أصاب شعبًا كبيرًا قرونًا عديدة، إلى حقيقة العتة الروحية التي ماعدنا نستطيع تحملًا لها، فوجد شاعر كيوسف الخال في الأسطورة البابلية خير رمز لمعاناتنا) (^١).
ويعني هذا القول أنهم وجدوا المبتغى الروحي الذي يريدون في هذه الوثنيات والأساطير، التي أنقذتهم من "العنّة الروحية" حسب تعبير جبرا.
ولا يقتصر اعتقادهم في هذه الأوثان على مجرد استلهام مضامينها الخرافية -على ما في ذلك من وثنية وانحراف وضلال- بل توجهوا إليها بالعبادة والدعاء واعتقاد الخصيب والإحسان وطلب السقيا، شأنهم شأن أي جاهلي كان يركع للانصاب والأزلام، يقول السياب عن الوثن "عشتار":
(عشتار، أم الخصب، والحب والإحسان، تلك الربة الوالهة) (^٢).
وينادي تموز متضرعًا:
(يا رب، تمثالك
فلتسق كل العراق
فلتسق فلاحيك، عمالك) (^٣).
ويقول أيضًا في دعاء وثني ضارع، واصفًا الوثن بالربوبية:
(يارب تمثالك
فاسمع صلاة الرفاق
ولترع فلاحيك عمالك
تمثالك البعل
تمثالك الطفل
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ١١٤.
(٢) ديوان السياب: ص ٣٨٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٣٥.
[ ٣ / ١٦١٠ ]
تمثالك العذراء) (^١).
وبشابه هذا التضرع والعبادة الوثنية تضرع البياتي وتبتله العبادي للوثن عشتار إله الخصب عند الفينيقيين، يناديه ويبحث عنه، ويتمناه، ويتضرع إليه أن يخلصه من السماء من الدين وعبادة رب العالمين، ويتمنى أن تنهلّ عشتار كالنجمة مستجبية دعاءه ملبية تضرعه، هذا وهو الماركسي المادي!!.
(وتمزقت وناديتك باسم الكلمة
باحثًا عن وجهك الحلو الصغير
في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة
وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء
وتراب العاشق الأعظم في أعياد موت الفقراء
ضارعًا أسأل، لكن السماء
مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء
ودمى عمياء من طين وأشباح نساء
لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء
فمتى تنهل كالنجمة عشتار وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء
ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة
ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة) (^٢).
ولست أريد هنا أن أستعيد ما سبق ذكره في الفصل الرابع من الباب الأول، وإنّما ذكرت بعض الشواهد على كون الحداثيين الذين يحاربون الغيبيات الحقيقية التي جاء بها الإسلام، ويجحدونها ويسخرون بها
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٣٦.
(٢) ديوان البياتي ٢/ ٢٠٦.
[ ٣ / ١٦١١ ]
وبالمؤمنين الموقنين بما جاء من رب العالمين، والذين ما فتئوا يرددون أن الإيمان بالغيبيات رجعية، هؤلاء بأعيانهم آمنوا بغيبيات باطلة زائفة لا حقيقة لها، غيبيات جاهلية وثنية، وخرافات أسطورية.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾ (^١).
ومن مقتضيات الفطرة أن الإنسان لابد أن يؤمن بغيب ولابد أن يتعبد لرب، ولكن الذي نراه من كلام الحداثيين أنهم ينفون الغيب ويجحدون الرب، فما حقيقة ذلك؟.
أمَّا الغيب فهم يؤمنون به رغمًا عنهم بمقتضى الفطرة الإنسانية ولكنه -كما سبق- غيب وثني جاهلي مادي منحرف ضال، وأمَّا الرب فإنهم دانوا لأرباب كثيرة من الأشخاص والمناهج والمذاهب تركوا دين الإسلام، نعم، ولكنهم استعاضوا عنه بدين الحداثة، تركوا غيبات الإسلام، نعم، ولكنهم أخذوا بدلًا عنها غيبيات الأوثان وغيبيات الداروينيين وغيبيات الحداثة.
_________________
(١) الآيات ١٧ - ٢٧ من سورة النحل.
[ ٣ / ١٦١٢ ]
هذه حقيقة ثابتة، لست أنا وحدي الذي أقولها أو اكتشفتها بل قالها نقاد الحداثة أنفسهم، فها هو محمد جمال باروت يتحدث عن هذه القضية في مثال واحد هو "حركة مجلة شعر" التي عبر عن مقاصدها أحد أعلامها في قوله عن الشعر أنه (ميتافيزيقا الوجود، حينما يصبح الوجود معبرًا عنه في الحياة) (^١).
ويؤكد باروت على أن الفهم الذي قامت عليه حركة مجلة شعر (قاد إلى أوهام نخوية ومثالية وميتافيزيقية عن طبيعة الشعر ووظيفته، تحول معها الشاعر إلى نمط آخر من الأنبياء والعارفين والرأيين والمتعالين) (^٢).
وينقل عن أحد نقاد مجلة شعر قوله: (وكل شعر لم يعبر عن صولة هذا القدر وعن الغصة الكيانية التي يقاسيها الإنسان أو عن الفرح الذي ينبثق عن رؤيا الشاعر إذ ينفذ إلى عالم الغيب وراء المرئيات وعن دهشته وتعجبه وافتتانه إذ ينتظر إليه، فليس شعرًا) (^٣).
أمَّا أدونيس الذي جعل الحديث من الماضي والغيبيات من ظواهر الخلل الفكري عند العرب (^٤)، والذي جعل الإيمان الغيبي سببًا لعرقلة الوعي (^٥)، والذي وصف الشاعر الثوري بأنه لا يُمكن أن يكون ثوريًا إلّا برفضه لقيم السماء وتعلقه بقيم الأرض (^٦)، يقرر مع هذا كله -في تناقض صارخ-: (أن الميتافيزيقية هي الخاصية الرئيسية في نتاجها الشعري الحديث [يقصد مجلة "شعر"] فالكائن العربي المعاصر هو، في شعرنا كائن ميتافيزيقي، يغوص إلى عمق الأعماق ويتضامن مع الآخر، ويحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل بين سيزيف والمسيح، بين اليأس ويقين الأمل) (^٧).
