كان اليهود وما زالوا أساسًا في الفتن والبلاء وأصلًا في الانحرافات والضلالات وقد وصفهم اللَّه تعالى بأنهم يسعون في الأرض فسادًا، قال اللَّه -﷾-: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (^٦).
وذكر طبائع اليهود وصفاتهم وآثارهم في الإفساد قديمًا وحديثًا مما يطول ولا يتسع له هذا المقام، وقد كتب في ذلك الكتب الكثيرة، ويكفي من أراد معرفتهم معرفة تفصيلية يقينية أن يطالع أوثق وأعظم وأدق كلام،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة ٣/ ٢٢٦١، والترمذي في كتاب الفتن باب رقم ٦٦ جـ ٤ ص ٢٥١، وأبو داود في كتاب الملاحم، باب: في خبر الجساسة ٤/ ١٩٩، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب: فتنة الدجال ٢/ ١٣٥٤.
(٢) انظر: نقد الحداثة: ص ١٢١، ١٢٣.
(٣) انظر: رأيهم في الإسلام: ص ١٩٣.
(٤) انظر: الإسلام والحداثة: ص ٢٦٧.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٢٦٣.
(٦) الآية ٦٤ من سورة المائدة.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
كلام اللَّه العظيم -جلَّ وعلا-، في كتابه الكريم المجيد.
وبعيدًا عن تأويل الأمور تأويلًا تآمريًا بعيدًا، نستطيع القول بأن اليهود قد أفسدوا دين النصارى، وسعوا في إفساد دين المسلمين وكانوا وراء التشيع والحركات الباطنية، وكانوا خلف انتشار الداروينية والماركسية والفرويدية والمذاهب المادية الإلحادية، وخلف كثير من التكتلات والخلافات والمؤامرات السياسية والاقتصادية.
ولكون اليهود يرون أنفسهم الشعب المختار، وأبناء اللَّه وأحباؤه، ويرون الأعراق والشعوب الأخرى "جويم" أو "أميين" ليس عليهم في اعتقادهم حرج أن يفعلوا بهم ما شاؤوا؛ لأنهم مجرد مخلوقات وجدت لتكون مسخرة للشعب اليهودي؛ ولذلك لا يدعون أحدًا إلى الدخول في دينهم، بل يتكتلون حول أعراقهم وسلالاتهم.
ولما كان هذا دأبهم استعاضوا عن إدخال الناس إلى دين اليهودية المحرف، بإبعاد الناس عن أديانهم، أو بتشويه الأديان من داخلها بالحركات والأفكار المدمرة؛ لأجل هذا ولأجل قضية الصراع بين المسلمين واليهود على أرض فلسطين، لم يتعمق التأثير اليهودي في ثقافة وآداب الشعوب العربية.
ومع ذلك فإن المتتبع لنتاج الأدب العربي الحديث يجد أنه لم يخل من التأثر بالديانة اليهودية المحرفة، ولعل الأيام الآتية بعد تطبيع العلاقات مع اليهود ستشهد من شعراء الحداثة ومفكري وكتاب العلمانية من يبتهج باليهود وعقائدهم، ويدخل رموزهم وأباطيلهم في ثنايا الثقافات المتنوعة الرسمية وغير الرسمية، وما يشاهد اليوم من محاولة تغيير المناهج الدراسية لئلا تشتمل على ذم اليهود، أو التذكير بعدواتهم هي مقدمة لما ذكرناه، إلا أن يشاء اللَّه، فهو المرتجى وحده أن يرد كيد الأعداء على نحورهم وأن يكشف أعمال المنافقين، وأن يعز دينه وأولياءه ويقوي العلماء والصحوة الإسلامية حتى تكون لها الصولة والجولة والدولة، فيُعز أهل التوحيد والطاعة، ويذل أهل الشرك والنفاق والمعصية، واللَّه على كل شيء قدير.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
ومع وجود الدواعي السياسية للبعد عن اليهود في الفترة الماضية نجد أن أدباء الحداثة لم يسلموا من تأثير الرموز والمصطلحات اليهودية في نتاجهم.
أما المفاهيم والمذاهب والأفكار والفلسفات التي ابتدعها اليهود لتخريب البشرية، أو التي وجدوها صالحة لهذا المقصد فاستخدموها، فكثيرة عديدة، ولا يكاد يسلم من التأثر بها حداثي.
وإذا اعتبرنا أن الحداثة والعلمانية نتاج يهودي، أو نتاج غير يهودي استفاد منه اليهود وركبوا متنه للوصول إلى مآربهم، فإنه بلا ريب ما من حداثي أو علماني إلّا وهو متأثر باليهود، وهو في قيادهم من هذه الناحية.
فإذا أضفنا إلى ذلك العقائد التي مازجت الحداثة وهي من إنتاج اليهود صراحة مثل الوجودية والماركسية، أو التي شارك في نشأتها ونشرها يهود مثل البنيوية والسوريالية، فإنه يُمكن القول حينئذٍ بأنه لم يخل حداثي من الانغماس في هذا الخوض الآسن، ولم يسلم أحد منهم -وإن أعلن وادعى العداوة لليهود- من أن يكون عاكفًا على عِجْلهم أو لاعقًا من تراب العاكفين عليه.
فإذا كان هذا الذي قلناه على وجه العموم له ما يؤكده أو يؤكد بعضه على وجه الخصوص، فإن القضية تصبح أشبه بالمسلمات.
إذا نظرنا إلى نصارى الحداثة من العرب وجدنا أنهم أقرب أهل الملة الحداثية، إلى الملة اليهودية، ولنأخذ على ذلك مثالين من شخصين لهما في ملة الحداثة القدم السائخ:
الأول: يوسف الخال الرائد الحداثي وقدوة الأجيال الحداثية من بعده، والذي تجد له في نفس كل معتقد للحداثة المقام الأسمى والمنزلة العظمى، ولو خالفه في المنهج التفريعي داخل سراديب الحداثة.
