قد ذكرنا في الفصول الماضية طريقتهم في النيل من الحقائق، وأسلوبهم في زعزعة اليقينيات الثابتة من خلال استعمالهم لأسلوب السخرية والاستهزاء، وهم وإن كانوا قد رسخوا هذا الأسلوب وتوسعوا في استعماله، إلّا أنهم لم يخرجوا فيه عن أساليب الكفار البدائيين الأوائل، وقد أخبر اللَّه تعالى عن ذلك، في خصوص سخرية الذين كفروا بالمؤمنين بعقيدة اليوم الآخر فقال -جَلَّ
_________________
(١) أحاديث عن جبران: ص ١١٥.
(٢) انظر: كتاب "سباحة في بحيرة الشيطان" لغادة السمان.
(٣) في طريق الفجر: ص ٢٢١ لعبد اللَّه البردوني.
[ ٢ / ١٤٢٩ ]
ذكرُه-: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^١).
لقد ابتدأ هؤلاء الجاهلون ضلالهم من ضمن ما ابتدأوا به حين اثاقلوا إلى الأرض بأعراضها الزهيدة واهتماماتها الصغيرة، فوقفوا عندها لا يتجاوزونها ولا يمدون بأبصارهم إلى شيء وراء هذا المتاع الزائل، ولا يعرفون شيئًا غير هذه الحياة الحسية، ولا يعترفون بقيم غير تلك القيم التي تفرضها شهوات الدنيا وأهلها، ومن كان هذا حاله فلا يمكن أن يسمو تصوره أو ترتقي اهتماماته أو ترتفع غاياته عن هذه السفوح الهابطة، ولا يُمكن أن يصل ببصيرته إلى تلك الآفاق الإيمانية التي يعيش المؤمن بها ومعها في هذه الحياة العاجلة.
ومع كل ذلك فإننا نجد هؤلاء الصغار، المهازيل في أفكارهم وعقائدهم وتصوراتهم وطموحاتهم، نجدهم يسخرون من الذين آمنوا باللَّه واليوم الآخر، ينظرون بازدراء واحتقار إلى من هم أجل منهم وأعظم وأشرف وأكرم، ينظر الغارقون في وحول المادية والمستعبدون للأرض والحياة الدنيوية، إلى الذين آمنوا فيسخرون منهم، ومن إيمانهم وعقائدهم وتصوراتهم وأعمالهم؛ لأن الميزان الذي يزن به الكافرون الأعمال والقيم والعقائد هو ميزان الحس والمادة، ميزان الطين والأرض والشهوة، ميزان الجاهلية والضلالة، فلا غرو أن يكون حكمهم مترعًا بمقتضيات هذه الأعراض والأوصاف والأحوال، ألم يكن أسلافهم على خطتهم الساخرة حين مروا على نوح ﵊ وهو يصنع الفلك؟ لقد كانت موازينهم الدنيوية ومعاييرهم الجاهلية تؤزهم إلى السخرية من هذا النبي الذي توعدهم بالطوفان، ولكنهم بسبب ماديتهم وحيوانيتهم وجاهليتهم لا يرون في الفلك المصنوع على اليابسة إلّا محل تندر وسخرية وضحك واستهزاء، ولكن نوح ﵊ قال لهم بلسان الموقن المستبصر العاقل العالم ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ (^٢).
_________________
(١) الآية ٢١٢ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٣٨ من سورة هود.
[ ٢ / ١٤٣٠ ]
إنهم يملكون في أيديهم ميزان الحق والبصيرة، ويعلمون الحقيقة كما هي عليه من غير غبش ولا لبس، فليمضوا في طريقهم لا يحفلون بسفاهة السفهاء، وسخرية الساخرين، واستهزاء الجاحدين، إنهم أعلى منهم في هذه الدنيا وفي الآخرة كما هو الواقع الذي أخبر اللَّه عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (^١).
وكما أخبر ﷾ في شأن سخريتهم بعقيدة اليوم الآخر: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ (^٢).
وإذا ذهبنا إلى تتبع أقوال أهل الأدب الحديث الذي سخروا فيها من هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، فإننا نجد الكثير من غثائهم وسفاهاتهم الدالة على مناقضتهم الكاملة لملة الإسلام، وحربهم المستعرة لعقائده وأركانه وأصوله وسائر قضاياه.
ومن ذلك قول الباطني النصيري الملحد أدونيس: (ضال ضال لن أعود، السقوط حالتي وشرطي، الجنة نقيضي) (^٣).
ويكفيك من شر سماعه!! هذا هو إمام أهل الحداثة العربية، وهذا نعته لنفسه، فما بال الفارغين الساقطين يذعون أنهم باتباعهم له ومحاكاتهم له ودفاعهم عنه يمارسون الحق والتقدم والصعود؟!.
أليس في هذا القول ما يكفي للدلالة على حالته وحياته وعقيدته وفكره؟، ولكن المقلدين لا يفقهون!.
