سبق شرح أصول الفكر الحداثي، وأنه يقوم على مبدأ مادي، ويندرج ضمن الإطار الإلحادي الذي وضعه الغرب وحشروا إليه أتباعهم، تحت ضغوط ومغريات عديدة، ابتدأت بإبعاد أبناء المسلمين عن دينهم، وتجهيلهم به، ثم تشكيكهم فيه، ثم سَوْقهم في أسواق الدهشة والانبهار، ثم تلقينهم المحالات العقلية على أنها يقينيات، وإضاعاتهم في المحارات الفكرية على أساس أنها حقائق، وجرهم في أودية التيه، وإغراقهم في أخلاط المذاهب والأفكار والعقائد والألفاظ والمصطلحات، فإذا بنا نرى من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا دعاة على أبواب جهنم، بما نقلوه من عقائد الباطل وما تلقوه من أفكار الضلال، حتى لقد أضحى انسلاخهم عن الأمة هوية وتاريخًا ولغة وحضارة من أبرز سماتهم، بل ومن أظهر مفاخرهم التي يفاخرون بها.
لقد جاء الاستعمار الغربي في حين ضعف من المسلمين، وكانت أعظم نقاط ضعفهم وأشد نكباتهم "نكبة الغفلة" التي كانت سببًا في جهل عظيم بالدين، وكانت نتيجة -أيضًا- للتجاهل والبعد عن الدين.
أجيال مضت قبل سيطرة الاستعمار كانت تغط في سبات عميق، فالمتعلمون أكثرهم مقلد للمذهب بعصبية تسول له أن مذهبه هو الدين وما عداه فانحراف وفساد، انشغلوا بذلك ويرد بعضهم على بعض،
[ ٢ / ١٣٦٩ ]
وابتعدوا عن حياة الناس، ووقفوا من السلطان موقف المؤيد المنتفع المحابي أو المنعزل المتواري، فتعاظم الفساد والجهل وانطمست معالم العلم إلّا بقية في زوايا الأرض هنا وهناك.
والمتعبدون -إلّا من رحم اللَّه- في بدع وخرافات ورهبانية ابتدعوها، وطرق وأوراد أحدثوها، وانعزلوا عن الحياة تحت شعار "دع الخلق للخالق".
والحاكمون جهلة بالدين، لا هتم لهم سوى توسيع الممالك وجمع السبائك، ومحاربة الجار المسلم، ومحالفة العدو الكافر.
لقد كان بعض هذا كافيًا لاستعمار تلك الجماهير التي عاشت هذه الحياة الضعيفة الممزقة الجاهلة.
ولما جاء الاستعمار بقواه الجرارة، وبفكره المنظم المنطر، وبمكتشفاته واختراعاته، وجد قومًا أقرب إلى البلاهة والبلادة منهم إلى النضج والعقل، فلا دينهم الذي به عزتهم وقوتهم المعنوية أقاموه، ولا دنياهم التي بها عماد معاشهم وقوتهم الحسية حفظوها.
فالدين تحول عند الكثيرين إلى تقليد وبدع ومحدثات وتصوف وانعزال، والحكم تحول إلى سلطة واستبداد وأثرة، والأمة ضاعت بين فتاوى المقلدين الجامدين المتعصبين لمذاهبهم، وبدع المتعبدين، وظلم وقهر الحاكمين.
ولولا بقية من الذين حفظ اللَّه بهم الدين من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وغلو الغالين، وتفريط المفرطين، لكان الحال أبأس مما نحن عليه اليوم.