هذا النصراني الذي يحارب القديم ويجعل اتّباعه من نواقض النهضة والتقدم، وينادي بهدم وإلغاء كل سالف شأنه في ذلك شأن أدونيس، لكنه
[ ٢ / ٨٠٠ ]
إذا جاء إلى الملل الكفرية أحياها وبثها وأعلى شأنها، وعمل في نشرها ما يستطيع.
وقد مر معنا كيف كانت عنايته بالأساطير والوثنيات الجاهلية وسوف يأتي معنا كيف استخدم الحداثة سلمًا لتمرير عقائده النصرانية، وهو مع ذلك قد شارك في إحياء اليهودية حين اشترك مع بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة إلى العربية، وهو العمل الذي ذكره مؤلفا كتاب "رأيهم في الإسلام" -وهما غريبان- في معرض امتداحهم وإطرائهم ليوسف الخال فقال: (ويشارك هذا الكاتب البروتستنتي بعض الأخصائيين في ترجمة التوراة منذ خمسة عشر عامًا، ولعل في ذلك عزاء له، فهذه الترجمة باللغة العربية الحديثة ستحل محل ترجمة أخرى وضعت في لبنان منذ أكثر من قرن، أوائل النهضة) (^١).
فإذا ربطنا بين هذا العمل وبين حركة شعر وارتباطها بالمخابرات الأمريكية، تبين لنا أن هذه الترجمة في ضمن السياق الأمريكي الصهيوني لبسط سيطرتهم على المنطقة من خلال عملائهم.
الثاني: توفيق الصائغ، وهو -كما ثبت أيضًا- من عملاء المخابرات الأمريكية، ومجلته حوار التابعة لمنظمة حرية الثقافة كانت تمولها تلك المخابرات (^٢)، حتى أن مجموعة من الكتاب والصحفيين في مصر ولبنان كتبوا عن هذه العلاقة المريبة، وكشفوا هذا الارتباط المشين بين الصائغ والمنظمة العالمية لحرية الثقافة التابعة لوكالة المخابرات الأمريكية، والتي كانت توجه وتمول مشروع مجلة حوار (^٣).
_________________
(١) رأيهم في الإسلام: ص ٢٤.
(٢) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص ٤٢، ٥٩، وأفق الحداثة وحداثة النمط: ص ٥٥، ٥٧ - ٥٦.
(٣) انظر أسماء المجلات والجرائد التي تولت كشف هذه القضية في: كتاب توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى لمحمود شريح: ص ١٣٧ - ١٥٧ الذي يتبنى الدفاع عن صايغ ومجلته.
[ ٢ / ٨٠١ ]
ثم نشرت صحيفة نيويورك تايمز في ٢٧/ ٤/ ١٩٦٦ م الموافق ذي الحجة ١٣٨٥ هـ مقالة أكدت فيه هذه المنظمة العالمية لحرية الثقافة تابعة لوكالة المخابرات الأمريكية، وأن هذه المنظمة كانت تمول مجلات منها مجلة حوار العربية، فاعترف توفيق صايغ بتبعية مجلته لهذه المنظمة، ودافع من دخول مصر والعراق، وتصدى الكتاب والصحفيون لهذه المجلة والمنظمة وأتباعها، وقد كان الجو مناسبًا لهذه السوق ولهذه المزايدة؛ لأن القومية العربية كانت على أشدها والأوضاع مع اليهود والأمريكان على أشدها.
وقد دافع عن حوار والصائغ، الحداثي النصراني أنسي الحاج (^١)، وحاول الصايغ مرات أن يدافع عن نفسه.
وفي ٢٤/ ٧/ ١٩٦٦ م الموافق ربيع أول ١٣٨٦ هـ نشرت النيويورك تايمز ثلاث مقالات تتصل بقضية حوار والمنظمة العالمية لحرية الثقافة، وصلتها بالمخابرات الأمريكية فقامت جريدة الأهرام بترجمة هذه المقالات ٥/ ٨/ ١٩٦٦ م الموافق ربيع ثاني ١٣٨٦ هـ مشفوعة برد لويس عوض عليها!!، وقد أصدر الصايغ بيانًا في فرنسا في ٢٣ تموز ١٩٦٦ م الموافق ذي القعدة ١٣٨٥ هـ يدافع عن موقفه وبين فيه أن هناك مؤسسات عربية أخرى اشتركت رسميًا، وبصفة علنية مع المنظمة العالمية لحرية الثقافة، في تبني حلقات دراسية دولية ذات أهمية لطبقة المثقفين العرب: "ومن بين هذه المؤسسات
_________________
(١) ومن ضمن دفاعه عن حوار وصايغ أن شعراء وأدباء كتبوا في حوار وتعاونوا مع منظمة حرية الثقافة، وذكر منهم: السياب وصلاح عبد الصبور، ونزار قباني، ويوسف غضوب، ولويس عوض، ومحمد الماغوط، وسلمى الخضراء الجيوسي، وليلى بعلبكي، وغادة السمان، ووليد إخلاص، وزكريا تامر، وعبد السلام العجيلي، فتأمل ذلك فإن فيه دلالة. انظر: المصدر السابق: ص ١٤١. ومن الأسماء التي ذكرت مجلة روز اليوسف في ٦/ ٦/ ١٩٦٦ م/ ١٣٨٦ هـ أنها كانت تتعاون مع حوار والمنظمة من الكتاب المصريين: إبراهيم بيومي ومحمد مندور، وبنت الشاطئ، وسهير القلماوي وعبد الرحمن بدوي. انظر: المصدر السابق: ص ١٤٠.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
لجنة التخطيط القومي في الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر أيام الوحدة بينهما) وجمعية المهندسين المصرية، ومعهد الإدارة العامة بالقاهرة وجامعة الخرطوم (^١)، ثم أصدرت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بيانًا قالت فيه: (ونحن فخورون بأننا قد ساعدنا على إعانة عدد لا يحصى من الأساتذة والكتاب والصحفيين ومن بينهم بدر السياب وتوفيق صايغ، سواء كانوا ليبراليين أم محافظين أم اشتراكيين، في كفاحهم من أجل حرية التعبير الثقافي في أية بقعة من بقاع الأرض) (^٢).
