وهذا القول منهم مبني على جحدهم وجود اللَّه تعالى وربوبيته وخلقه للخلق بعد أن لم يكن هناك مخلوق. وهو عين قول الدهرية الأقدمين (^٨)
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٢ - ١٢٣.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٣.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٤.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٣٤.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٢٠٥.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٢٠٩.
(٧) هذا القول لأبي محمد بن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/ ٢٠٨.
(٨) انظر: مذهبهم والرد عليهم في الفصل لابن حزم ١/ ٩ - ٢٣.
[ ٢ / ١٤٠٥ ]
الذين لخص القرآن العظيم مذهبهم في آية منه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^١).
ولما ركن أتباع المادية المعاصرة إلى الإلحاد، واستسلموا لتقاليده، قادهم ذلك إلى جحد كل قضايا الغيب.
ومن هنا كانت مسألة الإيقان بوجود اللَّه تعالى وألوهيته أصل كل المسائل والقضايا الأخرى، كما أن الشك في وجوده أو جحدان وجوده -جلَّ وعلا- أساس كل انحراف في الاعتقاد والعمل والأخلاق.
وفي هذا الزمان الذي شاع فيه الإلحاد بصورة مقننة ترتدي -زورًا- أردية العلم والعقل والتجريب، استسلم ضعفاء العقول والمواهب من المنحرفين من أبناء المسلمين للأفكار المادية ولوازمها الآتية من الغرب، واستولت عليهم وسيطرت على أذهانهم، من صغار المتطفلين منهم إلى كبار المقلدين.
بيد أن القضية في كل نواحيها يُمكن أن تقاس بالعقل والبرهان والدليل التي طالما تشدقوا بها مدعين وخالفوها عامدين، إذ لا شك في احتفاظ البراهين والأدلة العقلية المنطقية المستجمعة لشرائط الصحة دائمًا بقوتها وقطعيتها، بدرجة ترجح على قوة الأدلة المادية التجريبية المحسوسة المبنية على التجارب والاكتشافات، ولاشك أيضًا في أن الأدلة المادية التجريبية القطعية الثابتة لا يُمكن أن تعارض الأدلة العقلية الصحيحة ولا الأدلة النقلية الصريحة.
وصفوة القول بأن الأدلة العقلية الصحيحة والأدلة التجريبية الثابتة والأدلة النقلية الصريحة تفيد الضرورة في دلالتها على وجود اللَّه تعالى وألوهيته والنبوة والمعاد، وهذه الأدلة بهذه الأوصاف لا يُمكن أن تتعارض إلّا في عقل نقص حظه من إدراكها على وجهها بشرائطها الصحيحة، ولا تنقص قيمة الدليل العقلي أو التجريبي أو النقلي بسبب ضعف بعض الأذهان عن فهم دلالاتها القطعية، بل تزيد قيمتها، كما أن الجوهر
_________________
(١) الآية ٢٤ من سورة الجاثية.
[ ٢ / ١٤٠٦ ]
والألماس والذهب لايقدرها قدرها إلّا الجوهري الحاذق، ولا يحط من قدرها أن لا يستطيع كل أحد تمييز صحيحها من زيفها.
وإذا نظرنا إلى تخبطات أصحاب المذاهب الفلسفية الغربية في فلسفاتهم ذاتها، وفي مقولاتهم وتطبيقاتها، وجدنا أن العداء للأديان والجحد لوجود اللَّه أو ألوهيته أو غيبة، من النتائج الحتمية للمغالطات الذهنية، المخالفات العقلية، والتخبطات المعرفية.
أمّا أتباعهم من المفتتنين بهم من أبناء العالم الإسلامي من مثقفي هذا العصر، فهم في درجة من التقليد لأولئك بحيث لا تستطيع معها وصفهم إلّا بأنهم مجرد قطيع من المحاكين المتأثرين المقلدين، سواء منهم من أعلن الإلحاد بتبجح أهوج، أو من استبطن الإلحاد ودار في دوائر الشك والريب والتردد.
وهذا الصنف الجاهلي المقلد أسواء من سابقه وأردى؛ ذلك أن عقولهم قد جمدت على الضلال اتباعًا، وسارت في مسارات الجهل والزيغ انصياعًا، فأذهانهم أشد تحجرًا من أذهان أساتذتهم وقلوبهم أقسى وأعتى.
ومع ذلك تسمع منهم التبجح بالاستقلال العقلي والتحرر الذهني:
كدعواك كل يدعي صحة العقل … ومن الذي يدري بما فيه من جهل (^١)
وعقيدتهم في البعث والنشور من أعظم الأدلة على هوان الحقيقة عندهم، وضعف سلطان البراهين لديهم، وتسلط آفات الجهل والهوى والضلال على ألبابهم وقلوبهم، فهم حين يقولون بأبدية الدنيا أو بعض ما فيها لا يستندون إلى مستند صحيح من عقل أو تجريب، إلّا محض الادعاء ومجرد النفي والاستبعاد، وافتراض الاستحالة، والاستناد إلى الإلف والمشاهدة الحيوانية القاصرة، وهذه كلها وما يشبهها ليست من محجة الأدلة العقلية الثابتة، ولا من طرائق المطالب البرهانية الصحيحة.
_________________
(١) ديوان المتنبي: ص ٥١٨.
[ ٢ / ١٤٠٧ ]
والاستدلال بمجرد النفي والاستبعاد والاستحالة ونحو ذلك، إن دل على شيء فإنّما يدل على ضعف حجة صاحبها وزيف اعتراضاته.
فإذا انضاف إلى ذلك اعتقاد بعضهم أن الأبدية للإنسان تكون عن طريق تناسخ الأرواح، تبين حينئذ مقدار ما وصلوا إليه من خرافة وجهل وضلال.
