هذا النوع من الإلحاد مترتب على ما مضى من جحد لوجود اللَّه ونفي كونه -تعالى- خالقًا مدبرًا ربأ لهذا الكون وما فيه، وهي مبنية على الاعتقاد الإلحاديّ القائل بأزلية المادة والمذهب الماديّ الذي يقرر بأنه لا وجود لأي جوهر غير المادة، فجميع الظواهر النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية إنما يفسرها الوجود الماديّ، ويتضمن هذا المذهب أن العالم أبديّ (^٢).
ومن جذور هذا النوع من الإلحاد أيضًا ما يسمى بالمذهب الطبيعيّ وهو تفسير تطور المجتمع بقوانين الطبيعة، مثل الأحوال المناخية والبيئية والجغرافية والاختلافات العضوية والجنسية بين الشعوب، وكل ذلك يقوم على مركزية الإنسان في الكون وأنه نتاج أعلى للطبيعة (^٣)، وكل ذلك مبني على أزلية المادة التي منها الكون والعالم.
وهذه الادعاءات ومستلزماتها الفكرية والعملية الأخرى دعاوى أعطيت بهرجًا ونفخت فيها المهابة باسم العلم والتجربة، غير أنها لا تثبت على ميزان البحث العقليّ والعلميّ والتجريبيّ، وستنهار مع انهيار حجر زاوية هذه الفلسفة المادية وأعني به: "القول بأزلية المادة وكونها أساس الوجود".
وعقدة هذا القول أن أصحابه لا يؤمنون بشيء غير محسوس أو غائب عن الوعيّ البشريّ، ومن هنا بدأت هذه الخرافة في أدمغة الماديين، ولفك هذه العقدة يُمكن أن يقال لهم: ليس كل ما غاب عن الوعي الحسيّ أو الوعي البشريّ يعد معدومًا، فعدم العلم بالشيء لا يدل على العلم بعدمه،
_________________
(١) الآيتان ٤٣ - ٤٤ من سورة الفرقان.
(٢) انظر: ما سبق عن المذهب الماديّ ومدارسه وأشهر شخصياته ص ١٠٨ - ١١٠.
(٣) انظر: ما سبق عن المذهب الطبيعيّ في ص ١١٠.
[ ١ / ١٦٤ ]
وتوجد أشياء كثيرة مغيبة عن الوعي البشريّ وهي موجودة ولكن الوعي البشريّ لم يحط بها، وهناك فرق بين موجود مغيب ومعدوم غائب فالأول حقيقة غير منظورة، والثاني خرافة لن تنظر، وليس كل ما غاب عن وعينا يجب أن نتوقف فيه أو نجحده، وذلك لأننا نعيش اليوم حقائق علمية كانت بالأمس مغيبة، ونحس بآثار مغيبات أخرى، وتدلنا هذه الآثار قطعًا على وجود المغيبات المؤثرة مثل الأثير وطبقة الأوزون والغلاف الجويّ والضغط الجويّ وغيرها، وهناك مغيبات يجزم العقل والحس والوعي البشريّ بكذبها لكونها تجر إلى المحال أو تصادم الحقائق الثابتة كنظرية داروين (^١) وكالنظرية القائلة بأزلية المادة وأبديتها، وأنها -حسب التعريف الإلحاديّ- "لا تفنى ولا تستحدث من العدم"، والمادة عند الماركسيين أشد الملاحدة الماديين ليست شيئًا أكثر من وجودها الخارجيّ المتمثل في ظاهراتها المتحركة المتغيرة (^٢).
وهذه كافية لقصم فقار هذه الافتراضية المؤلة للمادة العمياء فيقال لهم: إن ظاهرات المادة ليست أكثر من آثار وخصائص لها وتسميتها ظاهرات اعتراف منهم بهذا، وإذا كانت هذه الظاهرات آثارًا فلابد من اليقين بوجود المؤثر (^٣).
أمّا الزعم بالمادة الأولى والخلية الأولية للكائنات فزعم لا دليل من العقل ولا الحس ولا التجربة عليه مطلقًا، وعلى افتراض وجود هذه الخلية الأولى فالسؤال الحتميّ: من الذي أوجدها؟ فإن قالوا: أوجدت نفسها وقعوا في الخرافة، فليس في الوجود ولا في تصور العقل ولا في نتائج التجربة أن شيئًا يوجد نفسه؛ إذ لابد أن يكون مسبوقًا بالعدم وإلّا لزم التسلسل إلى ما لا نهاية في الماضي، وهذا محال في العقل، والعدم لا يفعل شيئًا باتفاق عقول جميع العقلاء مسلمهم وكافرهم، ولا يخالف في ذلك إلّا مجنون أو مكابر بسفسطة هي حجة عليه قبل أن تكون حجة على غيره.
_________________
(١) انظر: لن تلحد، لأبي عبد الرحمن بن عقيل: ص ٢٠٩ - ٢١١.
(٢) و(^٣) انظر: نقض أوهام المادية الجدلية، لمحمد البوطي: ص ١١٢.
[ ١ / ١٦٥ ]
إذن لابد لكل فعل من فاعل، ولكل مصنوع من صانع، ولكل موجود من موجد؛ لأن الشيء لا يُمكن أن يوجد نفسه؛ ولأن العدم لا يُمكن أن يوجد شيئًا، وهذه أوليات المحاجة، ومقدمات تزييف آرائهم الباطلة.
ثم يمكن الولوج بعد ذلك إلى ذكر قوانين العلية والسببية ودليل العناية ودليل التمانع، وغيرها من الأدلة الكاشفة لزيف دعاوى الملاحدة، والمثبتة أن اللَّه خالقٌ للكون وهو المتولي لتدبيره والتصرف فيه، كما أن في أدلة المكتشفات الحديثة والتجارب العلمية ما يؤكد هذه الحقيقة، وفي علوم الفيزياء الحديثة والأحياء والفلك ما يدل دلالة واضحة على أن الكون والإنسان والعالم كله من خلق اللَّه، أوجده بعد أن لم يكن موجودًا، ومن أراد أن ينكر كل هذه البراهين فليبطل دليل العلية والسببية، والعناية والتمانع، وليأت بالشمس من المغرب، وليمنع تعاقب الأوقات والفصول وليرفع أسباب الحياة المعيشية عن الأرض: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ (^١).
إن الإيمان بخالق واحد أحد للكون حتمية عقلية حسية تجريبية؛ لأن الإيمان بتسلسل في الخلق لا ينتهي أمر لا يُمكن للعقول قبوله، في حين أن الإيمان بخالق، ينتهي به هذا المحال العقليّ، وذلك وفق دليل قطعيّ عقليّ هو قانون العلية، وأيهما أسلم وأصح في العقول الإيمان بشيء غير متصور عقلًا كالتسلسل وأزلية المادة، أم الإيمان بشيء حتميّ التصور والوقوع؟.