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ٥١ والقول لمطاع صفدي.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٢٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٦ - ٦٧ ونقل القول عن ماجد فخري.
(٤) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٠٣.
(٥) انظر: المصدر السابق ٣/ ٢٢٧.
(٦) انظر: زمن الشعر: ص ١٠٨.
(٧) مجلة شعر عدد ١٦ خريف ١٩٦٠ م: ص ٢٥٠.
[ ٣ / ١٦١٣ ]
نعم قد يبدو هذا متناقضًا مع الأقوال السابقة، ولكن إذا نظرنا إلى الخيط الغيبي الذي يريد أن يصل به الميتافيزيقية الحداثية وجدناه يصل إلى اليونان والنصارى، وهذا المقصد يتفق مع المشروع الحداثي في محاربة الإسلام، سواء جاءت هذه المحاربة تحت راية المادية الإلحادية، أو تحت راية الوثنية اليونانية، أو تحت راية النصرانية أو النصيرية، فالهدف واحد.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه زعماء العلمنة والحداثة العرب أن الإنجاز ما عاد يقاس بالإنسجام مع مفاهيم غيبية بل بالعقلانية والقيم الجديدة المستبدلة فكرة البشرية بفكرة الألوهية (^١)، في الوقت ذاته يجعلون الحداثة دينًا وغيبًا "ميتافيزيقيا" ويؤلهونها ويعبدونها.
يقول أحدهم: (الشعر هو الميتافيزيقيا وهو الأسطورة) (^٢)، ويؤكد أن (اعتبار الشعر أسطورة أو ميتافيزيقيا تغلغل في المفاهيم النقدية بتأثير الترجمات المتتابعة لكتب الأساطير والأبحاث المتعلقة بها، مثل كتاب أدونيس لجيمس فريزر عام ١٩٥٧ م الذي يقول مترجمه جبرا إبراهيم جبرا أنه كان ذا "أثر عميق في الإبداع الأدبي في أوروبا بما هيأه للشعراء والكتاب من ثورة رمزية وأسطورية نرجو أن يقبل عليها أدباؤنا أيضًا لإغناء أدبنا الحديث" ثم توالت الكتب المترجمة بعد ذلك مثل كتاب "ما قبل الفلسفة" و"الغصن الذهبي" ونشرت عدة دراسات تعارض أو تعزز هذا الاتجاه، ووصل الأمر بدعاة "أسطرة" الشعر إلى القول بأن الشعر، ما هو إلا الميتافيزياء. . .) (^٣).
ويصف باروت الأسس التي رست سفينة الحداثة في موانئها العديدة المختلفة، وليس من بينها مطلقًا أي ميناء إسلامي فيقول شارحًا أسس الرؤية الحداثية (^٤):
_________________
(١) هذا القول لهشام شرابي في قضايا وشهادات ٢/ ١٨.
(٢) بحثًا عن الحداثة: ص ٨٦.
(٣) المصدر السابق: ص ١٠١.
(٤) من خلال دراسته لديوان "أغاني القبة" لخير الدين الإسلامي.
[ ٣ / ١٦١٤ ]
(١ - تشويش الوعي، ضمن المنظور الصوفي لعالم الداخل، والذي هو بالدرجة الأولى منظور كشفي، فالشعر لديه هو ما تلتقطه "عدسة الغيبوبة" في اكتشافها واستقصائها لـ "ساحة ما وراء الطبيعة" وهو ما "يفيض له اللاشعور المستعر ويخنس الوعي". . .
٢ - الربط بين مفهوم "الرؤيا" الشعرية "اللاشعورية" إلى الحد الذي يترادفان فيه، ويصبح فيهما الشعر حالة من "السكر" و"الإشراق" تعطي الأولوية للبحث الميتافيزيقي عن المطلق) (^١).
وهذا النص يعيدنا إلى ما سبق ذكره في الفصل الرابع من الباب الأول من تأثر الحداثة بالفرق المنتسبة إلى الإسلام مثل الفرق الشيعية، الرافضة، والباطنية بفرقها العديدة، والصوفية الفلسفية، التي يعتبر تراثها -المدنس بالشركيات والخرافات- معينًا لشعراء الحداثة، بجامع المجانسة بين كلا الاتجاهين في الإيمان بغيبيات ضالة خرافية وجحد الغيبيات التي ثبتت بالوحي الصحيح.
وهذا جانب آخر من جوانب الغيبيات الحداثية، يضاف إلى الجوانب السالفة الذكر.
وفي الكتاب الذي قرر فيه أدونيس أن الإيمان بالغيب ظلام ورجعية ووسبب لعرقلة الوعي (^٢)، يقرر فيه أيضًا أن الحداثي يكشف الغيب ويعلم به، ويشبهه بالأنبياء شرفهم اللَّه وأعزهم عن هذا التدنيس، كل ذلك تحت عبارات مموهة خادعة هي "الرؤيا" و"الرؤيا الإشراقية" و"الحلم" و"الكشف" و"الخيال" والتي تصب كلها في أن الشاعر الحداثي يعلم الغيب ويتجاوز حدود المحسوس والمعقول إلى آفاق يتحد فيها مع الحقيقة بالكشف الصوفي والاتحاد الصوفي، والاستبطان الصوفي، ولم يقل الباطني، مع أن العقيدة الباطنية أقرب إلى هذه المفاهيم من عقائد فلاسفة التصوف الذين شاركوا الباطنية في مفاهيمهم الضالة هذه.
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٢) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ٢٧٥، ٢٧٧.
[ ٣ / ١٦١٥ ]
يقول أدونيس بعد أن وصف جبران خليل جبران بالنبوة وفصل حيثيات هذا النعت بأنها نبوة مفرغة من دلالتها الإلهية، وأن جبران بموقفه النبوي -حسب تعبير أدونيس- وبطموحه النبوي صار (يرى الخفي المحجوب ويلبي نداءه، ويسمع أسرار الغيب، ويعلنها، والمعلوم عنده ليس إلّا مطية إلى المجهول) (^١).
