لقد كان الباب الأول بفصوله الأربعة أساسًا لمعرفة عقائد القوم وتشخيص أصول أمراضهم الاعتقادية.
وكان البسط فيه مما يقتضيه المقام بالنسبة لأهمية قضية الإيمان باللَّه تعالى ربًا وإلهًا متصفًا بصفات الحسن والكمال؛ إذ الإيمان بهذا المبدأ العظيم هو أساس كل إيمان، والانحراف فيه هو أساس كل انحراف.
وأصل التمايز بين الإيمان والكفر والتوحيد والوثنية يكون منطلقه من هذه القضية الكبيرة الخطيرة.
وقد رأينا فداحة الجرم الحداثي فيما يتعلق بأهم وأعظم ركن من أركان الإيمان، رأينا كيف أنهم يجحدون وجود اللَّه -جلَّ وعلا-، أو يشككون في وجوده، وهذه قاعدة الإلحاد، ورأينا أنهم ينكرون ربوبيته وخلقه وملكه وتدبيره، ثم رأينا كيف جرهم ذلك إلى جحد ألوهيته وحق عبادته وطاعته، وبعد ذلك كان لابد من إعادة هذه الضلالات إلى أصولها التي أخذوا منها، فوجدنا أنهم انحدروا إلى حضيض الوثنيات والأساطير والجاهليات القديمة، يؤمنون بها، ويأخذونها مأخذ العبادة والتقديس والإجلال والتعظيم، بل ويرون فيها الأمل المرتجى للمستقبل، والبعث لحياة قادمة مزدهرة!!.
ثم انحدروا إلى ظلمات الأديان المحرفة من نصرانية ويهودية وزنادقة وملاحدة وباطنية.
[ ٢ / ٩٧٣ ]
كل هذا أوجد عندهم قاعدة الانحراف التي ساروا ويسيرون عليها في كل قضايا الإيمان والعمل.
فالإيمان بالملائكة والكتب والرسل تبع للإيمان باللَّه تعالى، وما دام القوم في إلحاد مكشوف أو شك وريب، أو كفر وشرك، فلا غرو أن يكون إيمانهم بالأمور المترتبة على الأصل الأعظم والركن الأكبر فيه من الانحراف والضلال والاضطراب مثلما في الأصل أو أسواء.
إن ارتكاسهم في حضيضين آسنين، جعل على عقولهم وقلوبهم أكنة أن يفقهوا الحق أو يؤمنوا به أو يتبعوه، مهما كانت حججه واضحة وبراهينه ساطعة.
فأمّا الحضيض الأول: فهو ترديهم في المادية الفكرية القائمة على تقديس الحس ومعطياته والتجربة ونتائجها، بل وفي أحيان كثيرة على أوهام مادية، يظنون أنها ثابتة قطعًا لا ريب فيها، فها هي الوجودية التي يؤمن بها الكثير منهم، والتي انتشرت بينهم انتشار السل في العظام، ليست إلا امتدادًا لإيحاءات نظرية فرويد الجنسية، الداعية إلى تحطيم كل قيد قد يقف في سبيل تحقيق ذاتية الفردية الأنانية الكاملة، سواء كان هذا القيد من دواعي السماء أو الأرض، وأن عليه أن ينطلق بحيوانية شهوانية حيث شاء الانطلاق، وليذهب الآخرون إلى الجحيم: المجتمع، المثل، القيم، النظم، العقائد، ما دامت أو أي شيء منها يقف أمام أمزجة هذا الفرد أو ذاك.
وها هي الحياة الداعرة المنحطة التي يمارسها الشباب والشابات في أوروبا وأمريكا، والتي تدعوا إلى التحرر من كل القيود والضوابط مهما كانت؛ ليست هي أيضًا إلّا من نتائج فرويد.
والصحافة الداعرة والأفلام العارية، والقصص الجنسية، والممارسات الإباحية، كل ذلك وغيره من إيحاءات نظرية فرويد التي ركزت فيهم وهمًا بالجبرية النفسية، وأن الإنسان ليس حرًا في تصرفاته؛ لأن غريزته هي
[ ٢ / ٩٧٤ ]
السيطرة عليه، وهي التي توجه السلوك دون أن يكون للفرد فرصة للاختيار أو التصرف (^١).