والعقل السليم لا يتصور تسلسل الخالقين إلى غير نهاية، على اعتبار أن المادة خالقة وسبب للوجود كما يقول الملاحدة، ولكنه مضطر إلى الإيمان بخالق لا أول له هو اللَّه الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد وهو الأول الذي ليس قبله شيء.
وإذا نظر العاقل إلى مماحكات الملاحدة عمومًا، والملاحدة المقلدين من العرب خصوصًا يجد أن جدلياتهم تسير ضمن منهج من المغالطات والتقريرات والألفاظ التي تتصنع العقلية والمنطقية، وتتلبس بلبوس التقدم
_________________
(١) الآية ٣٥ من سورة الطور.
[ ١ / ١٦٦ ]
العلمي زيفًا وافتراءًا، مع أن التقدم العلميّ في حقائقه لا في افتراضاته بعيد كل البعد عن دعم الإلحاد، وفي العلوم المادية والمكتشفات العلمية ما يدل بجلاء ووضوح على زيف الإلحاد ويقينية الإيمان باللَّه تعالى، غير أن الملاحدة يكثرون الادعاء، ويتبجحون بالعلم التجريبي ويتعاظمون بالتقدم العلمي، ويتسلقون على ظهور المكتشفات، وينتفشون بذكر الأسماء الأجنبية المعروفة في مجال العلوم والمعارف المادية، فيدلسون على ضعفاء العقول والإمعات وفاقدي الشخصية.
وهذه الأفكار المنحرفة لم تعش بقوة ذاتية فيها؛ لأن الوهن ملازم لكيانها، بل عاشت بقوة تحميها أو بطنطنة محترفين لها يدعون إليها أو ببهرج إعلام يزيف الحقيقة ويزين الفساد.
وإذا انتقلنا إلى الأدب العربي المعاصر -محل البحث- وما فيه من انحرافات من هذا القبيل، فإننا نجد ما يدل بجلاء على أن القوم استهدفوا دين الأمة وعقيدتها قبل أن يستهدفوا أي شيء آخر، فمنذ أن أعلن كاهن الحداثة في تلمود الحداثة الثابت والمتحول أنه ليس للخلق أول (^١) والملأ من أتباعه على مسلكه يرددونه بصيغ أخرى ما قاله هناك وما قاله هنا من أن (. . . جوهر الإنسان ليس في كونه مخلوقًا بل في كونه خالقًا. . . وجوهر الإنسان في أنه كائن خلاق مغير، وجوهر الثقافة بالتالي هو إذن في الإبداع المغير) (^٢).
وهنا سر المسألة في ربط الإبداع بالكفر ومزجه بالاعتقاد القائل بأبديته وأزليته وأزلية العالم، مع أن إلجام الإبداع بالزيف قتل واغتيال له؛ ولذلك لم تستطع الشيوعية المادية الملحدة أن تهرب من الميتافيزيقيا في الفن والأدب، بل كانت مغرقة في ذلك وإن ربطتها بالحاجات الاقتصادية وصراع الطبقات.
_________________
(١) الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٧٥.
(٢) الثابت والمتحول ٣ صدمة الحداثة: ص ٢٤٨ وقد يقال بأن هذه الجملة ليست صريحة في الدلالة على المقصود، والناظر في سياق هذه الجملة وسباقها ولحاقها وخاصة ص ٢٥٠ يجد أن هذا المعنى الخاسر هو المراد عند أدونيس.
[ ١ / ١٦٧ ]
لكن أدونيس وأتباعه يرون أنه لا إبداع إلّا بالإلحاد، زعمًا منهم أن حضارة القرن العشرين قامت على الإلحاد، وهذا كذب واضح، فإن العلوم التجريبية والمعارف التطبيقية وحقائق العلم البحتة قامت على جهود متدينين غير ملحدين من النصارى واليهود، أمّا خرافات الفلسفات المادية وهرطقات الإلحاد الفكريّ فجاءت على يد عاطلين فاشلين لا جهد لهم في التقدم الماديّ من أمثال ماركس وسارتر وهوبز ونيتشه.
وتبعًا لهذه النظرة الإلحادية عند أدونيس وربطها بالإبداع يقرر في صلف أبدية الشعر، فيقول: (. . . إن العمل الشعريّ لا ينتهي، الآلة وحدها تنتهي وهو لا ينتهي … إن وعي الشاعر لذاته لا يبدأ من التاريخ، أو من الماضي، بل يبدأ من ذاته نفسها، وذاته في يقظة دائمة، ففي كل لحظة يعيش ويفكر ويخلق كأنما للمرة الأولى. . .) (^١) ويُفهم هذا المعنى إذا قرن قوله هذا بأقواله الأخرى الدالة على هذا المقصد عنده بل المبنية عليه، كما فصل ذلك في الجزء الثالث من الثابت والمتحول.
وفي مقطع من كلامه الذي يسمى شعرًا يصف النطفة بالخلق، وهو تصريح بأبدية الخلق وذاتيته والاستغناء عن الخالق -﷾- فيقول:
(لم ترني عيناك
بكرًا كماء النطفة الخالقة
لم ترني أقبل من هناك
في موكب النذور
وفي خطابي العشب والصاعقة
غدًا غدًا في النار والربيع
تعريف أني حاضن البذور
غدًا غدًا توقن بي عيناك) (^٢).
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس ١/ ٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٩٤.
[ ١ / ١٦٨ ]
والمقصود هنا هو مهيار، الذي رمز إليه كثيرًا في شعره، وامتدحه، وجعله نموذج التكوين الحداثيّ الآتي، ورمز المستقبل وعنصر الجدة والإبداع، وكثيرًا ما يرمز بمهيار لنفسه، على طريقة "القناع" وهو الأسلوب الحداثيّ المعبر عن شخصية يختفي خلفها الكاتب، ويعبر من خلال تلك الشخصية عن أفكاره وعقائده وآماله وغير ذلك (^١). . . و"مهيار الدمشقيّ" هو كذلك بالنسبة لأدونيس، وهذا ما أكده جهاد فاضل (^٢) في كتابه قضايا الشعر الحديث حيث قال: (. . . أمّا مهيار الذي سمى نفسه به مضيفًا إليه الدمشقيّ أحيانًا كثيرة فهو مهيار الديلمي الشاعر الفارسيّ الشعوبيّ الذي يثير اسمه أعذب الذكريات لدى أدونيس، فلكثرة إعجاب أدونيس به سمى نفسه مهيار، وللتفريق بينهما أضاف الدمشقي، وهي كلمة ترمز إلى تلك المرحلة السورية السابقة للفتح العربيّ، والتي شهدت وجود شخصيات فكرية معروفة مثل يوحنا الدمشقي وسواه، وكل ذلك أمور لها دلالتها عند أدونيس وعند القارئ معًا) (^٣).