بعد هذه الأوصاف يتحدث أدونيس قائلًا: (يصح في هذا الضوء، أن نسمي جبران كاتبًا رؤيويًا، والرؤيا في دلالتها الأصلية، وسيلة الكشف عن الغيب، أو هي العلم بالغيب، ولا تحدث الرؤيا إلّا في حالة انفصال عن عالم المحسوسات. . . وتتفاوت الرؤيا عمقًا وشمولًا، بتفاوت الرائين، فمنهم ممن يكون في الدرجة العالية من السمو، من يرى الشيء على حقيقته، ومنهم من يراه ملتبسًا، وذلك بحسب استعداده، وأحيانًا يرى الرائي في حلمه، وأحيانًا يرى في قلبه وبقدر ما يكون الرائي بقلبه مستعدًا لاختراق عالم الحس أو حجاب الحس تكون رؤياه صادقة. . . فالرؤيا إذن نوع من الاتحاد بالغيب بخلق صورة جديدة للعالم، أو بخلق العالم من جديد. . . والرؤيا إذن تعني ببكارة العالم، ويعني الرائي بأن يظل العالم له جديدًا، كأنه يخلق ابتداء، باستمرار.
ومن هنا ضيقه بالعالم المحسوس لأنه عالم الكثافة، أي عالم الرتابة والعادة، وانشغاله بعالم الغيب الذي هو مكان التجدد المستمر، من حيث أنه احتمال دائم.
ومن هنا كذلك يرفض الرائي عالم المنطق والعقل، فالرؤيا لا تجيء وفقًا لمقولة السبب والنتيجة، وإنّما تجئ بلا سبب في شكل خاطف مفاجيء، أو تجيء إشراقًا.
والرؤيا إذن كشف، إنها ضربة تزيح كل حاجز، أو هي نظرة تخترق الواقع إلى ما وراءه. . .
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١٦٥ وقد أسند في الهامش الأقوال إلى مواضعها من كتب جبران.
[ ٣ / ١٦١٦ ]
والرؤيا هنا تتجاوز الزمان والمكان، أعني أن الرائي تتجلى له أشياء الغيب خارج الترتيب أو التسلسل الزماني وخارج المكان المحدود وامتداده. . .
والرؤيا إذن إبداع، ويُمكن تعريف المبدع، على صعيد الرؤيا، بأنه من يبدع في نفسه صورة خيالية أو مثالًا، ويبرزه إلى الوجود الخارجي" وكل شخص لا ينطلق من هذا الإبداع في نفسه لا يسمى مبدعًا. . .) (^١).
أدونيس هنا يقر بعالم الغيب ويؤكده بل ويجعله مجال الإبداع وأفق الرؤيا، وهناك -في الكتاب نفسه- ينفي الغيبيات ويجحدها ويجعل الإيمان بها من علائم التخلف، لماذا؟.
الغيبيات التي يسعى أدونيس -وسائر الحداثيين- في اطراحها هي الغيبيات التي أثبتها الإسلام وجاء بخبرها القرآن وصحيح السنة، والغيبيات التي يثبتها هنا هي غيبيات الحداثة من الوثنيات والأساطير اليونانية، حتى السوريالية، ومن غيبيات داروين وماركس وفرويد، حتى غيبيات الباطنية والصوفية، المهم في ذلك كله ألا تكون هذه الغيبيات مما جاء به الإسلام، فهل من إباء في نفوس المسلمين يبعث حمية الإسلام في قلوب تحب اللَّه ورسوله ودينه، فتدفع غائلة هذا الجور الحداثي والظلم الإلحادي الذي انفسحت له صدور المنتديات والملاحق الأدبية والمكتبات:
(إذا المرءُ لم يدفع يد الجور إن سطت … عليه فلا يأسف إذا ضاع مجده
وأقتل داء رؤية المرء ظالمًا … يسيء ويتلى في المحافل حمده
علام يعيش المرء في الدهر خاملًا؟ … أيفرح في الدنيا بيوم يعده؟
يرى الضيم يغشاه فيلتذ وقعه … كذي جرب يلتذ بالحك جلده) (^٢)
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٦٦ - ١٦٨.
(٢) ديوان محمود سامي البارودي ١/ ١١٦.
[ ٣ / ١٦١٧ ]
ومن نوافذ أدونيس على الغيب -غير ما سبق ذكره- قوله:
(فينيق خل بصري عليك، خل بصري
ألمح خلال نارك الغيب الذي يختبيء - الذي
يلف جرحنا
وألمح الركام والرمال والدجى
واللَّه في قماطه، اللَّه الذي تلبسه إيامنا
حرائقًا غصصًا وجدُرا
تلبسه ولا ترى) (^١).
هذا هو التجديد الحداثي!!، وهذه هي الغيبيات التي يرى من خلالها أهل الحداثة!!، تقديس لفينيق في مقابل الاستخفاف باللَّه -جلَّ وعلا-، إعلاء لشأن الأوثان، وتهوين لجلال الرحمن -﷿- إعادة بنيان الوثنية المندثر، ومهاولة لهدم بنيان التوحيد، وتقويض دعائم ملة الإسلام، هذا ملخص مراد الحداثة والحداثيين، وفي النص الأدونيسي السابق وما قبله خير برهان على هذا، ولكن الإمعات لا يفقهون!!.
ويشرح أدونيس خطته الحداثية التي تبدأ من بيارق الرفض -وكل باطني رافضي- وتنزل إلى معركة يحارب فيها القمر والهلال رمز المسلمين، ويقاتل الدين الذي يصفه بأنه عنقاء خرافية، عنقاء مشعوذة، وينحني لصداقة البرق والرعد: الحداثة والغرب وفروعها، ثم يجعل العقرب -شبيهه في الفسق والأذى- وطنًا، ويصبغ هذا الوطن بالحلم الغيبي الوثني الحداثي، مجد يكتبه الكاهن سطيح والرخ الطائر الخرافي، فيقول:
(تحت بيارق الرفض أسرج كلماتي - في مخضون وجهي
عرس آخر والأرض بين يدي امرأة
أحارب لحمي الممزق، انحنى لصداقة البرق، وبالرعد
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٦٨.