أمَّا كون الجنة نقيضًا له فلا ريب في ذلك وإن ساق ذلك في سياق تهكم وسخوية.
_________________
(١) الآية ١٣٩ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ٢١٢ من سورة البقرة.
(٣) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٣٨٣.
[ ٢ / ١٤٣١ ]
من سخرياته بالآخرة وحقائق الغيب الثابتة فيه قوله:
(رقعه من شمس البهلول
هكذا
يكلمني كرسي ليس بيني وبينه ترجمان
عند الكرسي حوض
عند الحوض ميزان
حول الميزان بقرة غمامة
والكتب تتطاير
هنا
ينبت الناس كما ينبت الحب في السيل إذا اشتهى الإنسان طائرًا
سقط بين يديه مشويًا بعد أن يشبع تتجمع عظام الطائر وينهض
ليرعى هنا أشجار تخرج من أوراقها ثياب لا تبلى
سحائب لا يسألها الإنسان شيئًا إلّا أمطرته
بعضهم يقول: أمطرينا نساءً
فتمطر. ويدخل الرجل في المرأة
دحمًا دحمًا
وإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا
فجأة ظهر في الجهة الثانية هنالك
عنق من النار يتكلم
كان رجل وامرأة يتجهان نحوه رأيت النار تتغيض وتشهق
[ ٢ / ١٤٣٢ ]
وقيل: هذه نار ضربت بالبحر مرتين لولا ذلك لم تكن فيها منفعة لأحد
وسمعت من يقول: خلص اللبن من الماء ثم غاب صوته كأنه يسد
ثقبًا في جرم الكون رأيت شخصًا خارجًا من النار يجر لحمه كما تجر المرأة
ثوبها رأيت سحابة تنادي أهلها:
- ماذا تطلبون؟
- ماءً ماءً
لكن السحابة تمطرهم سلاسل وجمرًا وقيل: لهؤلاء طعام لا يدخل
المعدة لا يعود إلى الفم يبقى بين الحلقوم والمعدة
ورأيت سجنًا يقال له موسى وقيل بولس وقيل مصطفى
فيه أشخاص يبكون تسيل عيونهم جداول رأيت مراكب
تجري فيها) (^١).
هذه الصورة التي سردها الباطني الملحد في استخفاف وسخرية بحقائق اليوم الآخر، وذلك حين جعل كل ذلك رقعة من شمس البهلول الذي يجعله رمزًا للدجل والكذب والعته، ثم يختم سياق سخرياته هذه بجعل السجن الذي في النار -كما في سياف افتراءاته- بأسماء ترمز للأديان موسى عن اليهودية، وبولس عن النصرانية، ومصطفى عن الإسلام، وهو بهذا يريد أن يقول بأن الدين سجن منذ أن جاء موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
إضافة إلى كل ذلك فإنه ساق هذه المشاهد على أساس أسطوري خلط فيه بين الثابت الصحيح مما جاءت به النصوص، والكذب المفترى مما أنتجته قريحته الجاهلية المنحطة.
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠.
[ ٢ / ١٤٣٣ ]
وفي موضع آخر يستشهد بكلام أشياخه النصيريين ويقتبس عبارات "الشلمغاني (^١) " النصيري التي فيها الإلحاد الصريح والسخرية من الجنة والنار، فيقول:
(ويقول الشلمغاني
اقرأوا كتابي - الحاسة السادسة في إبطال الشرائع
الجنة أن تعرفوني
النار إن تجهلوني) (^٢).
وفي مقطع آخر يتحدث عن "القرمطي" مشيدًا به ملتصقًا بباطنيته ممتدحًا بمبادئه الضالة، في إشارة واضحة إلى مدى التقارب الفكري والمنهجي والاعتقادي، وفي دلالة صارخة على الانتماء الباطني الذي لم يفارقه أدونيس ولم يتخل عنه، وفي ذلك رد واضح جلي على الذين يظنون أن أدونيس مجرد مفكر حديث أو مبدع معاصر، إن صحت هذه الألقاب والعبارات، يقول أدونيس:
(وقال القرمطي
أنا النور لا شكل لي
وقال أنا الأشكال كلها
سمع أدونيس ورفع ساعديه تمجيدًا) (^٣).
ثم يقول:
(وقال القرمطي:
الجسد صورة الغيب
_________________
(١) سبقت ترجمته: ص ٣٧٤.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٥٤٨.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٥٦٣ - ٥٦٥.
[ ٢ / ١٤٣٤ ]
وحمل الأرض في كتفي ناقةٍ وأعلن
أنا الداعية والحجة -) (^١).
ثم يخاطب القرمطي:
(استغونا أيها السيد استدرجنا. . .
استغونا استدرجنا
نتوافق نتناصر
ننصب الدعوة
وندخل في تميمة الإباحة) (^٢).