واتخاذ أدونيس لرمز مهيار -إضافة إلى ما ذكره جهاد فاضل- أن مهيار الديلميّ كان مجوسيًا ثم أسلم على يد الشريف الرضي (^٤) وهو شيعيّ
_________________
(١) القناع شخصية يتخذها الشاعر أو الروائيّ يختبئ وراءها ليعبر عن موقف يريده، أو قضية يطرحها أو فكرة يبثها. انظر: معجم المصطلحات الأدبية: ص ٢٨٠، واتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٢١ - ١٢٥.
(٢) جهاد فاضل اسمه الحقيقي جوزيف فاضل، من أهل لبنان، ناقد حداثيّ، له مواقف نقدية قوية وصريحة ضد مجموعة من الحداثيين من منطلق قوميّ، نقد نزار قباني وأدونيس وغيرهما، وكشف أنواع الانحرافات والعمالة، بتشخيص موضوعيّ، وحصلت بينه وبين نزار قباني مراجعات كشف فيها بعض سوءات الحداثة. أنظر: فتافيت شاعر لجهاد فاضل، وقضايا الشعر الحديث له.
(٣) قضايا الشعر الحديث، لجهاد فاضل: ص ١٣٩. وانظر: اتجاهات الشعر العربي لإحسان عباس: ص ١٢١.
(٤) هو: محمد بن الحسن بن موسى الرضي العلويّ الحسينيّ، أشعر الطالبيين، ونقيب الأشراف، شيعيّ المذهب، له كتب كثيرة منها خصائص أمير المؤمنين علي، وديوان شعر ومجاز القرآن، له شعر رائق، ولد وتوفي في بغداد ٣٥٩ - ٤٠٦ هـ. انظر: الأعلام ٦/ ٩٩.
[ ١ / ١٦٩ ]
معروف ودرس على يديه، وعليه تخرج في الشعر والأدب، وتشيع وغلا في تشيعه وسب الصحابة في شعره، وهنا وجه آخر من أوجه إعجاب أدونيس بمهيار وتغنيه به وامتداحه له (^١).
وطالما تغنى أدونيس بمهيار ومجّده وتنبأ له بالمستقبل الباهر، وفي المقطع الذي نقلناه آنفًا شيء من ذلك فهو "النطفة الخالقة" إشارة إلى أبديته وأبدية شعره ومبادئه، وهو العشب والصاعقة، وهذا تعبير عن التدمير والثورة والنماء، وغده ومستقبله مركب من النار ذات الإحراق والإضاءة، والربيع رمز الحياة والتجدد، والبذور يريد بها الأفكار والأتباع الذين أُعدوا لبث الفكرة ونشر العقيدة الباطنية الإلحادية، والجذور الوثنية البابلية التي يقول عنها:
(أخلق بابل في الأجناس وفي الأنواع وأخلق بابل في
الصلوات وفي الشهوات وأخلق بابل في الأرحام
وفي الأكفان، وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق
وأخلق بابل في الأصوات وفي الأسماء وفي الأشياء
وأظل اللهب الضارب في الأشياء
خارج هذا الورق الرملي ادشن أنحائي
بالضوء، برغبة أن أبقى
خارج هذا الملْك عصيًا) (^٢).
_________________
(١) مهيار الديلميّ هو مهيار بن مرزويه أبو الحسن الديلمي، كان مجوسيًا وأسلم سنة ٣٩٤ هـ على يد الشريف الرضي وهو شيخه وعليه تخرج، تشيغ وغلا في تشيعه وسب الصحابة ﵃، قال له ابن برهان: يا مهيار انتقلت من زاوية في النار إلى أخرى فيها، كنت مجوسيًا وأسلمت فصرت تسب الصحابة. انظر: البداية والنهاية ١٢/ ١٤، وتاريخ بغداد ١٣/ ٢٧٦، ووفيات الأعيان ٢/ ١٤٩، والأعلام ٧/ ٣١٧.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة ٢/ ٣٥٩.
[ ١ / ١٧٠ ]
المعاني نفسها مكررة هنا، إلّا أنه يضيف رغبته في إحياء بابل الوثنية، وإعادة تاريخها وعقائدها، متمثلًا وثنيتها ومتشبهًا بضلالها في نسبة الخلق إلى نفسه، كما كانت تفعل الوثنية البابلية في نسبتها الخلق إلى آلهتها، إنه بهذه يظهر نفسه في موطن تأليه نفسه، ناسبًا الأبدية للمخلوق الفاني الضعيف حيث يقول: (وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق) وهو يعني بذلك أنه يؤصل المبادئ والعقائد التي يعتنقها، ويرسخ وجودها في الواقع من خلال التدمير والإحراق (وأظل اللهب الضارب في الأشياء).
تدمير وثورة على كل شيء في الواقع العربي، الدين والأخلاق والقيم والنظم والتراث التي عبّر عنها بالورق الرمليّ، ثم يصف نفسه بأنه يضيء نفسه بالضوء، وبالرغبة في البقاء خارج الأطر والقواعد العقدية والأخلاقية وغيرها، ولنا أن نسأل أي ضوء يريده هذا المظلم المتخبط في ظلمات الكفر والجهل والتبعية، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.
إن بابل التي يمهد أدونيس الطريق أمام وثنيتها، ويعلن انتماءه إليها لون من ألوان التقلب في الظلمات، من ظلمة الوثنية إلى ظلمة المادية الإلحادية إلى ظلمة الباطنية النصيرية إلى ظلمة النصرانية.
أمّا بابل التي يقدسها ويشيد بها، في الوقت الذي يدنس فيه المدن الإسلامية فإنه يضفي عليها صفات الربوبية، ويلحق نفسه بذلك حين يصفها بالأبدية، وهو يعني شعره وفكره وعقيدته وحداثته، يقول:
(تهجم بابل في طاووس أو جلاد
ويكون التاريخ هشيمًا
والقيم قيانًا
وتكون الأشجار سبايا
أحيانًا
بابل قبل
[ ١ / ١٧١ ]
وبابل بعد
وبابل وجه للأحياء وللأموات
يولد في أسمائي
بشر
يزدحمون ويقتتلون/ خذيهم
دليهم واحتضنيهم
كوني طرقًا لهم وفتوحات، يا أسمائي
فأنا الأبد المتشرد خارج أسمائي
أبديًا) (^١).
هذه الأبدية التي يصف بها نفسه وشعره وفكره هي الفرع الفنيّ والأدبيّ -إن صحت التسمية- للفكرة الإلحادية التي أصلها في تلمود الحداثة كتاب الثابت والمتحول، وذلك في معرض حديثه عن سلفه جبران خليل جبران الذي يعده طليعة الحداثة العربية المعاصرة بكل ما يحتويه جبران من وثنية يونانية ونصرانية ومادية حسب تعبير أدونيس في قوله: (. . . يشكل نتاج جبران خليل جبران ظاهرة من مستوى آخر تتمثل في تجاوز القديم العربيّ وصهره في قديم أشمل يونانيّ -مسيحي- كونيّ. . .) (^٢).