وأضافت: (وقد صرح السيد (^٣) صايغ بأن حوار مجلة أدبية ثقافية بصفة أساسية توزع في ١٢ دولة إسلامية في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط، وقرر أن كل ما يكتب فيها من موضوعات سياسية "قومي عربي ليبرالي يساري" في نبرته) (^٤).
وفي هذا ملمح مهم يدل على أن وكالة المخابرات الأمريكية تشجع كل الاتجاهات المتناقضة، ولا ترى بأسًا في دعمها ونشر فكرها، شريطة ألا تكون من الإسلام أو تدافع عن قضايا الأمة من منطلقات وتوجيهات إسلامية.
وفي الدفاع الذي قام به النصراني الآخر لويس عوض عن ابن ملته وشريك عمالته توفيق صايغ، بين لويس عوض أنه دافع عن صايغ ولقي في ذلك العنت، وأنه قد عرف توفيق صايغ في فترة ما بين ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م و١٣٧٢ هـ/ ١٩٥٣ م في جامعة برنستون، ووجد فيه مثقفًا فلسطينيًا، أهلًا لكل احترام متحرر الفكر في هدوء، ثم ذكر أن الحملة التي وجهت إليه كانت من دأب الشيوعية والإخوان المسلمين، ثم بين أن اعتراضه الوحيد في موضوع
_________________
(١) انظر: توفيق صايغ سيرة شاعر: ص ١٤٩.
(٢) و(^٤) المصدر السابق: ص ١٥٠.
(٣) هكذا قالت المنظمة ونقلتُه كما هو، وإلَّا فإنه لا يجوز أن يقال للكافر والمنافق سيد، لورود النهي الصريح في ذلك.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
المنظمة وحوار أنهما قائمتان بتمويل من مؤسسات ثقافية أجنبية، وأنهما تعترفان بهذا بصراحة، وتعلنانه في كل مناسبة، ثم قال: (وهذا أشرف ألف مرة من أولئك السادة الذين يقبضون من الأجانب في الظلام، ويمشون بين الوطنيين كالشرفاء، ولكن نشاط المؤسسات الثقافية الأجنبية في بلادنا أمر مشروع ومنظم بموجب معاهدات التبادل الثقافي، ففرانكلين الأمريكية والشرق الروسية كلاهما يمارس نشاطه بموجب معاهدات التبادل الثقافي.
فلماذا يختصون منظمة حرية الثقافة وحوار بالتشهير والمقاطعة؟، أن فرانكلين بالذات قد اشترت أقلام المئات والمئات من أساتذة الجامعات ورجال التربية والتعليم والمسؤولين عن توجيهنا الثقافي) (^١).
وفي هذا الدفاع عن صايغ اعتراف صريح بالعمالة للأمريكان سرًا وجهرًا، واعتبار ذلك من الأمور الطبيعية.
بل فيه دفاع عن عمالة لويس عوض نفسه الذي دافع عن مجلة صدرت في مصر بأموال يهودية للسيطرة على ثقافة الناس وتوجيهها، ولتكون أداة توجيه لأغراض ومقاصد اليهود، وهي مجلة "الكاتب المصري" ويسميها لويس عوض المجلة الزهراء (^٢)، وله في العمالة قدم راسخ، وفي تنفيذ مآرب أسياده اليد الطولى (^٣).
وقد بين أحد الكتاب أن دفاع لويس عوض عن حوار والمنظمة ومجلة انكاونتر الإنجليزية التابعة لمنظمة حرية الثقافة، سببه أن لويس عوض قد انغمس معهم وشاركهم بالمقالات والشعر وفصول من رواية "العنقاء" (^٤)، وفي ١٧ أيار مايو ١٩٦٧ م الموافق ٨/ ٢/ ١٣٨٧ هـ أوقف الصايغ مجلة حوار (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٥١ - ١٥٢.
(٢) انظر: أباطيل وأسمار: ص ١٤٢.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٤٢ - ١٤٩، ١٨٥ - ١٨٧، وغيرها.
(٤) انظر: توفيق صايغ سيرة شاعر: ص ١٥٥.
(٥) المصدر السابق: ص ١٥٧.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
هذا ملخص سريع لعمالة توفيق صايغ التي انكشفت آنذاك، ولا ريب أن أمثال هذه العمالة اليوم كثير جدًّا، ولو انكشف أو كتب عنه في هذه الأيام لما وجد منكرًا إلا من أهل الولاء للإسلام، أما بقية الكتاب العلمانيين والحداثيين فقد انقشعت سحب التخفي والخشية من هذه العلاقة، ومن يدري فلربّما رأينا في الأيام القادمة مع تسارع عملية التطبيع مع اليهود من يكشف لنا سيرة عمالته لهم أو لأم اليهود الحانية "أمريكا" كشفًا يفاخر به ويتطاول، فإن مسار الأحداث والتغيرات السريعة تشير إلى ذلك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. إن عمالة توفيق صايغ لا تحتاج إلى كل هذا الكشف والإثبات، فإن المتتبع لسيريته وكتاباته وما تحتويه من رموز وثنية ونصرانية ويهودية، يستطيع أن يكتشف ببساطة أن هذا الرجل بذرة لشجرة غريبة خبيثة، أريد لها أن تنبت في أرض المسلمين، وتثمر الشوك والشقاق والبلاء والفتنة، مثله في ذلك مثل أشباهه من الحداثيين والعلمانيين.
