لا يُمكن بحال من الأحوال فصل هذه القضايا عن الأسس الاعتقادية، والقواعد الفكرية.
بل هي، وإن بدت في هيئة خطوط متقابلة: "عقيدة وشريعة، فكرة ونظام، تصور وسلوك" إلّا أنها في حقيقة الأمر متداخلة متمازجة.
فالعقيدة والتصور الفكري قاعدة، والتطبيقات الحكمية والسلوكية فروع عن تلك القاعدة.
ومهما كان الاعتقاد موغلًا في الرمزية أو التجريدية أو المثالية أو حتى الأسطورية الخرافية، فإنه لابد أن يؤثر في سلوك وعمل معتقده.
الوثنيون الإغريق أو الفراعنة أو عرب الجاهلية، ظهرت آثار عقائدهم في أعمالهم وأخلاقهم، في نظمهم، وعلاقاتهم، في أحكام ومناشط حياتهم.
والجاهليون المعاصرون من ماركسيين ووجوديين وليبراليين وعلمانيين وحداثيين، قادتهم عقائدهم وتصوراتهم إلى اتخاذ مواقف، واعتناق مبادئ والسير على نظم، والمضي في سلوك، والمشي على أخلاق معينة.
هذه حقيقة ثابتة وإن تفلسف في نفيها بعض المتفلسفين في سفسطة كاذبة!!.
خذ مثلًا مذهب "اللامنتمي" الذي يخص (الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساس واهٍ، والذي يشعر بأن الاضطراب
[ ٣ / ١٦٣٩ ]
والفوضوية هما أعمق تجذرًا من النظام الذي يؤمن به قومه) (^١).
يقول مؤلف كتاب "اللامنتمي" بعد أن كتبه بسنوات عدة في مذكراته التي سماها "رحلة نحو البداية": (حينما كنت أكتب اللامنتمي كنت أشعر بإحساس من الإثارة الهائلة والقلق، كان الكتاب ينصب من داخلي كما تنصب الحمم المنصهرة الخارجية من بركان، وكنت أعرف أنه كتاب جيد، كنت أكتب عن نفسي. . . كان موضوع الكتاب هم العاجزين عن التكيف في الحضارة الحديثة، الرجال الخلاقين الذين يشعرون أن لا مكان لهم في سباق الفئران، ولكنني عنيت بأن أقرر أن اللامنتمي قد لا يكون خلاقًا.
إن افتقاره إلى فهم نفسه قد يكون كاملًا إلى درجة أنه لا يبدأ في إنجاز مهمة التطهير من خلال الخلق، لقد تحول فان جوخ ونيتشه إلى شعلة متوهجة من اللاانتمائية، ولكن أكثر اللامنتمين لا يتحولون إلى أكثر من جمرة خابية، فلا ينتجون إلّا بعض الدخان الأسود يلطخهم ويلطخ من حولهم، وقد كان لي أن أتبين جانبًا كبيرًا من هذه الظاهرة بين الجيل الأصغر في أمريكا بعدما يقرب من عشر سنوات. . .) (^٢).
ويقول في كتاب "ما بعد اللامنتمي": (حين كتبت اللامنتمي عام ١٩٥٥ م كان الهدف منه هو أن أبين أن الوجودية قد انحرف عن طريقها الحقيقي، الذاتية، وأن بعض الفلاسفة الوجوديين حاولوا إلباس تعصبهم وفشلهم الشخصيين لغة مؤثرة ومجردة ولا معقولة، فأغرقوا في تعقيد الأمور، مما يجعلني أشعر أن مقاومتي للمشكلة الرئيسية، مع إصراري العنيف على الذاتية، ما هو إلّا مساهمة متواضعة لكنها جديرة بالاهتمام في التفكير الوجودي) (^٣).
يتضح من هذا أن "اللامنتمي" هو في الحقيقة "منتمي" أي صاحب
_________________
(١) اللامنتمي لكولن ولسن: ص ٥.
(٢) رحلة نحو البداية: ص ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٣) ما بعد اللامنتمي: ص ١٠.
[ ٣ / ١٦٤٠ ]
عقيدة ومذهب، وله غاية وهدف، وله أسلوب ومنهج، وله سلوك وطريقة يعبر بها عن عقيدته ومنهجه، سواء سميت ذلك المنهج "اللامنتمي" أو "الوجودية الجديدة" أو أي تسمية أخرى فإنها في النهاية انتماء، أي اعتناق لعقيدة ذات أثر تطبيقي ومسلكي في الواقع.