هل بعد هذه العبارات أي شك في الانتماء الباطني والارتباط الاعتقادي بالنصيرية الباطنية؟.
ثم يواصل في هذا المقطع الباطني مخاطبًا القرمطي ساخرًا بأبواب الجنة والنار:
(استغونا أيها السيد استدرجنا
لماذا كانت أبواب الجنة ثمانية
وأبواب النار سبعة كأبواب السموات؟
استغونا -
ندخل في "أهل السواد"
"سفهاء الأحداث"
"اتباع الفتن"
ونجهر
_________________
(١) و(^٢) المصدر السابق ٢/ ٥٦٣ - ٥٦٥.
[ ٢ / ١٤٣٥ ]
نحن التخاييل علم الآفاق
تخبرنا الطير عن الأباعد
وتطوى لنا الأرض) (^١).
وتاللَّه لقد استغواك غاوي الباطنية وغاوي المادية وغاوي الإلحاد وأصبحت من سفهاء الأحلام وإن عدك المنبهرون بك من سادة الأنام، وأضحيت من اتباع الفتن بل من قادتها والفتنة أشد من القتل!!.
فهل علمت المقلدة لأدونيس أي جريمة تقترفها في حق العلم والعقل والحق والخير بتقليدهم وتبجيلهم له؟ بيد أن أصدق وصف لهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون.
إن النصوص الميتة المبثوثة في طول وعرض الكتب والمجلات الحداثية، يأبي أصحابها إلّا أن يكونوا ضمن دائرة التخثر الجاهلي الأرعن بإصرارهم على مناوأة الحقيقة واعتناق الأباطيل، وعكس المعايير.
فها هو أحد نقاد الحداثة يصف المؤمن بزوال الدنيا ومجيء الآخرة بأنه إنسان شبحي حيث يقول: (ومن وجهة نظر دينية ترى في العالم صورًا زائلة، حيث ينتج نص شبحي يصلح لإنسان شبحي كإنسان التدين، يؤكد ويعيد تأكيد إحفاء العالم وإبعاده.
هذه الدائرة لا يكسرها إلّا عودة الحركة إلى الطرفين: الوعي والعالم، الجدل الصادر عن رؤية العالم في صلابته الأبدية، في دلالاته المتولدة باستمرار) (^٢).
وهنا نحن الآن أمام نَموذج ظاهر من نَماذج استهزاء الصغار الغارقين في وحل المادية المنتن، بالمؤمنين كما وصف اللَّه -جلَّ وعلا-: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣) حيث يعبر هذا الحداثي -
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٥٦٧.
(٢) بحثًا عن الحداثة لمحمد الأسعد: ص ١٠٨.
(٣) الآية ٢١٢ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٤٣٦ ]
بحسب ميزانه الجاهلي- عن دهرية اعتقادية وذلك من خلال رؤيته للعالم في صورته الأبدية، وهو تعبير مادي دهري ليس إلّا.
ومن مقتضياته اعتقاد التسلسل المادي إلى ما لا نهاية وذلك في اعتقاده الدلالة المتولدة باستمرار، وهو أصل من أصول الحداثة يقوم على هذه الفكرة، ويعبرون عنها بالصيرورة الدائمة، والتقدم المستمر والتواصل الدائم، وأبدية الحداثة والإبداع، واللاثبات، إلى غير ذلك من العبارات القائمة على مناهج فكرية قوامها التطور المطلق، وهي عقيدة مرتبطة باعتقاد أبدية الحياة الدنيا واستحالة الحياة الآخرة، والسخرية من كل عقيدة تقول بزوال الدنيا أو مجيء الآخرة، والتطور المطلق أساس من الأسس الحداثية ومنطلق للمذاهب الفكرية المادية (ومن هذه النقطة تدافعت كل النظريات والمذاهب الحديثة، وفي مقدمتها التفسير المادي للتاريخ ونظرية فرويد في النفس والجنس، ومفهوم العلوم الاجتماعية في الفصل وفي إلغاء ثبات الأخلاق وظهور مفاهيم الوجودية والهيبية) (^١).
أساس هذه العقيدة الجاهلية هو اعتقاد أصحابها أن المادة ليست شيئًا أكثر من وجودها الخارجي المتمثل في ظاهراتها المتحركة المتغيرة، فهو عندهم الجوهر والماهية في الوقت نفسه، مع العلم بأن ظاهرات المادة ليست أكثر من آثار وخصائص لها، فإذا كانت كذلك -وهي في الحقيقة كذلك- فلابد من اليقين بوجود المؤثر، وكذلك لو قلنا بأن هذه الظاهرات هي أشكال للمادة فلابد من اليقين عندئذٍ بوجود أرضية أو موضوع لهذه الأشكال، ثم إن انحصار ظاهرات كل نوع من أنواع المادة ضمن نطاق لا تتعداه شيء واضح وملموس، وهذا ما يجعلنا على يقين بأن المادة وظاهراتها تمارس حركتها وهي محصورة في قبضة لا يُمكن أن تتجاوزها، وهذه القبضة المحكمة هي التي تمنع ظاهرات المواد وخواصها المتنوعة المختلفة أن تمتزج وتتشابك، وهذه القبضة الحاكمة موجودة يحكم أثرها الواضح (^٢)، إذن فلا سرمدية
_________________
(١) أخطاء المنهج الغربي الوافد لأنور الجندي: ص ٤١.