[ ٣ / ١٦١٨ ]
أمسح جراحي
قاتل القمر أنا، قاتل العنقاء المشعوذة، أركب صهوة
السمندل واتنشق الجمر
العقرب يرتسم وطنًا، الضفدع يلبس قناع التاريخ، المجد
يكتبه سطيح والرخ - لكن صراخي سيبقى: آه يا قفا العالم
آه يا عذوبة الأشياء المنكرة) (^١).
ولا يستنكف أدونيس من وصف نفسه وكلامه بالغيبي، فقد لقن أتباعه ما يكفي لنفي الغيب الحقيقي، ولينشيء لنفسه عالمًا من الهالات الغيبية لتتبعه العقول الغبية (^٢)، يقول:
(وأنا الصاعق الحدود، أنا الرحم الأولية
ويقولون: هذا غموض
ويقولون: غيب
غيبي كلماتي
غيبي خطواتي
واجمحي وخذيني
أيها الشهوة الملكية) (^٣).
وبعد هذا الاستعلاء الزعامي الإبليسي تسمع هتاف المصفقين من الأتباع المخذولين، وترى مكاءهم التبجيلي على صفحات الملاحق الثقافية وفي المنتديات:
(مثلما تخبط الرياح الرياح … ادبروا، اقبلوا، أصاحوا، وصاحوا
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢٣٣.
(٢) انظر إثبات ذلك وتوكيده في كلام كاظم جهاد في كتابه أدونيس منتحلًا: ص ١٢ - ١٣، ٢٢.
(٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١.
[ ٣ / ١٦١٩ ]
مثلما تكمن الأفاعي تخفّوا … وكما تحرق المحاطيب لاحوا
وكما يبرد النحاس ويحمي … أشهروا، أغمدوا، أغذوا، أراحوا) (^١)
ومع أن فحيح الحداثة لا ينقطع في كتابات أدونيس إلّا أنه يمزجه بفحيح آخر مستجلب من الأصقاع الباطنية، بل إنه لا ينفك يردد مضامين باطنيته في كل فرصة تتاح له، ومن أمثلته قوله:
(وقال القرمطي:
الجسد صورة الغيب
وحمل الأرض في كتفي ناقة وأعلن
أنا الداعية والحجة) (^٢).
ثم يعقب على هذا مباشرة بخطاب يوجهه للقرمطي يدعوه أن يستغويه!! ليتوافقا ويتناصرا، وصولًا إلى الإباحية:
(استغونا أيها السيد استدرجنا
قل لنا من كذب ومخرق
مَن البلية
من خدع الجسد بنواميسه؟
استغونا استدرجنا
نتوافق نتناصر
ننصب الدعوة
وندخل في تميمة الإباحة) (^٣).
_________________
(١) كائنات الشوق الآخر لعبد اللَّه البردوني: ص ٢٣.
(٢) و(^٣) المصدر السابق ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥.
[ ٣ / ١٦٢٠ ]
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (^١)، هنا ندرك مظاهر التآمر الآثم، والخبث المتراكم والهدم المتعمد، والتوجه القاصد نحو كل دسيسة نجسة.
وقد تبحر أدونيس في ظلمات الغيبيات الوثنية والمادية والباطنية، ولم يقتصر على ذلك بل امتد إلى غيبيات ثابتة في أصلها، جاء الخبر عنها في الوحي المعصوم في الكتاب والسنة مثل: الشيطان والجن والسحر والكهانة والعرافة وأشباهها، غير أنه تحدث عنها بأسلوبه الحداثي الباطني، حيث سخرها في رمزية أسطورية لتحقيق مآرب حداثية، ومقاصد باطنية، فمن ذلك وصف نفسه ومن على منواله ومنهجه بالساحر والكاهن والعراف الشيطان؛ لأن هؤلاء -في تصوره- أصحاب قدرات غيبية خارقة وأفعال باهرة، ومناقضة واضحة للدين، فهو يضعهم في منصب الأسوة، ويجعلهم نماذج للاقتداء!!.
انظر إلى قرناء المرء تعرفه … بهم وإن أنت لم تكشفه عن خبر (^٢).
يقول أدونيس عن "العهد الجديد" عهد الحداثة:
(يجهل إن يتكلم هذا الكلام
يجهل صوت البراري
إنه كاهن حجري النعاس
إنه مثقل باللغات البعيدة
هوذا يتقدم تحت الركام
في مناخ الحروف الجديدة) (^٣).
ويتواصل مع صنوه الشيطان تواصلًا حقيقيًا، فمرة يعد نفسه يرى كل
_________________
(١) الآية ١١٨ من سورة آل عمران.
(٢) ليزيد بن معاوية كما في مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي: ص ٤١٩.
(٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٦٤.
[ ٣ / ١٦٢١ ]
شيء من الخطوة الأولى على وفق دعواه الإلحادية بنبوة الشاعر الحداثي، ولكنه يحيل قدرته المزعومة هذه إلى كونه غنّى في عرس الشيطان وحضر وليمة الخرافة، وقد صدق وهو كذوب فإنه تلقى عن الشيطان وشرب من رجسه، وحضر ولائم خرافاته ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (^١).
يقول أدونيس:
(قلت لكم أصغيت للبحار
تقرأ لي أشعارها، أصغيت
للجرس النائم في المحار
قلت لكم غنيت
في عرس الشيطان في وليمة الخرافة
قلت لكم رأيت
في مطر التاريخ، في توهج المسافة
جنية وبيت
وأنني أبحر في عينيّ
قلت لكم رأيت كل شيّ
في الخطوة الأولى من المسافة) (^٢).