إذن العقيدة هي المحضن الأساسي لأي عمل يقوم به الإنسان، وذلك على مقتضى طبعه الذي خلقه اللَّه عليه، كما أخبر بذلك الصادق المعصوم -ﷺ-: "أصدق الأسماء حارث وهمام" (^١).
(فكل أحد حارث وهمام، له عمل ونية) (^٢)، (إذ كل إنسان لابد له من حرث، وهو كسبه وعمله، ولابد له من هم هو مبدأ إرادته. . .) (^٣).
فالإنسان مفطور على هذه القضية، ومجبول في كل أعماله الحسية والمعنوية على هذا الأمر، فهو إذا توجه لعمل فلابد لهذا التوجه من إرادة وقصد ونية وعقيدة وفكرة تسبق هذا العمل.
فكل إنسان يهم ثم يعمل، وكل إنسان له حرث وحركة وهو العمل والنشاط والممارسة، وله قبل ذلك هم وإرادة وقصد.
والنفس بطبعها متحولة متحركة ما دامت حية، والإرادة والحركة الإرادية من لوازم الحياة.
والإنسان المختار - مهما بلغت درجة انحطاطه الفكري والاعتقادي لا يتصرف كيفما اتفق ولا دونما أسباب، ولا من غير دوافع.
والإرادة تنبعث في الإنسان من عقل مختار، له رؤية معينة "عقيدة، فكرة، مثل أعلى" منها ينطلق العزم على فعل أمر مّا أو تركه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب تغيير الأسماء ٥/ ٢٣٧، وأحمد في المسند ٤/ ٣٤٥.
(٢) الاستقامة ٢/ ٢٢٨.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٣٨١.
[ ٣ / ١٦٤١ ]
فإذا وجدت الإرادة الجازمة، والقدرة التامة، وارتفعت الموانع وحصلت الشروط، وجد الفعل عندئذٍ.
وحاصل القول أنه لا يتصور انفكاك الإنسان عن إرادة تحركها عقيدة أو فكرة مّا، تتحول بعد ذلك إلى ممارسة وتطبيق.
ومن أوضح الأدلة ما ذكرناه في ثنايا هذا البحث من حقائق حول قضية الصراع بين الإسلام والمادية المتمثلة -في هذا البحث- في قضية الصراع بين الإسلام من جهة والعلمانية والحداثة من جهة أخرى.
فالمؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وبالقرآن والسنة منهجًا يعتقد ذلك يقينًا قاطعًا، ويوقن أن التدين للَّه تعالى لا يتم بالصورة الصحيحة المقبولة إلّا إذا كانت الحياة -كل الحياة- خاضعة -كل الخضوع- للَّه تعالى في كل شأن من شؤونها، وأن هذا المعنى الكامل الشامل الوحيد هو مقتضى كلمة التوحيد "لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه".
وقد حاول بعض جهلة المسلمين، وبعض ذوي الأهواء من أبناء المسلمين أن يحرفوا هذا المعنى، وأن يقصروا الإسلام على أنه مجرد عقيدة وقيم خلقية!!.
والعلمانيون من أبناء المسلمين، من يعتقد منهم بأن الإسلام دينُ حقٍ من عند اللَّه تعالى، يدورون على هذا المفهوم الظالم الخاطئ الضال.
أمَّا الملاحدة منهم الذين لا يؤمنون برب ولا إله ولا دين ولا رسول ولا كتاب، فقد تمادوا في الغي إلى أبعد مدى، وجحدوا كل أنواع الهدى، وركبوا ظلمات الخرافات والجهالات المادية المعاصرة.
والفريق الأول من العلمانيين أشد خطورة، وأنكى في حرب المسلمين؛ ذلك لأنهم يتظاهرون بأنهم أهل دين وإسلام، وأنهم لا يرفضون الدين ولا يردونه يقولون -على زعمهم- أنهم إنّما يرفضون التطرف المديني، والتزمت الديني!!، ويرددون بأنهم لا يريدون سوى الإسلام الصحيح! الإسلام الذي يتوافق مع الحضارة، ومع التقدم، ويساير الحضارة الغربية!!.