(٢) انظر: نقض أوهام المادية الجدلية للبوطي: ص ١١٢ - ١١٤.
[ ٢ / ١٤٣٧ ]
للمادة، ولا حركة مطلقة لها، وليست فاعلة بحد ذاتها، وليست ذات تطور مطلق.
هذا بالنسبة للتطور المطلق والصلابة الأبدية للعالم حسب قول الحداثي الآنف الذكر، أمَّا وصفه للمؤمن باللَّه واليوم الآخر بأنه إنسان شبحي وينتج نصًا شبحيًا فهو آت على الميزان الجاهلي القديم في السخرية من الذين آمنوا، والشتم المنطلق من قاعدة العجز عن إقامة الدليل ومقارعة الحجة بالحجة (وسيظل المؤمنون ينظرون من علٍ إلى أولئك الهابطين، مهما أوتوا من المتاع والأعراض، على حين يعتقد الهابطون إنهم هم الموهوبون وأن المؤمنين هم المحرمون، فيشفقون عليهم تارة، ويسخرون منهم تارة، وهم أحق بالرثاء والإشفاق) (^١).
إن عبارات السخرية والاستهزاء التي يطلقها هؤلاء ليست في حقيقة الأمر إلّا عجزًا يلبس ثوب القدرة، وضعفًا يرتدي رداء القوة، وخوفًا من غلبة الحق يأخذ شكل الاستهانة والتحدي والاستخفاف، وهالة مصطنعة تأتي في ألبسة التقريرات الجوفاء والدعاوى الحمقاء والشتائم الهابطة.
وإلّا لو أردنا أن نعرف الإنسان الشبحي والفكر الشبحي على الحقيقة لوجدنا ذلك شاخصًا في شخصيات الكفار والملاحدة والماديين الذين لا يرون سوى الأشباح، ولا يعيشون إلّا بشبح إنسان، ولا يعرفون سوى شبح هذه الدنيا الزائلة، أمَّا الجوهر والحقيقة والعمق والروح فهم أجهل الناس بها وأبعد الناس عنها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (^٢).
ومن أمثلة الاستخفاف بعقيدة اليوم الآخر قول الكاذب الليبي المسمى الصادق النيهوم: (. . . الإسلام عقيدة قائمة على حرية العقيدة، لا تنكر حق
_________________
(١) في ظلال القرآن ١/ ٢١٥.
(٢) الآية ١٢ من سورة محمد.
[ ٢ / ١٤٣٨ ]
أحد في الجنة بعد الموت، بل تثبت حق جميع الناس في جنة إضافية على هذه الأرض) (^١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ (^٢).
وأي استخفاف وسخرية بالدين وبعقيدة يوم القيامة أعظم من هذا الافتراء الحداثي الذي يجعل الجنة حقًا لكل أحد مؤمنهم وحداثيهم مسلمهم وعلمانيهم؟!.
قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (^٣).
ومن أمثلة سخريتهم باليوم الآخر وما فيه، ما كتبه حداثي مغربي في مجلة الناقد تحت عنوان "من وجوديات يقظان بن حي" وفيه يقول: (يقول اللَّه تعالى لعباده يوم القيامة: ادخلوا يا عبادي الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم، هذا ما قاله الحسن البصري، والأعمال كما نعلم إنّما هي بالنيات، فما الحكم في حق الذين يأتون الأعمال الشريرة بالنيات الحسنة؟ وهذا هو حالي.
حسب توقعات عراف عصري حصلها من حساب الاحتمالات وأحداث الآلات الحيسوبية: لن أدخل النار، كما أني لن أدخل الجنة بما في الكلمة من معنى وما فيها من فرش مرفوعة وولدان مخلدين وحور وفاكهة كثيرة وأكواب وأباريق وكأس من معين. . لذا فسيملكني ربي إقطاعًا صغيرًا من بضعة أمتار مربعة في زريبة من زرائب الجنة، ولا يهم إن سمعت فيه لغوًا أو تأثيمًا، ذلك لأنني سأكون مشغولًا بما سيكلفني ربي به: أن أرعى عينة من الحشرات المؤمنة الصالحة، متهجزًا بالعبادة والصوم إلى الفوز بدرجة أرقى، كأن أسهر على راحة بعض الدواجن الطاهرة المتعبدة.
_________________
(١) الناقد، العدد الأول تموز ١٩٨٨ م/ ١٤٠٨ هـ: ص ١١.