أي أنه يرى الغيب ويكشف المغيبات، ويرى ما لا يُرى، ويعرف كل شيء، ويتوقع ما يُمكن أن يحدث، وهي دعاوى دأب أدونيس على تكرارها ليطبع في أذهان اتباعه القدرة الخارقة له فتذعن له عقولهم وقلوبهم، وهذا ما حصل فعلًا!!.
_________________
(١) الآية ٣٦ من سورة الزخرف.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٠٩.
[ ٣ / ١٦٢٢ ]
وفي موضع آخر يدعو قرينه الشيطان قائلًا:
(أيها الشيطان يا مركبتي فوق النجوم. . .
أهجرُ الأحلام في أهدابك المرتجفة
وابْقَ في حنجرتي
أيها الشيطان يا مركبتي تحت النجوم) (^١).
ولا يكتفي بشيطان واحد يقترن به بل يخترع شياطين أخرى ويدخل معهم في سياق، وهم أتباعه وأشباهه من الحداثيين، يقور: (أبتكر ماءً لا يرويني، كالهواء أنا ولا شرائع لي - أخلق مناخًا تتقاطع فيه الجحيم والجنة، أخترع شياطين أخرى وأدخل معها في سباق وفي رهان) (^٢).
وفي حوار أجراه بين امرأة ورجل، ويريد نفسه بذلك، جعل نفسه من سلالة الشيطان، وهذه حقيقة من جهة عقيدته وأفكاره، وفي قوله هذا تمجيد للشيطان، وإجلال وتعظيم، وقد أوضحت آنفًا مراده بهذا، يقول أدونيس على لسان المرأة التي تسأل:
(- من أنتَ؟
- بهلول بلا مكان
من حجر الفضاء من سلالة الشيطان) (^٣).
وهكذا -بعيدًا عن أي التباس أو توضيح- يرسم أدونيس لنفسه وللحداثيين شجرة النسب غير الزكية، ويوضح موقعهم من هذه الشجرة: إنهم من سلالة الشيطان.
وهو إذ يكشف هذه الحقيقة لا يزيد القضية إلّا تأكيدًا فمن اطلع على
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٤٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٠٥ تحت عنوان "مزمور" وكان يعتبرها كلامًا نثريًا ثم بدا له أن يعتبر شعرًا وقرر ذلك في عام ١٩٦٥ م كما ذكر ذلك في ١/ ٦.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٧.
[ ٣ / ١٦٢٣ ]
قليل من كتاباتهم علم أنهم ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ (^١).
وأيقن أنهم قد أزتهم الشياطين وأخذت بأعناقهم في مستنقعات الزيف والضلال والعمالة ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ (^٢)، فهاهم باعترافهم الكامل ينتسبون إلى الشيطان بكل اعتزاز، لا جرم أن لهم هذه النسبة بأوسع معانيها ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ (^٣).
وليس هذا الانتساب للشيطان والتمجيد له مما اختص به أدونيس بل غيره على منواله، ومن ذلك قول أنسي الحاج: (أفضل ما في الشيطان أنه على عكس أهل التعصب لا يدعي امتلاك الحقيقة) (^٤).
ولا ريب أنه أخذ خبث الشيطان وقذارته، إلى الحد الذي جعل أدونيس يخاطبه قائلًا: (أحييك يا أنسي، أيتها القصيدة المارقة، أيها الشيطان الأصغر يا صديقي يا أخي) (^٥) في رسالة يؤكد فيها أدونيس أوصافًا شيطانية لا تليق إلّا بهم منها قوله: (نحن هداميون، وكل منا قائد اللوعة والرماد، كل منا الهلع والضرب، الوجود حد لنا، وجودكم كريه، كريه عدو، لن نتقبله لن نصادقه. . . هكذا نعلن أنفسنا غواة وخائنين، الهاوية تأتي معنا، نعرف ذلك، سنعمقها، سنوسعها، سنصنع لها أجنحة من الريح والضوء) (^٦).
لو وصف إبليس نفسه وأعماله وطموحاته التخريبية بوصف ما أخاله
_________________
(١) الآية ١٩ من سورة المجادلة.
(٢) الآية ٨٣ من سورة مريم.
(٣) الآيات ٢٢١ - ٢٢٣ من سورة الشعراء.
(٤) خواتم: ص ٦٥.
(٥) زمن الشعر: ص ٢٣١.
(٦) المصدر السابق: ص ٢٢٧.
[ ٣ / ١٦٢٤ ]
يزيد على هذه الأوصاف ولو تتبعنا وصف اللَّه تعالى لخطوات الشيطان لوجدنا أكثرها في هذا الوصف الذي أطلقه أدونيس على نفسه وصاحبه وسائر أتباع مذهبه.
ومن الانتساب للشيطان قول توفيق زياد:
(ألف شيطان يغني، في فؤادي ويهني
إنها فرحة عمري. . فرحة أكبر مني
من أزاميلي وأحلامي وما يصنع فني) (^١).
فهذا شهد على نفسه، وصدق، وهو الماركسي الكذوب، أن الشياطين في فؤاده تغني، ولكن العجيب في أمرهم أنهم يفرحون ويفتخرون بذلك "فرح الجعل بدحروجته".
(وإذا الفاحش لاقى فاحشًا … فهناكم وافق الشن الطبق) (^٢)
ولذلك تجد الثناء على الشيطان وعلى مواقفه!! وخاصة في معصية للَّه ومعارضته لأمره، ويعتبرونه بهذا الموقف رمزًا لهم في الرفض والتجاوز، والإثم والعصيان والمخالفة للسائد، والرد على اللَّه تعالى، والمناؤة لشريعته والتكذيب لخبره، وفي ذلك يقول أمل دنقل:
(المجد للشيطان. . معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال "لا" فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم) (^٣).
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ١٦٣.
(٢) لمسكين الدارمي. انظر: مجمع الحكم والأمثال: ص ٣٩٩.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص ١١٠.