ويوجز أدونيس الدلالات الحداثية الأساسية التي أرساها جبران بشعره في نقاط عديدة، منها:
(أ - ليس العالم شيئًا مخلوقًا منتهيًا، وإنّما هو اندفاع متحرك لا ينتهي، إنه يولد باستمرار.
ب - رفض الشريعة أو القواعد المسبقة على جميع المستويات.
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة ٢/ ٣٦١.
(٢) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٥٦.
[ ١ / ١٧٢ ]
جـ - الإنسان كائن خلاق، يشارك في الخلق الإلهي، وليس الخلق الشعري إلّا صورة للخلق الكوني بكامله.
د - ليس الشعر مجرد انفعال أو تعقل وإنّما هو رؤيا شاملة للكون وبحث دائم عن المطلق.
هـ - الحداثة انفصال. . . انفصال على مستوى المطابقات بين المرئيّ واللامرئيّ. . .) (^١).
ومن هذا النص نستخلص عدة أمور ذات أهمية بالغة في تصور الحداثة مبدأ ومسلكًا وهدفًا:
الأمر الأول: نسبة الأزلية إلى العالم ونفي كونه مخلوقًا للَّه تعالى، وما دام كذلك فهو متجدد تجدد المادة التي لا تفنى ولا تستحدث من العدم حسب المفهوم الإلحاديّ، وما دام الأمر كذلك فليس هناك ثوابت ملطقًا، ومن هذا المبدأ تولد المبدأ الحداثيّ المجمع عليه من سائر أتباع الحداثة حتى الذين يزعمون أنهم يحترمون الدين الإسلامي.
وهذا المبدأ هو: نفي الثبات مطلقًا، والمناداة بالصيرورة والتغير الدائمين.
وقد تفرع على هذا المبدأ الحداثي مبادئ أخرى منها القضاء على فكرة الخلود والثبات، واعتبار أن أي فكرة ثابتة فهي تخلف، ومنها السعي لتغيير كل مطلق ثابت، ومنها اعتقاد أبدية الإبداع.
الأمر الثاني: أن الحداثة بعد أن تأسست على الإلحاد واعتقاد أزلية وأبدية العالم، فهي تسعى إلى هدم الشريعة ورفض نظمها وقواعدها وأصولها ومقتضياتها.
الأمر الثالث: أن الشاعر والإنسان ليسا مخلوقين بل خالقين، وأن الحداثي في عمله الشعريّ ليس سوى خالق بالمعنى الكونيّ لهذه الكلمة،
_________________
(١) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٥٦ - ١٥٧.
[ ١ / ١٧٣ ]
وهذا تأليه للشاعر وتأليه للإنسان، وإعراض عن اللَّه تعالى، واستكبار إلحاديّ على ربوبيته وألوهيته -﷾-، واعتبار أن الإنسان يخلق مثل اللَّه، أو يشارك اللَّه في الخلق هو مبدأ حداثيّ يعبرون عنه تارة بهذه العبارة الصريحة في الكفر والإلحاد، وتارة يرمزون لذلك بعبارات "التكوين" و"الإيجاد" و"كونية الشعر والشاعر" ونحو ذلك من الألفاظ.
الأمر الرابع: الحداثة ليست مجرد شعر وأدب وتحديث في الأشكال والأساليب بل هي رؤيا شاملة للكون والحياة والإنسان، وعقيدة شمولية مضادة للتوحيد والإيمان والإسلام والشرع والدين.
الأمر الخامس: الانفصال عن اللَّه وشرعه ودينه، والعقيدة التي جاء بها الإسلام، أو ما عبر عنه أدونيس بالانفصال بين المرئي واللامرئي.
وهذه الأمور التي طبعت الحداثة العربية بطابعها وكستها بكسوتها، هي التي وجهت المضامين الحداثية في دلالاتها التقريرية الواضحة أو في رموزها وإشاراتها، وهي التي صبغت التيار الحداثي بمختلف مدارسه بهذه الصبغة بصورة كلية أو جزئية، حسب جرأة الحداثي على إظهار مكنونات عقيدته أو تستره خلف الغموض والرموز، وقد شرحت خالدة سعيد (^١) بعض كلام زوجها أدونيس فقالت: (والكتابة الإبداعية واحد من امتدادات الحضور الإنساني والفعالية التاريخية، لذلك تحتم أن يرى فيها المبدعون الحديثون خاصة لغة لكلية التجربة الإنسانية، ومن هنا كان غياب الأغراض في الشعر مثلًا، إذ صارت القصيدة لحظة كلية، تستوعب الوضعية الإنسانية في شموليتها، وهكذا تطلع الشعر والنص الإبداعي عامة إلى النهوض بالدور الفلسفي والفكريّ والاجتماعيّ، وبالديني أو الأسراريّ "وليس الدين"، وإذا كانت الحداثة -حركة تصدعات وانزياحات معرفية- قيمية فإن واحدًا من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراريّ من مجال
_________________
(١) خالدة سعيد حداثية سورية باطنية الأصل، زوجة الحداثيّ النصيريّ أدونيس، وشارحة أقواله، ومتولية أمر الدعاية له، والمنافحة عنه، تنطوي على عداوة شديدة للإسلام كزوجها.
[ ١ / ١٧٤ ]
العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش، وإذا كان جبران يشكل إنجازًا مهمًا على هذا المستوى من حيث إقامة المصالحة بين الغيبيّ والإنسانيّ عبر تداخل الدلالات، واستعارة اللغة المقدسة للزمنيّ، فإن ديوان أغاني مهيار الدمشقيّ قد شكل أول انقلاب بين العالمين ونقل المقدس إلى الحقل الإنسانيّ، ولابد من القول في هذا المجال أن ديوان لن لأنسي الحاج قد أسهم في تجريح المقدس ورفع لواء العصيان البشريّ وإقامة لغة التجديف، غير أن مهيار يصوغ التجديف بلغة تبني الدينية الضدية، وترسم إله الدمار والتفكك وتؤسس لانقلاب القيم ومواقع المقدس.
هذا الانزياح علامة تاريخية كبرى. . . ومن هذا المنظور يمكننا أن نقرأ ديوان أمل دنقل (^١) العهد الآتي، فهذا العهد الآتي هو عهد الإنساني، حيث الإنسان هو البدء) (^٢).
فإذا كانت الحداثة العربية بهذه المثابة فما مرادها من نفي الخلق عن اللَّه وإزاحة المقدس، والمفاخرة بالكفر والتجديف؟ إنها تبحث عن دين آخر غير الإسلام، وتتطلع -تلافيًا للخواء الذي انحطت فيه- إلى إله آخر تتعبد له، أو ما يعبرون عنه بالبحث عن المطلق حسب قول أدونيس: (. . . ليس الشعر مجرد انفعال أو تعقل وإنّما هو رؤيا شاملة للكون وبحث دأئم عن المطلق) (^٣).