وبهذه الاعتقادات الجاهلية يتجلى لكل صاحب بصيرة أن القوم قد تركوا العروة الوثقى والحقيقة العظمى، واستندوا إلى ما ليس بمستند، وعكسوا الأمور أبشع عكس وأشنعه، وجعلوا الحقائق أباطيل والأكاذيب حقائق، وبهذا الاختيار المعكوس تأثرت عقولهم وأعمالهم، وهو أحد أسباب انصرافهم عن الالتزام بالمطالب اليقينية الضرورية مثل وجود اللَّه تعالى والنبوات والمعاد.
وتعبيراتهم عن عقيدتهم بأبدية الدنيا أو بعض ما فيها أو القول بتناسخ الأرواح، تعبيرات كثيرة كلها تدل على أنهم على ملة غير ملة الإسلام، ومن ذلك قول إحسان عباس في شرحه لنظرية الزمن عند أصحاب الشعر العربي المعاصر، وذلك في سياق مقارنة بين المفهوم الإسلامي للزمان والمفهوم الحداثي، مما يدل بجلاء على أن هذا الناقد الحداثي -غير المتهم في ولائه للحداثة- يفرق بين الاتجاهين في قضايا كثيرة منها قضية الزمان هذه، حيث قال: (. . . يُمكن القول أن الحضارة الإسلامية -حسب تصوري- كانت ترى الزمن دورات -محدودة الأمد- يتخللهما نظرة رجوعية إلى الماضي، بينما تذهب الحضارة الأوروبية إلى أن الزمن تيار مستمر، وخاصة منذ أن ارتبطت في القرن التاسع عشر بفكرة التقدم أو التطور التي تعني استمرار السير قدمًا دون معوقات من النظرة إلى الوراء، فإذا تحدثنا عن التطور أو التحول فإنّما نستعير تصور الحضارة الأوروبية للزمن) (^١).
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ٦٨.
[ ٢ / ١٤٠٨ ]
إن فهم هذه القضية الجوهرية التي تحدث عنها إحسان عباس يوصلنا إلى فهم كثير من القضايا الاعتقادية في المضامين والأشكال والمبني والمعنى عند أصحاب الاتجاه الحداثي.
فالزمن في هذه الحياة الدنيا في التصور الإسلامي مخلوق من مخلوقات اللَّه تعالى له صفات المخلوق، فهو مُوجد من عدم، وله بداية ابتدأ بها بأمر اللَّه تعالى، وله نهاية ينتهي إليها، والزمن ليس محصورًا في هذه الحياة الدنيا، بل هناك زمن آخر وحياة أخرى الزمن فيها دائم غير منقطع.
أمَّا الزمن عند الجاهلي القديم أو المعاصر فإنه موجود بذاته ومستمر بلا نهاية، وهو محصور عندهم في هذه الحياة الدنيوية.
وقد أخبر اللَّه تعالى عن عقيدتهم هذه في آيات عديدة منها قوله ﷾: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)
_________________
(١) الآيات ٣٣ - ٣٧ من سورة المؤمنون.
[ ٢ / ١٤٠٩ ]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ (^١).
ولكي نتبين الفرق في قضية الزمن والحياة بين المنظور الإيماني والمنظور الجاهلي ننقل قول سيد قطب -رحمه اللَّه تعالى- في هذه القضية حيث قال: (وقضية البعث والحساب والجزاء في الدار الآخرة من قضايا العقيدة الأساسية التي جاء بها الإسلام، والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الألوهية، والتي لا يقوم هذا الدين -عقيدة وتصورًا وخلقًا وسلوكًا وشريعة ونظامًا- إلّا عليها وبها. . .
فالحياة -في التصور الإسلامي- ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد، وليس هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس، كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا.
إن الحياة -في التصور الإسلامي- تمتد طولًا في الزمان وتمتد عرضًا في الآفاق، وتمتد عمقًا في العوالم، وتمتد تنوعًا في الحقيقة عن تلك الفترة التي يراها ويظنها ويتذوقها من يغفلون الحياة الآخرة من حسابهم ولا يؤمنون بها.
إن الحياة -في التصور الإسلامي- تمتد في الزمان، فتشمل هذه الفترة المشهودة -فترة الحياة الدنيا- وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها إلّا اللَّه، والتي تعد فترة الحياة الدنيا بالقياس إليها ساعة من نهار، وتمتد في المكان، فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر، دارًا أخرى: جنة عرضها كعرض السموات والأرض، ونارًا تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ملايين الملايين من السنين.
وتمتد في العوالم، فتشمل هذا الوجود إلى وجود مغيب لا يعلم حقيقته كلها إلّا اللَّه، ولا نعلم نحن عنه إلّا ما أخبرنا به اللَّه، وجود يبدأ
_________________
(١) الآيات ٢٣ - ٢٧ من سورة الجاثية.
[ ٢ / ١٤١٠ ]
من لحظة الموت، وينتهي في الدار الآخرة، وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب اللَّه، وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلّا اللَّه.
وتمتد الحياة في حقيقتها، فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى. . في الجنة وفي النار سواء. . وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا. . ولا تساوي الدنيا -بالقياس إليها- جناح بعوضة.
والشخصية الإنسانية -في التصور الإسلامي- يمتد وجودها في هذه الأبعاد من الزمان، وفي هذه الآفاق من المكان، وفي هذه الأعماق والمستويات من العوالم والحيوات. . ويتسع تصورها للوجود كله، وتصويرها للوجود الإنساني، ويتعمق تذوقها للحياة، وتكبر اهتماماتها وتعلقاتها وقيمها، يمتد ذلك الامتداد في الأبعاد والآفاق والأعماق والمستويات. . بينما أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة، يتضاءل تصورهم للوجود الكوني، وتصورهم للوجود الإنساني، وهم يحشرون أنفسهم وتصوراتهم وقيمهم وصراعهم في ذلك الجحر الضيق الصغير الضئيل من هذه الحياة الدنيا.
ومن هذا الاختلاف في التصور يبدأ الاختلاف في القيم، ويبدأ الاختلاف في النظم. . . ويتجلى كيف أن هذا الدين منهج حياة متكامل متناسق، وتبيين قيمة الحياة الآخرة في بنائه: تصورًا واعتقادًا، وخلقًا وسلوكًا وشريعة ونظامًا.