[ ٣ / ١٦٤٢ ]
ومع ضغط الصحوة الإسلامية المتزايدة، وانتشار الالتزام بالإسلام في أرجاء الأرض وفي أصناف المسلمين، بل وفي غير المسلمين، تظهر دعواتهم العلمانية تحت عناوين عديدة خادعة منها: "الإسلام المستنير" "العقلانية الإسلامية" "تجديد الفكر المديني" "استلهام جوهر الإسلام النقي" "الإسلام الحضاري" "مقاومة الجمود المديني" ومقاومة الإرهاب الفكري "الإسلام الديموقراطي" "حرية الاعتقاد والفتنة الطائفية" "النصوصية الجامدة" "السلفية الجامدة" "التمسك بروح الشريعة" "التحلي بروح الدين" "مراعاة المقاصد العامة للإسلام" "تنزيه الإسلام عن الألاعيب السياسية والواقع الاجتماعي الدنس" "الفرق الحضاري بين القرون الهجرية الأولى والواقع المعاصر" "التمييز بين الدين والدولة" "الفرق بين السلطة الدينية والسلطة المدنية الزمنية" "المصلحة أساس الشرع" "الحركات الإسلامية الشمولية تسعى إلى ردنا إلى الوراء مئات السنين" "الحركات الإسلامية تابعة لقوى خارجية" "وهي المسؤولة عن هزيمتنا الحضارية والعسكرية" "أخذ روح التشريع لا نصه" "تقديم المصلحة على النص" "أخذ لباب الإسلام وترك قشوره" "التحلل من قيود الخطاب السلفي" "تجريد القرآن من التفسير الأصولي السلفي" "وجوب إعادة تفسير القرآن حسبما يقتضيه العصر" "النص الشرعي وليد أوضاع اجتماعية وتاريخية معينة تغيرت الآن" "الإسلام مجرد عقيدة سمحة، وقيم أخلاقية" (^١).
_________________
(١) انظر الطرح العلماني بشقيه الملحد والمتستر بالدين وبالمصطلحات الملتوية والعبارات الغامضة وبالشبهات الخاطئة الكاذبة في الكتب التالية:
(٢) إشكالية القراءة وآليات التأويل: لنصر أبو زيد، وسبق النقل منه في فصول مضت.
(٣) قبل السقوط لفرج فودة.
(٤) الملعوب له.
(٥) النذير له.
(٦) الإرهاب له.
(٧) الحقيقة الغائبة له، وقد شنّ فيها أبشع هجوم على الإسلام وقضاياه، وكانت سببًا في قتله.
(٨) مجلة أدب ونقد عدد ٨٣ يوليو ١٩٩٢ م/ ١٤١٣ هـ، المخصص عن فرج فودة، وهو تحت عنران شهيد العلمانية وحرية الفكر!!
(٩) الحركات الدينية المعاصرة: لحسن حنفي وخاصة من: ص ٣١١ إلى آخر الكتاب.
(١٠) الأصولية الإسلامية: له. =
[ ٣ / ١٦٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٠ - التراث والتجديد موقفنا من التراث القديم: له. وانظر: على الخصوص: ص ٢٠، ٤٢، ٦٤.
(٢) أين هو الفكر الإسلامي المعاصر: لمحمد أركون، وهو مليء بالشواهد العلمانية المتطرفة، المتفرنسة، وخاصة الصفحات: ٥٥ - ٦٠ و٧٩ - ٨١ و١٠٩ و١٢٥ - ١٣٦ و١٤٧.
(٣) الفكر الإسلامي نقد واجتهاد: لأركون أيضًا: ص ٣٩، ٥٣، ٥٧، ٦٧، ١٣٥، ١٤٣، ١٥٧.
(٤) الفكر الإسلامي قراءة علمية: له أيضًا، وقد سبق النقل عنه في الفصول الماضية.
(٥) من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي: له أيضًا وهو كتيب صغير، ومثنه في الحجم:
(٦) العلمنة والدين، الإسلام المسيحية الغرب: وهو مترع بالمغالطات والغمز والجهل المركب.
(٧) روجيه جارودي بعد الصمت، حول فلسفة الردة عند غارودي وآفاقها في الوطن العربي: للطيب تزيني في خمس وستين صفحة وعنوانه دليل عليه، حيث ألفه لتخفيف أثر إعلان جارودي دخوله في الإسلام، وحماية المرتدين من التأثر بذلك.