_________________
(١) أمل دنقل ولد في صعيد مصر عام ١٣٥٩ هـ/ ١٩٤٠ في أسرة متدينة ونشأ على ذلك وكان يلقي خطب الجمعة ثم تحول إلى معجب بالماركسية والوجودية رافضًا يقينية الدين الإسلاميّ، متخبطًا في الأوهام والشكوك، عاش متسكعًا في المقاهي، متعاطيًا للخمور والحشيش، مقارفًا للموبقات، كان سليط اللسان، شديد القبح في منظره ومخبره، تشم رائحة الشيوعية منه عن بعد، وشعره مليء بالعقائد الضالة ومنها التهكم باللَّه تعالى والامتداح للشيطان، هلك بالسرطان عام ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م. انظر سيرته وعقائده مفصلة في: كتاب الجنوبي لزوجته عبلة الروينيّ.
(٢) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م الموافق ١٤١١ هـ: ص ٨٤.
(٣) الثابت والمتحول ٣/ ١٥٧.
[ ١ / ١٧٥ ]
فما هو المطلق الذي وصلوا إليه؟.
يجيب أحدهم على هذا الأمر فيقول: (إن الوضعية المنطقية (^١) التي هي الظل الفلسفيّ لكل تيارات الحداثة تتخلى في الوعي الحداثويّ العربيّ عن المنطق، ليبقى الوضع بمثابة المطلق الوحيد. . .) (^٢).
وهذا الادعاء الإلحاديّ في كون الوضعية أو الحداثة هي المطلق الوحيد، هو انجرار في نفس المجرى وانسياق في المسار الإلحاديّ القائم على جحد وجود اللَّه تعالى ونسبة الأبدية للمخلوق من الأعيان كالشاعر والإنسان والطبيعة والمادة، أو المعاني كالشعر والإبداع والحداثة والفكر ونحو ذلك، وهي قضية طالما دندن سدنة الحداثة والعلمانية حولها، فها هو محمد جمال باروت يتحدث في مقال بعنوان "تجربة الحداثة ومفهومها في مجلة شعر" فيقول: (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان، وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج "نظام إلهي أبدي" (^٣) بل "وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا" (^٤) من هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم "تغيرًا جذريًا" (^٥) فـ "لا شيء محرم على العقل" (^٦) فـ "عوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع وجد الإنسان نفسه شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت مضى مقياس كل شيء" (^٧). . .) (^٨).
ثم يضيف مستشهدًا بكلام بعض الفلاسفة الغربيين قائلًا: (تصبح
_________________
(١) سبق تعريفها ص ١١٠.
(٢) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م الموافق ١٤١٠ هـ. مقال لعبد الرزاق عيد: ص ٢٩٣.
(٣) و(^٤) و(^٥) و(^٦) و(^٧) يشير باروت في الهامش إلى أن هذه العبارات منقولة عن الخال في مقال بعنوان "نحو أدب عربيّ حديث"، مجلة أدب - المجلد الثاني - العدد الأول شتاء ١٩٦٣ م الموافق ١٣٨٢ هـ: ص ٩.
(٤) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م: ص ٢٥٨ من مقال لمحمد جمال باروت بعنوان "تجربة الحداثة".
[ ١ / ١٧٦ ]
الحداثة في هذا السياق وبما هي "نظرة إلى الوجود" أو "عقلية" حسب تعبير الخال. . . أو نظامًا معرفيًا يجد مرجعه في "النزعة الإنسانية الطبيعية" أو "العلمية". . . -ثم يوجز هذه النزعة الإنسانية بكلام لأحد الغربيين-: (بأن الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة، ولا تحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعة، وأن العالي على الطبيعة الذي يتصور عادة في شكل آلهة سماوية أو جنات مقيمة، ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأن مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه، وإلّا فلن نجدهما على الإطلاق) (^١).
بهذا المعنى فإن "المجتمع الحديث" الذي يعنيه الخال هو المجتمع الذي يقوم على "النظرة الإنسانية الطبيعية" (^٢) التي تؤدي إلى "مجتمع قائم على نظرة حديثة للحياة على العلم والتكنولوجيا" (^٣) على حد تعبير الخال. . . .
ويعبر الخال عن هذه الإشكالية بقوله: (وإذا فقد الإنسان سندًا له في نظام إلهي أبديّ يرئسه (^٤) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى "سلطة عليا" (^٥)، وبذلك يصبح "الإنسان مصدر القيم لا الآلهة" (^٦) على
_________________
(١) يشير باروت إلى أنه نقل هذا النص الإلحاديّ عن لامونت حسب ما أورده هنترميد.
(٢) المقصود بالنظرة الإنسانية الطبيعية، الفلسفة التي سبق ذكرها وهي فلسفة تؤله الإنسان والطبيعة وتنفي كل شيء خارج الطبيعة.
(٣) يشير باروت في الهامش إلى أن هذه العبارات منقولة عن الخال في مقال بعنوان "نحو أدب عربي حديث"، مجلة أدب - المجلد الثاني - العدد الأول شتاء ١٩٦٣ م: ص ٩.
(٤) هكذا والصواب: يرأسه.
(٥) و(^٦) (ينقل باروت هذا النص عن الخال من المقال المشار إلى موضعه في هامش سابقًا بعنوان "نحو أدب عربيّ حديث": ص ١٠.
[ ١ / ١٧٧ ]
حد تعبير أدونيس، من هنا يخوض الإنسان صراعًا روحيًا مع الفراغ، إذ يؤدي المجتمع الحديث إلى "التبعثر والتمرد والرفض والحيرة والقلق وما إلى ذلك مما يطبع عصرنا الحاضر" (^١)، ومن هنا يحل الشعر مكان الدين، ويصبح "ميتافيزيقيا" المجتمع الحديث حيث يلعب الشاعر "دور الآلهة التي اختفت" (^٢) على حد تعبير خالدة سعيد. . . يعيد الشعر في هذا السياق اكتشاف "اللَّه" على صورة الإنسان "الحي الميت المحب المبغض الآمل اليائس السعيد التعيس القاهر المقهور" (^٣)، ويفسر ذلك اهتمام مجلة شعر بالتجربة الميتافيزيقية واحتضانها لما يُمكن تسميته بالتجربة المسيحية في الشعر العربيّ، من حيث أن المسيح يغدو هنا إلهًا علمانيًا. . .) (^٤).
هكذا تتشابك الحداثة تشابكًا عضويًا مع الإلحاد، وتمتزج في رؤية زعماء الحداثة في علاقة مغموسة بالمادية والكفر متعددة الواجهات متنوعة العبارات ذات نسق موحد في مواجهة الإسلام في محاولة لإزاحته عن الوجود من خلال إنكار وجود اللَّه تعالى وربوبيته وألوهيته وشريعته، وإيجاد المطلق (^٥) الماديّ ويقصدون به البديل الإلحاديّ للَّه -جلَّ وعلا-، فها هي
_________________
(١) ينقل باروت هذا النص عن أدونيس في كتابه زمن الشعر: ص ٥٠.
