يتشكل أدب "الحداثة" في أظهر صوره وأشكاله من ثلاثة ملامح أساسية: الوثنية، والمادية الإلحادية، والنصرانية.
وقد تشكلت هذه الصورة القاتمة كما ذكرنا في أول هذا الفصل على يد نصارى العرب من المهجريين ثم من الإعلاميين ثم من الحداثيين (^٣).
وكانت اللبنات الأولى تضعها الأيدي النصرانية العربية المرتبطة اعتقاديًا وسياسًا وحضاريًا بالغرب أبناء ملتهم وإخوانهم في الدين.
ثم تلفق هذه الأفكار من ضل من أبناء المسلمين، ورتعوا فيها وشربوا منها شرب الهيم، فكانوا أشباهًا لأساتذتهم وفي أحيان أخرى - كانوا أكثر حماسة وأشد تعصبًا.
وعلى آية حال فقد فرض النصارى ألفاظهم ورموزهم ومصطلحات
_________________
(١) ذكريات الجيل الضائع: ص ٢٤٨.
(٢) مجلة اليمامة عدد ٨٩٧ في ٩/ ٧/ ١٤٠٦ هـ: ص ٦٣.
(٣) انظر: ص ٦٨٥ - ٦٩٠ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨١٨ ]
دينهم، ومضامين عقيدتهم ومحتويات فكرهم، على ساحة الأدب الحديث، بصورة قوية وواضحة.
وكيف لا يكون ذلك كذلك، ورواد الحداثة من النصارى في الشام ومصر يرون أنفسهم جزءًا من الغرب النصراني، وينادون بالارتباط الحضاري بالغرب، والاقتلاع عن المجتمع المسلم والعربي؛ لأنهم يرون أن العروبة مرتبطة بالإسلام، فنادوا بالتميز من الحضارة العربية الإسلامية ودعوا إلى العلمانية والثقافة الفرنسية، وأظهروا النفور الشديد من الإسلام والعرب (^١).
ولا نود إعادة ما سبق نقله من نصوص وأقوال نصارى العرب في دعوتهم إلى الانفصال عن الأمة العربية والإسلامية، بل وعن الشرق، والالتحاق بالغرب، تحت فكرة المتوسطية أو سورية الكبرى أو الفينيقية الإغريقية، والتي تدل كلها على أن القوم توجهوا إلى بني ملتهم بشعور ديني غامر وانتماء اعتقادي غالب.
ومن الذي يستطيع أن ينكر هذا الدور الذي قامت به الروابط الأدبية، والأحزاب القومية، والتجمعات الثقافية والإعلامية التي قام على أمرها نصارى العرب.
وبمراجعة سريعة لمضامين الفكر في الرابطة القلمية أو الحزب القومي الاجتماعي أو في حركة مجلة شعر يكتشف الباحث المضامين النصرانية الواضحة، حتى ليخال أن هذه مؤسسات تبشير بالدين النصراني ليس إلّا.
ولو تأملنا أسماء أعضاء حزب القوميين الاجتماعيين الذي أسسه أنطون سعادة، أو أسماء أعضاء حركة شعر لاتضح بجلاء سيطرة النصارى والطائفيين (^٢).
_________________
(١) انظر كل هذه المعاني موثقة في كتاب الحداثة الأولى لباروت: ص ٢٥، وصاحبه حداثي قح.
(٢) انظر: أسماءهم في الحداثة الأولى: ص ٣٢.
[ ٢ / ٨١٩ ]
وليست السيطرة بوجود الأسماء فحسب بل وبالطرح الفكري القائم على محاربة الدين الإسلامي، والتشجيع عليه، فمثلًا النصراني المتعصب شارل مارك كان ينشر في "شعر" آراءه السوداء ضد الإسلام والعرب، والنصراني الآخر أنس الحاج أنتهك في كلامه ومنشوراته الهوية الإسلامية والعربية بشكل فاضح وعاصف، وهذا ليس من قول رجل يتبنى الإسلام، بل هو معنى قول حداثي يدافع عن الحداثة (^١).
لقد وصف الباطني أدونيس ما يوجد لدى مجلة شعر من اتجاه غيبي يسميه الحساسية الميتافيزيقية، فجعل هذا الاتجاه موصولًا بين اليونان الذين مثل لهم بسيزيف، والنصارى الذين مثل لهم بالمسيح ﵇ فأكد أن (الحساسية الميتافيزيقية هي الخاصية الرئيسية في نتاجها الشعري الحديث، فالكائن العربي المعاصر هو في شعرنا كائن ميتافيزيقي، يغوص إلى عمق الأعماق ويتضامن مع الآخر، ويحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل سيزيف والمسيح بين اليأس ويقين الأمل) (^٢).