(٨) فصول في الفكر السياسي العربي: له أيضًا: ص ١٦٥ عن القرامطة واشتراكيتهم ومضادتهم للإسلام، وص ١٨٥ - ١٩١ عن البابكية نسبة إلى بابك الخرمي "موقفها من الإسلام".
(٩) الجزء الأول من التراث إلى الثورة بعنوان حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي: للتزيني أيضًا، وسار فيه على خطى أدونيس في الثابت والمتحول في أكثر أبوابه.
(١٠) الإسلام السياسي: لمحمد سعيد العشماوي، وهو عمدة في أبواب الضلال العلماني والعداء للإسلام، وهو في أصله مقالات ومحاضرات جمعها تحت هذا العنوان، وهو من أهم الكتب في هذا الباب.
(١١) أصول الشريعة: له أيضًا وهو كسابقه مع مقدمة تقريظ من توفيق الحكيم.
(١٢) في بيت أحمد أمين: لحسن أحمد أمين: ص ٢١٢ - ٢٢٨، ٢٤١ - ٢٥٨ بعنوان برتكولات حكماء المسلمين!!.
(١٣) حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة: له أيضًا، وهو أبشع علمانية من سابقه، يفيض بالسخرية والتهكم. انظر: مثلًا: ص ٢٧، ٣٦، ٣٩، ٤٣، ٤٦، ٦١، ١١١، ١١٣.
(١٤) هوامش على دفتر التوير: لجابر عصفور، وقد حشد فيه كل أدوات وعبارات =
[ ٣ / ١٦٤٤ ]
إلى غير ذلك من الأحاييل اللفظية، المبنية على عبارات مفخخة
_________________
(١) = الحرب العلمانية ضد الإسلام لطمس معالم وحقائق الإسلام، ويعتبر من الكتب المهمة في فهم الرجعية العلمانية، وفهم طريقة العلمانيين في المزاوجة البائسة بين أوروبا والإسلام وأصله مقالات ومحاضرات ألقاها ثم جمعها.
(٢) الأسس الفلسفية للعلمانية: لعادل ظاهر، وهو متطرف علماني شديد البغض للإسلام مع جهل فاضح به، وفيه تكرار وتعسف والتواء فكرة وأسلوب؛ ليظهر صاحبها في مظهر الفيلسوف!! الذي يحاول هدم الدين الإسلامي، وإقامة صرح للعلمانية على أسس قوية من خيوط العنكبوت!!.
(٣) العلمانية من منظور مختلف: لعزيز العظمة وهو كسابقه، يحاول مؤلفه تاسيس تاريخ وحاضر ومستقبل للعلمانية في البلدان العربية.
(٤) الكارثة التي تهددنا: لصلاح عيسى: ص ٢١٣ - ٢٧٦.
(٥) أزمة الإسلام السياسي: لحيدر إبراهيم علي.
(٦) الفتنة: جدلية الدين والسياسية في الإسلام المبكر: لهشام جعيط وخاصة: ص ٣٢١ - ٣٢٥.
(٧) اغتيال العمل ومحنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية: لبرهان غليون: ص ١٤١ - ١٥٠، ٢٩٥، ٣٠٩، ٣١٧، ٣٢٩، ٣٤١.
(٨) نحو ثورة في الفكر المديني: لمحمد النويهي.
(٩) حول الدين والديمقراطية: لنجيب محفوظ: ص ١٨ - ٢١، ٤٠ - ٤٢، ٦٣ - ٦٤.
(١٠) لتطبيق الشريعة لا للحكم: لخليل عبد الكريم وهو تعبير عن الرأي العلماني لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في مصر.
(١١) الإسلام والعروبة، مناقشة لآراء التيار الأصولي: لمجدي رياض، ويقع في ١٤٠ صفحة يتحدث فيه مؤلفه عن العلمانية من وجهة نظر قومية ووطنية.
(١٢) السلفية والوطنية: لعبد القادر الشاوي من المغرب ويقع في ١٨١ صفحة ويشبه سابقه.
(١٣) الإسلام على حقيقته: صادر من سلسلة دراسات عصرية من مكتبة القذافي السياسية وهو على ضوء هرطقات الكتاب الأخضر.
(١٤) متهم بالكفر يبحث عن محكمة: لحمود العودي من اليمن يدافع فيه عن نفسه حين حكم عليه القضاء اليمني بالردة بسبب أقواله المارقة والمناقضة للإسلام.