(٢) ينقل باروت هذا النص عن خالدة سعيد في البحث عن الجذور، دار مجلة شعر بيروت ١٣٧٩ هـ/ ١٩٦٠: ص ٩.
(٣) ينقل باروت هذا النص عن الخال في مقال له بعنوان بين المثال والواقع نشر في مجلة أدب صيف ١٩٦٣ م/ ١٣٨٢ هـ: ص ٣.
(٤) قضايا وشهادات ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ من مقال لمحمد جمال باروت بعنوان "تجربة الحداثة": ص ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٥) المراد بالمطلق هو ما كان بلا قيد ولا وثاق، والعريّ عن الصفة والشرط والاستثناء، هكذا عند أهل المنطق والكلام، أمَّا عند أهل الفلسفة المادية الحديثة فيريدون به الإشارة إلى أن شيئًا ما صالح من كل الأوجه بلا قيد، وهو التام والكامل والثابت والكليّ وغير النسبي، وعلى هذا فقد أطلقوا على الشعر والفن والديمقراطية والمذهب الإنسانيّ وغير ذلك لفظ المطلق. انظر: الكليات: ص ٨٤٨، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص ٤٢٨ - ٤٣٠.
[ ١ / ١٧٨ ]
البنيوية (^١) تحاول أن (تجد في اللغة العماد الذي يرجع إليه كل شيء أي المطلق الذي يمكن أن يحل محل الإنسان) (^٢).
وهذا النص يحتوي المغالطة الإلحادية الحداثية التي تشير إلى أن الإنسان هو "المطلق" هكذا بصورة مسلمة كعادة الادعاءات الحداثية، ولكن البنيوية جاءت باللغة لتجعل منها مطلقًا آخر.
وتتوارد تصريحات الحداثيين حول هذا الزعم المفرد في المادية تقديسًا للشعر والإبداع وتأليهًا للشاعر والفنان، يقول نزار قباني: (. . . لا أعتبر أن النثر هو الشكل النهائي للشعر، فأنا لا أؤمن أصلًا أن هناك نهايات مطلقة للشعر. . .) (^٣)، ويقول: (الشاعر هو مصدر الشرعية وهو الحاكم الفرد المطلق الصلاحية على أوراقه وعلى أبجديته) (^٤).
ويقول في جرأة إلحادية حادة فاضحة: (إن اللَّه عندي هو دبيبٌ شعريّ، وإيقاعٌ صوفيّ في داخلي، والشعور الدينيّ لديّ هو شعور شعريّ،
_________________
(١) البنيوية مفهوم تحدد حديثًا وانتشر في مجالات العلوم الإنسانية، يقوم على أساس الهيكل، والبنية هي هيئة ما نضبط به المشاهد والمحسوس، وأنه لابد أن يكون نظامًا متراص العناصر "البنيات" بحيث يكون كل تغيير في عنصر مّا تغييرًا في كل العناصر، ولابد أن يكون المثال مبنيًا بطريقة تجعل عمله قادرًا على إعطائنا معرفة بخصوص كل الظواهر المعاينة. ومصطلح البنيوية متسع غير منضبط، زائغ في حقل البحث نظرًا لاتساعه واختلاف مفاهيمه، وقد ظهرت البنيوية كمنهج ومذهب فكريّ لها إيحاءاتها الاعتقادية الايديولوجية بما أنها تسعى لأن تكون منهجية شاملة توحد جميع العلوم في نظام إيمانيّ جديد من شأنه أن يفسر علميًا الظواهر الإنسانية كافة، ولذلك توجهت البنيوية توجهًا شموليًا ينطلق من قاعدة مادية للنظر إلى العالم والإنسان والكون والحياة، ومن مشاهير البنيوية ليفي شتراوس وسوسير رولان بارت وميشيل فوكو وغيرهم الذين كانوا ماركسيين أو ملاحدة. انظر: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص ٢٠٥، دليل الناقد الأدبي: ص ٢٦، ومعجم المصطلحات الأدبية المعاصرة: ص ٥٢.
(٢) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ، من مقال لشكري عياد بعنوان "من الأصول الفكرية للحداثة": ص ١٨٥.
(٣) أسئلة الشعر، لمنير العكش: ص ١٨٥.
(٤) المصدر السابق: ص ١٨٧.
[ ١ / ١٧٩ ]
والكفر عندي هو موت صورة اللَّه - القصيدة في أعماقي. . . كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي. . . كل شيء يتحول بالشعر إلى ديانة، حتى يصير الجنس دينًا. . . والغريب أنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسي بعيني كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة. . . أشعر كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتطهر وأدخل مملكة الخير والحق والضوء، وماذا يكون الشعر الصوفيّ سوى محاولة لإعطاء اللَّه مدلولًا جنسيًا) (^١).
تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
وهكذا تتبدى الحداثة في حقيقتها الإلحادية وبلسان كبار منظريها وزعمائها، ولست أدري بعد هذا: لماذا تنبري أقلام بعض من ينتسب إلى الإسلام للدفاع عن الحداثة وأصحابها؟.
ألم يقرأ هؤلاء ما سبق نقله؟ وما سوف يأتي من مثل قول كاتب مقدمة ديوان السياب واصفًا المقياس الذي سار عليه السياب المتمثل في أن (. . . الشاعر هو محور العالم) (^٢)، أو قول البياتي (^٣) تحت عنوان "كلمات لا تموت" (^٤):
_________________
(١) المصدر السابق: ١٩٦.
(٢) ديوان شاكر السياب المقدمة ص: "ص".
(٣) هو: عبد الوهاب البياتيّ، ولد في بغداد لأسرة شيعية سنة ١٣٤٤ هـ/ ١٩٢٦ م، وتخرج من دار المعلمين العالية في بغداد، أنتمى للشيوعية الماركسية، وهو أحد كبار الذين سنوا سنة الحداثة في الشعر العربي الحديث، تنقل ما بين مصر وسوريا والعراق والاتحاد السوفيتي ثم هو الآن في أسبانيا، لايخفي عداوته للإسلام ولا مناقضته لقضاياه، وهو مغرم بالشيوعية ورموزها، وخاصة صديقه الماركسيّ التوركيّ يهوديّ الأصل ناظم حكمت، يعتبر البياتي إمامًا من أئمة الحداثة، ورائدًا من رواد الانحراف الحداثي العربيّ، وله مؤلفات عديدة ترى الحداثيين الامعات على آثارها يهرعون، وعلى منوالها ينسجون. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث. ص ٦٦١، ورأيهم في الإسلام: ص ٤٩، ورحلة في عقول مصرية: ص ٥٧٩، والحداثة في ميزان الإسلام: ص ٩٠.