(٢) الآية ٢١ من سورة الأنعام.
(٣) الآيتان ٣٥ - ٣٦ من سورة القلم.
[ ٢ / ١٤٣٩ ]
إني كما ترون لا أطمع في ناقة اللَّه، ولا أطلب أن ترسل السماء علي مدرارًا، وإنّما ينتهي طموحي إلى أن يسعدني ربي ويكرمني فيوسع من إقطاعي ويقلدني رعاية قطيع من الغنم المحبب أكله عند الصالحين المقربين إلى العرش، ولرعاية معزي وخرفاني الطائعة المرضية، لن أحتاج إلى عصا، بل إلى مزمار انفخ فيه واستعمله كذلك لتبديد ما قد يعتريني بين الفينة والأخرى من حزن ومخاوف أو شعور بالغربة.
إني لا أطمع يارب إلّا في أن ترفع عني كل كربة في دار المأوى والقرار. . . فطوبى لي أن جعلتني في زريبتي من الدار الأخرى إلى سر السرور أتوق، وطوبى لي إن وهبتني من حين لآخر دنًا من الخمر ولو كان غير معتق وغير ذي شأن، كالذي أتجرعه في دارك الفانية.
وطوبى لي فطوبى أن أسكنت بجواري جارية من جواري الجنة، ليس من الضروري أن تكون جميلة أو مجنحة. . . وإنّما ابتغيها لأروادها عن نفسها بالحسنى حتى إذا شاءت أشهدتك على نكاحها، وأنت خير الشاهدين) (^١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ (^٢).
أمَّا الحداثي المصري جابر عصفور فإنه يعترض على وصف الحداثة والحداثيين بالكفر، ويجعل ذلك قائمًا على تخييل إرهابي وتسلط وقمع وإرهاب -حسب قوله- ثم يجعل ذلك آتيًا من (المخزونات المصاحبة للقيم
_________________
(١) مجلة الناقد، العدد ١٨ كانون الأول ١٩٨٩ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٤٢ والمقال للحداثي المغربي سالم حميش.
(٢) الآيات ٧ - ١٠ من سورة الجاثية.
[ ٢ / ١٤٤٠ ]
الدينية حيث الخوف من عذاب القبر والرعب من نار الآخرة. . .) (^١).
ولست أدري هل يعلم هذا الحداثي بأن وصفه المستهين بعقيدة اليوم الآخر، وجعله سببًا للتصورات القمعية والإرهاب والتسلط، ونعته بأنه من المخزونات المصاحبة للقيم الدينية، هل يعلم بأن كل ذلك كفر باللَّه تعالى؟ قال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (^٢).
ولهم في الاستخفاف بالجنة ونعيمها صولات ضلالية مفعمة بالسخرية والاستهزاء كقول شاعر العامية المصري الماركسي صلاح جاهين، حسب ما نقله عنه الماركسي اللبناني محمد دكروب:
(أوصيك يا ربي لما أموت. . . والنبي
ما تودنيش الجنة للجنة سور) (^٣).
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ (^٤).
ومن هذا الضرب ما نقله معين بسيسو في كتابه الأعمال الشعرية من كلام لصنوه التركي ناظم حكمت الشيوعي ذي الأصل اليهودي، حيث قال:
(وضع الشاعر في الجنة
فصرخ قائلًا:
آه يا وطني) (^٥).
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ٢٠٤.
(٢) الآيتان ٦٥ - ٦٦ من سورة التوبة.
(٣) شخصيات وأدوار: ص ١٧٨، ١٨٩.
(٤) الآيتان ٤٠ - ٤١ من سورة الأعراف.
(٥) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ١٥٧.
[ ٢ / ١٤٤١ ]
وقد سار بسيسو على منوال ناظم في استخفافه بالجنة ونعيمها، وزاد ضلالة على ذلك بجعل هذه السخرية والاستخفاف على لسان الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري (^١)، الذي يستخدمه الاشتراكيون الملاحدة رمزًا لاشتراكيتهم كما يزعمون، ثم ينال من الصحابيين الجليلين عثمان (^٢) ومعاوية (^٣) ﵄، يقول الحداثي الماركسي بسيسو تحت عنوان "من أوراق أبي ذر الغفاري":
(وسار وحده ومات وحده وعاد
يصيح مت لم تزل
بقية من الكلام في فمي
نفيت مرتين، مرة هنا
_________________
(١) هو: الصحابي الجليل جندب بن جنادة الغفاري، أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد -ﷺ-، كان خامس خمسة في الإسلام، رجع إلى قومه داعيًا بأمر النبيﷺ- فلما هاجر النبي -ﷺ- هاجر إليه أبو ذر ولازمه وجاهد معه، وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، كان رأسًا في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوالًا بالحق، شهد فتح بيت المقدس مع عمر، وخرج إلى الربذة في عهد عثمان، طاعة لأمر رسول اللَّه -ﷺ- له إذا بلغ البناء سلعًا وفيها توفي سنة ٣٢ هـ ﵁. انظر: سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٦.