وفي وصف لاتجاهات حركة مجلة شعر يقول باروت: (وإذا كانت نخبة "شعر" قد تعرفت على الأطروحة "المتوسطية" التي بررت باسمها الالتحاق بالغرب، من خلال تنظيرات "سعادة" بالدرجة الأولى كما نرجح، فيمكن القول أن اثنين من أبرز المساهمين في حركتها الثقافية الشعرية، وهما الدكتور رينه حبشي (^٣)، والدكتور هنري القيم (^٤)، قد طرحا الأطروحة "المتوسطية" من منظور تأثيري آخر، يرجع إلى تأثير هذه الأطروحة في وعي المثقفين الليبراليين الأقباط المصريين، والذين كانت القبطية لديهم انتماء قوميًا في الآن ذاته، ولقد كان كل من رينه حبشي وهنري القيم وجوديًا
_________________
(١) هو محمد جمال باروت في الحداثة الأولى: ص ٣٧.
(٢) مجلة شعر عدد ١٦ خريف ١٩٦٠ م/ ١٣٧٩ هـ: ص ٢٥٠.
(٣) رينه حبشي حداثي مصري نصراني قبطي وجودي، متعصب لنصرانيته وداعٍ إلى الفكرة الأوسطية في مقابلة الدعوة الإسلامية والعربية، من دعاة إحياء القبطية في بلاد مصر.
(٤) هنري القيم حداثي مصري قبطي نصراني وجودي، متعصب لدينه، داعٍ إلى إحياء القبطية وإعادة أمجادها.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
لبراليًا بالمعنى الدقيق للكلمة، ورغم أننا لسنا في صدد بث تأثير الأطروحة "المتوسطية" في وعي المثقفين الليبراليين الأقباط المصريين، إلا أن يُمكن القول: إن مؤسسات ثقافية إحيائية قبطية قد تبنت هذه الأطروحة وخصوصًا "جمعية الآثار القبطية" التي تأسست بالقاهرة عام ١٩٣٤ م هدفها تشجيع دراسة الحضارة المصرية في العصر المسيحي القبطي، ولها مكتبة وتصدر مجلة سنوية، وكتبًا في الآثار والفنون القبطية، مثلما أن الدكتور رينه حبشى، المثقف القبطي اللبرالي الوجودي المصري، كان ملتفًا حول كل الندوات والجمعيات التي تدعو لثقافة البحر الأبيض المتوسط وخصوصًا "الندوة اللبنانية" التي كان يديرها ميشال أسمر أحد الدعاة لهذه الثقافة، إضافة إلى التفافه -أي: الحبشي- حول حركة مجلة شعر) (^١).
وفي دراسة موجزة لبعض شعر يوسف الخال وما فيه من رموز وثنية وذكر للآلهة الكنعانية وأزمنة البعل وأدونيس وعشتروت، والتواصل معها، يؤكد باروت أن الخال لا يبحث في تيهه عن الفينيقية فحسب، بل يمتد في تلمس حضاري -هكذا حسب رأيه- إلى مستويات أخرى فيقول: (هذا المستوى الحضاري الذي يبحث في الشعر عن تجربة حضارية، يضمر مسيحية عميقة لها مستوياتها الميتافيزيقية الصرفة. . . لا يرى لسكان "المفازة" سوى صليب الفادي، طريقًا واحدًا للخلاص. . .، يظهر الفادي في قصيدة "البئر المهجورة" كبئر يفيض ماؤها بالخير. . .، يندمج في كل مضمر تموز بالمسيح، الفضاء الوثني بالفضاء المسيحي. . .) (^٢).
ثم يدرس مقطعًا آخر بعنوان "صلاة في الهيكل" (^٣) يقول فيه الخال: (الحجر ينطق، الحجر خبزًا، يصير نبيذًا) (^٤).
يقول باروت: (فالحجر إذ يثير في سياق النص مناخًا وثنيًا، فإن
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ٧٨.
(٢) المصدر السابق: ص ١٣١ - ١٣٣. وانظر: ص ١٣٤ من المصدر نفسه.
(٣) و(^٤) المصدر السابق: ص ٢٢١.
