إن الإيمان باللَّه -جَلَّ وَعَلَا- هو أساس العقيدة الإسلامية، وأصل كل الأصول وقاعدة كل صغير وكبير في هذا الدين القويم، وهو الركن الأول من أركان الإيمان الستة، ولا يكون الإنسان مسلمًا إلّا بإيمانه الخالص بهذا الركن ومقتضياته بحيث لا يخالطه في إيمانه شك ولا يمازحه ريب.
إن الإسلام جاء -ابتداءً- ليؤسس عقيدة توحيد اللَّه رب العالمين في مقابل عقائد الشرك والكفر والوثنية والإلحاد، فلا غرو أن تكون أول قضية من قضاياه هي قضية الإيمان باللَّه تعالى؛ وذلك لأن البشرية بعد انطماس معالم النبوات السابقة ارتكست في الجاهلية وانتكست مفاهيمها واختلطت عقائدها وأصابها الغبش والضلال والفساد والانحراف، وانجرفت في أودية الجهالات في معتقداتها وتصوراتها ومفاهيمها ومشاعرها وشعائرها، وتردت في عبوديات هابطة فاسدة من عبودية الأهواء البشرية، وعبودية الناس بعضهم لبعض متمثلة في الحكم والتشريع، وعبودية الأوثان والأعراف الجاهلية والأوضاع القبلية والعشائرية وغير ذلك.
فجاء دين الإسلام ليغير هذا الواقع المتردي الذي انحطت فيه البشرية وينشئ واقعًا آخر غير واقع الجاهلية الذي كانت تعيش فيه، أو الذي يمكن أن ترتد إليه البشرية في أي مرحلة من مراحلها؛ وذلك لأن الجاهلية ليست فترة تاريخية محدودة بزمن ما قبل بعثة النبي -ﷺ-، بل الجاهليّة نعت لأي وضع ينحرف عن دين اللَّه الذي ارتضاه، وحالة من حالات الحياة حينما تبتعد عن منهج اللَّه وشرع اللَّه في الاعتقاد أو في التشريع أو في الحكم أو في الفكر أو في الأدب، أو في أي نشاط من نشاط الإنسان.
[ ١ / ٨١ ]
ولما جاء الإسلام لتغيير واقع الجاهلية الفاسد المنحرف جاء في صفة نظام شامل متكامل، كلياته وأجزاؤه وأصوله وفروعه متلاحمة غير منفصلة، مترابطة غير منفصمة، فلا يمكن أن تفهم قضية من قضاياه الجزئية بمعزل عن أصولها العلمية الاعتقادية أو العملية التعبدية.
وسبب ذلك أن الإسلام في عقائده وشعائره وشرائعه وأخلاقه يندرج ضمن نظام واحد، أساسه الأول توحيد اللَّه -﷾- في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ثم ما يتفرع عن هذا الأساس العظيم من أصول وفروع وكليات وجزئيات.
وعندما أقول: إن الإسلام نظام واحد مترابط فإنه يجب أن يفهم بأن هذا النظام المتكامل له خصائص متميزة في مصدره وفي تلقيه وفي فهمه وفي تطبيقه وفي أحكامه وفي أخباره.
خصائص تقوم على البرهان والدليل والحجة، وتتوافق مع العقل السليم والفطرة القويمة، وتتجاوب مع حاجات البشرية أفرادًا وجماعات وأممًا، وهذا القول ليس مجرد ادعاء وعاطفة بل هو الحقيقة المؤيدة ببراهين العقل وحجج المنطق ونتاج الواقع المادي في شتى صنوفه التجريبية، حيث لا توجد حقيقة تجريبية ثابتة تعارض حقيقة علمية شرعية ولو اجتمع من في أقطارها لإثبات تعارض؛ وسبب هذا التأكيد الجازم، اليقين بأن خالق الحقيقة التجريبية هو منزل الحقيتة الشرعية، كما أن خالق العقل هو مصدر النقل؛ ولذلك لا يُمكن أن يحصل بين قطعياتهما تعارض مطلقًا، وإن توهم متوهم التعارض فإنّما هو في ذهنه وليس في حقيقة الأمر.