[ ٣ / ١٦٢٥ ]
وكذب الحداثيون وصدق اللَّه ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (^١).
وفي مواضع أخرى يصف أدونيس نفسه بأنه عزاف، ويمارس العرافة، وهي صورة مكررة لوصفه نفسه بالكهانة، يقول أدونيس:
(وانشق الرغيف كأنه أفق النبي
وأنا العرافة
ودخلت في لهب المسافة
أتزوج النار البعيدة فيّ، اقتلع الزمن
كالعشب) (^٢).
ويقول:
(وأنا اليوم نكهة كوكبية
أتمرأى، وأصهر الدهر مرآة انخطاف لوجهي العراف
للنهار المسنون كالقلب، للفتح
لسحر الأبعاد والأطراف) (^٣).
ويقول في المقطوعة نفسها:
(فأنا عاشق غريب تيممتها، والعرافة
كوكبي، يا بريد المسافة
_________________
(١) الآية ٥٠ من سورة الكهف.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ١٣٠.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٩٦.
[ ٣ / ١٦٢٦ ]
رافقتني الرياح وأحجارها النبوية) (^١).
وفي ميدان الكهانة والعرافة يركض إلى السحر والجن راسمًا لنفسه هالات من القدرة على اكتناه الغيب -مع أنه ينكر الغيب- ولكنها طقوس الحداثة ولوازم الترؤس على الأتباع الأغمار حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام.
يقول أدونيس:
(ساحر أنا واسمها البخور والجرن
ساحر أنا وهي مجاميري وهيكلي في بدايات الجمر
أتطاول في كثافة الدخان
راسمًا إشارات السحر
ساحرا جرحها) (^٢).
ويقول عن مهيار، وهو الرمز الباطني والقناع الذي يختفي خلفه أدونيس:
(مهيار
جسر إلى الهبوط حتى السحر والشقاء
في الجسد الأرض أو في جسد السماء
جسدي هنا، جسدي هنا لك ساحر
صوت يئن بلا صدى
يرتاد يفتح المدى
هو والمدى) (^٣).
وفي المقطع نفسه يقول قبل النص السابق:
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٢٩.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢١١ - ٢١٢.
[ ٣ / ١٦٢٧ ]
(كنت أغامر في الغابات
أركض خلف الجنيات
أحلم أن الجنيات
خبز) (^١).
ولا ينسى أن يستدعي عقيدته الشيعية في قضية السحر، فيتحدث عن كتاب "الجفر" (^٢) كتاب السحر المزعوم الذي ينسبه الشيعة إلى بعض أئمتهم!!، يقول أدونيس:
(وجهي صخب طائر تقاسمه الصوت اسأليني أجب
تكلم جفر رصدتني خيوله انطفاء الهمس. . .) (^٣).
وفي هذا الاتجاه خاض البياتي كثيرًا، خاصة في قضية السحر والساحر، مع كونه يعتقد الماركسية ويدين بدين الشيوعية المادية، إلّا أنه يردد هذه الغيبيات على المنوال الذي سبق ذكره عند أدونيس يقول البياتي عن الشاعر الحداثي:
(يرتدي الشاعر ثوب الساحر الميت يخفى وجهه تحت القناع
ويعاني في حضور الكلمات
وحشة النبذ بأرض النوم والسحر وآلام المخاض
حبه أعمى وشحاذ لنور الكائنات
يتبع الشمس التي مدت وراء القبر للموتى ذراع
وعلى أرصفة الليل يغني الساحرات) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٠٩.
(٢) تنسب الشيعة كتاب الجفر زورًا إلى جعفر الصادق -رحمه اللَّه تعالى-.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٨١.
(٤) ديوان البياتي ٢/ ٢٠١.
[ ٣ / ١٦٢٨ ]
وفي آخر هذه التهويمة الكهنوتية التي يحاول أن يصف فيها شعراء الحداثة بالتقدم واستشراف الغيب، يتحدث عن الأمة وتاريخها فيقول:
(وأنا منتظر وحدي، هنا، من ألف عام
دون أن يفتح باب في الظلام) (^١).
وفي مقطوعة أخرى يجعل "وضاح اليمن" (^٢) قناعًا للشاعر الحداثي فيقول عنه:
(يصعد من مدائن السحر من كهوفها وضاح
متوجًا بقمر الموت ونار نيزك يسقط في الصحراء
تحمله إلى الشآم عندليبًا برتقاليًا مع القوافل السعلاة
وريشة حمراء
ينفخها الساحر في الهواء
يكتب فيها رقية لسيدات مدن الرياح) (^٣).
هنا يقر بالسحر وبالسعالي، وإن اتخذها رمزًا لغرض مّا، وفي موضع آخر من كتبه يفتخر بأنه قد ضمر عنده الباعث الميتافيزيقي ونما الواقع الاجتماعي والسياسي (^٤)، أي الشيوعي الماركسي، ويريد بالباعث الميتافيزيقي، الباعث الغيبي عمومًا والدين الإسلامي على وجه الخصوص، ودليل ذلك ما قرره قبل هذا الكلام من أن الكتب الدينية ليست سوى فخ كبير نصب للبشر ليقعوا فيه (^٥).
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٢٠١.
(٢) وضاح اليمن هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال، من خولان من حمير، شاعر جميل الطلعة كان يتقنع في المواسم، يقال: إنه قدم الحج فرأى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوج الوليد فتغزل بها فقتله الوليد في نحو عام ٩٠ هـ. انظر: الأعلام ٣/ ٢٩٩.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ٢٤٣.
(٤) انظر: تجربتي الشعرية: ص ٢٧.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٩.
[ ٣ / ١٦٢٩ ]
وفي مرثية قالها في "اخناتون" الرمز الفرعوني يحشد البياتي عبارات التبجيل والاحتفال.
ويسوق أخبار السحر وشعائره، والسحرة وأعمالهم، ويسهب في ذكر قدراتهم الخارقة وأفعالهم المبهرة - حسب ما يصوره له جهله وضلاله (^١) على النمط الذي سبق شرحه في تأثرهم بالأساطير واهتمامهم بها.