[ ٢ / ٨٢١ ]
انزياحه الشعري إلى خبز ونبيد يوحي بمناخ مسيحي تميز به يوسف الخال، فتعدد للحجر معان دلالية متعددة) (^١).
أتيت بهذه التحليلات والدراسات التي كتبها حداثي لا شك في انتمائه للحداثة ومدافعته عنها ومحبته لرموزها، لتكون شهادة شاهد من أهلها، ولئلا يقال بأن في استنتاجنا تعسف لا يحتمله النص المدروس، ولو ذهبت أتتبع كل ما كتب عن الخال وجبرا والصايغ والحاج وغيرهم من النصارى من المعاني النصرانية التي ضمنوها نتاجهم لطال الحديث.
بيد أنه ينبغي في هذا المقام الإشارة إلى أمرين مهمين:
الأول: أن الحداثيين النصارى، لم يتخلوا عن نصرانيتهم، بل اتخذوا الحداثة وبأوجهها العديدة وسيلة لنشر النصرانية عقيدة وسلوكًا ومنهجًا.
الثاني: أن الحداثيين غير النصارى، تقبلوا هذه المضامين والرموز ونقلوها وروجوها.
وقد مر في ثنايا هذا الفصل بعض أسماء النصارى الذين شاركوا في الصراع الثقافي، وكانوا طلائع الغزو الاعتقادي والهجوم الفكري (^٢).
غير أنهم لم يكونوا مجرد أسماء، بل كانوا عاملين فعالين في الميدان الصحفي أولًا، ثم في الميدان الأدبي والفكري.
لقد التفتوا إلى أمور مهمة في بث الأفكار والعقائد والقيم في الوقت الذي كان فيه المسلمون يعيشون غفلة شبه كاملة عن هذه الوسائل المهمة.
اهتم نصارى العرب بالصحافة في أول نشأتها في بلاد العرب، وجاءهم الدعم من بني ملتهم، فأمسكوا بزمام الصحافة العربية وتحكموا في شؤونها، وبثوا من خلالها ما يريدون في تدرج أن احتاج الأمر إلى تدرج، وفي مواجهة ووقاحة إذا ناسبتهم الأحوال والظروف، فكانت الصحافة لسانهم الناطق عن عقائدهم التصرانية القديمة، وعن عقائدهم الحديثة النابتة في أرض النصرانية المحرفة مثل العلمانية وغيرها.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢١.
(٢) انظر هامش (٣) ص ٦٨٩ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
كانوا أقلية ضعيفة فاستمدوا القوة من نشاطهم الدائب في الصحافة وغيرها، ومن أهل دينهم في الغرب، فأصبحوا قوة يخشى منها ويحسب حسابها، ويرجى رضاها.
الجانب الثاني الذي اهتموا به واستفادوا منه غاية الاستفادة جانب اللغة والأدب.
ففي اللغة أصدروا القواميس والمعاجم، وشكلوا المجامع اللغوية، وشاركوا فيها بفعالية، ويكفي أن نعلم أن نصارى لبنان على وجه الخصوص استطاعوا بهذه الهيمنة اللغوية أن يمرروا على المسلمين مضامين الكفر والشرك في لبوس من عبارات خادعة.
مثل لفظ "العلمانية"، والتي هي في الانجليزية (SECULRISM) والترجمة الحقيقة لهذه الكلمة هي "اللادينية"، ولا صلة لهذه الكلمة بالعلم ولا بالمذهب العلمي مطلقًا، وإنَّما صبغ نصارى العرب هذه العقيدة بهذا الاسم لإيهام الناس زورًا أنها لا تعارض الإسلام، لئلا تنفر نفوس المسلمين من الترجمة الصحيحة التي هي اللادينية، وبذلك استطاعوا أن يمرروا هذا المذهب بكل ما يحويه من كفر باللَّه ورسوله باسم العلم (^١).
ومنذ أن أشيعت هذه العبارة تحت غبار التدليس والكذب الفكري أصبحت سمة تميز فكر الذين يناهضون الدين، ويرون عزله عن الحياة، وأضحت تمثل ذلك الاتجاه المبتعد عن الدين في نظم الحياة التربوية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. . . إلخ، وفي اللغة تبنوا دعوات تدميرية للغة العربية (^٢).