إن إنسانًا يعيش في هذا المدى المتطاول من الزمان والمكان والعوالم والمذاقات، غير إنسان يعيش في ذلك الجحر الضيق ويصارع الآخرين عليه، بلا انتظار لعوض عما يفوته، ولا الجزاء عما يفعله وما يفعل به. . إلّا في هذه الأرض ومن هؤلاء الناس.
إن اتساع التصور وعمقه وتنوعه ينشيء سعة في النفس وكبرًا في الاهتمامات ورفعة في المشاعر، ينشأ عنها هي بذاتها خلق وسلوك، غير
[ ٢ / ١٤١١ ]
خلق الذين يعيشون في الجحور وسلوكهم، فإذا أضيف إلى سعة التصور وعمقه وتنوعه، طبيعة هذا التصور، والاعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة، وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته، استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذين تعلم أنه من أمر اللَّه، وأنه مناط العوض والجزاء، وصلح خلق الفرد واستقام سلوكه -متى استيقن من الآخرة كما هي فى التصور الإسلامي- وصلحت الأوضاع والأنظمة، التي لا يتركها الأفراد تسؤ وتنحرف، وهي يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة، فيخسرون الدنيا والآخرة) (^١).
أين هذا التصور الشامل العميق من التصور الذي تحدث عنه إحسان عباس، في حديثه عن الموقف من الزمن؟.
فإنه إضافة إلى ارتمائه خلف المفهوم الجاهلي للزمن، افترى على التصور الإسلامي، حين صوره بتلك الصورة المقتبسة من التصور الغربي للدين، وهو تصور يقوم على خلفيات تاريخية وصراعات فكرية وانحرافات كنيسية، أدت إلى هذه النتائج!!.
وفي غمرة الاستلاب والغزو الثقافي والجهل الاعتقادي أخذ أبناء المسلمين هذه التصورات الغربية عن الدين فطبقوها -بتبعية حمقاء- على دين الإسلام.
وما قول إحسان عباس عن الزمن في الحضارة الإسلامية وأنه عبارة عن دورات محدودة الأمد يتخللها نظرة رجوعية إلى الماضي، إلّا أحد الأمثلة على التقليد والمحاكاة لأفكار الغرب وعقائده وتصوراته.
ولو كان الرجل متحرر الفكر كما يدعي لما استأسر لهذه المقررات الغربية وانقاد لها انقياد التابع الضعيف، وليس هذا خاصًا به بل كل أتباع المنهج العلماني والحداثي على هذا المنوال.
_________________
(١) في ظلال القرآن ٢/ ١٠٦٨ - ١٠٦٩.
[ ٢ / ١٤١٢ ]
لقد حاول إحسان عباس في دراسته للزمن أن يضفي على الاتجاه الحداثي صفات التحضر والتقدم والاستمرار، بيد أنه لم يخرج في كل ذلك عن المنظور المادي لمفاهيم التحضر والديمومة، في الوقت الذي حاول أن يضفي فيه صفات البدائية والتخلف والرجعية على ما ظنه المنظور الإسلامي للزمن، ففي توطئته لهذه القضية قدم بكلام يدل على هذا الموقف، يقول: (إن هناك فرقًا في تصور الزمن بين الجماعات البدائية وبين الجماعات التي تعيش في ظل الحضارة، فالزمن للبدائي "فيولوجي" أو شعائري، أي أنه ربّما كان منعدمًا، أمَّا الزمن بالنسبة للمتحضر فإنه "تاريخي"؛ لأنه شيء يُمكن قياسه والتعامل معه.
إن هناك فرقًا في تصور الزمن بين الحضارات القديمة والحضارة الأوروبية الحديثية، فالحضارات القديمة تستطيع التغاضي عن الزمن، بينما تصر الحضارة الأوروبية على وجوده، وتربط الثقافة والحياة ربطًا محكمًا به) (^١). ثم يخلص من هذه المقدمات إلى الكلام عن الزمن في الحضارة الإسلامية وهو القول الذي سبق نقله.
وإذا ما قارنا بين هذا الفهم السطحي للزمن والفهم العميق الذي أشار سيد قطب إلى شيء منه في النص السابق، يبين لنا مدى الجناية التي جناها إحسان عباس على نفسه بقبوله بهذه التعمية الفكرية واستخذائه أمام هذا القول التقريري الخالي من الدليل والبرهان، والمفتقر إلى أدنى نظر وتأمل في نصوص الكتاب العظيم والسنة المطهرة، التي كان الحديث فيها عن الزمن والعصر والحياة الدنيا والآخرة من أوسع الحديث وأشمله وأعمقه وأدقه وأصوبه.
والذين يفترون على عقيدة المسلمين بجهل أو بتجاهل إنما يعبرون عن بعض آفاتهم العقلية.
إن إحسان عباس يعد الزمن في الاعتبار الديني "شعائريًا" وهذا يقتضي
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ٦٧ - ٦٨.
[ ٢ / ١٤١٣ ]
عنده أن يكون "ميثولوجيًا" (^١) أسطوريًا أو منعدمًا، وفي هذا القول عدة مآخذ منها:
١ - إن الزمن في المفهوم الإسلامي وإن ارتبط بشعائر العبادة من صلاة وصوم وحج وغير ذلك من مواقيت العبادات فإنه لا يقتضي أن يوصف بأنه شعائري، ولا يقتضي أن يكون إذا وصف بالشعائري أن يكون بدائيًا، كما تتخيله العقلية المادية الغربية الجاهلية.
٢ - لا وجه للربط بين لفظ "شعائري" وأسطوري إلّا في المفهوم الجاهلي الغربي، الذي جعل الإلحاد إطارًا لفكره وفنه وآدابه، واقتضى ذلك، منه أن يكون الدين السماوي -أيًا كان هذا الدين- في دائرة "الميث" أو الأسطورة.