(١٥) المسيحيون والعروبة: لرياض نجيب الريس: ص ٤١ - ٤٨، ٥١ - ٥٩، ٦٣ - ٧١.
(١٦) الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة: لفؤاد زكريا وهو من أهم الكتب في هذا الباب.
[ ٣ / ١٦٤٥ ]
ومصطلحات مولدة من السفاح الثقافي الغربي، يحاولون النفاذ بها إلى عقول المسلمين من خلال مصطلحات وألفاظ الخداع والتلبيس (^١)، في محاولة دائبة لطمس حقائق الإسلام ومعالمه الصحيحة تحت سيل من الآراء الباطلة والشبهات الضالة المستوردة من أوروبا لتسويقها ونشرها وإذاعتها؛ ليكونوا بذلك رأس رمح في الغارة الجديدة على الإسلام وأهله، هذه هي حقيقتهم رغم كل محاولات الاستتار والتخفي!!.
وهكذا نرى العقائد الجاهلية المعاصرة "عقيدة العلمنة" أو "عقيدة الحداثة" تفعل في أصحابها عند الممارسة ما كانت تفعله الأوثان القديمة بل أشد وأنكى.
كان الجاهلي القديم يذبح للصنم ويستقسم بالزلم، ويتبع أربابًا شرعوا له الأعراف الجاهلية، والعقائد الضلالية، ووضعوا له القيم والأخلاق وأنماط السلوك التي يعيش عليها.
لقد كانت الجاهلية الأولى تقوم على عقائد الكفر والشرك باللَّه تعالى، واعتقاد ألوهية الأصنام والأوثان وأعراف القبيلة، واعتقاد أنوثة الملائكة -﵈-، ونفي إرسال اللَّه أحدًا من البشر أو إنزاله على أحد منهم -ممن اصطفاهم- من شيء، وجحد الآخرة، واعتقاد أنهم إنّما يعيشون ويموتون وما يهلكهم إلّا الدهر، وجحد القدر، واعتقاد أن المنايا -مثلًا-
_________________
(١) انظر ذلك في:
(٢) العقلانية هداية أم غواية لعبد السلام بسيوني، وكتاب جدير بالقراءة وفيما يخص الموضوع المشار إليه في الأعلى انظر منه: فن الإرهاب المصطلحي: ص ١٠٢ - ١٠٤.
(٣) تزييف الإسلام وأكذوبة المفكر الإسلامي المستنير: لمحمد إبراهيم مبروك.
(٤) تزييف الوعي: لفهمي هويدي، وهو مناقشة جادة وعلمية للهجوم العلماني المدعوم في مصر ضد الإسلام جملة وتفصيلًا.
(٥) ثقافة الضرار: لجمال سلطان وهو من أهم الكتب في هذا الباب.
(٦) وله أيضًا جهادنا الثقافي يشبه سابقه.
(٧) غزو من الداخل: له أيضًا.
(٨) العصريون معتزلة اليوم: ليوسف كمال.
[ ٣ / ١٦٤٦ ]
خبط عشواء من تصبه تمته ومن تخطئه يعمر حتى الهرم، وكان لهذه العقائد الكفرية أثرها البعيد على نظام حياتهم ونمط معيشتهم، فكانوا يحكمون بشريعة الجاهلية، وبها يحفون ويحرمون، ويجيزون ويمنعون، وكانت لأصنامهم الحضوة الكبرى والتأله الأكبر بما يقدمونه لها من عبادات وقربات.
وكانت هناك -على أساس من عقائدهم- الانحرافات الخلقية من خمر وميسر وفاحشة علنية أو مستترة، ووأد، وظلم متعدد الأوجه والأنواع: ظلم سياسي، وظلم اجتماعي، وظلم اقتصادي، من حمية قبلية وطبقية عنصرية أو مالية، إلى أكل الأموال بالباطل وسفك الدماء وانتهاك الأعراض إلى غير ذلك من أنماط حياتهم المليئة بالشر والفساد والرذيلة والانحراف.
ثم جاء الإسلام ليخرج هؤلاء -أولًا- من ضلال الاعتقاد الكفري وفساد التوجه الشركي، جاء الإسلام بمبدأ التوحيد "لا إله إلّا اللَّه" وبقضايا الإيمان الأساسية؛ لأنها هي الأصل الذي ينبني عليه أي تغيير بعد ذلك.