وإذا ذهبنا إلى تتبع الرموز اليهودية التي اشتمل عليها كلامه فإننا نجد الكثير، ومن ذلك إقراره في إيحائية يهودية بالهيكل الذي يدّعي اليهود وجوده في القدس في دلالة واضحة على تناغمه مع هذه الدعوى، يقول:
(وأنا هيكل غاب عنه القدس
فكنتِ القدسَ:
قدسًا واشتهيك) (^١).
وغير غريب على توفيق صايغ الذي كان أول نشاط أدبي له هو دراسة عن التوراة وهو في العشرينات من عمره، أي أنه من يفاعته ارتبط بالعقائد
_________________
(١) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص ٧٢.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
اليهودية، وامتدح ما في التوراة من أدبيات جميلة راقية، قال أحد المؤلفين عن سيرته: (خلال الفترة الممتدة من حزيران/ يونيو ١٩٤٤ م إلى آذار/ مارس ١٩٤٥ م وقبل حصوله على شهادة البكاليوريوس في الأدب، كتب توفيق ثماني حلقات في "النشرة" تحت عنوان "التوراة كأدب" تشير الحاشية في الحلقة الأولى إلى أن هذه السلسلة من المقالات هي ملحق للأطروحة التي قدمها الكاتب لدائرة الدراسات السامية في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلّا أننا لم نعثر على الأطروحة المذكورة، ولربّما كان صايغ يقصد بحثًا طويلًا قدمه لتلك الدائرة، الحلقة الأولى ظهرت في عدد حزيران يونيو ١٩٤٤ م من النشرة وهي تمهيد، يوضح فيها توفيق أن "الغاية من نشر هذه الأبحاث هي محاولة التبيين على أن التوراة فضلًا عن كونها كتاب دين روحيًا ساميًا، سفر أدبي جليل، لا تقل بعض أشعاره وأقسامه، روعة عن الكتب الأدبية الخالدة، وأنا حين أكتب في موضوع "التوراة كأدب" إنَّما أعني قيمتها الأدبية وتأثيرها الثقافي من وجهة اللغة التي كتبت بها أصلًا. . .، ثم بين أن ما يميز الأدب العبري هو هذا الخيال الشرقي الأصيل، الذي يوصف بأنه ثاقب، ومبدع ومزوق، فالخيال اليهودي لم يعبأ بالطبيعة بل باللَّه مصدر الجميع. . .) (^١).
ثم يورد الصايغ جملًا عديدة من كلام اليهود في التوراة، ويعقب على ذلك بأن في هذه الجمل كلها جمالًا أدبيًا وخيالًا فنيًا رائعين (^٢).
ثم يشير إلى أن التوراة هي من أهم أقسام الأدب العبراني؛ لأنها تحوي بين دفاتها عدة عواطف رقيقة، ولا تقتصر على ما تملأ به كتب التاريخ الجامدة من ذكر الحوادث وأسماء الأشخاص والأماكن والسنين، بل تقرأ فيها قصصًا طريفة كتبت بأسلوب جميل (^٣).
(وفي مقال مهم كتبه توفيق وهو في الثامنة والعشرين، نشره في
_________________
(١) انظر: توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى لمحمود شريح: ص ٢٩.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٣٠.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٣٠.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
بيروت في مطلع العام ١٩٥١ م في "النشرة" تحت عنوان "الشاعر الأول" تكمن أهمية المقال في رؤية صاحبه الآخذة من الأناجيل. الشاعر الأول في نظره هو رجل الدين الأول، ديوانه الأول الطبيعة، وديوانه الثاني الحياة، والثالث المرأة، والرابع الكتاب المقدس، وهنا يسهب توفيق في تمجيد "أروع الشعر" "فسفر أيوب من الطرف الشعرية الكبرى، ولعله أعظم قصيدة فكرية معروفة، وسفر "المراثي" يضم بعضًا من خيرة المراثي الوطنية العالمية، وفي "المزامير "قصائد غنائية شجية، لا تجاريها إلَّا بعض القصائد المتفرقة في بطون الأشعار الأخرى، وفي "نشيد الإنشاد" نقرأ أعذب أنشودة للجمال والربيع، وأبدع قصيدة حب عرفتها الأزمان، كما وصفها توفيق الحكيم، أو عودوا إلى ما في التوراة من قصص أفعمت روعة فنية خالدة، ما زالت إلى اليوم تعجب وتلذ حين تقرأ كما كانت تعجب وتلذ قبل مئات السنين؛ ذلك لأن فيها عنصري الجمال والبساطة اللذين لا يتغيران مع الأزمنة، أو إلى ما فيها من تاريخ أدبي، أو حكمة وأمثال وفلسفة، أو نبوءات شعرية جليلة، هل هذه، وهي قطرة من محيط تجعل للتوراة مركزًا أدبيًا لا يضاهى) (^١).
إن هذا النص بما يحتويه من تفاخر نصراني وإعجاب توراتي يؤكد لنا أن الصائغ راهب كنيسة وحبر معبد قبل أن يكون شاعر تحديث وتجديد، وفي هذا ما يكفي المنصف لمعرفة ما خلف كواليس الحداثة، وستائر مسرحياتها.
وفي دراسته للتوراة والأدب العبراني يكتشف الصائغ اكتشافًا ساقطًا لا حقيقة له يقول فيه: (ومما يلاحظ أن كل أنبياء إسرائيل كانوا شعراء) (^٢).