(٤) ديوان عبد الوهاب البياتيّ ١/ ٣٨٠.
[ ١ / ١٨٠ ]
(كلماتي
لن تهرم
كلماتي
لن تهزم
كلماتي
لن تصدأ. . .) (^١) إلخ.
دعاوى عريضة بأبدية هذا الكلام الذي أقل ما يقال فيه أنه مجرد خطابية فجة وبيانات يسارية ساذجة ويواصل قائلًا:
(وأنا أبصر
وسمائي تمطر
عبر الظلمات) (^٢).
ثم يبشِّر بالشاعر الحداثيّ الذي على منواله ويصفه بأوصاف احتفالية مكشوفة قائلًا:
(كلماتي
أزهار
لن تذبل
فلنرحل
فسيأتي شاعر
من بعدي
في باقة ورد
_________________
(١) ديوان البياتيّ ١/ ٣٨١.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٣٠.
[ ١ / ١٨١ ]
في مشعل
يقتحم الأسوارا
ويضيء الأنوارا
وسيصنع من كلماتي
من حبر دواتي
مدنًا وحدائق
ونجومًا ومطارق) (^١).
وهذه المضامين المفرطة في تقديس الشاعر والشعر، وإعطائه من الأوصاف ما يسخر منه أولوا العقول؛ هي فرع عن التصور الضال الذي سبق الإشارة إليه مرات في هذا الباب.
وإذا كان الحداثيون يزعمون أنهم يتمردون على كل قيد ويصادمون كل إله وقداسة فلماذا نجدهم يرتمون في تقديس الأوثان الجاهلية البائدة والأوثان الجاهلية المعاصرة من مذاهب وأساليب وأفكار؟ بل إننا نجدهم ينحطون مع لوازم هذه العبوديات الكافرة إلى حد تقديس الحرف والكلمة كما في قول البياتيّ:
(أيها الحرف
الذي علمني حب الحياه
أيها الحرف الإله
آه لا تطفئ مصابيحك، آه
كل ما أكتبه محض صلاه
لك للعالم ما أكتبه
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣١٦.
[ ١ / ١٨٢ ]
محض صلاه
وسلاح في يدي ضد السلاطين وأحفاد الغزاه) (^١).
ويقول:
(حتمي أمري الحرف
قدري، ناري الحرف
وطني منفاي الحرف) (^٢).
وهكذا ينطرح البياتيّ عبدًا للحرف والشعر ويصلي لها ويقدسها معتقدًا أزليتها وأبديتها، ويخاطب الشعر قائلًا: (إلهي بين يديك أنا قوس فاكسرني. . .) (^٣)، ويقول واصفًا كلماته بكلمات اللَّه تعالى التى لا تنفد: (لو كان البحر مدادًا للكلمات لصاح الشاعر: يا ربي نفد البحر وما زلت على شواطئه أحبو) (^٤).
ويتحذلق ممجدًا الإبداع إلى حد مقارنته بالخلق وهو مهووس كغيره من الحداثيين بهذه الكلمة فيقول: (العربات الذهبية حاملة للجسد المنفي بذور الإبداع ونار الخلق الأولى من أي السنوات الضوئية يأتي هذا الضيف. . .) (^٥).
وبنفس مجوسيّ يقول واصفًا الشعر:
(خرجت من نار الشعر طقوس الحب. . .
خرجت من نار الشعر الآيات
ونبيّو الثورات. . .) (^٦).
_________________
(١) ديوان البياتيّ ٢/ ٤١٧.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٤٢٥.
(٣) و(^٤) المصدر السابق ٢/ ٤٢٩.
(٤) و(^٦) المصدر السابق ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣.
[ ١ / ١٨٣ ]
أمّا أنسي الحاج فإنه يتجاوز في اعتقاد أبدية وأزلية الكلمة ويتعدى في تقديسه لها كل من سبقه حين يقول -وأستغفر اللَّه من نقل هذا القول-: (تقتل الكلمة جسد اللَّه بعد قتل اللَّه روحًا وجسدًا) (^١).
وبدون أدنى حياء أو تردد يعلن هذا الملحد مثل هذا القول ويبثه بين أبناء المسلمين لإنهاء أي قداسة في قلوبهم للَّه تعالى وإفراغ قلوبهم وعقولهم لتكون مهيأة لصب قاذورات الإلحاد فيها باسم الحداثة والإبداع والتحديث الأدبي والفني الذي يحاول أن يصبغه بصبغة الربوبية من دون اللَّه تعالى فيقول: (الشعر فعل إيمان الحياة وفعل وحدة الكون، "أراني مضطرًا أن أوضح باستمرار أني لا أعني الكتابة الشعرية فحسب، بل الشعر كروح وجو وعالم، الموجود في كل شيء").
إنه ما قبل الإنسان، وإنه الإنسان وما وراءه وفوقه وبعده، هو خالق الدين والفن والجمال والحب، هو بطانة الروح بل روحها) (^٢).
وهذا كله يعود إلى الأصل الحداثيّ الذي نحن بصدد الحديث عنه وهو نسبة الأبدية للمخلوق، واعتناق الدهرية عقيدة وسلوكًا فيما يتعلق بالإنسان في وجوده وموته، إذ يعبر أحدهم عن هذه القضية بقوله: (. . . فأينما وجدت وهنًا بشريًا ففكر بالزمن، إذ الإنسان لا يعدو كونه فلذة افتلذت من كبد الزمان وطوح بها في هذا الفراغ اللامتناهي) (^٣).
فما دام أن الإنسان في حسبانهم وجد بهذه الكيفية العشوائية فلا إله ولا خالق ولا نهاية للعالم، فلا مانع أن يمارسوا أي شيء بأقوالهم أو بأعمالهم، وهذا ما يتطابق فعلًا مع سلوكهم الكتابي وسلوكهم العمليّ المبني أساسًا كما يقول أحدهم على نقد المتعاليات التي يقصدون بها اللَّه تعالى ودينه وسائر الغيبيات الاعتقادية، ويخلص من ذلك إلى القول بأن الإنسان
_________________
(١) خواتم، لأنسي الحاج: ص ١٩.
(٢) المصدر السابق: ص ١٢٨.
(٣) مجلة الناقد عدد ١٣ تموز ١٩٨٩ م الموافق ذي الحجة ١٤٠٩ هـ: ص ٨ من مقال ليوسف سامي اليوسف.
[ ١ / ١٨٤ ]
هو خالق حاضره ومستقبله (^١).
فالإنسان عندهم موجود ماديّ، وهو مستمر أبدًا كما عبر أحدهم في سفسطة إلحادية قائلًا: (البشرية باقية والإنسان زائل) (^٢).