أمّا الأدب فقد فطن النصارى إلى أهميته في إيصال مضامينهم وعقائدهم ورموزهم، لما في الأدب من جاذبية وطلاوة محببة للنفوس، وخاصة نفوس الناشئة الذين تستهويهم أمور الجماليات الفنية والترفيهية أكثر
_________________
(١) انظر: المباحث النفيسة حول كلمة العلمانية وأصولها وترجماتها واستعمالاتها ودلالاتها في: كتاب جذور العلمانية د/ السيد أحمد فرج: ص ١٠٦ إلى نهاية الكتاب.
(٢) انظر: الإحالة على مواقفهم من اللغة العربية في ص ٧١٤ - ٧١٨ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
من أمور العلوم الجادة، لما في الأدب من فسحة في تصريف الأقوال وتركيبها، ولما وُهب له من أحقية مزيفة على مدار التاريخ في تجاوز الحدود والضوابط الشرعية.
فطن هؤلاء لهذه الخاصيات فامتطوا صهوة الأدب ليعبروا من خلاله إلى مراداتهم، بل لقد جعلوا الأدب محضنًا للعقيدة والفكر، واستنبتوا فيه رموزهم ومضامين عقيدتهم، ووجهوه إلى المولعين بالعشق الفني، الذي يصعب على أكثرهم أن يفصل بين عشق النموذج الفني، وما يحتويه من مضامين فكرية، بل إن هذا الفصل لا يتأتى للمولعين؛ لما في الولع من عمى عن رؤية العيوب، ولما في أصحابه من جهل بالقواعد الاعتقادية والأصول الشرعية التي يجب الاحتكام إليها.
من هنا دخل الداخل على المسلمين، وتسنم سنام الأدب الحديث الظلاميون الخارجون من أقبية الكنائس، وسراديب الباطنية، وأنفاق الثقافة الغربية المادية.
وانطلق كل حاقد وفاسد يسيح من خلال وسائل الترويج المسيطرة من صحافة ومؤسسات ومنتديات وندوات، ليبث حقده وفساده، ويقتنص هواة الأدب، الضعفاء في دينهم وفي عقولهم، يستهوي هؤلاء الأبرياء ويستقطب كل متعطش للشهرة أو مرتزق بالثقافة والفكر، ليصبحوا في ثُبةٍ واحدة يشتمون دينهم ويسخرون من أمتهم، وينالون من عقيدتهم، وينادون بالتثليث والصلب والخطيئة والتكفير والفداء، وألوان كثيرة من خرافات الوثنيات والجاهليات المنقرضة.
فإذا بالمسلمين بعد حقبة من الزمان يرون في كل قرية أكابر مجرميها من أبنائها، يسعون في الأرض فسادًا وتخريبًا وتدميرًا، ويدأبون في تنفيذ ما تلقوه عن أساتذتهم من إرادة تدمير لديننا وكياننا ولغتنا وأخلاقنا.
وفي الجملة لا يوجد أديب ولا مفكر نصراني إلّا وقد وظف عمله الصحفي أو الأدبي أو الفكري في سبيل إيذاء المسلمين في دينهم وعقيدتهم أولًا، ثم في أخلاقهم وسلوكهم، ثم فيما يتلو ذلك من أمور الوحدة والانتماء والكيان والأمة واللغة.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
ولنأخذ على ذلك أمثلة من نصارى حركة شعر، ومن غيرها، وأقول من غيرها؛ لأن هناك من يحسن الظن بالحداثيين من غير حركة شعر، ويظن أن هذه الكوارث والبلايا الاعتقادية محصورة في تيار مجلة شعر؛ ولذلك يرى أنه (. . . أصبح من واجب النقد الخير أن يكون طرحه لشعر الحداثة على مستويين من التعامل:
أولهما: التعامل الفكري والعقائدي والعلمي والتاريخي مع تنظيرات نقاد شعر الحداثة.
وثانيهما: استئناف التنظير الفني لشعر الحداثة، وكأن مجلة شعر لم تكن) (^١).
أمّا المستوى الأول فهو مقصد هذا البحث ومحط رجاله، أمّا الثاني فإن الكاتب يفرق فيه بين مجلة شعر وغيرها، ويحسن الظن بمجلة الآداب البيروتية (^٢) وبحداثيين آخرين ويسمي نتاجهم (العطاء الإنساني الخير منذ السياب إلى عبد الصبور) (^٣)، ويقول: (ووجد قلائل كالبياتي وعبد الصبور وحجازي انطلقوا في ريادتهم عن وعي لقيم الحداثة يجنح بهم ثقافة عالمية متنوعة عميقة، إضافة إلى الموهبة فكل واحد منهم شاعر في إهاب عالم مفكر.