وتحدث عن الحكم والأمثال في التوراة، ثم يصل في بحثه "التوراة كأدب" إلى عظمة الشعر العبري لكونه لا يحتوي على قافية، يقول: (وللشعر
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤١.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٠.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
العبري مميزات خاصة، فهو وإن يكن في أبياته إيقاع إلَّا أنه لا يخلو من الوزن ويندر أن نجد فيه قافية، ومما يلاحظ أن أعظم القصائد العالمية كتبت بدون قوافي: في الآداب العبرية والإغريقية واللاتينية كلها غير مقفاه، وطُرَف الأدب الأوروبي الكبرى كلها نظمت بالشعر المرسل،. . .) (^١).
ففي هذا القول يُمكن الالتفات إلى أن جذور الدعوة إلى هدم القافية والوزن في الشعر العربي انطلقت من هذه المنطلقات الوثنية والعبرية، ويكفيك من شرّ سماعه!!.
وفي إشادة وامتداح نادرين يربط الصايغ بين التوراة والشعر العبري والأدب العالمي، ثم يصف تأثير التوراة في الأدب الإنكليزي (^٢).
ثم ينتقل إلى الجزء الذي يهمنا هنا وهو أثر التوراة في الأدب العربي، فبعد أن ذكر ترجمات التوراة العديدة إلى اللغة العربية، أشار إلى أثر التوراة في الأدب العربي القديم والمعاصر، وأتى بقول إجمالي يصح الاكتفاء به في الدلالة على هذه القضية التي نحن بصددها، فقال: (أمّا أثر التوراة في الأدب العربي فلم يكن قديمًا ذا شأن للمحيط الإسلامي الذي نشأ فيه الأدب العربي، لكن في العهد الحاضر وبعد الاختلاط بأوروبا والأدب الغربي، وانتشار الثقافة العالمية المعتمدة إلى حد كبير على المسيحية، أخذ الأدب المسيحي يقوى، وفي أواخر القرن الماضي ظهر في الشعر نزاع طائفي بين المسيحيين والمسلمين، أما في العصر هذا فصرنا نرى كثيرًا من القصائد تدور حول مواضيع من التوراة، أو تحوي استشهادات منها، أو متأثرة بأسلوبها بها [كذا] من أمثلة هذه نذكر باختصار في خاتمة هذا الفصل كتابات جبران خليل جبران المختلفة، ومسرحية "بنت يفتاح" لسعيد عقل، وقصائد "شمشون" و"لوط" لإلياس أبو شبكة الذي نشر أبحاثًا في أثر التوراة في الأدب العالمي، وغير هذه) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣١.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٣٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٤.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
ولم تقتصر اهتمامات صايغ بالتوراة والدين اليهودي على هذا البحث، بل شارك في تحرير مجلة الجامعة الأمريكية المسماة "الكلية" الصادرة باللغة الإنجليزية، ثم كان المحرر المساعد لها لموادها العربية، وقد كتب مقالًا بالإنجليزية في كانون الثاني يناير ١٩٤٤ م الموافق محرم ١٣٦٣ هـ بعنوان "الخادع الأكبر" يعرض فيه ثلاثة مواقف من المرأة كما وردت في سفر التكوين والأدب اليوناني، وفي مجلة الكيلة يكتب مقالًا عن المعري، يربط فيه إبداع المعري وتفوقه -حسب رأيه- بالكهنة النصارى وأسفار التوراة (^١)، وليس بالأدب العربي ولا بالثقافة العربية ولا بالإسلام ولا بشيء من ذلك، وفي ذلك دعاية واضحة إلى الأخذ من هذا المعين الذي يراه سببًا في تميز المعري الذي قال عنه: (لم يهتم أبو العلاء بما كان يهتم به الشعر العربي من مواضيع لا تبتعد إلا بالنادر عن الحواس، ولم يتأثر بالمميزات العربية في الأدب، أو بما كان ذلك الأدب يستلهمه، بل استلهم بيئته وحدها، وحوى برأسه الثقافة المنغمسة بالغرب، والتي وصلت إليه عن طريق معلمي اللاذقية وكهنتها. . .، وأثرت فيه بعض كتابات أسفار التوراة، هذه كلها لم يستمدها إلا من حضارة بلاده، ولم تكن لتوجد إلَّا في بلاده، فنظم ونثر وحلق في تفكيره وتخيله واهتم بالمجردات، ورحل إلى العلاء، وحرر الشعر من النزعة الهيمية، وبحث في المجتمع فانتقده، وبكل المثل البائدة فندد بها، وبالمرأة فقذفها بأبياته الساخطة، وقاتل في سبيل حرية الفكر فخرج شاعرًا وشاعرًا فريدًا، يستمد تفكيره ومزاياه وشخصيته من بلادنا، وتتمثل امتنا فيه) (^٢).
وعلى ما في هذا الكلام من مغالطات وأكاذيب وافتراء على الحقيقة والتاريخ (^٣) إلا أنه يحتوي من عبارات الدعاية للانغماس في الغرب -حسب تعبيره- والأخذ عن كهنة النصارى وأسفار التوراة ليكون الشاعر مبدعًا
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٣٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٥.
(٣) انظر رد الشيخ محمود شاكر على النصراني الآخر لويس عوض في قضية دعواه أن المعري تأثر بالنصارى في كتابه النادر أباطيل وأسمار، ففي الرد عليه رد على توفيق صايغ أيضًا.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
وعالميًا ومتطورًا، وهذا نموذج من نماذج التدليس الحداثي الذي استخدمه نصارى العرب في الدعاية للانحرافات الاعتقادية واتباع الملل الأخرى، تحت شعارات الإبداع والتجديد والانفتاح على الفكر العالمي، فأتبعهم في ذلك من اتبعهم من أبناء المسلمين وانسلخوا عن دينهم، وصاروا يقومون بالدور نفسه، في أجواء من فتن الشبهات وسقم الأفكار والعقائد والضلالات.