إن مجموعة الحقائق الاعتقادية الأساسية التي يجب أن يحتويها قلب المسلم هي أركان الإيمان الستة، وركن هذه الأركان وأساس هذه الأسس هو الركن الأول "الإيمان باللَّه تعالى" كما جاء في حديث جبريل -﵇- حين سأل النبي -ﷺ- ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان ١/ ٣٦، والترمذي في كتاب الإيمان، باب: ما جاء في وصف جبريل للنبي الإيمان والإسلام ٥/ ٦، وأبو داود في كتاب السنة، باب: في القدر ٥/ ٦٩.
[ ١ / ٨٢ ]
ثم كل ما يتفرع عن هذه الأركان العلمية الخبرية والأركان العملية التطبيقية كل ذلك يعود إلى هذا الأصل العظيم، ولا يُمكن فصله عنه بأية حال من الأحوال، إلّا إذا أمكن فصل فروع شجرة يرجى ثمرها أو ظلها عن جذورها، وما أظن أن هذه المسألة تحتاج إلى كثير بسط وبيان؛ لأنها من المسلمات الشرعية والعقلية، ولا يماري فيها مسلم ولا مرتد، فها هم أصحاب الردة الحداثية يسعون بكل قوتهم لهدم هذا الركن العظيم؛ لأنهم يوقنون أنه هو جذر الإسلام عقيدة وشريعة، فإذا تمكنوا من إزالته -وما هم بقادرين أبدًا- فإنه سوف يتحقق لهم إزالة كل قضايا الإسلام، وقد صرحوا بذلك وسوف يأتي ذكر ذلك في موضعه في فصول هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى.
غير أن القضية التي يُمكن أن تلتبس على بعض المصابين بمرض الشبهة من المصغين للمرتدين والكافرين والمنافقين، والمدمنين على قراءة نتاجهم؛ هي قضية أن الإسلام نظام للحياة البشرية يقوم على أساس تحكيم شريعة اللَّه تعالى وحدها في كل أوضاع الحياة وكل أعمال الإنسان، وأن هذا التحكيم هو مقتضى الإيمان باللَّه وشهادة أن لا إلَه إلّا اللَّه وأنه لا يُمكن بحال من الأحوال إخراج أي نشاط بشري عن هذا المدلول؛ وذلك لأن أول خصائص الألوهية هي حق تعبيد الناس لرب الناس وتطويعهم لشرائعه، وحق إقامة المعايير والنظم والمناهج وإلزام الناس بها، كما أنه من خصائص العبودية الالتزام بذلك في كل الأحوال والأوضاع.
وما تحاوله الجاهلية المعاصرة هو إبطال حق اللَّه تعالى في الهيمنة على أعمال الإنسان، وتأليه الإنسان ليضع النظم والمناهج والقيم والموازين من تلقاء هواه.
فها نحن نسمع ونرى من يجحد حق اللَّه تعالى في الحكم والنظام ومن يجحد حقه تعالى في الفكر والآداب ومن يجحد حقه في القيم والأخلاق، ونسمع ونرى من ينادي جهارًا بألوهية الإنسان وأحقيته المطلقة في وضع ما يناسبه من نظم ومعايير ومناهج وسلوكيات.