وإحسان عباس وغيره من الحداثيين في هذا المرض المادي يتخبطون ويقولون ما لا يعملون، ويهرفون بما لا يعرفون.
٣ - وصف الزمن عند البدائيين -حسب تعبيره- بأنه منعدم، ويريد بالبدائيين، كل من عدا الأوربيين، وفي طليعة البدائيين حسب سياقه، وحسب موضوع الكتاب هم أصحاب العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان.
ولم يبين إحسان عباس مراده بانعدام الزمان عند البدائيين!!.
فإن كان مراده بالزمن هذه الحياة الدنيا فلاشك أن الزمن فيها مخلوق من عدم، وزائل بيوم القيامة، التي يصبح فيها الزمان غير الزمان والحال غير الحال، وهذا هو مفرق الطريق بين عقيدة المؤمنين باللَّه تعالى وعقيدة الدهريين والماديين الذين يقولون باستمرار الزمان الدنيوي وديمومته.
وإن كان مراده بالزمن مطلق الزمان في الدنيا أو في الآخرة فإنه يكون بتوصيفه هذا قد كذب على أهل الإسلام بل وعلى غيرهم من أصحاب
_________________
(١) انظر: ما سبق عن الميثولوجيا.
[ ٢ / ١٤١٤ ]
الأديان السماوية الذي يعتقدون أن الزمن في الاخرة غير منعدم ولا منقطع.
وعلى كلا الاعتبارين يظل إحسان عباس وهو من المعتدلين في الحداثة كما يصورهم بعضهم!! يظل مرتبطًا بالمفهوم المادي الغربي ومنصبغًا بصبغته.
وهذا الصنيع نفسه يمارسه جابر عصفور في مقاله الهجائي "إسلام النفط" حين يتحدث عن الزمن في المفهوم السني الاتباعي، من منظورٍ علماني مادي متطرف، فيصور أن الزمن عبارة عن خط دائري منحنٍ هابط، في حين أن الزمن في المنظور الحداثي حركة تصاعدية راقية، وهي المفاهيم عينها التي أشار إليها إحسان عباس فيما نقلناه عنه آنفًا.
يقول جابر عصفور بعد أن ساق جملة من الأحاديث والآثار الأمرة بالاتباع والناهية عن الابتداع: (أمَّا المقولة الخاصة بالزمن فتقودنا إلى مفهوم التاريخ الذي يرتد إلى أصله، بالمعنى الذي يوقع التصور الخطي الأفقي للزمن على تصوره الدائري، حيث يتحول الزمن إلى حركة متكررة، ثابتة، تقع على نقاط خط منحدر، هابط، بدايته الايجاب المحض ونهايته السلب المطلق، فلا يغدو التاريخ حركة صاعدة توازي ارتقاء الإنسان وتطور وعيه الموازي لتطور فعله الصاعد على سلم التقدم درجة درجة، مع التراكم الكمي والكيفي للمعرفة التي يصوغها، والأفعال التي يصنعها بل يغدو ينحط دائمًا كلها مضينا صوب المستقبل، وباعدنا عن الماضي الأول الذي هو نقطة البداية والمنهج والأصل والمثال) (^١).
ثم ينقل كلامًا لصنوه في المادية أدونيس، ثم كلامًا للشاطبي -﵀- عن رسوخ علم السلف ثم يعقب عليه قائلًا: (وهي مقولة تبرر ثلاثية النقل والاتباع والتقليد، فما دام التاريخ منحدرًا والمعرفة هابطة، فالابتعاد عن الأصل يرادف السقوط المنحدر، على سلم المعرفة والقيمة،
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ١٨١.
[ ٢ / ١٤١٥ ]
ولا نجاة إلّا بالعودة إلى الأصل اتباعًا، وتصديق كل ما يصدر عنه تقليدًا والالتزام بما يروى عنه نقلًا. . .) (^١).
وهكذا نرى وشائج الترابط المادي بين الإيماء بجحد وجود اللَّه -تعالى- وجحد أحقيته في العبادة والحكم والأمر والطاعة والاتباع، والتصريح بأن ذلك هو أساس التصور للزمن المنحدر أو للخط الأفقي الدائري الهابط، وهي عبارة أخرى مكررة المعنى للرجعية والتخلف وغيرها من عبارات الشتائم الماركسية والوجودية، ثم يصل في الأخير إلى أن النقل والاتباع والتقليد هي أصول هذا التخلف، ومراده في كل ذلك نسف أصول الإسلام من خلال مغالطات كلامية وسفسطات لفظية ليس لها في ميدان العقل والبرهان رأس ولا قدم.
وليس المقام هنا مقام الرد على هذه الأخلاط الحداثية، إذ الكلام عن الزمن في المفهوم العلماني المادي، وهو المفهوم القائم على التشبث بالدنيا والبقاء فيها، واعتقاد أبديتها، واستمراريتها وتجددها دائمًا من غير انقطاع ولا زوال.
وهو الاعتقاد الذي سوغ لهم القول بحتمية التطور والتجدد في الحياة وأعمال الإنسان ومناشطه وإبداعاته ومخترعاته ومكتشفاته.
وهي الحتمية التي قامت أصلًا على خرافة دارون المسماة نظرية النشوء والارتقاء.
فهذه حلقات سلاسل الجهالة الحداثية القائلة بأبدية الدنيا ودوام الدهر واستمرار الزمان، وسرمدية العالم وأبدية الحياة الدنيوية (^٢).
أمَّا كلام جابر عصفور حول النقل والاتباع والتقليد أنها سبب الانحدار والتخلف فيرد عليه بأن هذه دعوى باطلة وحجة داحضة وافتراء على الحقيقة، ويُمكن أن يقال له من جنس قوله ولكن بالحق والصدق لا بالكذب والافتراء.
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ١٨١.
(٢) انظر: تفصيل الرد على هذه الافتراءات في كتاب نقض أوهام المادية الجدلية: ص ١١٦ - ١٣٥.