ولم يعدموا الحس القومي والوطني الذي يحدد موقفهم من أيديولوجية شعر بألا ينخرطوا في سلكها، مع أنه لم يظهر منهم موقف عدائي لهذه الطائفة القذرة) (^٤).
_________________
(١) من مقال بعنوان: أنوثة المتلقي لأبي عبد الرحمن الظاهري في جريدة الجزيرة، عدد ١٨١٩ في ٢٦/ ٣/ ١٤٠٦ هـ.
(٢) انظر: القصيدة الحديثة وأعباء التجاوز لأبي عبد الرحمن الظاهري ص ١٣٣، ١٤٩، وفيها الثّناء على سهيل إدريس صاحب مجلة الآداب، وللإنصاف فإن للأستاذ الظاهري نقد قوي متين لسهيل إدريس واتجاهه الوجودي في كتابه الالتزام والشرط الجمالي ص ٩ - ٣١ مع وصفه بأن واجب مثله أن يكون جلدة ما بين العين والأنف، وقوله "إنني أسأل الدكتور مع صادق ود وإعجاب" ولا شك أن الأستاذ الظاهري قد اطلع على معنى قول اللَّه تعالى ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ الآية.
(٣) و(^٤) المصدر السابق: ص ١٥٤، ص ١٤٣.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
أما مجلة الآداب فقد كانت غائصة في الوحل المادي القذر، في الوجودية وكان رئيس تحريرها وجوديًا سارتريًا، بشهادة أحد منظري الحداثة، وهو محمد جمال باروت حيث يقول: (لقد تركزت المعركة حول الوجودية التي تبنتها "الآداب" بزخم منذ أعدادها الأولى، ففي أعوام ١٩٥٣ - ١٩٥٦ م كانت الآداب منهمكة في ترجمة الوجودية، والبحث فيها عن ايديولوجيا للنخبة القومية. . .، وكان الهدف من ترجمة "الأيدي القذرة" لسارتر واضحة جدًّا في إثارة السبيل "لقادة الأحزاب العربية وأعضائها على السواء". . .، لقد كانت بواعث الترجمة أهم من الترجمة نفسها؛ ولذا فإن حقل الصراع سيتوجه أساسًا نحوها، إذ تتساءل "الثقافة الوطنية" إذا كان السيدان إدريس (^١) وشويري من أتباع سارتر، أي إذا كانا يتطوران معه ويجاريانه في انفعالاته الفكرية وبادراته الإنسانية، فلماذا لم يعمدا إلى ترجمة الأبحاث القيمة إلى نشرها في مطلع الصيف الماضي في مجلة "الأزمنة الحديثة". . . ستقف الآداب في معركة الوجودية التي ثارت في مصر عام ١٩٥٥ كممثلة للوجودية الحقيقة. . .) (^٢).
بل كانت الآداب وشعر تقومان بأدوار متماثلة في ترسيخ التبعية الغربية، وإشعال الحرب ضد الإسلام وما يتعلق به، وهذا ما قرره باروت في قوله: (. . . أن مشروعي "شعر" و"الآداب" كانا متماثلين بنيويًا ومتداخلين، ومتكاملين في إطار وحدة صراعهما وتناقضهما، والذي عبر عن الصراع الداخلي في المشروع الثقافي للنخبة القومية الليبرالية الوجودية في الخمسينات والستينات) (^٣).
أمّا السياب فقد كان من أعمدة مجلة شعر.
أمّا صلاح وحجازي والبياتي فإنهم وإن لم يكونوا من الكتاب في
_________________
(١) المقصود سهيل إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب، وهو وجودي داعٍ إلى الوجودية، وكذلك كانت مجلته في الغالب.
(٢) الحداثة الأولى: ص ٤٦ - ٤٧.
(٣) الحداثة الأولى: ص ٤٣.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
مجلة شعر إلا أنهم لايختلفون -من حيث مجمل الاعتقاد- عن أصحاب مجلة شعر، وخاصة فيما يتعلق باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته والغيبيات، ولا يختلفون عنهم من حيث المبدأ في أخذ العقائد والرموز الوثنية، وإحياء مضامينها الجاهلية، إلى حد جعل أحد النقاد يعتبر "البياتي" المثل القوي لما أطلق عليه "تموزية" ما بعد "حركة مجلة شعر" وأثبت بالشواهد الكثيرة (^١).