ولا ريب أن هذا مناقض تمام المناقضة للإيمان باللَّه ولشهادة أن لا إلَه إلّا اللَّه، وهي صورة مكررة للتناقض القائم بين الإسلام والجاهلية من عهد نوح -﵊- إلى عهد محمد -ﷺ- إلى زماننا هذا وإلى أن تقوم الساعة، وأساس تكرار هذه الصورة من التناقض بين التوحيد والوثنية والإسلام
[ ١ / ٨٣ ]
والجاهلية هو أن هناك تصوران أساسيان متناقضان عند البشرية في القديم والحديث في جميع أنحاء الأرض وفي جميع الأزمنة والأمكنة:
التصور الأول: يقوم على إقرار اللَّه بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات وينبني عليه قيام نظام للحياة يتجرد فيه البشر من خصائص الألوهية والربوبية ويفردون اللَّه وحده بها، ويذعنون له بالعبودية فيتلقون ما جاء عنه بالقبول والتسليم في الأمور الاعتقادية وفي القيم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية وفي المناهج والنظم والشرائع والقوانين التي تحكم الأحياء وأعمالهم والحياة وأرجاءها ولا يتلقون عن أحد سواه، وبذلك يشهدون أن لا إلَه إلّا اللَّه.
التصور الثاني: يقوم على رفض ألوهية اللَّه تعالى وربوبيته وجحد أسمائه وصفاته أو جحد مقتضياتها، وهذا الرفض والجحود إمّا بصورة كلية كما هو حال الملاحدة الذين ينكرون وجود اللَّه -﷾-، وإمّا بصورة أخرى تتمثل في رفض ألوهية اللَّه تعالى في شؤون الحياة أو في بعض شؤون الحياة، في نظام المجتمع مثلًا أو في شرائعه وقوانينه أو في خلقه وسلوكه أو في فكره وأدبه.
وهذا التصور -إضافة إلى رفضه ألوهية اللَّه- يدّعي أن لأحد من البشر فردًا أو جماعة هيئة أو فئة أو طبقة أن يزاول -من دون اللَّه أو مع اللَّه تعالى- خصائص الألوهية، سواء كانت دعواه بلسان المقال كما هو حال كثير منهم أو بلسان الحال عند من يغمغم ولا يفهم ويلوّح ولا يصرح، وبذلك لا يكون الناس الذين تقوم حياتهم على هذا التصور قد آمنوا باللَّه تعالى أو شهدوا أن لا إله إلّا اللَّه.
هذان التصوران المتناقضان لا يُمكن أن يلتقيان مطلقًا؛ لأن أحدهما هو التوحيد والإيمان والإسلام، واللآخر هو الشرك والكفر والجاهلية، بغض النظر عن الأسماء واللافتات والعناوين والنعوت والألقاب التي يطلقها أصحابها على هذا التصور الجاهلي وفروعه ومقتضياته، ثقافة أو فنونًا أو حداثة أو آدابًا أو فكرًا تقدميًا أو معاصرًا أو طليعيًا أو واقعيًا أو بنيويًا أو تنويريًا أو ديمقراطيًا أو علمانيًا أو عقلانيًا إلى آخر تلك الأسماء والألقاب التي تلتقي كلها في هذا التصور الضال في رفض ألوهية اللَّه تعالى وتأليه غيره -جَلَّ وَعَلَا-.
إن تنوع الأسماء والأشكال ليست ذات عبرة ما دامت متحدة في قاعدة واحدة ومشتركة في أصل واحد وأساس واحد اعتبار -أي عمل أو نظام أو وضع أو تصور أو فكر أو أدب- متصفًا بكونه إسلاميًا أو غير إسلامي هو
[ ١ / ٨٤ ]
الجهة التي يصدر عنها، فإن كان صادرًا عن اللَّه تعالى ونبيه -ﷺ- وشرعه ودينه فهو إيماني إسلامي، وإن كان صادرًا عن غير هذا فهو جاهلي.
هذا هو محور الخلاف بين الإسلام وأهله والكفر والنفاق والزندقة وأهلها، وهو خلاف يؤثر في التناول والطرح والتفكير والمعالجة عند الطرفين المتقابلين، كما يؤثر في الأعمال والأحكام والتصرفات؛ لأنه لا مجال للالتقاء بين الكفر والإيمان والردة الإسلام ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (^١).