[ ٢ / ١٤١٦ ]
إن الذي تقوم به أنت وأشباهك في بلاد المسلمين لا يتجاوز حدود النقل والاتباع والتقليد، النقل عن الغربيين نقلًا حرفيًا في أكثر الأحيان، ونقلًا فكريًا واعتقاديًا في كل الأحيان، والاتباع الذي يستند إلى مقولات خائفة منهزمة، تتمثل في أن الغرب متقدم ماديًا فلابد أن يكون متقدمًا فكريًا واعتقاديًا وسلوكيًا، فلابد من اتباعه في أفكاره وعقائده وأخلاقه لتنال ما نال من تقدم!!.
والتقليد والمحاكاة التي ظهرت في المذاهب الأدبية والعبارات الشعرية والمدارس النقدية والمناهج الفكرية بل وحتى في الشكل والهيئة واللباس والزي.
إنها حالات انصهار كامل وامحاء تام يمارسه هؤلاء باسم التحديث والتقدم والحرية الفكرية، ثم يحلو لهم بعد ذلك القول بأنهم أصحاب تفكير مستقل، ونظرة حيادية، وموضوعية فكرية!!.
إن ثلاثية النقل والاتباع والتقليد الحداثي الذي غرق فيه هؤلاء، وتشبعوا به غاية التشبع، لا تتيح لهم أدنى مجال للنظر والتأمل في ما عند خصومهم من أهل الإيمان والإسلام من حق وبرهان ويقين وسلطان.
بل انعكست عقولهم غاية الانعكاس، وتدهورت أفهامهم إلى النهاية حين آمنوا بالخرافة وجحدوا الحق، وأيقنوا بالمحالات وأنكروا اليقين، واستسلموا للشبهات وفروا من البراهين، واتبعوا الباطل، وابتعدوا عن الحق: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (^١).
إن الزمن اللانهائي حسب تعبير إحسان عباس (^٢) والزمن المتقدم باطراد حسب رأي جابر عصفور (^٣) ليست سوى صور تعبيرية جديدة لمذهب الدهرية القديم، أضاف إليه هؤلاء تفسيرات إلحادية من نوع قول جابر
_________________
(١) الآية ١٨ من سورة الحج.
(٢) انظر: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ٦٨.
(٣) انظر: الإسلام والحداثة: ص ١٨١ - ١٨٢.
[ ٢ / ١٤١٧ ]
عصفور أن مقولة الزمن عند المسلمين مرتبطة بالجبر وبقضية العلة والمعلول، وكلا الأمرين يجعلان الزمن يسقط نفسه ميتافيزيقيًا على الإنسان، حتى تصبح حركة الزمن في المفهوم الإسلام -في نظره- أشبه بمحلك لسر، والزمن بهذا المفهوم والقدر والجبر الميتافيزيقي كلها تنحدر بحركة الإنسان سلبًا نحو الأسفل (^١).
إلى آخر خرافاته الجاهلية التي تأبى عليه إلّا قلب الحقائق وإنكار اليقينيات واتباع الظن وما تهواه الأنفس، على طريقة أهل الجاهلية الأولى، الذين يعتبر هؤلاء من أبرز وراثها وأشهر أتباعها في هذه الأزمان.
يقول سيد قطب -رحمه اللَّه تعالى-: (والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون: إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا، وإلى إهمال هذه الحياة، وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها، وإلى تركها للطغاة والمفسدين، تطلعًا إلى نعيم الآخرة، الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة -كما هي في التصورات الكنيسية المنحرفة- وعقيدة الآخرة كما هي في دين اللَّه القويم. . فالدنيا -في التصور الإسلامي- هي مزرعة الآخرة، والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة، ورفع الشر والفساد عنها، ورد الاعتداء عن سلطان اللَّه فيها، ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعًا. . كل أولئك هو زاد الآخرة، وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة، ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل، وما أصابهم من الأذى. . فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة تركد وتأسن أو تفسد وتختل، أو يشيع فيها الظلم والطغيان، أو تتخلف في الصلاح والعمران. . وهم يرجون الآخرة، وينتظرون فيها الجزاء من اللَّه؟.
إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين، ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا -مع
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٨٢.
[ ٢ / ١٤١٨ ]
ادعائهم الإسلام- فإنّما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه؛ لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف؛ ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين، ويستيقنون من لقاء اللَّه في الآخرة، فما يستيقن أحد من لقاء اللَّه في الآخرة، وهو يعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة سلبيًا أو متخلفًا، أو راضيًا بالشر والفساد والطغيان) (^١).
وفي هذا رد على الافتراء الجاهلي الحداثي الذي ردده إحسان عباس وجابر عصفور وغيرهما ممن انطمست بصائرهم وغطت شبهات الجاهلية المعاصرة على عقولهم، فأصبحت لا تتسع تصوراتهم وعقولهم وقلوبهم لليقين بحياة خلف هذه الحياة الزائلة (وكان العرب في جاهليتهم -وبسبب من هذه الجاهلية- لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا، ولا في عالم غير هذا العالم الحاضر، ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة. . مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراتهم. . شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة "العلمية" كما يصر أهلها على تسميتها!.
"وقالوا: إن هي إلّا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين" وكان اللَّه -سبحانه- يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة. . هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور التي تلصق الإنسان بالأرض، وتلصق تصوره بالمحسوس منها كالبهيمة. . وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان، التي تطلق السعار في النفس، والتكالب على المتاع المحدود، والعبودية لهذا المتاع الصغير، كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح، ولا هدنة، ولا أمل في عوض، إن لم تقض هذه الشهوات الهابطة الصمغيرة، التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة! وهذه الأوضاع، التي تنشأ في الأرض منظورًا فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان، بلا عدل ولا رحمة، ولا قسط ولا ميزان. . . إلّا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضًا، وتصارع الطبقات بعضها بعضًا، وتصارع الأجناس بعضها بعضًا. . . وينطلق
_________________
(١) في ظلال القرآن ٢/ ١٠٧٠.