(٢) هو: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أمير المؤمنين ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، من الأشراف في الجاهلية والإسلام، مجهز جيش العسرة، تولى الخلافة سنة ٢٣ هـ، وكان عهده عهد فتوحات، ثارت عليه فتنة المفتونين فحاصروه في داره وقتلوه ﵁ صبيحة عيد الأضحى وهو يقرأ القرآن سنة ٣٥ هـ، فوقع السيف في أمة محمد -ﷺ- منذ ذاك، ومناقبه جليلة كثيرة. انظر: الإصابة ٢/ ٤٥٥.
(٣) هو: معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، الصحابي الجليل، وكاتب الوحي وصهر رسول اللَّه -ﷺ-، أسلم يوم الفتح، ولاه عمر الشام وأقره عثمان عليه، ثم تولى إمرة المؤمين إلى أن توفي ﵁ عام ٦٠ هـ، وكانت خلافته ١٩ عامًا. انظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ١١٩، والبداية والنهاية ٨/ ١١٧، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٢٠٧.
[ ٢ / ١٤٤٢ ]
ومرة هناك في الحديقة المعلقة
بلوت صحبة الملائكة
بلوتها سئمتها
ضجرت من ولدانها المخلدين وحورها المزوقة
وخمرها المعتقة
وعدت يا معاوية
ألقي بشعرة الذئاب
في مغازل العناكب المشردة. . .
ولم يزل عثمان
يداه تقطعان أرض اللَّه.
وهو خاشع يرتل القرآن) (^١).
ويقول نزار قباني: (حتى الجنة لو أخذت شكل المنفى لكانت مرفوضة) (^٢).
ومن الاستخفاف الظاهر قول البياتي:
(غدًا أمام اللَّه في الجحيم
احطم الدمية والقدح) (^٣).
ومن الاستهانة بالآخرة قول صلاح عبد الصبور:
(ومن موته انبثقت صحوتي
وأدركت يا فتنتي أننا
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٢) فتافيت شاعر: ص ٩٢.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ١٦٠.
[ ٢ / ١٤٤٣ ]
كبار على الأرض لا تحتها
كهذا الرجل) (^١).
نعم من كان صاحب كفر وسوء وضلال وشك فهو صغير حقير ذليل مهين، أمَّا من عمل صالحًا فإنه كبير عند اللَّه جليل في الحياة وفي القبر وعند البعث.
ومن يهن اللَّه فما له من مكرم، ومن يكرم اللَّه فما له من مهين.
ومن هذا قول النصراني توفيق صايغ واصفًا نفسه:
(ارتعدت ركبتاي اصطكا
لا لخشية اللَّه.
انقلبت خشّتي (^٢) الخالية
مرقصًا فاحشًا بروما
أنا الذي سجنت ذاتي هنا
خوفًا من النار
رفيق العقارب والضواري
رقبت الغواني
يتعرين يرقصن
لاحقت حركاتهن البذيئة
حركة حركة حركة) (^٣).
ويقوك الرافضي الشيوعي مظفر النواب داعيًا في سخرية أن يغفر اللَّه
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٦١.
(٢) هكذا.
(٣) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٣٠٦.
[ ٢ / ١٤٤٤ ]
لمن لم يسكروا في الدنيا، ويتعجب كيف يشتاقون للجنة وهم لم يفعلوا ذلك:
(رب سامحهم وإن لم يسكروا
كيف يشتاق إلى خمرة جناتك
من لا يعرف الخمر
ويشتاق صباياها
إذا كان هنا ما عشقا؟!) (^١).
أمَّا نزار قباني فإنه يجعل من أمارات تخلف الشرق العربي والشرق المسلم عمومًا أنهم يؤمنون بيوم القيامة، وهذا القول غاية في الاستخفاف بهذا الركن من أركان الإيمان، يقول قباني:
(الملايين التي تركض من غير نعال
والتي تؤمن في أربع زوجات
وفي يوم القيامة) (^٢).
وله في هذا أقوال كثيرة خاصة وهو يصف الأعضاء الجنسية لعشيقاته، ومن ذلك قوله:
(كيف ما بين ليلة وضحاها
صار نهداك مثل يوم القيامة) (^٣).
وقوله:
(يبني وبينك كهنة وعرافون
_________________
(١) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية: ص ٥٤ - ٥٥.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٣٦٧.
(٣) المصدر السابق ١/ ٧٦٩.
[ ٢ / ١٤٤٥ ]
وعلامات حب قادم تشبه علامات يوم القيامة) (^١).
وقوله:
(تحت سرتك المستديرة
كفم طفل
يتنبأ باهتزاز الأرض
ويعطي علامات يوم القيامة) (^٢).