ومن هنا جاءت إشكالية الصراع بين الحداثة والإسلام والعلمانية والإسلام، وسوف تبقى هذه الإشكالية، ويزداد أوار الصراع حتى يقضي اللَّه بنصرة أوليائه.
وليست المشكلة بين هذين الاتجاهين ما تصوره بعض الأقلام المريضة أو الجاهلة، أنها مشكلة صراع بين قديم وجديد، وتقدم وتخلف، وشرق وغرب، إلى غير ذلك من الدعاوى والتوصيفات الساذجة أو المغرضة.
الحقيقة كل الحقيقة، أن أساس الصراع وميدانه هو التناقض الموجود بين هذين الاتجاهين في أصل التصور والتلقي والفهم، وكل ما يتبع ذلك من مفردات فهو فرع عن هذا الأصل، فالمسلم الذي يحاكم نصًا حداثيًا يسخر من السنة أو الصحابة أو الشعائر أو يدعو للرذائل الخلقية أو ينادي بالتحرر النسوي الداعر أو يبرر الانحراف السياسي أو الاقتصادي؛ يحاكمه المسلم على أساس أن هذا انحراف عن دين اللَّه وعن شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، في حين أن العلماني أو الحداثي يمارس كل هذه الانحرافات على أساس أنه ليس للَّه -جَلَّ وَعَلَا- أي حق في الحكم على هذه الأمور أو ضبطها.
فمن هنا نلاحظ أن القضية هي قضية تصادم وتناقض بين منهجين وتصورين وعقيدتين، وليست القضية قضية تجديد وتقليد، أو تراث
_________________
(١) الآيات ١ - ٦ من سورة الكافرون.
[ ١ / ٨٥ ]
ومعاصرة، وسموف يتبين ذلك -إن شاء اللَّه- من خلال هذا البحث، ابتداءً من هذا الباب الذي يتحدث عن الانحرافات الحداثية المتعلقة باللَّه -﷾-، حيث يتناول الفصل الأول الانحرافات المتعلقة بربوبية اللَّه -﷾-، والفصل الثاني عن الانحرافات المتعلقة بالألوهية، والفصل الثالث عن الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات، أمّا الفصل الرابع فهو عن التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة.
فالفصول الثلاثة الأولى عن توحيد اللَّه -جَلَّ وَعَلَا-، الذي هو مصدر وحد يوحد أي: العلم بأن الشيء واحد، وهو على وزن تفعيل للنسبة، كالتصديق والتكذيب لا للجعل، أي: أن معنى وحدت اللَّه تعالى أي: نسبت إليه الوحدانية واعتقدت أنه واحد أحد، وليس معناه جعلت اللَّه واحدًا؛ لأن وحدانية اللَّه تعالى ذاتية وليست بجعل جاعل (^١).
والمراد بالتوحيد في اصطلاح علماء الإسلام: إفراد اللَّه تعالى بالعبادة مع الجزم بانفراده في ذاته وصفاته وأفعاله فلا نظير له ولا شبيه.
وهذا هو المراد بالتوحيد في هذا الباب، وهو تعريف للتوحيد باعتباره عَلمًا مفردًا، وهذا يجمع أنواع توحيد اللَّه الثلاثة، الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ومدارها على اعتقاد العبد وإيمانه الجازم بتفرد الرب بصفات الكمال وإفراده بأنواع العبادة (^٢).
أمّا تعريف التوحيد باعتباره مركبًا إضافيًا "علم التوحيد" فهو: علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية من أدلتها اليقينية، وهو بهذا الاعتبار يتناول كل قضايا الاعتقاد وكل أركان الإيمان ومسائله وفرعياته.
• • •
_________________
(١) انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/ ٥٦ - ٥٧.
(٢) انظر: الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ص ٧.
[ ١ / ٨٦ ]