[ ٢ / ١٤١٩ ]
الكل في الغابة انطلاقًا لا يرتفع كثيرًا على انطلاق الوحوش والغيلان! كما نشهد اليوم في عالم "الحضارة" في كل مكان. . كان اللَّه -سبحانه- يعلم هذا كله، ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية، وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية. . أن هذه الأمة لا يُمكن أن تؤدي واجبها هذا إلّا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة. . من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة. . أولًا لأنها حقيقة، واللَّه يقص الحق، وثانيًا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان: تصورًا واعتقادًا، وخلقًا وسلوكًا وشريعة ونظامًا) (^١).
من هنا يُمكن أن نتبين الفرق الهائل والبون الشاسع بين عقيدة أهل الإسلام وعقيدة أهل الإلحاد والمادية، فرق في التصور والشعور والفكر والاعتقاد والأعمال والعلاقات والمناشط، فرق بين حياة الإنسان المكرم والحيوان المهان، وفرق بين التصور القائم على الحق واليقين والموصل إلى الخير والصلاح، والتصور القائم على الجحد والنكران والموصل إلى الخسارة والضياع.
وإذا أردنا تصور بعض تفاصيل هذا الفرق بين التصورين فلنقرأ التحليل النقدي الحداثي الذي صاغه إحسان عباس في القصل المسمى "الموقف من الزمن" سواء في المقدمة التي قدم بها ونقلنا مقاطع منها أو في الدراسة التي أجراها لقصيدة "نهر الرماد" لخليل حاوي ولقصيدة "في المغرب العربي" للسياب، ولمقاطع لنازك الملائكة التي يرى إحسان عباس أنها في كلامها: (تنتقل من الفكرة الميتافيزيقية للزمن) (^٢)، وأن (. . . الأمس في شعر نازك -في أغلب المواقف- ميت "جثة الماضي الغريق"، لا يُمكن إحياؤه أو بعثه) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ١٠٧٠ - ١٠٧١.
(٢) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ٧٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٧٦.
[ ٢ / ١٤٢٠ ]
ثم لمقاطع من كلام أدونيس التي يرى إحسان عباس أن شخصياته التي وظفها في شعره شخصيات خالدة لا تفنى ولا تتبدل، تستعصي على الموت، ويضرب لذلك مثالًا بزيد بن الحسين ومهيار (^١)، ويلخص إحسان عباس عقيدة أدونيس الدهرية في قوله: (ليس للزمن وجود ذاتي متميز عند أدونيس، وإنّما هو مجال، ساحة لدينامية الإنسان امتداد. . . إنه لا يحاول أن يرى سوى الصيرورة المستمرة وحياة التحولات في أقاليم الليل والنهار، إن أدونيس لا يبحث زمنًا ضائعًا. . . وإنّما يلاحق زمنًا لم يولد بعد، بل إن قولنا: لم يولد بعد مجاز؛ لأن الإنسان متحد به، وهو في صيرورته المستمرة يرسم له أبعاده) (^٢).
ثم يشخص هذا التصور عند أدونيس في "مهيار" الذي يرى إحسان عباس أنه قد أصبح عند أدونيس "إلهًا" له قدرة على توجيه الحياة الإنسانية، وتكييف الإنسان بقدرة يسميها الناس خارقة (^٣).
ويلخص إحسان عباس دراسته للزمن عند هؤلاء وغيرهم في الفرق بين الزمن الرومنطيقي الخالص وأحيانًا الميتافيزيقي كما هو الحال عند نازك والسياب، وبين زمن قائم على الصيرورة المستمرة، يفعل فيه الإنسان ويتفاعل به (^٤).
هذه الملخصات الاعتقادية التي حشدها إحسان عباس واستشهد لها من كلام كبار رؤوس الحداثة تدلنا بجلاء على مدى التباين بين عقيدة الإسلام نحو الزمان في الدنيا والآخرة، وعقيدة الحداثة نحو الزمان الدنيوي السرمدي المتواصل المتحول الذي لا ينتهي مطلقًا!! وهي العقيدة التي أوصلتهم في ختام الأمر إلى هذا التلبط الهابط بالدنيا وما فيها، وهذا الارتكاس الأهوج في الأعمال والسلوك والأخلاق، لقد أصبحوا بهذه العقيدة الباطلة سجناء
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ٨١.
(٢) المصدر السابق: ص ٨١ - ٨٢.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٨٢.
(٤) المصدر السابق: ص ٨٧.
[ ٢ / ١٤٢١ ]
سجن متعدد الجدران، ابتداء بهذه الجبرية المادية التي وضعوها في عقولهم، ومرورًا بالحتميات المادية فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو طبقية، وانتهاء بسجون النظم والمذاهب والشهوات والشبهات، فهم في غيهم يضطربون وفي ظلامهم يعمهون ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (^١).
وأدلة هذه الظلمات التي يعيشونها ويقولونها كثيرة في أعمالهم، وهنا سوف أسرد جملة من الشواهد على زعمهم أبدية الدنيا أو بعض ما فيها، فمن ذلك قول أدونيس الذي نقلناه آنفًا حيث جعل من عيوب المجتمع العربي الإيمان بالآخرة لا بالدنيا (^٢)، وجعل من عيوب التراث امتلاؤه وارتباطه بالإيمان بالآخرة (^٣).
وله في هذا الإطار إيماءات عديدة منها المقاطع التي سماها "قصائد لا تنتهي" (^٤) وهو تعبير يتفق مع عقيدة اللادينية الدنيوية، حيث يتضمن هذا التعبير الوهم القائل بخلود الشعر الحديث والشاعر الحداثي، خاصة إذا أخذ في سياق عقيدته الجاحدة للآخرة والمؤمنة بالدنيا فحسب.
ومن تعبيراته الدنيوية الدهرية قوله تحت عنوان "مزامير الإله الضائع":
(هذا الجسد
سحر أغوى الأرض
_________________
(١) الآيتان ٣٩ - ٤٠ من سورة النور.