وبعد أن أسست عقائد الإيمان وتأسس توحيد اللَّه مكان الأوثان، عالج الإسلام المشكلات الأخرى والانحرافات المتعددة، القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية.
وأمر اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- أن يبدأ بالتوحيد يدعو الناس إليه، ويربي من استجاب منهم على مقتضاه أي أن الانحرافات لم تكن خارج الدعوة، أو خارج الاهتمام، ولكنه عالج هذه الانحرافات على أساس أن هذه المعالجة من مقتضيات التوحيد ومن لوازم الإيمان.
والمقصود أن الإسلام بعد أن أسس مبدأ التوحيد وقضايا الاعتقاد، شرع الشرائع، ووضح الأحكام، ووضع المنهج والنظام، ليخرج الناس من ظلمات العقائد التي انبنت عليها ظلمات الانحرافات والمفاسد العملية.
والجاهلية المعاصرة، على نمط الجاهلية القديمة، اتخذت أصنامًا، واعتنقت عقائد، قادتها إلى مهاوي البلاء والردى وأركستها في أشر ما يُمكن أن يرتكس فيه إنسان.
[ ٣ / ١٦٤٧ ]
عقائد مادية إلحادية، وأرباب باطلة من نظم ومذاهب، وأعراف وأفكار وأشخاص وأسماء ورسوم، تملي عليهم أنماط حياتهم وفلسفة تصوراتهم ومعارفهم وأسس سلوكهم، وأصول أخلاقهم وقواعد سياساتهم واقتصادهم، بل ومفردات وفروع كل ناحية من نواحي حياتهم، وما يُرى ويشاهد ويلمس اليوم في "الدول المتقدمة" "الدول العصرية"!! من أفكار وأعمال وممارسات كلها شواهد على هذه الأنواع العديدة من الانحرافات الاعتقادية والعملية.
أمَّا أتباعهم مما يُسمى تلطفًا أو تظرّفًا "دول العالم الثالث" فإنهم على أسوأ وأردى مما عليه أسيادهم وإن بقيت عند بعضهم -خاصة الشعوب المسلمة- بقية من بقايا الدين الحنيف، أو بقايا الفطرة السوية.
أمَّا أتباع الغرب في البلاد الإسلامية من المفكرين والمثقفين والإعلاميين والإداريين فإنهم -بلا ريب- قد بلغوا من الانحطاط والتردي درجات لا يكاد يصدقها عقل، وانسحقوا بالكلية تحت أقدام أسيادهم، الذين معهم -مع انحرافهم- عناصر قوة مادية.
أمَّا أتباعهم وأولياؤهم فإنهم تركوا القوة الإيمانية بالتبعية الاعتقادية وما يترتب عليها من أنظمة وأنماط حياة وسلوك، ولم يستطيعوا أن يحوزوا القوة المادية التي يتمتع بها الغرب، فصاروا بلا دين ولا دنيا، أمَّا الدين فقد أضاعوه حين اتبعوا المذاهب والأفكار والعقائد المادية، وحين أخذوا معها مقتضياتها العملية من أنظمة وسلوكيات وممارسات حياة عامة أو خاصة، وأمَّا الدنيا فهم في درجة من التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية لا تتيح لهم أن يكونوا أحرارًا في اتخاذ ما يريدون اتخاذه، ولا شك أن هذا لازم من لوازم أتباعهم للعقائد والمذاهب المادية.
أمَّا حيازة التقنية والاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والسلاح فهم أبعد الناس عنه، وإن تحقق لبعضهم شيء من ذلك، فهو كسب ضئيل مرتهن، مغموس في بحور الاستلاب والهزيمة والتبعية.
وفي الفصول الآتية سوف نرى من الشواهد والأدلة على هذه القضية الشيء الكثير.
[ ٣ / ١٦٤٨ ]
فإن أتباع الملة الحداثية العلمانية، من أبناء المسلمين أو من أبناء البلدان الإسلامية، اتبعوا الجاهلية الاعتقادية والضلالات الفكرية، والانحرافات الفلسفية، وقد سبق بيان ذلك في الفصول الماضية، وتبع ذلك -ولابد أن يتبعه- جاهليات أخرى، جاهلية في النظم والسياسات، وجاهلية في الاقتصاد، وجاهلية في التوجيه والتعليم، وجاهلية في النفس في ذاتها وسلوكها واجتماعها.