فضلًا عن الشواهد الكثيرة التي نقلناها في الفصول السابقة والتي تدل غاية الدلالة على مناقضة هؤلاء لعقيدة الأمة بل ومحاربتهم لها بشتى السبل، فما الفرق إذن بين هؤلاء الذين أثنى عليهم الظاهري، والطائفة القذرة التي وصف؟.
من هذا السرد نصل إلى نتيجة قاطعة هي: أن الحداثة مضمونًا وفكرًا واتجاهًا، تناقض الإيمان باللَّه والتوحيد والطاعة والخير والحق، وأشخاصها الذين يتبنونها ويشايعونها هم أشد على الرحمن عتيًا، سواء كانوا نصارى أو نُصيريين، أو من أبناء المسلمين الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب وأهل الأوثان.
ولنعد إلى المقصود، وهو إثبات أن أتباع الحداثة من النصارى العرب، غلب عليهم الإحساس الطاغي في الإبانة عن تراث دينهم وعقيدتهم وثقافتهم، فاستعملوا ذلك في نتاجهم، وقد يقال بأنهم لا يلامون إذا فعلوا ذلك؛ لأنهم يعبرون ويبيتون عن دينهم وعن دخائل أنفسهم، والعقيدة غلابة ومؤثرة في المواقف والألفاظ والأحوال، فإذا تحدث النصراني عن "خطيئة" أبيه آدم على أنها لا تمحى بالتوبة، وأنه قد ورّثها لأبنائه، حتى جاء "المسيح" فقتل وصلب -حسب زعمهم الكاذب- ففدى البشرية وخلصهم من النكال، والإثم الجاثم على أرواحهم، سواء أتى بهذا الألفاظ: الخطيئة والتكفير والخلاص والفداء والصلب، أو أتى بألفاظ أخرى تدل على المعنى نفسه، أو استخدم هذه الألفاظ في سياق دلالاي رمزي لمعاني مجازية
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٦١.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
تقارب المعنى الأصيل في العقيدة النصرانية، إذا فعل ذلك نصراني ارتضع النصرانية منذ "نصره" أبواه أو معلموه فلا ريب أن ذلك يتناسب مع بعضه، ووجوده على ألسنتهم وفي أدمغتهم ومؤلفاتهم من الأمور الطبيعية العادية، مثلما أن وجود التوحيد والتنزيه للَّه والمحبة والإجلال للأنبياء جميعًا في كلام المسلم ونتاجه الثقافي وجودًا طبيعًا، غير أن الكارثة المميتة أن نجد ألفاظ ومصطلحات ومضامين العقيدة النصرانية في ألسنة وأعمال أبناء المسلمين، وكأنهم خدم صغار في أروقة الكنيسة.
يزعم الحداثيون بأن حداثتهم شمولية غير مقيدة بأديان معينة، وبعضهم يدعي وهو في منخفض هزيمته: أنهم يعتبرون جميع الديانات السماوية جزءًا من التراث الروحي للبشرية جمعاء (^١).
هكذا في تملق ذليل للنصارى، ومغالطة واضحة، وانهزام اعتقادي جلي.
أما النصارى فإنهم أخذوا دور القوي في هيمنة فكرية بسطوا من خلالها احترامًا لدينهم ورموزهم ومضامين عقيدتهم المحرفة، ولم يتخلوا عن ملتهم، بل سخروا الأدب الحديث لغرس المفاهيم والألفاظ النصرانية، وتطبيع استعمالها، بدعوى أن هذا الأدب الجديد يستخدم ألفاظًا كثيرة الاستعمال في دين سماوي يعترف به الدين الإسلامي نفسه، وبدعوى عالمية الثقافة، ووحدة الوطن، ومراعاة مشاعر المواطنين، والبعد عن إثارة الفتن الطائفية، إلى غير ذلك من المبررات التي يعددها أقوام هانت عليهم عقيدتهم وضعفت ألبابهم.
ولنورد الآن من الشواهد ما يؤكد أن نصارى الحداثة لم يتخلوا عن نصرانيتهم بل قاموا بخدمتها من خلال الأدب الحديث:
_________________
(١) هذا قول لمحمد مندور نقله وناقشه فيه الشيخ، محمود شاكر في أباطيل وأسمار: ص ٢٠٧.
[ ٢ / ٨٢٨ ]