(٢) انظر: زمن الشعر: ص ٦٧.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٧٧.
(٤) الأعمال الشعرية الكاملة ١/ ٦٥.
[ ٢ / ١٤٢٢ ]
ألا ترضى
ولهيب تشه لا يبترد
من أطفال الجسد الأبد
فيه نغرس، فيه نقطف
فيه ما لا يعرف، يعرف) (^١).
ومن هذا النمط الجاهلي الهابط المنحدر قول يوسف الخال: (وإذا فقد الإنسان سندًا له في نظام "إلهي" أبدي، يرئسه (^٢) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لاستئناف لأحكامه إلى سلطة عليا) (^٣).
وقوله:
(. . . والربيع مقبل
لابد مقبل
من الحقول والقبور مقبل
فالموت والحياة واحد
والأرض وحدها البقاء) (^٤).
وقوله:
(هذه الهنيهة التي نعبثها
هي الحياة كلها
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢١٣.
(٢) هكذا والصواب: يرأسه.
(٣) نحو أدب عربي حديث مقال في مجلة أدب، المجلد الثاني، العدد الأول شتاء ١٩٦٣ م/ ١٣٨٢ هـ: ص ٩.
(٤) الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص ٢١٣.
[ ٢ / ١٤٢٣ ]
هي الأنا والأنت يا حبيبتي
وما الوراء إلا ظلمة
كالموت، كالإله لا نعرفها) (^١).
وقوله:
(أنا خالد فكيف تريدني أن أتبع؟) (^٢).
ومن هذا القبيل قول البياتي الماركسي المتعصب:
(سيدتي، لم تؤمن، حتى الآن بأن الأرض تدور
وبأنا ذرات، لا تفنى، سابحة في النور) (^٣).
أمَّا الشيوعي الفلسطيني والحداثي الشهير: سميح القاسم فإنه يصرح باعتقاده الدهري في قوله:
(سل جدك المحدودب الأعمى
وسل أبويك، هدهما العذاب وقوست ظهريهما
عجلات شيء واسمه الدهر
الذي لا ينتهي) (^٤).
وفي موضع آخر يتبجح بإلحاده مفاخرًا بالشيوعية التي يعدها نهارًا وتقدمًا، ويعد الإسلام والإيمان بالآخرة تخلفًا ورجعية وليلًا دامسًا وانغلاقًا، في سياق مادي يقدس الإنسان ومشيئته التي -يراها حسب منظوره الجاهلي
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٥٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٨٥.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ٤٣٥.
(٤) ديوان سميح القاسم: ص ٣٠٧.
[ ٢ / ١٤٢٤ ]
- أنها لا تهزم ولا تذوي ولا تهرم، والتي من أجلها يكره الآخرة -إن كان يؤمن بالآخرة-، ويعشق الدنيا والحياة فيها، على سنن الدهريين من قديم الزمان إلى اليوم، كل ذلك في قوله:
(وما لليل لا يفهم
بأن الشمس لا تلجم
وأن المارد الجبار سوف يهشم القمم (^١)
وما لنبوخذ المأفون لا يقنع
بأن جذورنا في الأرض راسخة. . ولن تقلع
وأن مشيئة الإنسان لا تذوي. . ولا تهرم
واني أكره الأخرى
وأعشق أعشق الدنيا
وإني شئت أن أحيا! وأن أحيا!) (^٢).
قال اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ (^٤).
_________________
(١) هكذا في المطبوع ولعل مراده القمقم.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٨٩.
(٣) الآيتان ٧ - ٨ من سورة يونس.
(٤) الآية ٢١٢ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٤٢٥ ]
ويلخص الملحد علاء حامد آراء أساتذته وأقرانه من الحداثيين في روايته مسافة في عقل رجل، فيقول بعد أن يجحد وجود الجنة والنار، وأن ما ذكر عنها لم يعد يهتز وجدان الإنسان العصري (لأن تلك الجنة لم تعد تغريه ولا النار ترتعد منها فرائصه، إئما أصبح الحديث عن أي منهما في إحدى دور العبادة ومضة برق سرعان ما تختفي وسط شواغل الإنسان اليومية.
لم يعد هذا مقنعًا في عصر أصبح العقل فيه سيد الموقف لذلك لم تبقى (^١) أمام اقناع الإنسان سوى طريق واحد، وعد في جنة أرضية واقعية يقطف ثمارها وهو حي يرزق، واحة سلام يجد فيها متعة الجسمية والعقلية والعاطفية، يعثر فيها على سلام نفسه المفقود، يجد ذاته من خلال البحث المضني، يرمي بأثقال الحياة التي تقيد حركة عقله وفكره، جنة يجد فيها الحب والمرح والسعادة) (^٢).
ولا أجد أبلغ في الرد على هذه السخافات الظاهرة لكل ذي عقل من قوله تعالى: ﴿. . . وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾ (^٣).
وقوله -جَلَّ في عُلَاهُ-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
_________________
(١) هكذا والصواب لم تبق والرواية خبيثة المعنى وركيكة المبنى مليئة بالأخطاء النحوية والإملائية مما يدل على مستوى صاحبها.
(٢) مسافة في عقل رجل: ص ٧. وانظر نحو هذا في: ص ١١، ١٨، ١١٢.
(٣) الآيتان ٢ - ٣ من سورة إبراهيم.
[ ٢ / ١٤٢٦ ]
وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾ (^١).
وقد يعترض معترض على هذه الطريقة في الرد على هؤلاء، ويقول بأن الأولى أن يحاكم إلى العقل والمنطق المجرد؛ لأن الملحد لا يؤمن بالدليل!!.