وإن كان البياتي يؤمن بالطبيعة ربًا على وفق عقيدته الماركسية إلّا أنه يرى أن ساحرًا آشوريًا أحيا جسد ربته الطبيعة:
(وكان ضوء القمر الأحمر في آشور
يصبغ وجهي ويدي ويغمر الضريح
فدبت الحمرة في خدي ودب الدم في العروق
بكلمات سحره الأسود أحيا جسد الطبيعة الميت والجذور
وفجر السحاب والبروق
فأرعدت وأبرقت وأمطرت سماء ليل العالم الزهور) (^٢).
ويقول عن عشتار التي طالما أعلن عن طاعته وعبوديته لها:
(حبي أغنية كتبتها ساحرة فوق معابد عشتار) (^٣).
وينتسب إلى الإغريق وينتمي إليهم تعلمًا، وإلى السحرة والمنجمين والحلاج وحركته الزنج انتسابًا، من خلال مدحه أو رثائه -لا فرق- لأستاذه وقرينه في العقيدة "بابلو نيرودا" (^٤) قدوة الحداثيين العرب، ومهبط مدائحهم وبكائياتهم!!.
_________________
(١) انظر: ديوان البياتي ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٩٣، ٢٩٥، ٣١٣، ٣٢٤، ٣٣٧.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٧٣.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٩٤.
(٤) نيرودا - بابلو، شاعر ماركسي من شيلي، ولد عام ١٩٠٤ م، وتوفي عام ١٩٧٣ م، تقلب في أعمال سياسية رسمية في بلاده تحت لائحة الحزب الشيوعي، حصل على =
[ ٣ / ١٦٣٠ ]
يقول البياتي:
(قاتلت مع الإغريق في مجاهل الشرق
دفعت وأنا أمارس السحر أسيرًا
فتعلمت من الأنهار كيف حمل النار إلى زماننا هذا
وأصطاد لك الفراشة - الوعل - الغزال - القمر
المنجمون احتشدوا في مدن الطفولة
الحلاج كان بقميص الدم مصلوبًا
وكان قائد "الزنج" على الفرات ينهي لعبة الخليفة) (^١).
أمَّا الكهانة والعرافة والتنجيم فإن لرواجها في سوق الحداثيين عدة أسباب من أهمها أن طلائع هذا الاتجاه كالسياب والبياتي حملوا على عواتق شعرهم هذه المضامين ورسخوها وسنّوها سنة سيئة عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وأنهم أرادوا تقليد الغربيين في عودتهم إلى الجذور الوثنية اليونانية والغيبيات الإغريقية.
وللبياتي مقطوعة بعنوان "الكاهنة" مترعة بالمعاني الخرافية وأهمها أنه جعل فكرته الحداثية بمثابة الكاهنة ولكنها تحت شفتيه، وقد صدق في هذا، إذ بين الحداثيين والكهان قواسم مشتركة عديدة منها الكفر باللَّه تعالى والكذب وخبث الطوية وسوء الفعال ونتن الخصال، يقول البياتي عن فكرته:
(وأنت تحت شفتي كاهنة تبوح بالأسرار) (^٢).
ولا ينسى أن يذكر العرافة وأقوالها وأفعالها وهو المادي الذي لا يؤمن
_________________
(١) = جائزة ستالين للسلام عام ١٩٥٠ م، وجائزة نوبل للآداب عام ١٩٧١ م، يردد الحداثيون العرب وخاصة اليساريون منهم اسمه، بهيام وتقديس. انظر: موسوعة السياسة ٦/ ٦٤٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٤٩.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٢١.
[ ٣ / ١٦٣١ ]
بما وراء المادة، ويذكرها أيضًا في سياق احتفاله بذكر صنوه الشيوعي "غيفارا" (^١) فيا لها من مفارقة غريبة (^٢)!!، ومثلها حديثه عن قارئة الكف (^٣) وعن المنجمين (^٤).
ولا يشعر الحداثيون بأي حرج عقلي أو ثقافي في عدم التطابق بين مذاهبهم المادية التي تؤكد على الإلتزام بالمحسوس، والكفر بما وراء الحس مع إيمانهم -في الوقت ذاته- بغيبيات.
وليس هذا هو التناقض الوحيد في هذه الملة المليئة بالضلالات والخرافات والتناقضات.
لقد قرروا إدانة العقل والوعي (^٥)، واعتبار هذه الإدانة أصلًا من أصولهم.
يقول إحسان عباس: (. . . ارتباط جانب من هذا الشعر بالرفض المطلق فيه تحد للعلم والعقل والنظام. . .) (^٦).
ويقول ناقد حداثي آخر: (إن البلبلة والتشوش سمة مميزة للحداثة التي تريد أن تنطوي على وجود بدون وجود، وعلى نص بدون نص، وعلى سؤال بدون سؤال. . .
فالحداثة هي اللاذات، اللاأساس، اللاقول، اللاذاكرة حيث بالإمكان تمديد هذه المتوالية من اللاءات إلى ما لا نهاية: اللامنطق، اللاعقل، اللاحداثة، وبذلك فإن الكتابة "الحداثية" تغدو ممكن قول أي شيء. . . إذا كان للضرورة من معنى في هذا السياق "الحداثي" هي حرية التحرر
_________________
(١) سبقت ترجمته: ص ٨١٤.
(٢) انظر: ديوان البياتي ٢/ ٣١٩.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢/ ٣٤٦.
(٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٣٤٨.
(٥) انظر: الحداثة الأولى: ص ٢٣٧.
(٦) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٥٨.
[ ٣ / ١٦٣٢ ]
من العقل) (^١).
لا أريد هنا أن أذكر كل ما لدي من أقوالهم التي من هذا القبيل، فهي كئيرة، ولكن المراد بيان بعض جوانب الإجابة على السؤال: كيف يؤمن الحداثيون بغيبيات مّا، وهم ماديون يجحدون ما وراء الطبيعة وما خلف الحس؟.