وهذا مثال من أمثلة الأوهام المادية التي نجد أن الحداثيين والعلمانيين ساروا في عماياتها خاضعين لخرافاتها.
وأمثلة أخرى كثيرة من أوهام المادية التي انحطموا في خداعها، قاطعين بأنها حقائق من معطيات النظر العقلي الراسخ والتأويل القوي، والدراسة العميقة، ومن هذه الأمثلة "الماركسية" المادية التي تابعها الببغاوات هنا في الشرق وصفقوا لها، ثم انهارت وتفتت فكرة وممارسة، وما نزال نسمع الببغاوات تردد أن الماركسية كنظرية تحتفظ بقوتها!!.
ومن الأمثلة الأخرى "الوجودية" والنظريات الاجتماعية المادية، ونظرية النشوء والارتقاء الداروينية وغيرها كثير.
وأمَّا الحضيض الثاني: فهو انغماسهم مع الغربيين في الإيمان بغيبيات خرافية، وتصديقها.
ومنها مثلًا -ما سبقت الإشارة إليه- من إيمانهم بأن السلوك الجنسي هو المتحكم في كل سلوك الإنسان، وقطعهم بالجبرية الفرويدية، وكذلك قطعهم بالجبرية الماركسية في قضية الصراع بين الطبقات فيما مضى وفيما سوف يأتي، وكذلك أخذهم بجنون السوريالية، وقولهم في مجال الحداثة أن الشاعر يوحى إليه، ويحصل له الكشف والرؤى تحت شعارات ما يسمى "ميتا حداثة" بدلًا من "ميتافيزيقيا"، ومهما قال لهم الغرب من أمور لا تعقل ولا تصدق وليس لها حظ من برهان أو دليل نرى أن الإمعات من أبناء المسلمين يسارعون فيهم، وعلى أثارهم يهرعون.
فسبحان اللَّه!! ما أشد كثافة الباطل الذي ألبسوه، وما أكثف الغشاوة علي قلوب وعقول هؤلاء، ولكنها دائمًا طرق الانحراف والزيغ تقود إلى ذلك: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ
_________________
(١) انظر: الإنسان بين المادية والإسلام: ص ٤٥ - ٤٦.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ (^١).
أمّا أتباعهم من أبناء المسلمين والعرب فإنهم لشدة سعيهم في إثر أولئك، غابت عقولهم، ورانت على قلوبهم مع طول الملاصقة أمراض الشبهات، حتى أصبح بعضهم يقوم بنشرها وتوزيعها على غيره، وسيطًا للأمراض الاعتقادية الخلقية، وشخصية بديلة عن أسياده وأساتذته.
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (^٢).
وهكذا كان رواد الأدب العربي الحديث، أولياء لكل أحد إلّا الإسلام وأهله.
انغمسوا في المادية الغربية، وفي الخرافات والأضاليل الغربية، فكذبوا بدين اللَّه، وجحدوا خبر اللَّه تعالى، وسخروا من أصول العقائد، فإذا جحد الغربي وجود الملائكة والرسل والكتب وجدنا من الإمعات من يعلن جحده أو يتوارى به خلف الرموز والغموض، وإذا جعل الغربي الملائكة إناثًا والرسل مجانين والوحي كلام إنسان نجد من الإمعات من يقول بذلك ويردده.
_________________
(١) الآية ١٤٥ من سورة البقرة.
(٢) الآيات ٥٢ - ٥٧ من سورة المائدة.
[ ٢ / ٩٧٦ ]
وبعضهم يتعالى به الشر فيتخذ هذه الأقوال الضالة الجاحدة أو المرتابة أو الساخرة، يتخذها أصلًا، ثم ينطلق في شعاب الضلال يرتع وينادي كل ذي أمرٍ فرطٍ أن يرتع معه ويسيم في الزقوم والحنظل.
• • •
[ ٢ / ٩٧٧ ]