وأقول بأن هذا القول وأشباهه كثير عند الحداثيين وهو لا يستحق المجادلة بالحجة والدليل العقلي والحسي؛ لكونه خلوًا من البراهين والأدلة، وهو في الوقت نفسه يطفح بالدعاوي والتكذيبات والشكوك المجردة، وهذه لا تستحق نقاشًا ولا جدالًا، ثم إن من مقاصد هذا الكتاب بيان أن عقيدة الحداثيين العرب غير عقيدة الإسلام، بل هي نقيض صريح لكل الإسلام، وما علاء حامد الذي رفع الحداثيون ألوية الدفاع إلّا صورة ملخصة لآرائهم وعقائدهم، ومن لم يقل منهم يمثل أقواله فلا شك أنه يدافع عنه تحت حجة حرية الرأي والفكر، وهذا ما لم يسلم منه أي حداثي في أي بلد، وكفى بذلك إثمًا وكفرًا مبينًا، ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (^٢).
ومن تلخيصات علاء حامد لعقائد الزمرة الحداثية قوله مفسرًا ظاهرة الحياة الموت: (الإنسان لا يموت بل يهدم، مثل الإنسان في هذا مثل أي صناعة تقوم على نظرية علمية، فالتلفزيون والثلاجة والمصباح الكهربائي والصاروخ كلها مخترعات تقوم على نظريات علمية. . . وما التطور الحادث في مجال المخترعات إلّا تعبيرًا عن التطور الحادث في النظرية الإنسانية، الفرق بين كلا النوعين أن تطور المخترعات من ورائه العقل البشري، أمَّا التطور الإنساني فبداخله مولد الطاقة، أي بداخله إمكانات وعوامل تطوره، فالإنسان كصناعة معقدة من اللحظة التي ينشأ فيها إلى اللحظة التي يتم فيها
_________________
(١) الآيات ١٠٤ - ١٠٩ من سورة النحل.
(٢) الآية ٢٢ من سورة المجادلة.
[ ٢ / ١٤٢٧ ]
هدمه هذه الصناعة تقوم على نظرية ترسم كيفية تكوينه واستمراره ثم هدمه نقولها عشرات بل مئات المرات، الإنسان لا يولد بل ينشأ، ثم الإنسان لا يموت بل يهدم؛ لأن الموت فناء، وهنا الموت تحول من مادة إلى أخرى، أي: أنه هدم. . .) (^١).
(لقد قلنا: إن الإنسان يهدم ولا يموت؛ لأن الهدم بقاء وتحول أمّا الموت فهو فناء، والإنسان بعد هدمه يتحول من مادة إلى مادة أخرى ولكنه لا يفنى، وقلنا إن سبب الهدم هو تغلب أسباب الهدم على أسباب البقاء، أعداد رهيبة من المكروبات تحاول هدم الجسد، وفي مقابلها جيوش من الكرات البيضاء تدافع بضراوة، الأول بكل أسلحة الدمار، والثاني بكل تحصيناته الدفاعية الذاتية والخارجية المتمثلة في العقاقير الطبية والتقدم العلمي، ويبقى الجسد أرض المعركة، والصراع بين قوى الهدم والبقاء حتى تنتصر في النهاية قوى الهدم، ليتحول بعد ذلك هذا الجسد إلى مادة أخرى، إذن فالنهاية المحتومة أن تنتصر قوى الهدم، طال الوقت أم قصر، هذه هي الحقيقة التي لا مهرب منها، وليست كما يعزوها كهان الدين لملاك الموت الذي ينتزع الروح من الجسد انتزاعًا متى حان الأجل دون أسباب، والسؤال: هل يُمكن إطالة عمر الإنسان؟ نعم بتقوية دفاعات الجسد ضد قذائف الميكروبات، بل ليس مستبعدًا أن يتقدم العلم خطوة، بل خطوات في مجال تقوية الأساس البنائي للإنسان، أي بتهجينه لنجد أمامنا إنسانًا جديدًا يعمر مئات بل آلاف السنين، وانتصار قوى الهدم ليس سوى تطبيق لنظرية العودة لنقطة البداية -إلى أن يقول: - وهذا يُكمل النظرية القائلة أن المادة لا تفنى بل تتحول، وهو الحادث أيضًا في الجسد الإنساني، فبعد هدمه لا يفنى بل يتحول، ويبدأ هذا التحول بعد الهدم مباشرة) (^٢).
ولولا أن من مهام هذا البحث إثبات مدى الانحراف الاعتقادي فيما يسمى أدب الحداثة، لما قمت به بنقل هذا الهراء والكلام المتهافت، ومن
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ٢١٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٢١٧ - ٢١٨، ونحو هذا في: ص ٢٢٠، ٢٢٢، ٢٢٤.
[ ٢ / ١٤٢٨ ]
فوائد الاطلاع عليه أن الإنسان المسلم يحمد اللَّه على نعمة الإيمان والعقل، ويسأل اللَّه العافية من أن يرد إلى أسفل سافلين كحال هؤلاء الملحدين.
ومن جنس هذا السخف الذي ردده علاء حامد ما ذكره صاحب كتاب "أحاديث عن جبران" في قوله: (إن جبران كان يعتقد بتناسخ الأرواح، فالمرء لا يزول من هذه الدنيا، بل إنه ينتقل منها إلى عدة حيوات، وقد روى لماري هاسكل عن انتقاله هو بالذات مرارًا وتكرارًا فقال: إنه عاش حياة بشرية في الماضي: مرتين في سوريا ومرة في إيطاليا وأخرى في اليونان ومرة في مصر وست مرات أو سبع في بلاد الكلدان وواحدة في كل من الهند وفارس) (^١).
ومن هذا أيضًا ما كتبته صاحبة كتاب "سباحة في بحيرة الشيطان" عن خرافة التقمص، في سياق المقتنع المؤمن بها (^٢).
فواعجبًا لهؤلاء الذين جانبوا الحق والحقيقة والصدق واليقين، وأخذوا الباطل واعتنقوا الضلال والجهل والخرافة، ثم هم مع ذلك يدعون أنهم أرباب العقول وأهل الفكر.
أكاد أسخر منهم ثم تضحكني دعواهم أنهم أصحاب أفكار (^٣).