أمّا الإيمان بأن اللَّه خالق العالم فهم من أبعد الناس عنه وأشدهم إعراضً عنه، وأكثرهم نقدًا وتهكمًا به وبالمؤمنين به، فها هو محمد أركون يتهكم بالمؤمنين الذين يؤمنون بأن اللَّه خالق العالم ويصفهم بالأصوليين والأرثوذكس فيقول: (. . . موقف المتكلمين الفقهاء، أي الأصوليين الذين يدافعون عن الموقف الأرثوذكسيّ كما حدده القرآن بأن العالم مخلوق من اللَّه، وبين موقف الفلاسفة الذين قالوا بأزلية العالم. . .) (^٣).
ولذلك اشتد تلبط هذه الفئة بالدنيا وعظم إخلادهم إلى الأرض لأنهم يرون أن هذه الدنيا هي غاية كل شئ كما قال أسلافهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ. . . .﴾ (^٤)، وغير مستغرب من كانت هذه عقيدته أن يهبط في عقيدته وسلوكه إلى أسفل حضيض، أليست الأرض هي غايتهم ومحراب آمالهم؟:
(هي الأرض محرابنا السرمديّ عليها سنبني صروح السلام) (^٥)، وما دامت الأرض والحياة فيها هي المقصد والمنتهى عندهم فلا غرابة أن تسمع واحدًا يوصي آخر بقوله بلهجة عامية لبنانية: (كول. . واشرب وعيش وانبسط ما تخلي الدنيا تعتب عليك، بعدها الدنيا ما في شي. . ويضرب على بطنه بزهو ومرح ويشرب. . .) (^٦).
_________________
(١) انظر: حداثة السؤال، لمحمد بنيس: ص ١٩.
(٢) رأيهم في الإسلام: ص ١٢٠ في مقابلة مع جمال الغيطاني الماركسيّ سابقًا الوجوديّ لاحقًا. انظر: المصدر نفسه: ص ١١٥.
(٣) الإسلام والحداثة: ص ٣٤٠.
(٤) الآية ٢٤ من سورة الجاثية.
(٥) ديوان البياتيّ ١/ ١٧٥.
(٦) شخصيات وأدوار في الثقافة العربية، لمحمد دكروب: ص ١١٥، وهذا الحديث عن ليلة زار فيها مارون عبود في داره وكان يشرب الخمر.
[ ١ / ١٨٥ ]
ولو سئل أحدهم عن وجود الكون، وهل يُمكن لفكرتهم المادية القائلة بأبديته واستقلاله عن خالق بارئ موجد له من عدم؟ لوجدت الإجابات التي يخيل لأصحابها أنها عقلية علمية، بينما هي في حقيقة الأمر عكس ذلك.
وهكذا وبدون برهان إلّا مجرد الادعاء يتشدق بعضهم في هذه القضية الخطيرة فيقول: (. . . فالإنسان والقمر والشمس والنجوم لها خصائصها الذاتية وقوانينها التي تحكم حركتها ووجودها. . . وأيضًا تحكمها قوانين تحدد الصلة بينها وبين غيرها من الكائنات، لأن حتمية وجود مثل هذه القوانين يترتب عليه انتظام الكون. . .) (^١).
ثم ينكس على رأسه قائلًا: (إذا كنا قد انتهينا كنتيجة حتمية بوجود قانون ينظم حركة الكون وعمله. . وإذا كنا قد قلنا بحتمية وجود أجهزة لتنفيذ القانون كالعائل في الأسرة والحاكم في الدولة، وإذا قلنا بنظرية تطابق المثلثات نجد أن أضلاع المثلث الوضعي تتمثل في القاعدة وهي المجتمع الذي ينطبق عليه القانون وساقا المثلث وهما القانون والجهاز الممثل في الحاكم وهذا هو المثلث الوضعيّ، أمّا المثلث الإلهي فنجد أنه مثلث ناقص ضلع (^٢)، ويتمثل هذا الضلع في حاكم الكائنات. . أي اللَّه الذي ينكره البعض، ذلك أن ضلعا المثلث الآخران وهما القانون والكائنات لا يجحدهما أحد، إذن فالخلاف حول الضلع الثالث هو الحاكم أي الإله، وسبب هذا الخلاف أو الجحود أو الإنكار هو الفصل بين القانون وبين اللَّه. . وذلك أنه في المثلث الوضعي القانون ليس الحاكم بل منفصل عنه تمامًا، أمّا اللَّه في مثلث الكائنات فهو غير منفصل عن القانون فالقانون هو اللَّه واللَّه هو القانون. . .) (^٣).
ثم يرتب على هذه الخرافات الوثنية أحكامه العامة في شأن الخلق
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ١٥٣.
(٢) هكذا!
(٣) انظر: مسافة في عقل رجل: ص ٢١٥.
[ ١ / ١٨٦ ]
ونظم حياتهم ونحو ذلك، وعلى المنوال نفسه في الادعاء والجزم والمكابرة الجاهلة يفسر وجود الإنسان بنظرية المادة وتحولها من شكل إلى شكل لتكتسب شكلًا آخر (^١).
ثم يزعم جازمًا فى دون أن يكلف نفسه عناء الإدلاء ببرهان واحد، فيقول مقدسًا نظرية دارون: (النظرية هي التي تبقى، النظرية التي يصنع على أساسها العلمي ملايين المخلوقات. . تبقى النظرية الهندسية خالدة باقية. . أمّا التطور الإنساني فبداخله مولد الطاقة، أي بداخله إمكانات وعوامل تطوره. . . الإنسان لا يولد بل ينشأ، ثم الإنسان لا يموت بل يهدم؛ لأن الموت فناء، وهنا الموت تحول من مادة إلى مادة أخرى أي أنه هدم، إذن فالإنسان ينشأ بناء على نظرية هندسية يتوالى نشوء الأجيال بناء عليها. . .) (^٢).
وبهذا الكلام وأشباهه زُين للذين كفروا في هذا العصر ضلالهم وكفرهم وجهلهم وانحرافهم فصُدوا عن السبيل، وتمادوا في الغواية، ورتعوا في ظلمات الكفر والإلحاد، وانتكسوا إلى أسفل سافلين في العقل والفكر والاعتقاد والأخلاق والسلوك ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^٣).
وما راج كفرهم وانحرافهم إلّا على أصحاب العقول السقيمة والقلوب الميتة والنفوس المريضة، ببهرج من القول صنعوه، وبشكوك ألبسوها لباس الموضوعية الكاذبة، والتحرر الزائف، والعقلانية المنعدمة، وبإعلام ودعاية أظهرتهم على أنهم العقلاء المفكرون المثقفون المجددون، وساعدهم في كل ذلك ضعف أهل الحق، والاستضعاف النازل بهم وجهل أبناء المسلمين بدينهم، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه.
_________________
(١) و(^٢) مسافة في عقل رجل: ص ٢١٥ - ٢١٦.
(٢) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
[ ١ / ١٨٧ ]