وعندما قدم الاستعمار والأمة على ما سبق وصفه، نسج لأبناء المسلمين تحت ظلام دامس وفي مكر شديد وخديعة كبيرة ثيابًا من العقائد والأفكار وألبسهم إياها، ثم أورثهم ما كان بيده من قوة وسلطان وإدارة وإعلام ومطابع وصحف، وانسل بجيوشه تحت بهارج من فرحة الاستقلال المزعوم، فإذا الورثة يقومون بحق الإرث عن أسيادهم أشد القيام وأعتاه وأخبثه، وكان المستعمر قد أوهم المسلمين أنه انصاع لنضال بعض أولئك المصنوعين على
[ ٢ / ١٣٧٠ ]
عينه، وأن ما تم نسجه هو من صميم حياتنا ومن سر أنفسنا، وبهذا الوهم تمكن أن يقود وهو بعيد ونحن نحسب أننا نقود أنفسنا، وأننا نتصرف في أمور الحياة تصرف الحر الذي لا سلطان لأحد عليه، وما تبجح به الناس من حرية واستقلال وكرامة ويقظة وجلاء، لم يكن سوى شعارات كاذبة تخفي تحتها الأعداء الألداء، والعداوات الشديدة للدين والأمة والهوية والكيان والوحدة والحرية والكرامة؛ لأن الذين استلموا بعد جلاء الاستعمار مقاليد الأمر والفكر والرأي والإدارة لم يكن أكثرهم سوى بذور بذرها الاستعمار في أرض المسلمين واستنبتها حتى إذا قامت على سوقها، تعجب الزراع ليغيظوا بهم المسلمين، وسلموها المقاليد وأصبح الأمر في يد من يملكه دون من يبصره ويعرف حقيقته على نور النبوة والوحي.
لقد كان نجاحهم هائلأ في إضفاء "اللون المحلي" على دعاة الضلال ورواده والمدافعين عنه، فوجد المسلمون فجاءة من يخرج من بينهم وهو يطالب بنقض الدين، بل وبمحوه وإزالة آثاره من الحكم والثقافة والمجتمع والتعليم.
ومن يدعو إلى حبس الدين في أضيق نطاق، ومن يتحالف مع اليهود والنصارى لقمع المنادين بعودة المسلمين إلى دينهم في كل شأن.
ومازالت يد الاستعمار الغربي والاستكبار الجاهلي المادي تواصل سيرها في عملية الإجهاز على التدين والتمسك بالدين، بكل طاقاتها الإعلامية والثقافية والتربوية والتعليمية، ولكن من خلال الدمى المعدة سلفًا للقيام بهذا الدور، واللَّه غالب على أمره، وهو ناصر دينه وأوليائه ولو كره المنافقون والكافرون.
وإذا أردنا تطبيقًا حقيقيًا لهذا الذي ذكرناه فإننا لن نجد أصرح ولا أوضح من هذه الفئة الدخيلة المريضة من المستغربين، أرباب الأدب والفكر الحداثي، الذين فرضوا على أنفسهم انقيادًا أعمى لفلاسفة المادية الغربية، من غير سلطان ولا برهان ولا دليل إلّا مجرد الانبهار والشك
[ ٢ / ١٣٧١ ]
والتبعية، وهذه وصمات عار وليست براهين إثبات، ودعاوى محضة وتخرصات غامضة.
وقد مرَّ معنا في هذا الكتاب قضايا عديدة، اصطبغت عند هؤلاء بصباغ المذهب المادي بفروعه وأشكاله المتعددة، وأول ذلك وأعظمه وأشنعه جحدهم لوجود اللَّه تعالى ولألوهيته وربوبيته، وإيمانهم - حسب ما لقنهم معلموهم بالوثنيات والجاهليات القديمة.
ثم جحدهم لوجود الملائكة، وللوحي الكريم، وللرسل عليهم الصلاة والسلام.
وهنا في هذا الفصل سوف نرى تتابع هذه السلسلة المادية، المؤلهة للوثن والخرافة، والمكذبة للحق واليقين، تتابعها في هذا المضمار المادي الحسي الإلحادي، المتمثل في إنكار الغيبيات وجحد اليوم الآخر والتكذيب بالقدر.
وهي نتائج حتمية لتلك الأصول المادية التي قرروها، والقواعد الحسية البهيمية التي أصّلُوها، وهي كذلك صورة من صور الصراع بين الإسلام والكفر، والتوحيد والوثنية من عهد نوح إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها.
• • •
[ ٢ / ١٣٧٢ ]