وفي وسط غبار التشويش النصراني الحداثي يصف أحد الكتاب النصارى الحداثيين العرب معالم الأدب العربي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، ويتعرض للبعد الديني ذاكرًا النصرانية ثم اليهودية التي ختم بالكلام عنها قائلًا: (وسواء أكانت اليهودية ديانة فراتية أم صحراوية أم مصرية، فإنها تظل من جملة ديانات الشرق الأوسط، أو الشمال الأفريقي، فإنها على كل حال لم تحارب كديانة غريبة عن المنطقة، وإنَّما استخدمت من أجل مآرب قومية وإنشائية) (^١).
فلماذا كل هذا التسويق والتهوين وفرض منطق الأمر الواقع؟ أنها المآرب القديمة الجديدة كما أخبر اللَّه تعالى عنها وعن أصحابها: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ (^٢).
ولسائل أن يسأل: هل امتد تأثير العقائد اليهودية والرموز التوراتية؟.
والجواب عليه بما سبق، وبما سوف نذكره لاحقًا من شواهد وبينات في هذا الصدد، فها هو أدونيس يؤكد أنه في قصيدة "أرواد يا أميرة الوهم" اعتمد فيها (على الأسلوب الشعري القديم في فينيقيا وما بين النهرين، وهو الأسلوب الذي ورثته التوراة في أروع أشكاله وتأثر به كثير من شعراء أوروبا وطوروه وآمل في استخدام هذا الأسلوب من التعبير الشعري، أن أضع مع
_________________
(١) النزوحات الكبرى لحنا عبود: ص ٣٥.
(٢) الآية ٢١٧ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٨١٠ ]
زملائي الشعراء حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم) (^١).
وفي تطبيق عملي يستعير أدونيس العبارات والمصطلحات اليهودية، ويستخدمها في إجلال مثلًا "مزامير الإله الضائع" (^٢)، وفي مقطوعة "إرم ذات العماد" يسمي المقطع الأول "مزمور" (^٣)، ونحوه في مقطوعة "الزمان الصغير" (^٤).
وفي بعض كلامه يعبر عن إعلانه الحداثي التدميري بقوله:
(أعلن طوفان الرفض
أعلن سفر تكوينه) (^٥).
ويستخدم أسماء يهودية وردت في التوراة، مثل قوله في امتداحه لنفسه، وادعائه القدرة على البعث والإحياء والإبداع الدائم: (قادر أن أصير وجهي بحيرة للبجع، وأجعل أهدابي غابات وأصابعي ربيعًا وأعراسًا، قادر أن أبعث أليعازر في كل خطوة أخطوها") (^٦).
و(يعتقد أدونيس أن هناك عوامل كثيرة مهدت لقصيدة النثر منها "التوراة، والتراث الأدبي القديم في مصر وبلدان الهلال الخصيب على الأخص") (^٧).
_________________
(١) الحداثة الأولى: ص ١١١.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٢١٣.
(٣) المصدر السابق ١/ ٣٥٥.
(٤) المصدر السابق ١/ ٣٨٣.
(٥) المصدر السابق ١/ ٣٢٨.
(٦) المصدر السابق ١/ ٥٨٦.
(٧) أفق الحداثة: ص ٧٤ وقد نقل هذا عن أدونيس من مجلة شعر عدد ١٤: ص ٧٧.
[ ٢ / ٨١١ ]
وها هي نازك الملائكة تكشف عن تأثرها العميق باليهود وكتابهم التوراة، في صيغة إطراء وإعجاب، ففي ديوانها قصيدة بعنوان التماثيل كتبت مقدمة نثرية لها فقالت: (هدية إلى قائمة الأسماء الغامضة المنطفئة التي جاءت في سفر التكوين من كتاب العهد القديم) (^١).
وها هو البياتي يستخدم "سفر الخروج ويبحث فيه عن المعنى" (^٢) عن المخرج والطريق والدرب!!.
ويقول:
(لسيدي أكتب ما أراه في خارطة التكوين
وكتب المستقبل الساكن في الماضي، وسفر العودة - الخروج) (^٣).
ويصف جهاد فاضل المرجعية الفكرية والثقافية لصلاح عبد الصبور فيقول: (واستخدم صلاح التراث القديم وتراث الشعر الشعبي المصري، واستخدم حتى تراث الصوفيين وتراث الكتب المقدسة، وبالتحديد لغة التوراة والإنجيل إلى جانب استفادته من ثقافته الإنجليزية) (^٤).
ومن أشهر مشاهير الحداثة، وله شعبية كبيرة عند أدباء الحداثة العرب "ناظم حكمت" الشيوعي التركي، وهو في الحقيقة يهودي من بولونيا، أتى إلى مدينة سراي بوسنه التركية وادعى الإسلام وتزوج إحدى نساء المدينة، وفعل كما فعل أسلافه من يهود الدونمة أو يهود سالونيك (^٥).
وقد أوضح غالي شكري أن ناظم حكمت أحد أهم المرجعيات للحداثة العربية في الرؤية والفكر (^٦).
_________________
(١) ديوان نازك الملائكة ١/ ٥٧٠.
(٢) انظر: ديوان البياتي ١/ ٢٥٩.
(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٧٩.
(٤) قضايا الشعر المعاصر: ص ٢٦٠.
(٥) انظر: كتاب الشعوبية الجديدة: ص ٢٠٥.