وعبد العزيز المقالح يصف يوم ٢٩ سبتمبر ١٩٦٢ م الموافق ٥/ ١٣٨٢ هـ يوم الثورة اليمنية، بأنه يوم القيامة، وذلك في قوله:
(سلمت أياديهم بناة الفجر عشاق الكرامة
الباذلين نفوسهم للَّه في ليل القيامة) (^٣).
أمَّا خبائث الملحد علاء حامد التي بثتها روايته "مسافة في عقل رجل" فهي كثيرة، وسخرياته بهذا الركن الجليل عديدة منها قوله على لسان أحد شخصيات الرواية حيث يصور أنه دخل الجنة فيقول: (هل هذه هي الجنة، سخرت من نفسي، لمجرد أن عقلي طرح هذا الاحتمال ابتسمت، لكن لماذا يطلقون عليها الجنة، أية جنة تلك التي يقطنها مجموعة من المرضى، يتناثرون كالأشياء) (^٤).
ويقول في حوار روائي:
(- لو خيرت بين الدنيا والجنة لاخترت الأولى
- بكل ما فيها من موبقات
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٨٨١.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨.
(٣) ديوان المقالح: ص ١١٣.
(٤) مسافة في عقل رجل: ص ١٦.
[ ٢ / ١٤٤٦ ]
- أي موبقات تعني، إنك ستجد في الجنة مايذهب العقل ويوجع الفؤاد، هل ترى ما نحن عليه الآن، إنه من صنع الإله، فما يقذره يحدث لنا. . .) (^١).
ويقول عن أحدهم: (لقد أسهب في وصف الجنة، وغذى عقول الناس بالوهم الرخيص من الكلام حتى صدقوه، فهو يحبس نفسه عن الناس حتى لا يضربوه بالنعال) (^٢).
ويتهكم بالمؤمنين وعقيدتهم في اليوم الآخر قائلًا: (هذه هي جنتهم الموعودة جنة عرضها السموات والأرض، لكن هل حقًا ما يعتقدون، بعثًا بعد موت؟! حياة أخرى بعد الحياة الأولى. . .) (^٣).
ويطلق ألفاظًا سوقية على الجنة فيقول عنها:
(إنها جنة اللذة الحسية. . .
إنه مبروك. . حاسي حمى جنة المسكرات
مبروك يتقدم نحوي يعرض بضاعته. . أفيون. . حشيش. . خمور) (^٤).
وفي حوار روائي يسأل أحدهم:
(- والجنة والنار؟
- الجنة هي ما تراها أمام عينيك. . حضارة شعبنا، والنار هي التي تشوى عليها اللحم) (^٥).
ويقول: (. . . الانحلال يأتي من داخل المجتمع نفسه بتحلل خلاياه، فالحضارة بعناصرها الأساسية من أرض وشعب وإرادة عمل لا صلة بينها
_________________
(١) و(^٢) المصدر السابق: ص ١٨ - ١٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٣١.
(٣) و(^٥) المصدر السابق: ص ٣٢ - ٣٣.
[ ٢ / ١٤٤٧ ]
وبين الاعتقاد بوجود الجنة أو النار أو إنكار وجودهما. . بمعنى أنه لا ارتباط بين الحضارة وبين هذه المعتقدات) (^١).
ويسمى الإيمان بالجنة آمالًا كاذبة فيقول: (وتدفع هذه الآمال الكاذبة قطعان البشر للاستسلام للظلم والاستبداد والقهر والاستذلال والجوع والحرمان أملًا في جنة أخرى غير أرضية يقطف ثمارها الإنسان بعد موته. . .
هل قرأت أو سمعت عن مجتمع انهار لأنه لا يؤمن بوجود يوم البعث والحساب؟. . .) (^٢).
وتتنوع عباراته في السخرية بالجنة وما فيها من نعيم ويسميها "الفندق الإلهي" (^٣) وبسأل ساخرًا عن التأثيث في بيوت الجنة والأجهزة الموجودة فيها من مكيفات وثلاجات، والمرافق والمباني والملاعب، والأدوات المدرسية والمواد الأولية للبناء كالاسمنت والحديد والطوب والورق، ثم يضيف بعد ذلك كله: (الأقرب إلى التصور أن الذي يعمل لخدمة أهل الجنة هم أهل النار، هم الكادحون، ينظفون الشوارع، ويقيمون المباني، وينشئون المرافق، ويجمعون القمامات، ويطهون الطعام، ويعملون في المصانع، كل المصانع من الإبرة إلى الصاروخ. . .) (^٤).
وكلامه الساقط من هذا القبيل كثير (^٥).
وتتحدث نوال السعداوي عن "البودي جارد" أي الحارس الجسدي فتقول متهكمة: (وفي سعادة طاغية يموت فداء الوطن وفي عنقه مفتاح الجنة معلقًا داخل السلسلة يفتح باب الجنة ويدخل مع الأنبياء والشهداء) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١٢.
(٢) المصدر السابق: ص ١١٣.