وتبع الفساد الاعتقادي والتبعية الاعتقادية -ولابد أن يتبعه- أن أصبحوا حربًا على دينهم وعدوًا لأمتهم.
ومن حربهم الموجه ضد دينهم أنهم توجهوا إليه -بدافع من اعتقاداتهم المادية- بالثلب والسب والسخرية والاستخفاف والعبث بمصطلحاته شعائره وأصوله وأركانه وسائر قضاياه.
وهذا ما سوف نرى شواهده في الفصول الآتية، وهذه القضايا وإن كانت -في مجملها- قضايا عملية وممارسات فعلية، ليست -أصلًا- من قضايا الاعتقاد التي يهتم البحث بها على وجه الخصوص، ولكنها -كما أسلفت- لا تنفك عن الاعتقاد، إذ هي الصورة التطبيقية للاعتقاد، والممارسة العملية للفكرة المقتنعة، وهي -مع ذلك- المطلب العملي المقصود من الأتباع، والغاية الفعلية المرادة من الذائبين في أحماض المذاهب والعقائد الغربية.
نعم يُسرُّ الكفر وأهله بسلخ المسلم عن دينه، وإخراجه من النور إلى الظلمات في أي شكل وعلى أي هيئة ولو في صورة فكرية مجردة، فذلك مكسب للشيطان وحزبه، ولكن سرورهم أعظم وفائدتهم أجزل عندما يتعدى هذا السلخ إلى أن يصبح المسلوخ أداة لهم، وصورة عنهم، ووسيلة من وسائلهم، وامتدادًا عمليًا لهم في واقع المسلمين، إمَّا بنشر الفكرة العلمانية أو الحداثية أو غيرها من الأفكار الغربية، وإمَّا بممارسة العمل في منصب توجيه أو قيادة.
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ
[ ٣ / ١٦٤٩ ]
أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (^١).
وهذا هو حال المنافقين قديمًا وحديثًا (فللَّه كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها!، وكم عموا عيون مواره بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟!. . . فلا يزال الإسلام وأهله يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ (^٢)، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (^٣) اتفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ (^٤)، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^٥)، ولأجل ذلك ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (^٦).
درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظُلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها، لم يقبلوا هدى اللَّه الذي أرسل به رسوله، ولم يرفعوا به رأسًا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسًا. . . لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران، والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار (^٧)، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب
_________________
(١) الآيتان ٨٠، ٨١ من سورة المائدة.
(٢) الآية ١٢ من سورة البقرة.
(٣) الآية ٨ من سورة الصف.
(٤) الآية ٥٣ من سورة المؤمنون.
(٥) الآية ١١٢ من سورة الأنعام.
(٦) الآية ٣٠ من سورة الفرقان.
(٧) هذا وصف صنف منهم أمَّا الصنف الآخر فملحد مجاهر.
[ ٣ / ١٦٥٠ ]
المحاربين ويقولون ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).
رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم في العقل المعيشي: أن الفريقين عنهم راضون، وهم بينهم آمنون ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (^٢) قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إرادتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجز عنه الأطباء العارفون ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ (^٣).
من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق، ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾) (^٤) (^٥).
هذا حال ووصف فئة منهم لا يريدون الظهور بمظهر المعادي الصريح تقية، يتخفون تحتها لإنفاذ ماربهم، ويكثر هؤلاء في البلدان التي يخافون فيها من أحكام الدين أو يأملون بلتبيسهم تحقيق القوة لهم والتمكين، وأكثر ما يكون هؤلاء في أهل التوجيه وأهل الأمر، أمَّا الفئة المعادية صراحة المحاربة جهرة، المضادة علنًا، فيكثرون في البلدان التي يأمنون فيها حيث لا يكون للدين وأهله شوكة، ويبرزون بكثرة من تحت أردية الفئة الأولى، حيث يعبرون بالنيابة عنها عما في قلوبهم، وينالون منها الحماية والرعاية والتأييد.
_________________
(١) الآية ٨ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٩ من سورة البقرة.
(٣) الآية ١٠ من سورة البقرة.
(٤) الآيتان ١١، ١٢ من سورة البقرة.
(٥) صفات المنافقين تأليف: ابن القيم: ص ١٦ - ٢٠.
[ ٣ / ١٦٥١ ]