(٦) مجلة الناقد عدد ١٣: ص ٥٤ في تموز يوليو ١٩٨٩ م.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وها هو سميح القاسم يصف نفسه بأنه مكره:
(أن أصبح ايليا في القرن العشرين) (^١).
ويكتب في الهامش عن إيليا بأنه نبي يهودي حارب الأوثان، وينسب إليه أنه قتل كهنة بعل. ويستخدم مثل سابقيه مصلطح سفر التكوين، فيقول:
(هنا سفر تكوينهم ينتهي
هنا سفر تكويننا في ابتداء) (^٢).
وفي مقطع له بعنوان "يهوشع مات" (^٣) وهي تسمية يهودية لنبي اللَّه يوشع بن نون ﵊، يورد شرحًا عن مراده بيهوشع، ونصًا طويلًا من التوراة "العهد القديم -يشوع- الأصحاح الأول (^٤) ثم يظهر التحدي في هذه المقطوعة، من خلال استخفافه بهذا النبي الكريم ﵊، وهذا وجه آخر من أوجه التأثر باليهود الذين عرف عنهم الاستخفاف والسخرية بالأنبياء، بل والقتل لهم.
وفي مقطع آخر بعنوان "طفل يعقوب" (^٥) يورد نصًا من التوراة في مقدمة هذا المقطع، ويخاطب اليهود بخطاب فيه شيء من الاستخفاف بيعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام (^٦).
وقد بلغ به الاستعارة من اليهود أن ضمن بعض كلماتهم في ثنايا كلامه في حوار أجراه يقول فيه:
(وإليكم نشرتنا الأولى:
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٣٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٩١.
(٣) المصدر السابق: ص ٩٩.
(٤) المصدر السابق: ص ١٣١.
(٥) و(^٦) المصدر السابق: ص ١٣١ - ١٣٢.
[ ٢ / ٨١٣ ]
صرّح ليفي إشكول:
"شرع درك هرشتفلس كرشت
الملك يقول:
"برش تفتر حشتر لشند بثل
أمريكا فقدت إحدى قطع الأسطول
هدد مكنا مارا. .
- ابن الـ. . . مسطول!!
اليوم أحرر هذا الخبرا:
أرنستوتشي غيفارا
ببني قمرا
في أفق ما!!) (^١).
ولا يدري القارئ أي شعر في هذه السخافات؟ وأي فائدة معرفية أو فكرية يُمكن أن يصل إليها من يقرأ هذ العبث؟.
وبعد هذا التضمين السقيم للكلام العبراني يختم بذكر الماركسي غيفارا (^٢) ممتدحًا منهجه ومتفائلًا بالمجد الذي يبنيه غيفارا!! في تقلب مشين
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٨٣.
(٢) غيفارا، هو ملهم الحداثيين ورمزهم الكبير أرنستوتشي غيفارا، شيوعي ماركسي من أمريكا اللاتينية، وأحد أركان الثورة الشيوعية الكوبية مع كاسترو، كان من أبرز الدعاة المتحمسين للشيوعية، اشترك في الحكم الشيوعي في كوبا، وأصبح له مدرسة فكرية وسياسية وممارسة ثورية تعرف بالغيفارية خاصة بعد قتله على يد القوات البوليفية وتحول اسمه إلى رمز عند الماركسيين، خاصة أنه يؤيد العنف والانقلاب الثوري الدموي والحرب الشعبية، بعد توليه وزارة الصناعة في هافانا ترك ذلك وتوجه إلى العمل الثوري كما يقال، واختفى من كوبا وتنقل في رحلات سرية إلى مصر والجزائر، ثم إلى بوليفيا حيث قتل هناك في ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧ م. انظر: موسوعة السياسة ٤/ ٤٠١ - ٤٠٦.
[ ٢ / ٨١٤ ]
من العبرانية إلى البساط المادي الذي نسجته أيدي اليهود إلى الماركسية، والحمد للَّه الذي أراه قبل أن يَموت الخزي والدمار والشتات الذي نزل بالشيوعية.
وفي مقطوعة له بعنوان "مزامير" (^١) تحتشد العبارات والمصطلحات والرموز الصهيونية بشكل إقحامي فج، مما جعله يقدم بمقدمة اعتذارية شارحة، يصدق عليها المثل "عذر أقبح من فعل"، قال في المقدمة: (. . . أدخل الشاعر في جزء كبير من القصيدة، تعابير وصورًا توراتية من المزامير، ومن سفر أشعياء بالذات) (^٢).
أما عبد العزيز المقالح فإنه لا ينسى أن يضيف إلى أمجاده الحداثية إضافة الأسماء والرموز اليهودية، ليثبت قدرته الفنية وثقافته العالمية!!، فيقول:
(و"سالومي" تفني في ملاهي القدس
تنشر لحمها في المسجد الأقصى
وتطلب كل رأس راكع فيه
لترفع عاليًا من حائط المبكى) (^٣).
وله مقطوعة بعنوان "يهوذا" (^٤) مقدَمة بسطر لأرسطو يقول فيه: (يا أصدقائي ليس هناك أصدقاء) (^٥).
أمَّا محمد الفيتوري الساخط على لونه الأسود والغاضب بسببه على كل أبيض، في عقد متراكمة ينفس عنها بالافتخار بالزنجية وبغض الأبيض، وفي مقدمة ديوانه يشرح المقدم هذه العقدة عند الفيتوري، ويذكر أنه بذلك
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ١٩٢.
(٢) المصدر السابق: ص ١٩٢.
(٣) ديوان المقالح: ص ١٩٣.
(٤) و(^٥) المصدر السابق: ص ٣٦٤.