(٣) و(^٤) المصدر السابق: ص ١١٦ - ١١٧.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٠، ١٢٢، ١٢٣، ٢٠٨.
(٥) سقوط الإمام: ص ٤٠.
[ ٢ / ١٤٤٨ ]
وتقول: (وينتقل عقلي على الفور من هذا العالم إلى العالم الآخر، وأرى الجنة ممتدة خضراء، وأنا ممدود فوق السندس، ومن حولي الحوريات سابحات في النهر عاريات تحت الشمس، وفي الضوء أتعرف على ملامحهن وليس من بينهن وجه زوجتي الشرعية، ويرتفع صوتي وأنا أقهقه للمرة الرابعة أو الخامسة وأضربه على فخذه المشدود متسائلًا، كم للرجل المؤمن من حوريات؟ ويقول: سبعون أو سبعة وسبعون واللَّه أعلم، وكم للزعيم المؤمن أو الإمام؟ وقهقه الكاتب الكبير وضرب رقمًا خياليًا، لكن خيال الإمام كان أكبر، ثم يسأله فجأة، وماذا عن زوجاتنا الشرعيات إذا دخلن الجنة معنا؟ وقال صديق العمر: زوجاتنا لن يدخلن الجنة، قلت: لكن إذا حدث ودخلت إحداهن؟ قال: يستبدلها اللَّه بحورية عذراء، فالجنة لن يكون بها زوجات شرعيات وإلّا فما الفرق بين الجنة والأرض) (^١).
ولها كلام طويل في السخرية بيوم القيامة وباللَّه تعالى، وأن الإشعاع النووي المدمر هو يوم القيامة، وأنها تشمل كل شيء سوى خليفة اللَّه في الأرض، أي الإمام في عالمنا البشري -حسب خرافاتها- وضلالاتها المظلمة (^٢).
وتقول: (. . . ثقتي في دخول الجنة مائة في المائة مثل ثقتي باللَّه، في جيبي توصية من النبي وبعض صكوك التوبة من بنك الإيمان، أخرجتها كلها من جيبي لحارس الباب رضوان ﵇، كان أميًا لا يقرأ الحروف المكتوبة، قلت له: أنا الإمام والقيت عليه إحدى خطبي المعروفة، لم يفهم شيئًا فهو لا يتكلم اللغة العربية) (^٣).
وتواصل بعد هذا الكلام ملء ثلاث صفحات تهكمًا بذيئًا وسخرية قذرة بالآخرة والجنة والملائكة والشفاعة وخمر الجنة والصراط والنبي -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥١ - ٥٢.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٥٦.
(٣) المصدر السابق: ص ١٢١.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٢١ - ١٢٤.
[ ٢ / ١٤٤٩ ]
ومن أنماط سخرياتهم واستخفافهم بهذا الركن العظيم إطلاق أسماء القيامة والجنة والنار على غير حقيقتها كقول البياتي:
(كان على بوابة الجحيم "ببكاسو" وكان عازف القيثار في مدريد
لملكات المسرح المغتصبات يرفع الستارة
بعيد للمهرج البكارة
يخبيء السلاح والبذور في الأرض إلى قيامة أخرى وفي منفاه
يموت في المقهى وعيناه إلى بلاد البعيدة) (^١).
وقد مرّ معنا من قبل وصف عبد العزيز المقالح للثورة اليمنية بأنها ليل القيامة (^٢).
ونحوه قول أحمد دحبور: (كانت الطائرات تصفُّ المدى بموازاة يوم القيامة) (^٣).
وخلاصة ما تقدم: أن الحداثيين في عقيدة اليوم الآخر على نقيض ما عليه عقائد أهل الإيمان، فهم يجحدون اليوم الآخر وما وراءه، ويعدون الموت للإنسان فناء لا شيء بعده، أو أن الإنسان يتحول إلى مادة أخرى حسب عقيدة التناسخ، ويقولون بأبدية الدنيا وبعض ما فيها، وهي عقيدة الدهريين، ومن هذه العقيدة أضلوا قاعدتهم المنافية للثبات والمقررة للتطور المستمر والصيرورة الدائمة، وهم مع كل هذه الضلالات يسخرون من عقيدة اليوم الآخر ومن قضايا الآخرة الثابتة في كتاب اللَّه وسنة رسوله -ﷺ-.
وفي تضاعيف هذه العقائد الضالة من الجهالات والأباطيل والانحرافات ما لا يتسع المجال لإحصائه والاستشهاد عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٢٧٧.
(٢) انظر: ديوان المقالح: ص ١١٣.
(٣) ديوان أحمد دحبور: ص ٧٢٨.
[ ٢ / ١٤٥٠ ]
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ (^٢).
• • •
_________________
(١) الآيات ٧٨ - ٨٣ من سورة المؤمنون.
(٢) الآيات ٣٣ - ٣٧ من سورة المؤمنون.
[ ٢ / ١٤٥١ ]