هذا سعدي يوسف الشيوعي العراقي يتخذ اسمًا لنفسه "الأخضر بن يوسف" (^٢)، ويسهب في الحديث عنه وتلقى الحديث منه، فيفسر إحسان عباس ذلك بأنه (تعبير دقيق عما يسميه بعض الدارسين "القرين" حيث يصور فيها انفصام القرين عن ذاته، مع المشاركة بينهما في المسكن وشرب القهوة والحليب والملابس، بل حتى في مرافقة محبوبة واحدة. . . وللمقارنة أقول: إن موضوع "القرين" هذا قد عالجه خليل حاوي من قبل في المقطع السادس من قصيدته ووجوه السندباد. . .) (^٣).
﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (^٤).
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ (^٥).
وهذا عبد الرحمن منيف البعثي العتيق، واللبرالي الجديد!! يملأ روايته مدن الملح بذكر الكهان والعرافين والمنجمين وقارئة الفنجان وقارئة الكف وفاتح الرمل ودعاء الجن وغير ذلك (^٦).
_________________
(١) قضايا وشهادات ٢ - صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢٩٢ من مقال للناقد الحداثي عبد الرزاق عيد بعنوان "الحداثة: عقدة الأفاعي".
(٢) انظر: ديوان سعدي يوسف: ص ١٠١، ١٦٥.
(٣) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ٦٠ - ٦١.
(٤) الآية ٣٨ من سورة النساء.
(٥) الآية ٢٥ من سورة فصلت.
(٦) انظر: مدن الملح ١/ ١٥٨، ٢/ ٣٠٠، ٣/ ١٠ - ١١، ١٤، ١٧، ٥/ ٥٣، ٨٣، ٨٤، ١١٠، ١١١، ١١٢، ١٢٤، ١٢٥، ١٢٨، ١٦٩، ١٧٠، ٢٣٤.
[ ٣ / ١٦٣٣ ]
أمَّا كتاب الصوفية والسوريالية للطاغوت الحداثي أدونيس فهو مليء بالغيبيات السوريالية والصوفية الباطنية، ولا يُمكن ذكر الشواهد منه، إذ الكتاب كله برمته شواهد على هذه القضية.
وقد رأينا فيما سبق أمثلة لغيبيات يقول بها ماركسيون عرب مثل سميح القاسم والبياتي، ولكن أعجب منهم في هذا الماركسي الفلسطيني "توفيق زياد" الذي رثى أحد زملائه الماركسيين (^١) بقوله:
(يا أيها الغافي على صدر الخلود) (^٢).
(وعلات مشنقة الطغاة بهامة
تستطلع الأسرار في الأبد الأبيد) (^٣).
أي خلود وأي أسرار وأي أبد عند شيوعي مادي ملحد؟.
أمَّا قصيدته المسماة "أمام ضريح لينين" فإنها تذكر بصوفي قبوري، أو بسادن وثني بوذي أو هندوكي، حيث يقول:
(أمامه وقفت خافض الجبين
ضريحك الذي يعيش في القلوب
يا لينين
أحسست أنني أنا المعذب الشقي
المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين
أملك كل شيء. . .
أمامه وقفت حابس الأنفاس
_________________
(١) هو يوسف سلمان القائد الشيوعي العراقي اليهودي المعروف باسم فهد، وقد سبقت ترجمته: ص ١٣٥٩.
(٢) ديوان توفيق زياد: ص ٧٩، ٨٠.
(٣) ديوان توفيق زياد: ص ٧٩، ٨٠.
[ ٣ / ١٦٣٤ ]
صوتك يحويني كما رج من نار
يصهرني
يصقلني
كالصليب كالألماس) (^١).
وهي إلى آخرها من هذا القبيل.
وبعد فهذه هي الحداثة في أوضح صور تناقضها، وهي بشهادة أحد كتابها (لا أفق سوى العدمية والاستلاب. . .) (^٢).
إذ إن أهم مميزاتها (تناقضاتها وثقتت رؤيتها لذاتها وللعالم. . .) (^٣).
(إنها وعي المتاهة إذ تغدو المتاهة هي الحقيقة الواقعية الوحيدة. . .) (^٤).
وهي الحداثة التي تحدث أنسي الحاج إلى أنها الاحتجاج المتمثل في صفاتها ومقوماتها ومميزاتها حيث يقول: (والحاجة اليوم أراها إلى كتابة تمزق حجابها بعدما تمزق وجدانها، إلى كتابة تقول: "المحرم والممنوع والمخيف والمهول والرائع والمدهش والمذهل والساحر والرهيب، ولو لعنت ورجمت واضطهد أصحابها حتى الموت. تقول البسيط والمرعب، القريب والأقصى، ضمن نظامها الخاص الذي هو حتمًا، مهما انحرفت، نظام الإغراء، أي الفتنة الإلهية.
الحاجة إلى كتابة العري، عري الذات والفكر والدخيلاء والحلم والكابوس، والنظر والبصيرة والشوق والاستيهام والنوايا، عري المنطق،
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣١ - ٣٢.
(٢) القائل هو عبد الرزاق عيد في قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٣) و(^٤) مجلة الناقد، العدد ١ تموز ١٩٨٨ م/ ١٤٠٨ هـ: ص ٧.
[ ٣ / ١٦٣٥ ]
عري الاقتناع، أي الشك، عري الإيمان، عري المحاكمة الذاتية والموضوعية، عري الخطايا عري الضعف والانحلال، عري الجنون، عري السقوط، عري الصلاة العارية، والهرطقة العارية والعربدة العارية) (^١).
هذه هي الحداثة في أوضح صورها، في حيوانيتها وإلحادها وانحطاطها، فالحمد للَّه الذي عافانا وكرمنا على كثير ممن خلق تفضيلًا.
• • •
_________________
(١) مجلة الناقد، العدد ١ تموز ١٩٨٨ م/ ١٤٠٨ هـ: ص ٧.
[ ٣ / ١٦٣٦ ]