[ ٢ / ٨١٥ ]
يناقض قول حبيبة النبي سليمان إذ تصف نفسها بالجمال وهي سوداء مثله، ثم يورد نصًا من التوراة تقول فيه: (أنا سوداء ولكني جميلة يا بنات أورشليم كأخبية قيدار وكسرادق سليمان. . .) (^١).
وفي المقدمة نفسها يشرح صحابها المكونات الثقافية للفيتوري فيذكر أنه (قد حفظ القرآن، وقرأ سفر أرميا، ونشيد الأناشيد. . .) (^٢) إلخ.
وهكذا تصبح التوراة جزءًا من المعلومات العلمية التي يفاخر بها أبناء المسلمين!!، فإذا تتبعنا عند الحداثيين مقدار الألفاظ والمصطلحات الإسلامية في كلامهم فإننا نجد نسبة قليلة جدًّا إزاء المصطلحات والرموز الوثنية واليهودية والنصرانية مما يؤكد شهادة أحد الغربيين الذين نظروا إلى ظاهرة الحداثة وما بعد الحداثة عند الحداثيين فأكد أنهم مصابون بانفصام الشخصية، عدميون صنميون (^٣).
ولا ريب أن الحداثيين العرب الذين شربوا من كل مورد، عدا الإسلام وعرفوا كل الثقافات، وقرأوا كل الكتب إلا القرآن، وهو ما ذكره أحد النقاد الحداثيين قائلًا: (. . . اعترف أحدهم، ولا أريد أن أسميه الآن، بأنه لم يقرأ القرآن أساسًا. . في اعتقادي أن شاعرًا عربيًا يكتب بلغة عربية ويدعي الحداثة والتميز لم يقرأ القرآن، ولم يقرأ أي شيء من أصول النقد العربي أو الشعر العربي القديم، كيف يُمكنه أن يكون شاعرًا وحتى حداثيًا) (^٤).
فإذا انتقلنا من مجال التأثر باليهودية في النتاج الفكري والأدبي، إلى مجال التأثر العملي المباشر بهم، غير ما أسلفنا ذكره في مقدمة هذا الملمح، فإننا نجد أن طائفة من حداثيي فلسطين ممن يطلق عليهم "شعراء الأرض المحتلة" كانوا أعضاء في حزب "راكاح" الشيوعي الإسرائيلي!!،
_________________
(١) ديوان الفيتوري ١/ ٢٦.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٦.
(٣) انظر: قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ١٩.
(٤) قضايا الشعر المعاصر لجهاد فاضل: ص ٣٩٠، وهذا القول للناقد عبد الرزاق عبد الواحد.
[ ٢ / ٨١٦ ]
وبعضهم أعضاء في الكنيست الإسرائيلي، وعمل في الصحف والمجلات اليهودية.
هذا محمود درويش، شاعر الأرض المحتلة كما يطلق عليه الحداثيون، عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"، وشارك في تحرير جريدة الاتحاد ومجلة الجديد وهما من صحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي (^١).
ومثله سميح القاسم، وتوفيق زياد، وأميل حبيبي عضو الكنيست اليهودي المفتخر ببقائه في فلسطين كمواطن يحمل الجنسية الإسرائيلية (^٢).
أمَّا صلاح عبد الصبور فقد كان مطية للسادات في تطبيع العلاقات مع اليهود، فلما جاء اليهود إلى القاهرة للمشاركة في المعرض الدولي وكان المشرف عليه صلاح عبد الصبور سمح بالمشاركة، وبعد فترة ناقشه أمل دنقل وحجازي وغيرهم في موقفه المتسامح مع اليهود، وفي جعله نفسه مطية لسياسة التطبيع مع اليهود التي قادها السادات، فمات.
ويروي أحمد المعطي حجازي وقائع تلك الليلة التي مات فيها صلاح عبد الصبور في حفلة عيد ميلاد ابنه، وكانت ليلة احتفال وغناء ورقص، ثم حدثت المناقشة عن علاقة صلاح باليهود وتعاملهم معهم، وخاصة في معرض الكتاب، فلم يحتمل صلاح النقد -على حد تعبير حجازي- فهلك من ليلته (^٣).
يقول غالي شكري في كتابه "ذكريات الجيل الضائع" عن محمود درويش، والدراسة التي أعدها رجاء النقاش عن شعره: (. . . ومن الناحية الفكرية يتخوف تخوفًا لا مبرر له من أن يكون انتساب محمود درويش وزملائه من السفراء إلى الحزب الشيوعي العربي الإسرائيلي "راكاح" جدارًا
_________________
(١) انظر: محمود درويش شاعر الأرض المحتلة لرجاء النقاش: ص ١١٣، ٢٢٠ - ٢٣٤.
(٢) رأيهم في الإسلام: ص ٣٧.
(٣) انظر: قضايا الشعر الحديث ص ٢٥٧ - ٢٥٨.
[ ٢ / ٨١٧ ]
بين الشاعر ومتلقيه فقد كرر قوله أن هذا الانتساب "اضطراري"، وبذلك يلتقي مع يوسف الخطيب حين أباح لنفسه أن يرفع من بعض القصائد التي ضمها "ديوان الوطن المحتل" أبياتًا تصرح بإيمان صاحبها كماركسي عربي، هذا على الرغم من الأحاديث المتعددة التي يعترف فيها أولئك الشعراء بماهيتهم الايديولوجية فخورين بتفجر شعرهم من نبع هذا الانتماء الأعمق إلى آلام الشعب الفلسطيني والعربي عمومًا) (^١).
وقالت مجلة اليمامة عن محمود درويش: (شاعر القصيدة المطولة بلا منازع، وهو الذي يجعل القصيدة عالمًا من الصور والأحلام والكوابيس التي تتداخل وتتعاقب في خط فني. . .) (^٢) إلى آخر المدائح المجانية.
• • •